بأنه لا يمكن التسليم بالوحي والرسل، ثم انطلق في سرد أقوال الغربيين حول الدين في صفحات كثيرة (١) ثم هو يقول مع ذلك: "استعرضنا في الفصول السابقة أشهر المبادئ في الديانة، وشتى النظريات في الطوطمية، مؤملين الوصول إلى حل مقنع في نشأة الدين وتطوره؛ فإذا بنا في سوق كثر فيه الأخذ والرد، وعرضت فيه بضاعات مختلفة الأجناس، متعددة الألوان، لا يعرف المرء أيها يختار، ولكن لابد له من الاختيار. ولقد خرج المتدين على المناقشة والجدال، والقيل والقال، وإيمانه وطيد بخالق العالم، وأراح نفسه وفكره من هذه المشاكل، وتبرم بالعلوم ونظرياتها، زاعمًا أنها عاجزة عن بت أمثال هذه المواضيع. أترى من الحكمة أن نأتي بنظرية جديدة في هذا الباب، بعد أن تبينت لنا صعوبة المسالك؟ أليس من السذاجة أن نتوقع لنفسنا النجاح، حيث مني بالخيبة الثقات في علم الاجتماع؟. . . ." (٢). ومع ذلك فهو يرى المواصلة في هذا الطريق، المعارض لما جاء في الدين، بحجة السير في طريق البحث العلمي.
ولنا مع هذه الشهادة -أن ننظر إلى عمق الأزمة، فمع إدراكه التام بأنه في سوق وليس في ميدان علمي حقيقي, لأن العلم لا يعرف مثل هذه الفوضى؛ ومع ذلك يُلزم نفسه بأن يختار من هذا السوق، فيحبس نفسه في متجر واحد، وهو نوع من التغرب العجيب، ولا ندري كيف يصف تلك النظريات بسوق ثم يصف المتدين بالتبرم من العلم ونظرياته، والحقيقة أن المتدين لا يتبرم بالعلم، وإنما تبرمه من هذه الفوضى التي تزعم العلمية، فالمتدين على الأقل يجد معه من الأصول ما يساعده على حسن التصور وحسن الاختيار وحسن الفهم، وهذا ما لا يجده أمثال هؤلاء ممن يعيشون هذه الأزمة، ومع ذلك يجدون أنفسهم ملزمين بالاختيار، فمن المهم أن يجد المتغربون في هذا الاعتراف الشجاع من أحد الباحثين في الحقل الاجتماعي ما يدفعهم إلى التعقل وتخفيف حدة التغرّب.
وأشارك الباحث المميز "أمزيان" رأيه حول هذه الفوضى، فبعد أن ذكر إحدى عشرة نظرية حول أصل الدين قال: "والمقصود من عرض هذا الموجز هو تأكيد الفكرة التي انطلقنا منها؛ وهي أن الجانب الميتافيزيقي لعلم الاجتماع لا
стр. 1367
يمكن الفصل فيه، ولا يملك علماء الاجتماع الأدوات اللازمة للخوض فيه، وهذا التعارض والتناقض هو دليل قاطع على أن علم الاجتماع ما زال مثقلًا بالآراء الميتافيزيقية والخرافية رغم العلمية التي يدعيها" (١)، ثم بين سبب حرمانهم الاقتراب من الحقيقة بأنه راجع إلى القيد الذي وضعوه، والذي يُلزم الباحث الاجتماعي بعدم قبول الوحي كموجّه للمنهجية الاجتماعية، "في حين إن الوحي وحده هو الذي يستطيع أن يقدم كشفًا كاملًا لهذه الحقائق" (٢)؛ لأن ما يبحثون فيه يدخل في إطار لا يستطيع البشر الوصول إلى نتيجة علمية مقبولة فيه؛ لأنه لا يخضع لأدوات البحث العلمي أو مناهجه، ويبقى القول فيه من باب التخمين الذي يحتاج إلى مصدر خارجي يؤكد صحته.
ومن النتائج الأيدلوجية التي ارتبطت بمبحث أصل الدين: تنبؤ الكثير ممن بحث في أصله بنهاية الدين، وتصريح بعضهم بمستقبل الإلحاد، حيث يسود عندهم ربط نشأة الدين بعدم الوعي والجهل الذي صاحب البشرية أول أمرها، ولكن مع الوعي والعلم وإدراك كيف نشأ الدين يصبح مستقبله محسومًا نحو الفناء والاختفاء. ولكن التطورات التي وقعت داخل ميدان علم الاجتماع ذاته، والواقع الذي تشهده المجتمعات المعاصرة؛ يدلان على انهيار تلك المقولة، فعلم الاجتماع مع بعض رموزه يؤكد بأن الدين وجد ليبقى، ولا يمكن تصور يوم يكون الناس فيه دون دين، كما أن واقع المجتمعات يشهد بعودة نحو الدين، بما في ذلك المجتمعات العلمانية، حتى تلك البلاد التي تبنّت النموذج الإلحادي عقيدةً رسميةً لسنين، حيث انهار نموذجها الشيوعي الإلحادي، وظهرت علامات التدين والعودة للدين في تلك البلاد.
عندها تحول علم الاجتماع إلى ميدان آخر، فترك البحث في "أصل الدين" وانتقل إلى دراسة "وظيفة الدين"، وهذا موضوع الفقرة الآتية.
٣ - وظيفة الدين:
يبحث علم الاجتماع الوظيفي في الوظائف التي تقوم بها أعضاء المجتمع،
стр. 1368
وذلك أن مصطلح "وظيفة" قد اكتسب مضامينه من التطور الحاصل في العلوم البيولوجية، ولاسيّما في الربع الأخير من القرن التاسع عشر من خلال التمييز بين "الأعضاء والأدوات والوظائف" من جهة، "وكيفية اشتغال كل منها وعلاقة بعضها ببعض من جهة ثانية"، بحيث تقوم كل أداة بوظيفة غايتها المحافظة على توازن الجسم.
وقد نُقل هذا التصور إلى المجتمع بافتراض تشابهه مع الكائن العضوي، فعرض إمكانية دراسة المجتمع المكون من أجزاء مختلفة وتحليله، ودور هذه الأجزاء داخل الكل (١).
وقد كانت "النظرية التطورية" هي الأسبق في الظهور والأكثر شهرة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ثم أعقبها ظهور "الوظيفية"، ولهذا كانت الدراسات المتعلقة بالدين في المرحلة الأولى من علم الاجتماع خاصة بأصل الدين ونشأته وتطوره، ومع بروز "الوظيفية" تحول البحث الاجتماعي إلى دراسة وظيفة الدين، "ويكاد يكون التصور الوظيفي مختلفًا عن دراسات المنظرين الأوائل الذين اهتموا بأصل الدين بحسب كلام الهرماسي، لذلك قلَّت اهتمامات المنظرين الأوائل بدور الدين في المجتمع بخلاف الدراسات الحديثة التي ركزت على وظيفية الدين إلى حد إهمال الجوانب اللاوظيفية" (٢)، وهذا أيضًا ما يقوله اجتماعي آخر من خلوّ الدراسات الأولى عن الدين من الاهتمام بدوره في المجتمع، واعتبر "دوركايم" أول من ركز على الوظيفية الاجتماعية للدين (٣). أما الدكتور "حسين رشوان" فيضع تاريخًا هو ١٩٤٠ م لتركيز البحوث والدراسات "على وظائف الدين. وأصبحت النظرة إلى الدين ليس على أساس صِدْقه أو زيفه؛ وإنما على أساس أنه ظاهرة اجتماعية" (٤).
ويذكر الاجتماعي "حيدر علي" بأن الدراسات الغربية في علم اجتماع
стр. 1369
الدين عملت منذ مدة على تحديد ميدان الدراسة وتعريفه، وأنها تنحصر في تيارين: تيار يمكن تسميته تيار المنهج الجدلي، وتيار وظيفي، و"الوظيفي" "يتجه مباشرة إلى البحث عن الوظائف أو الأدوار التي يقوم بها الدين داخل المجتمع، وأثره في بعض النظم والمؤسسات الاجتماعية القائمة، أو في عمليات التغير الاجتماعي سلبًا وإيجابًا. ويمتد هذا الاتجاه إلى دوركايم وكتاباته عن أثر الدين في التماسك الاجتماعي. ."، إلى أن قال: "من الملاحظ أن علم الاجتماع في الوطن العربي، حين يتطرق إلى الظاهرة الدينية، يقصر نفسه على الاتجاه الوظيفي أو الخاص بأثر الدين في بقية الظواهر أو التغيرات الحادثة. ." (١).
يعد كتاب: "الدين في المجتمع العربي" الذي جمع عددًا من الاجتماعيين العرب أبرز النماذج على تطبيق المنحى الوظيفي في دراسة الدين، ومع وجود مشاركين من تيارات أخرى، إلا أن أغلب الدراسات في هذا الكتاب تلتزم بالجانب الوظيفي.
ويتذرع بعضهم بمقولة التقسيم بين جوهر الدين وواقعه، بين جوهر الدين الذي لا يدخل في دراسته وبين الواقع الاجتماعي له؛ أي: في صورته الاجتماعية بعيدًا عن أي ربط بأصله الذي جاء به الرسول ﷺ ، وقد سبق الوقوف مع هذه الذريعة، وأنها أقرب إلى الادعاء. ثم إن أغلبهم يتبع حذو القذة بالقذة الطريقة الغربية، وهي منهجية لا تُسلّم مع أكثر منظريها وأهمهم بحقيقةٍ سماوية للدين، الدين عندهم كما في الفقرة الأولى منتج اجتماعي، ولهذا يغلب عليهم دراسة الدين على أنه يقوم بدورين: دور إيجابي، وهو قليل ونادر، وربما لم يعد له وجود، ودور سلبي، وهو الأكثر الذي تركز عليه دراسات الكتاب المذكور، وتجد بعضهم يصرح بمصدر عقدي لهذه الأدوار السلبية.
وبما أن القوم لا يفرقون بين الدين الحق مع وجوده في الواقع -بحيث لا تصلح مقولة التقسيم بين جوهره وواقعه- ولا بين المبدل أو الوضعي المخترع الموجود أيضًا، فالدين الحق هو خير كله ولا يأتي منه إلا الخير، أما الدين المبدل أو المبتدع أو المخترع الموجود أيضًا فهو ضلال وانحراف، وإن توهم أتباعه فيه الخير أو حصلوا على بعض المنافع؛ فإن ضرره هو المتحتم. كما أنه
стр. 1370
لا ينفع صاحبه في الآخرة، وهذا الجانب لا يهتم به هؤلاء النخبة من العلماء وكأنهم لا ينتمون إلى الإِسلام أو يعرفونه.
انساق الاجتماعيون العرب خلف الغربيين عندما درسوا الكنيسة ووظائفها وأدوارها وطقوسها وأسرارها وأدخنتها والعشاء والصلب واللباس وغيرها من الأوصاف والوظائف، وهي أمور تمتلئ بها الكنيسة ولا يعرفها الإِسلام ولا يقرّ بها، فيأتي هؤلاء المقلدون باستنساخ ذلك النموذج ليطبقوه على الإِسلام، حتى إن منهم من يسمي المسجد بالكنيسة فلا يكلف نفسه حتى تغيير مصطلح مكان العبادة. ومن المعلوم أن الدين في الغرب أصبح ممثلًا في الكنيسة فقط، وهي جزء مستقل لا علاقة لها ببقية المجتمع، ولا يمكن بحال قياس الإِسلام عليها بما له من شمولية تغطي جميع شؤون المجتمع المسلم.
وينساق الاجتماعيون العرب في تصوير الدين: عقائده وشرائعه وآدابه وكأنها "منتج اجتماعي" هدفه بحسب رؤية "دوركايم" الضبط الاجتماعي، فلا ينظر للعقائد والشرائع إلا في دورها في حفظ توازن المجتمع؛ أي: أن المجتمع -بحسب رؤية دوركايم- أوجد مثل هذه الأصول والعقائد والشرائع لضبط توازنه، وهذا ما جعل أصحاب النظرية "الصراعية" يرون في النظرية "الوظيفية" نظرية تحافظ على الثبات وتمنع التغير والتطور الاجتماعي. وما يهمنا هو تحويل العقائد إلى تصور اجتماعي هدفها فقط حفظ توازن المجتمع وكأنها لا حقيقة لها فوق ذلك.
يتحدث -مثلًا- "الهرماسي" عن أهم وظائف الدين:
١ - التذكير بحياة بعد الموت من شأنه أن يوفر للناس العون والمواساة، ويجعلهم قادرين على تحمل الخيبة والأسى، ويحول دون اليأس ..
٢ - يقدم الدين علاقة علوية عبر العبادة والطقوس، فيوفر قاعدة وجدانية لإعادة الأمن وتمنح الفرد إمكانية التوازن ..
٣ - يعمل الدين على تقديس نظام القيم والمعايير للمجتمع، بحيث يضمن أهداف المجموعة متجاوزًا رغبات الفرد الضيقة، ويضمن الانضباط الجماعي .. (١).
стр. 1371
نلاحظ في الأول تعلقه باليوم الآخر، والثاني تعلقه بالإيمان بالله وعبادته، وفي الثالث بباب القيم والشرائع، ولا شك أنها تمنح المؤمن بها والعامل بمقتضاها ما قاله وفوق ذلك، إلا أن نظرة الباحث الاجتماعي لهذه الأصول ليس على أنها عقائد أو دين؛ وإنما على أساس أنها أدوات تقوم بأداء وظائف كما تقوم الأعضاء في جسم الإنسان بوظائفها, ولهذا يتحاشون ذكر المسميات الدينية عن تلك الأصول، فنجده مثلًا ينتقل مباشرة من تلك الوظائف الأساسية إلى وظائف سلبية للدين، وهي غالبًا ما تكون مشتركة عند أغلب من كتب في وظائف الدين السلبية تقليدًا للمدارس الغربية الوظيفية، ومما ذكره:
١ - يقوم الدين بضبط سلوك الشرائح المحرومة، مما يجعله عاملًا محافظًا على الوضع الراهن، فيمنع قوى الاحتجاج من التطور وقدرتها على التغيير، ويكون بهذا أفيون الشعوب ومخدرًا لها بحسب ماركس (١). وسار على هذا المنحى أيضًا "عاطف غضيبات" في أثناء حديثه عن الدين كعائق عن التقدم بما يضفيه من شرعية على الوضع العام (٢).
٢ - قيامها بوضع التقديس على آراء ظرفية ومواقف محلية، مما يجعله مانعًا من التقدم المعرفي؛ لأن المعارف الجديدة ستتعارض مع تلك الأفكار الظرفية التي أُحيطت بالتقديس، كما حصل مثلًا مع جاليلو في مسألة دوران الأرض حول الشمس (٣)، وقد سبق في فصول الباب الأول بأن هذا لم يقع في الإِسلام، ولا يعرف الإِسلام تقديس آراء ظرفية قابلة للتغيير، ولكن نزعة نقل الأحكام المنطبقة على الأديان المبدلة أو المخترعة سائدة عند المتغربين في الحقل الاجتماعي.
٣ - أن الدين يسوّغ التمايز الطبقي، وذلك عبر تسويغه الفقر والغنى.
٤ - أن الدين سوغ الوقوع في الوعي الزائف، فهو يجذب الأفراد بعيدًا عن واقعهم الاجتماعي وظروفهم الموضوعية، ويظهر ذلك في التصوف والدروشة (٤).
стр. 1372
يتضح من الأول والثالث والرابع بُعْده الماركسي، على أن هؤلاء الباحثين عند حديثهم عن وظائف الدين ينجذبون أكثر إلى الأمثلة التي توافق رغباتهم وأهواءهم، بحيث تبقى الأصول التي نقلوها سليمة، وليس المهم صحة الشواهد بقدر ما المهم المحافظة على تلك الأصول المنقولة كما هي، وإلا فإن الدين لا يسوّغ الوقوع في الوعي الزائف، ولا يصح الاستدلال بالدروشة والتصوف على أنه من الأثر الوظيفي للدين، فلابد أن يوجد منهجية علمية صحيحة تفرق بين المختلفات، بين الدين الحق وبين ما ابتُدع فيه، فلا يصح القول بأن الدين هو الذي يسوغ الوقوع في الوعي الزائف، فهذا الحكم العام لا يصح إلا إذا كان هذا هو دور الدين فعلًا، بينما هو في الحقيقة دور التصوف أو القبورية.
ومثل هذا القول غير جديد في جوهره وإن انتسب للعلم الحديث ونظرياته، فجوهره أن الدين ليس له حقائقه الموضوعية ولكنه يؤدي وظائف اجتماعية، فهذا القول هو نفس قول أصحاب منهجية "الوهم والتخييل" وهم "الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل عن الملائكة، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيمًا محسوسًا، وعقابًا محسوسًا، وإن كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به ويتخيلون أن الأمر هكذا، وإن كان هذا كذبًا فهو كذب لمصلحة الجمهور، إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق" (١).
وقد ننتظر بعد أن أشبع هؤلاء الباحثون الجانب السلبي للدين أن نجد اعترافًا بدوره الإيجابي، ومع ذلك لا نجده، ففي بحث عاطف غضيبات عن "الدين والتغير الاجتماعي. ." ذكر أن الدين يكون في صور عائقًا -والأصح أن البدع أو الدين المبدل أو المخترع هو الذي يقف عائقًا- ويكون في صور محركًا مهمًا للتغير الاجتماعي، ثم حاولت أن أجد صورة لدوره المهم فإذا هو يتحول إلى دور سلبي، ولا أدري كيف يرتبط المحتوى بالعنوان، حيث تحول حديثه عن الحركات الإِسلامية وأنها جاءت وليدة أزمة، وأنها بسبب انطلاقها من موقع ديني
стр. 1373
جعلها تتجه للماضي بدلًا من الاتجاه للمستقبل (١)، فأصبح الدين ذا وظيفة سلبية في الجانبين. ولا شك أن من يتحرك مع الإطار العلماني الغربي لا يستطيع التسليم بسهولة بأثر إيجابي للدين، ولاسيّما إذا تذكرنا بأن "المنظور الوظيفي للدين الذي يعترف بوظيفية الدين في المجتمع. . . . ينكر حقيقته في نفس الوقت" (٢)، فإن "محاولات الدفاع عن الدين عند علماء الاجتماع في الغرب والتي تبعهم فيها رجالنا، لا ترفع الدين أبدًا على أنه وحي من الله، بل تتفق جميعها على إنكار العالم العلوي والغيبي، وتنظر إلى الدين على أنه ضرورة نفسية اجتماعية ووهم لابد منه" (٣).
٤ - مفهوم البطركية:
المثال التالي مثال مراوغ في نقده الدين تحت مظلة علم الاجتماع، وهو هشام شرابي، فقد اشتهر بتبنيه مصطلحًا اجتماعيًا هو "البطركية" مسقطًا هذا المصطلح على الثقافة العربية وعلى الاتجاهات المحافظة وعلى الاتجاه المتدين، وهو يقصد به النظام الأبوي الذي يسيطر فيه الذكر أو الأب على المجتمع وعلى الثقافة، ومن كتبه "البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر، النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي، فضلًا عن بحوث بهذا العنوان ضمن بقية كتبه"، وليس المقصود مناقشة هذا المصطلح بكل متعلقاته، وإنما المراد الحديث عن استخدامه العلوم الاجتماعية ومفاهيمها كأداة في تحليل أو نقد المجتمع المسلم.
ومن بين القضايا التي بحثها من خلال هذا المفهوم: العائلة ووضع المرأة، ونظره للاتجاه الإِسلامي الذي يريد العودة للإسلام بأنه نموذج بطركي، بل حتى أولئك الذين يميلون إلى الجمع بين الإِسلام والحداثة في صور توفيقية، هم نوع من البطركية ولكنها أخف من السابقة (٤). وفي المقابل وضع سبيل النجاة
стр. 1374
والتقدم والقوة والحرية والحداثة مرتبطًا بالانعتاق من البطركية أي من هذا النظام الأبوي.
وهو في حقيقة موقفه يجعل الإِسلام ضمن هذا المعنى، فهو بصورة أو أخرى نظام بطركي، وقد مر بتحولات في ذكر البديل الذي يطرحه عن هذا النظام البطركي، فمرة كان مع الثقافة الغربية الأمريكية كما ذكر ذلك في الجمر والرماد، ومرة وهي الأطول وربما الأعمق مع الماركسية (١)، وقد أضاف لها النقد النسوي المعاصر (٢) حيث يذكر أن نقد المرحلة القادمة هو في نقد النظام الأبوي البطركي الذي يتميز "بسحق المرأة وتأكيده على السلطة الذكورية في العائلة والمجتمع" (٣)، فهذه هي البدائل التي يقدمها, ولا شك أنه هنا يستخدم هذه الأداة وهذا المفهوم قصد الانعتاق من الإِسلام، وإن أراد المحافظة على شيء من التراث فهو شيء من العروبة تحت تأثير انتمائه فترة زمنية لأحد الأحزاب، وهو "الحزب القومي السوري"، أما ما عدا ذلك من أمور الإِسلام فهي عنده في حكم النظام الأبوي.
٥ - التعامل الموسع مع العلوم الاجتماعية:
نختم بنموذج موسع للتعامل مع العلوم الاجتماعية، حيث نجد أسماء اجتماعية من كونت إلى دوركايم والمدرسة الوضعية مع ماركس والمدرسة الماركسية، مع مدارس التفسير والتأويل المختلفة، وهذا النموذج هو حسن حنفي.
نجد مرجعية كبيرة عند حسن حنفي للتعامل مع التراث والدين والنصوص، بعضها ذكرها في مقدمته لكتاب إسبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة"، وأخرى في كتابه "التراث والتجديد"، وثالثة في "تطور الفكر الديني الغربي"، ومن أهم ما نجده موضحًا لتلك المرجعية ما ذكره في كتابه "دراسات فلسفية" مثل موضوع "الاغتراب الديني عند فيورباخ" و"مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية" و"قراءة النص"، ففي هذه المرجعيات المختلفة نجد العلوم الاجتماعية بأشكاله المختلفة
стр. 1375
والخلاصات التي يأخذها ويطبقها على الإِسلام.
يقول: "أصبح علم التفسير جامعًا لعدة علوم مثل علم النفس وعلم اللغة وعلم الاجتماع، كما أصبح عصبًا لنظريات المعرفة والوجود والقيم على حد سواء. أصبحت مهمة التفسير إقامة جسور بين الله والإنسان، بين الماضي والحاضر، بين الذات والموضوع، بين اللفظ والمعنى، بين العلم والدين، بين الأسطورة والواقع، بين الكتاب المقدس والدعاية، لا فرق في ذلك بين نص أدبي أو نص ديني. وتم اكتشاف الوجود الإنساني باعتباره تفسيرًا يرجع إليه تفسير النص" (١)، ويصرح بأن مسائل التوحيد أصبحت موضوعًا "لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة" (٢)، وقد كون حسن حنفي من خلال هذه المواد منهجيته في تفسير الإِسلام وتفسير الدين عمومًا.
والناظر إلى صور التطبيقات يجد صورة خطيرة وانحرافًا واسعًا في باب تصوره للدين، وهذا الباب لا يختلف عن التصور الفيورباخي" الذي ذُكر أول الفصل، الذي يتمثل في تحويل كل الدين من ارتباطه بالإله إلى الإنسان، وفي ذلك يقول: "وبالتالي يمكن نقل عصرنا من مرحلة التمركز حول الله وهي المرحلة القديمة إلى مرحلة التمركز حول الإنسان وهي المرحلة الحالية. . . . وتلك هي مهمة "التراث والتجديد" في أول محاولاته من أجل إعادة بناء علم أصول الدين على أنه "علم الإنسان"" (٣)، وقدم نموذجًا تطبيقيًا خطيرًا في كتابه الكبير "من العقيدة إلى الثورة" حيث حول كل العقائد لترتبط حسب تصوره بالإنسان بعد أن كانت مهمومة بأمور غيبية.
ومعلوم أن هذه الطريقة تلغي الدين تمامًا، فبدل أن تكون دراسة علمية للدين مستعينة بالمناهج العلمية الحديثة تحولت لعملية تمسخ الدين، وتلغيه، وتبدله، بل وتتلاعب به، وبهذا تتحول هذه العلوم الحديثة إلى أداة هدم للدين، وهذا يعني أن هذه المنهجيات مخترقة من قبل الروح العلمانية المعادية للدين.
стр. 1376
وفي الختام، فمن الواضح أن المتغربين قد انخرطوا في نفس المسار الذي سار عليه علم الاجتماع في الغرب من جهة بحوثه حول الدين، وهو إطار مشبع -في الغرب- بالعلمنة والإلحاد والرؤية المادية، ولم ينجح العرب المتغربون في الانفكاك عنه، فظهرت بحوثهم حول الدين متأثرة بذلك الإطار، فحولوا الدين إلى ظاهرة اجتماعية، واستبعدوا الجانب الإلهي، وجعلوا بعض البدع وسيلة لتعميم أحكامهم السقيمة على دين الإِسلام. وظهرت مشكلة المتغربين أصحاب الدعاوى العلمية، فمع الدارونيين يكون أصل الدين راجعًا إلى الطبيعة والمادة، ومع المتغربين من علم النفس مصدره نفسي لا شعوري، ومع المتغربين في علم الاجتماع يكون مصدره المجتمع، وغفلوا أو تغافلوا عن الفرق بين الدين الحق وأديان الباطل.
стр. 1377
الخاتمة
وبعد هذه الرحلة الشاقة والطويلة مع مشكلات الاتجاه التغريبي مع العلم الحديث ونظرياته، أختم البحث بأهم النتائج:
• الاتجاه التغريبي اتجاه يتميز بتقليد الغرب في الرؤية والتصور والمنهج والتشبه بنمطه الحضاري في الآداب والفنون والحياة، وفي الاتجاه التغريبي تيارات مختلفة، وهو درجات في الغلو.
• العلم الحديث ونظرياته ومناهجه ليس شيئًا واحدًا، بل هو باب واسع، ففيه الحق والباطل، وفيه الحقائق والجائز عقلًا دون إمكانية التحقق منه وفيه المشتبه والملتبس، وفيه الفلسفة والرؤى وفيه العلم.
• مصطلح "الثورة العلمية" يعبر عن مرحلة الانتقال من العلم القديم إلى العلم الحديث، وما نتج عن ذلك من تغير كبير في الحياة الدنيوية من تقدم صناعي وتقني بل وما حدث من تغير حتى في الفكر.
• ظهرت دراسات معاصرة تؤكد نسبية "الثورة العلمية" وأن كثيرًا مما ينسب للثورة العلمية قد ظهر في الحضارة الإِسلامية، ولكنه لم يصل لنتائجه النهائية بسبب عوائق داخلية وخارجية، والباحث يميل لهذا الرأي.
• كان للتخلص من المنهج الأرسطي أثره في قيام المنهج التجريبي وأثره في ظهور التقدم العلمي الحديث.
• كثير من النقد الذي قام به مفكرون غربيون للمنهج الأرسطي قد قام به علماء مسلمون في الحضارة الإِسلامية.
стр. 1378
• تسبب الإصلاح الديني والنهضوي في تحرير العقل وتحرير الإنسان الغربي من سيطرة الإقطاع والكنيسة، ولكن النهضة تسببت في تقديم العلمنة والإلحاد والإنسان المنفلت من كل دين وشرع.
• استفاد الغربيون مما ترجموه عن المسلمين ولاسيّما في أبواب دنياهم بعد إقفالهم باب الانتفاع بالإِسلام، وأهم ما استفادوا وحقق لهم التقدم العلمي: العلوم المهذبة والمبتكرة، المنهج التجريبي، العقلانية العلمية، وقد حرصت دراسات على إخفاء هذا البعد، ومع ذلك فقد ظهرت أخرى حديثة تكشف دور الحضارة الإِسلامية.
• كانت نظرية كوبرنيكوس في الفلك أول نظرية علمية أثارت إشكالًا كبيرًا داخل الفكر الغربي الحديث، ومع علم الفلك انطلق العلم الحديث.
• أظهرت دراسات حديثة أن كثيرًا مما قيل في نظرية الفلك الحديثة قد سُبق إليها في الحضارة الإِسلامية ولاسيّما في مدرسة مراغة الفلكية.
• تسبب الصراع بين أقطاب الحركة العلمية الفلكية الجديدة وبين الكنيسة في إفساد العلاقة بين الدين والعلم، ولاسيّما ما حدث مع جاليليو.
• لعب بيكون وديكارت دورًا كبيرًا في جعل المنهج من صلب الاهتمامات الفكرية، وقد كان للعناية بالمنهج دوره في تقدم الفكر والعلم.
• كانت نظرية نيوتن في الجاذبية في الفيزياء أشهر نظرية بعد نظرية الفلك الحديثة.
• ظهرت تيارات فكرية كبرى بعد نيوتن، بعضها جديد وبعضها اشتهر في هذه الفترة وإن سبق وجودها عصر نيوتن، اعتنت بالعلم وتشبثت بالعلمنة، فظهر معها العلم العلماني، مثل التيار العقلي والتجريبي والنقدي الكانطي والمادي والتنويري، وقد كان لهذا أثره في إفساد العلاقة بين الدين والعلم.
• أسهمت الثورة الفرنسية في تحويل العلمنة إلى مشروع دولة ومجتمع، ومن ذلك علمنة العلم وفتحت المجال لمعادي الدين.
• تعرض الدين في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر لنقد شديد، وظهر الإلحاد كأيدلوجيا جديدة للنخبة المفكرة، وأخذ هؤلاء في سحب العلم ونظرياته نحو المادية والإلحاد.
стр. 1379
• عرف القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تيارات تقدس العلم ونظرياته وتراه البديل عن الدين، مثل الوضعية والدارونية والمادية وغيرها.
• كانت نظرية داروين في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر في الأحياء أشهر نظرية ذات أبعاد كبيرة بعد نظرية الفلك ونظرية نيوتن.
• لقد تسببت نظرية داروين في نقاش موسع عن العلاقة بين الدين والنظريات العلمية، أسفرت نتائجه على مزيد من العلمنة والمادية.
• شهدت نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وأول القرن اللاحق تطورات في علمي الاجتماع والنفس، مكتسية بالرؤية العلمانية السائدة، فجاءت ذات موقف عدائي مع الدين.
• عرف القرن الرابع عشر/ العشرين الميلادي نظريات جديدة في العلوم الطبيعية ذات آثار كبيرة في الفكر، وأهمها نظرية النسبية ونظرية الكم أو الكوانتم.
• كان من أهم آثار النظريات الفيزيائية المعاصرة وقوع تصدع في الفكر المادي الإلحادي، ولكن وقع الإشكال في نظريات العلوم الاجتماعية بسبب وقوع قادتها في الإلحاد.
• وقوع التذبذب بين المادية واللامادية بعد النظريات الجديدة، وبدأ الانكسار التدريجي لإلحاد العلماء.
• العلم كنشاط إنساني يتأثر كأي نشاط إنساني بطبيعة البيئة الثقافية التي ينمو فيها ويتطور، ومن ثم قد ينحرف مع من ينحرف به.
• هناك فرق بين أسباب تقدم العلم وبين أسباب الانحراف به، فأسباب التقدم تؤثر في نمو العلم وتطوره والوصول إلى مكتشفات جديدة أما الانحراف به فتكون بتوجيه العلم بما يخدم الفلسفات والأيدلوجيات العلمانية والمادية، وقد عرف العلم الحديث الأمرين.
• لقد تسببت انحرافات الكنيسة وأخطاؤها الشنيعة في تمكن العلمنة والمادية من ناصية العلم الحديث.
• وجود أخطاء معرفية ضمن اللاهوت النصراني حول الأمور العلمية فسح المجال للعلم المعلمن أن يقدم البدائل حول مجالات كانت من اختصاص الدين، وهذا غير مستغرب من دين انحرف في أعظم مسائل الدين.
стр. 1380
• نجاح العلمنة وتمكنها من الحركة الفكرية والعلمية كان له أثره في تيه المجال العلمي لفترة من الزمن حتى جرّه الاتجاه المادي إليه وأعطاه الأصول الكلية، فتحولت العلمنة من مشروع فصل مزعوم بين الدين والعلم إلى مشروع استبدال مظلة دينية للعلم بمظلة مادية.
• لقد كان لنجاح العلمنة في الوصول للسلطة أثره في تعميم علمنة العلم وإكسابه روحًا جديدة بعيدة عن الدين.
• كسبت المادية كثيرًا من نجاحات العلوم الطبيعية بسبب اتصال العلوم الطبيعية بالمادة، فأخذ الاتجاه المادي بهذه المكاسب نحو صفّه ومستشهدًا بها على صدق المادية.
• تغلغلت الرؤية المادية في كثير من مفاهيم العلوم الطبيعية مثل الطبيعة والحتمية والآلية وغيرها، وأثّر ذلك كثيرًا في مسيرة العلم الحديث ولاسيّما مع الماديين.
• لقد نشط الاتجاه المادي في توجيه كل الحركة العلمية نحو الرؤية المادية، وهي رؤية محاربة بقوة كل ما يتصل بالدين، فكان من عملهم توجيه العلم نحو هدم الدين.
• ارتبطت نجاحات العلم الطبيعي بالاتجاه التجريبي الحسي، فهو اتجاه صبّ اهتمامه في دراسة الطبيعة، وحقق نجاحاته فيها، مما جعله أحد أهم المتحدثين باسم العلم الحديث.
• لقد عَظُمت الطبيعة في نظر الاتجاه الحسي واشتدّت الفتنة بها لدرجة الاكتفاء بها والتكذيب بكل غيب وبكل ما لا يحس، ووظف العلم في ذلك.
• تميز الاتجاه التجريبي الحسي الوضعي بعنايته بالمنهج وتسويره بأسوار تمنع قبول اقتراب الدين من العلم تحت شعارات مختلفة مثل: قانون الحالات الثلاث مع كونت، أو نقد الميتافيزيقا أو مبدأ التحقق مع الوضعية المنطقية.
• كما كان للنصارى أثر في الانحراف بالعلم أول اشتهار نظرياته الطبيعية وذلك بمعارضتهم الحقائق العلمية مما سمح بعد ذلك بدخول كل معارض للدين بدعوى العلمية، فقد كان لليهود بعد زمن أثر في الانحراف بالعلم أول اشتهار نظرياته الاجتماعية وذلك -على العكس من النصارى- بولوعهم بكل
стр. 1381
مخالف للدين من النظريات العلمية في باب العلوم الاجتماعية.
• كان لسبق اليهود إلى ميدان العلوم الاجتماعية أثره في الانحراف بمجال مهم من مجالات العلم، وهو مجال علم النفس وعلم الاجتماع وغرس الرؤية الإلحادية في صلب نظرياته.
• كان العالم على حال ممقوتة قبل بعثة النبي ﷺ ، فانتشر فيه الجهل والظلم بكل أشكالهما إلا من بقايا على الحنفية.
• لقد وقع ببعثة النبي ﷺ انقلاب هائل في كل العالم، فخرج من الظلمات إلى النور، ومن آثار ذلك خروج أمة العلم والعلماء.
• لقد تميزت الحضارة الإِسلامية في العلم تميزًا لا مثيل له، فوصلت بالعلم الديني إلى ذراه العالية، وأكسبت العلم الدنيوي رؤية جديدة ومنهجًا جديدًا.
• نجحت الأمة الإِسلامية في إقامة التوازن بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ونجحت في استيعاب العلوم البشرية دون أن يقع خلل في العلاقة بين العلوم الإِسلامية والعلوم البشرية، فإن ظهر انحراف وجد من العلماء المجتهدين المجددين من يعيد الأمر إلى نصابه.
• عصفت أحداث بالأمة الإِسلامية تسببت في ضعفها وتخلفها فترة من الزمن، وقد جاء البحث عن مخرج من طريقين: طريق إصلاح الدين مع دعاة التجديد الإِسلامي، فبه يكون صلاح الدين والدنيا، وصلاح الدنيا والآخرة، والطريق الثاني مع دعاة التحديث الإسلامي، فركزوا على إصلاح الدنيا دون قصد معارضة الدين.
• جاء طلب العلوم العصرية من خلال مشروعات التحديث.
• ارتبط طلب العلوم العصرية من أجل التحديث بالالتفات نحو الغرب.
• جاءت التجارب الأولى في طلب العلوم العصرية من بلاد إسلامية غير عربية، مثل التجربة العثمانية والتجربة الهندية.
• أول احتكاك فعلي للقسم العربي من البلاد الإِسلامية بالغرب العلماني جاء من خلال حملة نابليون على مصر، ولاسيّما مع الحملة العلمية المصاحبة له.
стр. 1382
• تعرفت النخبة المصرية على المستجدات في العلوم الدنيوية من خلال احتكاكها بالحملة العلمية.
• تُعد تجربة محمد علي والي مصر أول تجربة حقيقية لطلب العلوم العصرية، وفي الوقت نفسه كانت تجربة صعبة واخترقها الأعداء بسهولة.
• أصبحت تجربة محمد علي نموذجًا يحتذى رغم ما فيها من مشكلات.
• ظهرت الصحافة كوسيط بين المجتمع المثقف وبين المعارف الحديثة، وكان إنشاؤها وإدارتها مع النصارى.
• اختلفت أسباب الانحراف بالعلم الحديث داخل البيئة الإِسلامية عن الأسباب في البيئة الغربية، ويعود سبب الاختلاف إلى أنه مع المتغربين كان تقليدًا صرفًا للتجربة الغربية، ومن هنا ظهرت مشكلة التقليد والتشبه عند المتغربين كسبب لكثير من أمراضهم.
• لقد سمح ضعف بعض مؤسسات العلم الإِسلامي أو اختراقها من قبل تصورات صوفية وكلامية بفتح الباب للمتغربين في توجيه العلوم العصرية.
• كانت "المدرسة العصرية" طريق التعرف على العلوم العصرية، ولكن هذه المدرسة قد تسربت الانحرافات إليها بسبب غلبة التوجيه التغريبي لها في بداية ظهورها.
• كانت لسيطرة النصارى المتغربين على الصحافة بداية نشأتها وتعبئتها بمواد فكرية علمانية حول العلم الحديث ومناهجه ونظرياته وعلمائه ذات أثر على نخبة المجتمع.
• قامت الصحافة المتغربة بتيسير الانحرافات وعرضها بلغة بسيطة وجذابة مما سهل انتشار الأفكار المنحرفة.
• تعد التنظيمات الفكرية المتغربة ذات قوة أكبر داخل المجتمع الإِسلامي، بسبب وجود عدد كبير يجمعهم تيار واحد ويتحركون لهدف واحد، وقد ظهرت تنظيمات مشبوهة في العالم الإِسلامي وأسهمت بدور خطير في الانحراف بمسار العلم العصري.
• قامت الماسونية بدور خطير في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، بينما
стр. 1383
تبعتها التنظيمات العلمانية في القرن اللاحق من قومية وليبرالية وماركسية، فقادت العلم العصري نحو مزيد من التغرب والعلمنة.
• لقد كان لنجاح الاستعمار في احتلال بلاد المسلمين دوره الخطير في إفساد مسيرة العلم والتعلم، وذلك أنه بسيطرته على الدولة قد نجح في تعميم علمنة التعليم وزرع المشكلات في طريقه.
• لقد أسفرت الأحداث الجسام التي عصفت بالعالم الإِسلامي عن ظهور بيئة جديدة غربية الهوى علمانية الرؤية، تيسر بقاء الأمراض في المجتمع وتسهم في استمرارها.
• ظهرت اتجاهات فكرية مختلفة حول الموقف من العلوم العصرية والنظريات العلمية المصاحبة لها، بعضها له جذوره الداخلية وبعضها له جذوره الخارجية.
• مشكلة العلاقة بالعلوم البشرية مشكلة قديمة بسبب ما ارتبط بهذه العلوم من مشكلات، ويمثل موقف الغزالي أشهر المواقف القديمة في بحث العلاقة بين الدين والعلوم البشرية.
• أول مشروع فكري حديث ومشهور درس مشكلة العلاقة بين الدين والعلم الحديث ونظرياته هو مشروع الشيخ حسين الجسر، الذي قام على مبدأي التجويز والتأويل، ورغم أهميته فهو لم يخل من مشكلات.
• ظهر الاتجاه السلفي الذي يعود في جذوره القريبة لدعوة الإِمام محمد بن عبد الوهاب وقديمًا إلى شيخ الإِسلام ابن تيمية ومن سار على منهجه، وقد سلم هذا الاتجاه من وجود تعارض بين منهجه والعلوم الصحيحة لبعده عن مشكلات التصوف والكلام التي تتعارض بعض أصولها مع المعارف الصحيحة مما يجعل أهلها في حرج من التعارض معها، وقد تميز الاتجاه السلفي بدعوته إلى أخذ النافع مع تأصيل المعرفة البشرية في البيئة الإِسلامية.
• ظهر الاتجاه العصراني الذي يعود في جذوره القريبة إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأمثالهما وقديمًا إلى خليط من الفلسفة والاعتزال والكلام، وقد وقف هذا الاتجاه أمام هجمة التغريب وتصدى لحملاتها ولكنه فشل في مواجهة مشكلات العلوم العصرية ونظرياتها بسبب تساهله مع منهجية
стр. 1384
التوفيق بين الدين والنظريات العلمية واستسهاله إعمال أداة التأويل.
• ظهر الاتجاه التغريبي الذي يعود في جذوره القريبة إلى نفر قليل من النصارى تمكنوا من مؤسسات علمية وسياسية وإعلامية، وكانت دعوته تقوم على اتباع الغرب شبرًا بشبر وذراعًا بذراع بما في ذلك انحرافاتهم الفكرية والدينية وانحرافاتهم بالعلوم العصرية، وجعل طريقه إلى ذلك الدعوة لعلمنة العلم.
• وقعت صور من الانحراف التغريبي في المنهج وفي المعتقد وفي الشرع تحت دعاوى العلمية.
• من صور الانحراف في المنهج إهمال الوحي أو التكذيب به كأعظم مصدر للمعرفة بحجة أن العلم تقدم بمصادر أخرى بعيدًا عن الوحي.
• من صور الانحراف في المنهج وضع مصادر أخرى للمعرفة العلمية بالدين والحياة كبديل عن الوحي.
• من صور الانحراف في المنهج الغلو في مبدأ الموضوعية لدرجة دعوتهم التخلي عن بابين مهمين للمسلم، المعتقد والقيم بحجة تعارضهما مع مبدأ الموضوعية ومن ثمّ تعارضهما مع العلمية.
• من صور الانحراف في المعتقد تعظيم الحس لدرجة إهمال عقيدة الغيب أو التكذيب به.
• من صور الانحراف في المعتقد وضع أصول يُدّعى علميتها للتكذيب بالغيب، مثل: الطبيعة والصدفة والحسية والأسطورة.
• مجمل الطريقة القرآنية في الرد على منكري الغيب تقوم على تذكير الإنسان بعجائب العالم المخلوق الذي يقود العاقل إلى التسليم بالغيب.
• شهادة العلم العصري تقود للتسليم بالغيب، فما اكتشف عن العالم الصغير في الذرة أو الخلية، وما رصد من العالم الكبير تكشف أن حجم المعلوم نقطة صغيرة مقارنة بحجم الغيب النسبي فكيف بالغيب المطلق.
• من صور الانحراف في المعتقد الادعاء بوجود موضوعات عقدية لم يثبتها العلم الحديث، ومن الأمثلة على ذلك "الملائكة والجن" و"الوحي"، وقد جاء الرد بأن عدم دلالة الدليل المعين لا تعني عدم المدلول المعين، وإنما السؤال: هل يوجد دليل آخر أم لا؟ وقد تبين أن ما ينكرونه قد ثبت بدليل آخر صحيح.
стр. 1385
• من صور الانحراف في المعتقد دعوى وجود نظريات أخرى حول غيبيات دينية وقد لا يشترط المعارضة، ومن الأمثلة على ذلك "بداية الخلق ووجود الكون" و"خلق آدم ﵇ وأصل الإنسان"، وقد جاء الرد بأن ما يذكر في الباب من نظريات هي مما لا يمكن التأكد من صحته، بينما الوحي هو الحق من رب العالمين، فوجب تقديم القطعي على الظني أو الوهمي، وقد لا يحرص أصحاب تلك النظريات على الكذب ولكن لا يوجد عندهم معيار للتحقق بينما هو موجود عند المسلم، وأما ما قويت استدلالاته وظُنّ أنه يوجد تعارض بينه وبين الدين، فهنا يجب الاجتهاد الشرعي من قبل العلماء وذلك باجتماع العلماء من المجالين: العلوم الشرعية والعلوم الدينية.
• من صور الانحراف في المعتقد دعوى مخالفة العلم لأبواب من الغيبيات، وأهم ما يضربونه من مثل هو "المعجزات"، فهم يزعمون أن العلم يثبت عدم إمكانية خرق قوانين الطبيعة، وقد جاء الانحراف في هذا الباب من الاعتقاد بصحة التصور المادي حول الطبيعة وحول السببية الصلبة التي لا خرق لها من جهة، ومن الاعتقاد الفاسد حول حقيقة الربوبية فالرب سبحانه متصف بكمال القدرة والملك، وقد تهاوت تلك المادية من داخل العلم ذاته مع النظريات المعاصرة في علوم الطبيعة وإن كانت ليست هي عمدتنا، فالحق أن سبب الانحراف في هذا الباب راجع إلى مرض الإلحاد، وإلا فمن آمن بالله فمن لوازم الإيمان التسليم بكمال قدرته وملكه.
• من صور الانحراف في الشريعة وضع أصول يُدّعى علميتها للتكذيب بالشرع، مثل: القول بأن الدين ظاهرة اجتماعية مطلقًا، والتطور، ودعوى العلمية وأهمية العلمانية للنظريات الاجتماعية والنسبية.
• من صور الانحراف في الشريعة إهمال الأخلاق الدينية بل تقويضها تحت دعوى النظريات العلمية في ميدان الأخلاق، ثم إذا هي نظريات متعارضة متناقضة يكذب بعضها بعضًا، وكانت النتيجة ضياع الأخلاق، ولاسيّما بعد فصلها عن الشعور بالإيمان بالله والشعور بيوم الجزاء والحساب.
• من صور الانحراف في الشريعة ما وقع حول التداوي والتطبب للأمراض النفسية والجسدية، وهو في النفسية أجلى وأوضح، حيث تقبل نظريات حول الأمراض النفسية تُقلب فيها الحقائق، فيُجعل سبب العلاج هو سبب المرض،
стр. 1386
مثل جعل التدين سبب الأمراض النفسية وُيجعل التفلت من الدين هو العلاج.
• من صور الانحراف في الشريعة ما ظهر من نظريات حول الربا وتُقدم على الشرع، ونجد صورًا من التعارض حول النظريات المقدمة عن الفائدة الربوية، ثم النظريات المتعارضة حول الربا في الفكر المتغرب، فهناك من يتبع النظريات الاقتصادية الرأسمالية ويرى الربا شرطًا للتقدم الاقتصادي، وهناك من يعارضه ويرى الربا من الأمراض الناتجة عن الاستغلال والتفاوت الطبقي، فلا تقدم إلا بإلغاء هذا التفاوت.
• من صور الانحراف في الشريعة ما ظهر من دعاوى علمية حول صحة موقف المطالبين بنزع حجاب المرأة المسلمة، وهي دعاوى ترجع لنظريات من علم الاجتماع العلماني حول نشأة العائلة، وهي نظريات تجعل كل المسائل الدينية العملية ظواهر اجتماعية أرضية دون تفريق بين ما أصله من رب العالمين وما أصله من اختراع البشر وابتداعهم.
• من الدعاوى التغريبية حول العلم دعوى أهمية علمنة العلم مع رفض مشروع التأصيل الإِسلامي، فإذا نظرنا لمفهوم العلمنة في مصدرها الغربي وجدناها تحمل مضامين هدفها ترسيخ الإلحاد من خلال العلم، ونجد من المتغربين العرب من هو مدرك لهذه الأبعاد وسعى لترسيخها في الفكر العربي، وإذا كان الأمر بهذه الحال فإن كل ما يقومون به من حرب ضد مشروعات التأصيل الإسلامي إنما هو بسبب شعورهم بأثر نجاح التأصيل في إفساد مخططاتهم، كما أن ما يقولونه من نقد لأصحاب التأصيل الإسلامي ينقلب عليهم من باب أولى؛ فإن علمانية العلم هي نوع من التأصيل المادي واللاديني للعلم فلماذا ينقمون على غيرهم ما يقومون هم بفعله، مع الفرق بين من يريد الحق وبين من يريد الضلال؟!
• من الدعاوى التغريبية حول العلم دعوى التعارض بين الدين والعلم، وقد ظهر من خلال تحليل الدعوى أنها ترجع لأربع صور: دعوى تعارض "الموضوعات" أو "الإطار" أو "المنهج" أو "النشاط والعمل".
• تظهر دعاوى التعارض كلما نجم الهوى أو حلّ الجهل، فصاحب الهوى يحرص على كل ما يوهم التعارض لتحويله إلى حقيقة وهو ليس كذلك، والجاهل يشتبه عليه الأمر ويقع ضحية جهله، بينما يخف التعارض كلما قلت الأهواء وانتشر العلم.
стр. 1387
• هناك أبواب مشتبهة فعلًا، والتشابه المحيّر أمر وارد، فالذين في قلوبهم زيغ يفرحون بالمشتبهات بخلاف الراسخين في العلم، ولهذا فبعد معايشتي هذه المشكلات شهورًا من البحث وجدت أن مثل هذا الباب المتشابه لابد فيه من اجتماع علماء المسلمين في علوم الدين والدنيا حول الأمور المشكلة، فيطرحون الاجتهاد الشرعي حولها، فهي قضايا أكبر من أن يحسم فيها طرف برأي، والله أعلم.
• من الدعاوى التغريبية حول العلم دعوى كفاية العلم وشموليته، وهي دعوى برزت مع أصحاب الرؤية العلموية التي تقدس العلم وتربط مصير البشرية به، وتستبعد ما سواه، وقد ظهر أنها حتى في المحيط الغربي العلماني قد فشلت عن تقديم احتياجات إنسانية ملحة، وأن الكفاية والشمول لا تكون إلا من عليم حكيم، والمقدسون للعلم قد جعلوه ربًّا لهم من دون الله.
• من الدعاوى التغريبية حول الرؤية العلمية للدين دعوى الرؤية التطورية العلمية للدين، وهي دعوى متأثرة بالدارونية، وقد أشغل دعاتها الفكر العربي لما يقرب من نصف قرن، وقد كانت نتيجة التحليل أنها رؤية مادية إلحادية أُلبست ثوب العلمانية، وظهر أن التيار التغريبي الذي رفعها إنما رفعها -عن وعي- كأداة لهدم الدين.
• من الدعاوى التغريبية حول الرؤية العلمية للدين دعوى الرؤية النفسية العلمية للدين، ومن أشهر النظريات النفسية حول الدين نظرية فرويد، وهي نظرية إلحادية في جوهرها تمتد إلى فيورباخ وغيره من مؤسسي الإلحاد، والعجيب أن هذه النظرية الإلحادية قد وجدت من المتغربين من اتبعها وأخذ بها، أو من نشر مفاهيم فرويد التي توصل في النهاية لمذهبه دون تنبيه. أصل هذه النظرية يقوم باستبعاد أي معتقد بوجود رب العالمين وبوجود أي معتقد بوجود دين منزل من عنده سبحانه، وإنما الدين وهم ومرض نفسي نابع من الإنسان. ومن بين أشهر الردود وأكثرها اختصارًا: لماذا لا يكون الإلحاد هو الوهم وهو المرض النفسي، فإن ما قاله عن الدين ينطبق بصورة أوضح على إلحاده، ومن العجب أننا لا نجد استدلالًا لهم على التكذيب بالربوبية والدين إلا انقلب عليهم.
• من الدعاوى التغريبية حول الرؤية العلمية للدين دعوى الرؤية العلمية الاجتماعية للدين، وقد كان من النتائج أن نظريات علم الاجتماع حول الدين
стр. 1388
بالذات هي أكثر نظريات العلم تعارضًا وتناقضًا مع ظهور صرخات تعترف بأزمة النظريات الاجتماعية وفشلها، كما ظهر من النتائج ارتباط نظريات علم الاجتماع ولاسيّما في مجال الدين بأهواء وأيدلوجيات ومشروعات سياسية أكثر من ارتباطها بالعلم.
• انغمست النظريات الاجتماعية في أديان مبدلة أو مخترعة وبدائية، وانطلقت منها إلى تعميمات متسرعة تقول بأن الدين ظاهرة اجتماعية بشرية، ودافع هذا التسرع يكمن في الإلحاد الذي أصاب طائفة من طارحي تلك النظريات، وقد انساق مع هذه التعميمات طائفة من المتغربين الاجتماعيين العرب.
• لقد انساق الاتجاه التغريبي الاجتماعي مع الدراسات الاجتماعية الغربية، فعندما كان يبحث في الغرب عن أصل الدين كان المتغربون العرب يبحثون في أصل الدين، وعندما تحولت الدراسات في الغرب نحو الوظيفة الاجتماعية للدين تحول معها المتغربون العرب، وعندما تحول الغرب إلى النموذج الصراعي تحول معها المتغربون العرب، والأمر دون توقف.
• لقد تعامل الغرب مع دين محرف أو مع أديان وثنية ضمن التركة الغربية القديمة أو من خلال الاحتكاك بأديان وثنية بدائية في قارات العالم مع التوسع الاستعماري، ولهذا السبب كان من السهل عليهم الطعن في الدين، وقد انساق معهم المتغربون دون تفريق بين المختلفات، فجعلوا دين الإسلام كغيره من الأديان.
• لقد كان من الطبيعي أن يحدث التعارض بين الدين والعلم في الغرب، وفي كل بلاد العالم التي لا تدين بالإسلام؛ لأن الدين الذي بين أيديهم دين محرف أو مخترع، وما كان بهذه الحال فقد دخلته أهواء البشر ونقصهم، ومن الطبيعي أن يتصادم مع الحقائق يومًا ما، أما دين الإِسلام المحفوظ بحفظ الله له، فلا يمكن أن يتعارض مع الحقائق العقلية أو العلمية أو الواقعية.
• لقد ظهر من غالب حال المتغربين أن المتغرب يكون في البداية متأثرًا بالنظريات العلمية والفلسفات العلمانية المبنية عليها، ولكن هذا التأثر يتحول مع الأيام إلى استغلال للعلم الحديث من أجل إقصاء الدين، وذلك أن البعض يُصرّ على اتباع نظريات قد هجرها أهلها في الغرب، أو يصر على اتباع نظريات مع النقد الذي توجّه إليه من تيارات مختلفة تبين له الحق ومع ذلك تجده مصرًا على باطله.
стр. 1389
• قد يتصور البعض بعد الاطلاع على هذا البحث أن العلم الحديث علم منحرف من أوله إلى آخره، والأمر ليس كذلك، وإنما السبب يعود لهدف الدراسة الذي يركز على الانحرافات المصاحبة لحركة العلم ونظرياته ومناهجه، ولهذا جاء تكرير الملحوظة التالية في أكثر من مبحث: أن الباحث يسير مع موقف الاتجاه السلفي الداعي إلى طلب العلوم النافعة، فالحكمة ضالة المؤمن وهو أولى بها، وأليق به أن لا يتركها لملحد يوظفها في معارضة الدين، وإنما علينا أخذها منهم بقوة؛ أي: بجد واجتهاد والقيام على تأصيلها إسلاميًا.
وفي الختام فإني أحمد الله سبحانه وأشكره أن أعانني على إتمام هذا البحث وأسأله سبحانه أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم وأن ينفعني به وينفع به الإِسلام والمسلمين. ورغم ما بذلته من جهد فلست أدعي الكمال فيه، ولكن حسبي أني بذلت ما أستطيع، فإن أصبت فذاك من فضل الله سبحانه الذي أشكره عليه، وإن وقع خطأ أو تقصير، فإني أستغفر الله منه.
стр. 1390
الفهارس
وفيه:
١ - قائمة الألفاظ الغريبة والمصطلحات الواردة في ثنايا البحث.
٢ - فهرس الطوائف والفرق والمذاهب.
٣ - قائمة المراجع والمصادر.
٤ - فهرس الموضوعات.
стр. 1391
ملحق مفهرس للألفاظ الغريبة والمصطلحات والطوائف والفرق والمذاهب والتراجم مع التعريف بها
يحوي هذا الملحق على تعريف بأهم الألفاظ والمصطلحات والطوائف والفرق والمذاهب الواردة في البحث، مرتبة بحسب حروف المعجم، وقد اعتمدت في كتابتها على موسوعة حديثة وشاملة وهي: "الموسوعة العربية العالمية"، فهي تتميز بحداثة معلوماتها وشموليتها وقيام فريق كبير من المتخصصين عليها "ما يقرب من ألف متخصص" مما يجعلها مقدمة في بابها، وقد اختصرتها بـ"الموسوعة". وقد اعتمدت مراجع أخرى من باب المقارنة من جهة ومن باب التخصص في أبواب قد لا تغطيها الموسوعة بسبب شموليتها، وأهم هذه الكتب في باب المصطلحات: مفاتيح العلوم الإنسانية، د. خليل أحمد خليل، وموسوعة الفلسفة، د. عبد الرحمن بدوي واختصارها "موسوعة بدوي"، والموسوعة الفلسفية العربية، إشراف د. معن زيادة، والموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، إشراف وتخطيط ومراجعة د. مانع بن حماد الجهني واختصارها "الموسوعة الميسرة"، والمعجم الفلسفي، بالألفاظ العربية والفرنسية والإنكليزية واللاتينية، د. جميل صليبا، وغيرها.
ملحوظة: قد يكون سبق التعريف بالمصطلح في البحث فأحيل إلى صفحته، وما يكون بين قوسين معقوفين فهو إحالة لمرجع متخصص في التعريفات، مما سبق من المراجع.
стр. 1392
أولًا: قائمة الألفاظ الغريبة والمصطلحات الواردة في ثنايا البحث
١ - الإبستمولوجيا، انظر تعريفها ص (٤٦).
٢ - الإتنوغرافيا، علم اجتماعي يصف أحوال الشعوب ويدرس أنماط حياتها ولاسيّما البدائية، [المعجم الفلسفي ١/ ٣٦، قاموس المصطلحات ص ٢٢].
٣ - الإتنولوجيا، علم اجتماعي يفسر الظواهر التي يصفها علم الإتنوغرافيا، [المعجم الفلسفي ١/ ٣٧، قاموس المصطلحات، ص ٢٢].
٤ - الأثير مادة في علم الفيزياء. كان يُعتقد أنها تملأ كل الفضاء. وفي أواخر القرن السابع عشر اعتقد بعض علماء الفيزياء أن الضوء يسير في موجات، وعرفوا أن الضوء يمكن أن يسير خلال فراغات توجد صناعيًا، وخلال فراغ الفضاء الخارجي. ولكنهم لم يستطيعوا أن يفسروا كيف أن الضوء يمكنه أن يسير بدون وسط "مادة يسير خلالها". ولذلك فقد افترضوا وجود أثير حامل للضوء بوصفه مادة تختلف عن كل المواد الأخرى. وهو لا يمكن أن يُرى أو يُحَس أو يُوزن، ونجده في الفراغات والفضاء الخارجي وخلال كل مادة. واعتقد العلماء أن الأثير ثابت وأن الكرة الأرضية والأجسام الأخرى في الفضاء - تتحرك خلاله. وفي عام (١٨٦٤ م)، اقترح الفيزيائي كلارك ماكسويل أن موجات الضوء كهرومغنطيسية، وتسير كاضطرابات للمجال الكهرومغنطيسي. ولذلك، فإنها لا تحتاج إلى وسط لتسير فيه. ولكن ماكسويل وفيزيائيين آخرين ظلوا يعتقدون بوجود الأثير. وفي عام (١٨٨٧ م)، قام عالمان أمريكيان، هما ألبرت مايكلسن، وإدوارد مورلي بإجراء تجربة لقياس سرعة الكرة الأرضية بالنسبة للأثير. وقد أوضحت اكتشافاتهم أن الكرة الأرضية لا تتحرك خلال الأثير. ولكن الفيزيائي الهولندي هندريك لورنتز، شرح الكشف بافتراض أن الأثير يؤثر في المادة بطريقة
стр. 1393
معقدة. وفي عام (١٩٠٥ م)، نشر الفيزيائي الألماني المولد ألبرت أينشتاين، نظريته الخاصة في النسبية التي تُظهر كيف يسلك الضوء، وأنه لا يعتمد على وجود الأثير [الموسوعة، ١/ ١٧٦].
٥ - الأخلاق: انظر تعريفها ص ١٠٧٥.
٦ - الأَرْوَاحيَّة مصطلح يطلق على أي دين -غير الإِسلام- تؤدي فيه أرواح موتى البشر أو أرواح الطبيعة دورًا مهمًا. في هذه الأديان، قد تُقدَّم القرابين وتعقد الاحتفالات الخاصة لتكريم أرواح الموتى. كذلك قد يعبد أتباع هذه الأديان الاْرواح التي يعتقدون بوجودها في الحقول والتلال والأشجار والماء وعناصر الطبيعة الأخرى. وفي بعض الأديان يُظَنُّ أن هذه الأرواح قد تحل في أبدان الناس لتفصح عن احتياجاتها ورغباتها. ويحدث ذلك، مثلًا في الطقوس الدينية للتقاليد الشعبية بجنوب شرقي آسيا. نشأ استخدام كلمة الأرواحية أساسًا نتيجة لنظرية حول أصول الدين. نشرت هذه النظرية التي نادى بها عالم الأجناس البريطاني تايلر في عام (١٨٧١ م). زعم السير تايلر أن جميع الأديان تطورت من آراء الناس الأولى عن الأرواح في البشر والأرواح في عناصر الطبيعة. واستخدم تايلر مصطلح الأرواحية لهذه الأرواح، وأصبح اعتقاده يعرف في نهاية الأمر بنظرية الأرواحية. لم يعد العلماء يتقبلون نظرية تايلر تفسيرًا لأصل أديان العالم. إلا أن عبادة الأرواح لا زالت تدعى بالأرواحية. وواضح أن نظرية تايلر في أصل الأديان نابعة من نظرية داروين في أصل الإنسان. وكما يرفض الإِسلام نظرية داروين، فإنه يرفض كل ما يتشعب عنها من الآراء، وهي موجودة في نظريات علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان حول أصل الدين [الموسوعة، ١/ ٥٣١].
٧ - الأزهر، جامعة الأزهر مؤسسة تعليمية وضع أساسها بالقاهرة جوهر الصِّقليّ "إلياس الصقلي" القائد الفاطمي عام (٣٥٩ هـ - ٩٧٠ م). واستغرق بناء جامعها الأساس نحو العامين، ولم يسرع الفاطميون بدفع الأزهر إلى غايته التي أُنشئ من أجلها وهي: نشر الفقه الشيعي والدعوة الشيعية الباطنية ومنافسة الجوامع المصرية السنية بل اكتفوا بجعله مسجدًا رسميًا يقوم في عاصمة ملكهم الجديدة. وعندما توطدت دعائم الحكم الفاطمي بمصر اهتم الخلفاء الفاطميون بالأزهر، وفتحت أبوابه لدراسة العلوم الدينية والعقلية في عهد الخليفة العزيز بالله (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ) - (٩٧٦ - ٩٩٦ م)، واستجلبوا له فقهاء وعلماء الدعوة الشيعية وقضاتها، وأغدقوا عليهم المال، ونقلوا إليه كثيرًا من الكتب، وشجعوا طلاب العلم من البلاد الإِسلامية الأخرى للالتحاق به. وكانوا بين الحين والآخر يجرون توسعًا في مبانيه للدراسة وأروقة للطلاب ومساكن للأساتذة. وخصصوا أموالًا ثابتة للإنفاق
стр. 1394
على الجامع الأزهر، كما أسهم كثير من رجال الدولة والأمراء وأهل البر في تخصيص جزء من أموالهم لتنفق على الطلاب والأساتذة وبقية شؤون الأزهر، الذي اشتهر نتيجة لهذا الاهتمام، وارتبط اسمه برسالة العلم وأصبح جامعة كبيرة لخدمة المذهب الشيعي. وعندما تحول الأمر للدولة الأيوبية السنية عَطَّل صلاح الدين نشاطه ودعم مذهب السنة، فدرس فيه الفقه السني على المذاهب الأربعة، ثم استعاد الأزهر مكانته من جديد في عهد المماليك (٦٤٨ - ٩٢٢ هـ) - (١٢٥٠ - ١٥١٧ م)؛ فقد زاد الملك الظاهر بيبرس المملوكي في بنائه وشجع التعليم فيه وحذا حذوه كثير من الأمراء، فذاع صيته، وأَمَّهُ طلاب العلم والعلماء من كل أنحاء العالم الإسلامي، وزاد في مجده أن غزوات المغول في المشرق الإسلامي قضت على معاهد العلم هناك، وأن الأمة الإِسلامية بالمغرب أصابها التفكك مما أدى إلى إهمال مدارسها الزاهرة. وقد ضعف حاله أيام الدولة العثمانية ووقعت له أحوال مع دولة محمد علي، ومع ذلك فقد بقي منبرًا من أهم المنابر العلمية الإِسلامية، وقد لحقته تطورات بعد خروج الاستعمار، وهو إلى الآن من أشهر معاهد المسلمين العلمية رغم كل ما واجه من تحديات [الموسوعة، ١/ ٥٥٧].
٨ - الاستقراء: انظر تعريفه ص ٣٩، ص ٨٥٥.
٩ - الإسرَائيليَّات مصطلحٌ مشتق من لفظة بني إسرائيل، ويُطلق على القصص والحكايات والأخبار الدخيلة على تفسير القرآن الكريم والحديث، ومصدرها التراث اليهودي المتمثل في ما تبقى مع بني إسرائيل من التوراة، وما تبعها من تعاليم، والتراث النصراني المتمثل أيضًا في مجموعة الأناجيل وشروحها، ويضاف إلى هذا أخبار القُصَّاص وحكاياتهم. يطلق على هذا التراث الدخيل جميعه لفظ الإسرائيليات من باب التغليب، لأن أكثره دخل عن طريق اليهود سواء من أسلم منهم أو من اختلط بالمسلمين [الموسوعة، ١/ ٧٢١].
١٠ - الأُسْطُورة حكايه تقليدية تروي أحداثًا خارقة للعادة، أو تتحدث عن أعمال الآلهة والأبطال عند الأمم المشركة الغابرة. وهي تعبر عن معتقدات الشعوب، في عهودها البدائية، وتمثل تصورها لظواهر الطبيعة والغيبيات. في عقائد الإغريق القديمة، تحكي معظم الأساطير عن أُناس وأماكن وأحداث يمكن إدراكها، وفي عهود أقرب، تقوم بعض الأساطير على أشخاص حقيقيين، أو أحداث حقيقية، ولكن الكثير منها يتعلق بشخصيات خيالية. [الموسوعة، ١/ ٧٣٤، انظر أيضًا ص ٨١٩ من هذا البحث، وانظر مادة علم الأساطير].
١١ - الافتراق انظر تعريفه ص ٥٩.
١٢ - الاقتصاد العلم الاجتماعي الذي يهتم بتحليل الأنشطة التجارية، وبمعرفة كيفية
стр. 1395
إنتاج السلع والخدمات. ويَدرس علم الاقتصاد الطريقة التي تُنتج بها الأشياء التي يرغب فيها الناس وكذلك الطريقة التي توزع بها تلك الأشياء. كما يدرس الكيفية التي يختار بها الناس والأمم الأشياء التي يشترونها من بين الحاجات المتعددة التي يرغبون فيها.، يُعرِّف الاقتصاديون "المتخصصون في علم الاقتصاد" الاقتصاد بأنه العلم الذي يُعنَى بدراسة كيفية إنتاج السلع والخدمات وتوزيعها. ويعني الاقتصاديون بالسلع والخدمات كل ما يمكن أن يباع ويشترى. ويعنون بالإنتاج معالجة السلع والخدمات وتصنيعها. أما كلمة توزيع فيعنون بها الطريقة التي يتم بها تقسيم السلع والخدمات بين الناس .. وفي عالم اليوم ثلاثة نُظم اقتصادية مهمة هي:
١ - الرأسمالية
٢ - الأنظمة الاقتصادية المختلطة
٣ - الشيوعية. وتتضمن الأنظمة الاقتصادية لكثير من البلدان عناصر مشتركة من نظم اقتصادية مختلفة [الموسوعة، ٢/ ٤٠٢، الموسوعة الميسرة، ٢/ ٩٦٧].
١٣ - الإقْطاع مصطلح عام يُستخدم لوصف النظام السياسي والعسكري الذي كان سائدًا في غربي أوروبا خلال القرون الوسطى. ففي ذلك العصر، لم تكن هنالك حكومة مركزية قوية، كما كان الأمن ضعيفًا. ولكن النظام الإقطاعي كان يسد الحاجة الأساسية للعدالة والحماية. وكان السيد يمنح الأرض للمُقطِعين مقابل قيامهم بخدمات عسكرية. وكان السيد والمقطعون يلتزمون فيما بينهم برباط من المراسيم والعهود على أن يخلص كل طرف للآخر، ويوفي بالتزاماته [الموسوعة، ٢/ ٤٢٢، قاموس المصطلحات، ٦٣].
١٤ - الإلحاد في اللغة، الميل والعدول عن الشيء. والإلحاد، في الدين، الميل عن الدين الحق. وهو أقسام، فقد يكون ذلك عن طريق الشرك وإعطاء خصائص الألوهية لغير الله ، أو بإشراك آلهة أخرى مزعومة معه . وقد يكون الإلحاد بإنكار وجود الله تعالى. وكلا النوعين من الإلحاد انحراف عن الفطرة الإنسانية، وطمس لما في البصيرة. وقد كان النوع الأول شائعًا بين الناس خلال التاريخ البشري، إذ كان المشركون قديمًا يقرون بوجود إله، ولكنهم ضلوا الطريق إلى معرفته، وأخطأوا في تصورهم له، فوُجد من اتخذ الشمس والقمر أو مناظر الطبيعة المختلفة آلهة تُعبَد، وهناك من اتخذ إلهًا للخير وإلهًا للشر. وهناك من عبد آلهة متعددة واتخذ إلهًا أعلى يفوقها جميعًا، أما النوع الآخر من الإلحاد، والذي يعني إنكار وجود الله أصلًا، فقد انتشر خلال القرون الثلاثة الأخيرة "الثامن عشر والتاسع عشر والعشرين"، وجاء نتيجة للصراع بين العلم والكنيسة في أوروبا، ذلك الصراع الذي انتهى بانتصار العلم وانهزام دعاة الكنيسة. وقد اتخذ مفكرو تلك الفترة هذا الموقف ذريعة لرفض الدين جملةً وإنكار حقائقه
стр. 1396
وعلى رأسها الإيمان بالله، وقد انتشرت هذه الظاهرة "ظاهرة الإلحاد" انتشارًا واسعًا في الدول الأوروبية بصفة خاصة، وأصبحت له في بعض البلاد حكومات تحرسه ودول تحميه، وهو يتسلح ببعض النظريات العلمية المادية لتؤيده. ويمكن اعتبار ظاهرة "العَلمانية" جزءًا من التيار الإلحادي بمفهومه العام. فعلى الرغم من ارتباط العلمانية بفصل الدين عن الدولة أو السياسة في الاستعمال الشائع، فإن لتلك الظاهرة دلالتها الأخرى المتصلة بذلك الفصل، والتي لا تقل أهمية في الاستعمال الغربي المعاصر. فهي تدل لدى كثير من المفكرين ومؤرخي الفكر على "نزع القداسة عن العالم بتحويل الاهتمام من الدين بما يتضمنه من إيمان بإله وبروح وبعالم أخروي أو مغاير خفي إلى انشغال بهذا العالم المرئي أو المحسوس وغير المقدس". ويمكن اعتبار العلمانية بمفهومها الشائع -أي: فصل الدين عن الدولة- مرحلة مبكرة في هذا التوجه العام نحو ربط الحياة الإنسانية بعالم الحس؛ لأنها تمنح الأولوية لذلك العالم في التشريع لحياة الإنسان وسياستها. وفي الآية القرآنية الكريمة إشارة إلى هذا المعنى العام والأساسي للعلمانية، حيث يقول الله تعالى على لسان الذين كفروا: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]. والدنيا هي العالم الوحيد بالنسبة للعلمانية. ومن هنا استخدم مفهوم "الدنيوية" كمرادف للعلمانية. ومن العلمانية اشتق فعل "العلمنة" ليدل على عملية التحول نحو هذا العالم [الموسوعة، ٢/ ٥١٧، الموسوعة الميسرة، ٢/ ٨٠٣، ٩٧١، موسوعة بدوي، ١/ ٢١٩، الموسوعة الفلسفية العربية، ص ٨٧، مفاتيح العلوم الإنسانية، ص ٦٠].
١٥ - الآلية، انظر الفلسفة الآلية.
١٦ - الانتخاب الطبيعي عند بعض علماء الطبيعة والأحياء هو عملية تحدث في الكون وبواسطتها تبقى الكائنات الأكثر تكيفًا مع بيئاتها على قيد الحياة. وقد أطلق على هذه العملية البقاء للأصلح. وقد طور دارون هذا المفهوم وجعله أساسًا مهما في نظريته، وهو يحيل الأمر للطبيعة ويتجاهل الحكمة الإلهية في خلق الكون وإيجاده من العدم -ويسند الحركة والموت والحياة إلى عناصر الطبيعة- دون خالقها ومسبب الأسباب بحجة الاكتفاء بالنظرة العلمية للطبيعة [الموسوعة، ٣/ ١٥٥، الدارونية والإنسان .. ، د. صلاح عثمان، ص ٣٧].
١٧ - الأنثروبولوجيا انظر علم الإنسان.
١٨ - الإنطولوجيا انظر تعريفها ص ٣٧.
١٩ - الأيدلوجيا: كانت بداية أمرها تعني العلم الذي يدرس الأفكار؛ أي: علم الأفكار، فيعرف قاموس ويبستر الأيديولوجية بأنها: دراسة لطبيعة ومصدر
стр. 1397
الأفكار، ثم وقع للمصطلح تحولات لتصبح الأيدلوجيا مجموعة الأفكار التي تشكل أساس نظام سياسي واقتصادي واجتماعي معين. وفي خلاصة قدمها د. مصطفى عشوي عن التنظير الأيُّدلوجي بأنه تنظير يتأثر بـ"
١ - النسق الفكري المهيمن على مجتمع ما والذي تحميه طبقة معينة أو نظام قائم.
٢ - مجموعة من التصورات المسبقة والأحكام التقييمية التي تكون اتجاهات ومواقف سلوكية قد تخفي دوافع لا شعورية لحماية الذات والجماعة التي ينتمي إليها الفرد" [العلوم الاجتماعية بين التنظير العلمي والتنظير الأيدلوجي، د. مصطفى عشوي، من كتاب قضايا المنهجية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ص ٢٤٤]، وهو مصطلح قدحي يطلق على التيارات الفكرية المعاصرة العلمانية، ويوازيها من جهة في الاصطلاح الإِسلامي الفرقة والبدعة والأهواء، ولكن لأنه غلب على المعاصرة أنها لادينية فقد أُخذ لها هذا المصطلح، بحيث يفرق بين الفرقة التي تدور حول موضوعات دينية وبين الأيدلوجيا التي تدور حول موضوعات فكرية منفصلة عن الدين وربما معادية له، وهذا المعنى هو الذي أعنيه عند ذكره في ثنايا البحث. والأيدلوجيا في الماركسية عبارة عن وعي زائف هو انعكاس للواقع الاجتماعي، ويشير المصطلح أيضًا إلى كل مذهب تستلهمه الحكومات أو الأحزاب وتستمد منه آراءَها ومواقفها، ويفضل الدكتور طه عبد الرحمن استعمال الفكرانية قياسًا على العقلانية لأن الأيدلوجيا مصطلح واسع قد يحوي الصحيح وغيره، وسماها د. خليل الفكروية. [معجم المصطلحات والشواهد، ص ٧٠، الموسوعة الفلسفية العربية، ص ١٥٨ دراسة مطولة، الموسوعة الميسرة، ٢/ ٩٨٠، قاموس المصطلحات، ٧٧، تجديد المنهج في تقويم التراث، د. طه عبد الرحمن، ص ٢٤ - ٢٥، مفاتيح العلوم الإنسانية، د. خليل، ص ٣١٧].
٢٠ - التجربة انظر تعريفها ص ٣٧.
٢١ - التطور: انظر تعريفه ص ٢١٢، ص ١٠٦١.
٢٢ - التغريب انظر تعريفه ص ٤٨.
٢٣ - التفسير العلمي انظر تعريفه ص ٣٨.
٢٤ - التلفيق، انظر مذهب التوفيق.
٢٥ - التنجيم، علم التنجيم هو دراسة كيفية الارتباط المفترض للشمس والقمر والكواكب والنجوم بالحياة والأحداث على الأرض. ويعتمد على زعم أن الأجسام السماوية، تشكِّل نماذج يمكنها كشف شخصية الفرد أو مستقبله. ويعتقد العديد من الناس من كل أنحاء العالم في التنجيم. ويعتمدون في إصدار قراراتهم على نصائح المنجِّم، ويزعم المنجِّمون أنهم يعرفون كثيرًا عن هذا التأثير عن
стр. 1398
طريق رسم خريطة دائرية تسمى خريطة البروج أو جدول الميلاد. وهذا باب من أبواب الشرك المحرمة في الإِسلام [الموسوعة، ٧/ ٢٠٤، الموسوعة، ٢/ ١٠٢٣].
٢٦ - التوفيق، انظر مذهب التوفيق.
٢٧ - التولُّد التلقائي نظرية كانت تزعم أن أنماطًا معينة للحياة، مثل الذباب والديدان والفئران من السهولة بمكان أن تنشأ مباشرة من أشياء غير حية مثل الطين واللحم المتحلل. لم يتم التخلي النهائي عن نظرية التولد التلقائي حتى منتصف القرن التاسع عشر، حيث مكنت التحسينات التي أدخلت على المجاهر، والأدوات العلمية الأخرى العلماء من رؤية البيوض والنطاف "الحيوانات المنوية" للحيوانات العليا، والبيوض وحبوب اللقاح للنباتات والجراثيم والكائنات الحية المجهرية الأخرى. فقد لاحظ الفرنسي باستير تكاثرًا ونموًا في الكائنات الحية المجهرية. وقد برهن على أن الكائنات الحية المجهرية يمكن أن تظهر في المرق الزرعي المعقَّم فقط، إذا تم تعريضه أولًا لهواء يحتوي على جراثيمها "خلاياها التناسلية". وقد أدت اكتشافات باستير إلى ظهور نظرية الخلية حول أصل المادة الحية. وتقول نظرية الخلية: إن الحياة تنشأ من مادة حية سبق وجودها، وخلال القرن العشرين أظهرت التجارب المعملية أن كثيرًا من الجزيئات الموجودة في الكائنات المجهرية الحية يمكن اصطناعه "إنتاجها صناعيًا". ولكن لم تتوصل أي تجربة إلى إيجاد كائن مجهري حي قادر على إيجاد نفسه مرة أخرى [الموسوعة، ٧/ ٣١٦].
٢٨ - الثورة العلمية، انظر تعريفها ص ٩١.
٢٩ - الجليد شكل ترسيبي يتكون من كتل من بلورات جليدية صغيرة. تنمو هذه البلورات معًا من بخار الماء في السحب الباردة. لتكون الندف الثلجية عند اصطدامها وتماسك بعضها ببعض. تختلف الندف الثلجية في حجمها. في بعض الحالات قد تتجمع ١٠٠ بلورة جليدية معا مكونة كِسْفَة جليدية يبلغ قطرها أكثر من ٥. ٢ سم. تختلف الندف الجليدية أيضًا في الشكل ولكنها جميعها لها ستة جوانب [الموسوعة، ٨/ ٤١٤].
٣٠ - الحتمية الاقتصادية نظرية لتفسير التاريخ، تُبين أن النظام الاقتصادي لمجتمع يُشكِّل مؤسساته الاجتماعية السياسية والدينية. وقد طور النظرية أولًا ماركس في منتصف القرن التاسع عشر، مع أن المفكرين الآخرين قد طرحوا الفكرة في زمن أسبق منه، فأصبحت واحدة من العناصر الأساسية لفلسفته. رفض ماركس فكرة أن الأفراد أو الدين أو العوامل الأخرى تُسبب التغيير السياسي في المجتمع،
стр. 1399
وحاول بدلًا من ذلك أن يوضح أن التغييرات السياسية لا تنتج إلا عن التغيرات في كيفية إنتاج المجتمع للبضائع والخدمات وتوزيعها [الموسوعة، ٩/ ٦٩].
٣١ - الحتمية بالمعنى المشخص: أن كل ظاهرة من ظواهر الطبيعة مقيدة بشروط توجب حدوثها اضطرارًا، وبالمعنى المجرد: أن يكون للحوادث نظام معقول تترتب فيه العناصر على صورة يكون كل منها متعلقًا بغيره، والحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب من يرى أن جميع حوادث العالم، ولاسيّما أفعال الإنسان، مرتبطة بعضها ببعض ارتباطًا محكمًا، والإمكان والجواز ممتنع في نظرهم. [المعجم الفلسفي، ١/ ٤٤٢، الموسوعة الفلسفية العربية، ص ٣٥٤، مفاتيح العلوم الإنسانية، ص ١٦٢، معجم المصطلحات. . . .، ص ١٤٥].
٣٢ - الحَمْض النووي جزيء معقد موجود في جميع الخلايا. هناك نوعان من الأحماض النووية هما الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين "د. ن. أ" والحمض النووي الريبي "آر. إن. إيه". ويوجد حمض "د. ن. أ" بصورة رئيسية في نواة الخلية. ولكن "آر. إن. إيه" قد يوجد في جميع أنحاء الخلية. ويؤدي "د. ن. أ" دورًا حيويًا في الوراثة. فهو المادة الرئيسية في الصبغيات "الكروموزومات"، وهي أجسام الخلية التي تنظم عملية الوراثة في الحيوان أو النبات. وعندما تنقسم الخلية يجب أن تنقسم المورثات في نواتها إلى نسخ متطابقة تمامًا تنتقل إلى الخلايا الوليدة. ويقوم "د. ن. أ" الموجود في الصبغيات بإعطاء الخلايا الوليدة مجموعة كاملة من الرموز "الشفرات" من أجل نموها ونمو الخلايا المنحدرة منها. هناك أربع قواعد مختلفة في "د. ن. أ" هي الأدنين والجوانين والثيمين والسيتوسين. والنسب الدقيقة لكل من القواعد، والترتيب الدقيق الذي تُرَتَّب به، تعتبر فريدة لكل نوع من الكائنات الحية. وهذا الترتيب الدقيق وتلك البنية، هما اللذان يجب نسخهما بدقة في كل مرة تنقسم فيها الخلية. أما "آر. إن. إيه"، فهناك أيضًا أربع قواعد هي الأدنين، والجوانين، والسيتوسين، واليوراسيل وليس الثيمين كما هو في "د. ن. أ" ويؤدي "آر. إن. إيه"، دورًا هامًا في تكوين البروتينات. وبعض جزيئات "آر. إن. إيه"، وتدعى آر. إن. إيه الرسول، تغادر النواة حاملة التعليمات لصنع البروتينات. وتذهب جزيئات "آر. إن. إيه الرسول" هذه إلى الرايبوزومات، وهي تركيبات الخلية التي تصنع فيها البروتينات. فسبحان الخالق [الموسوعة، ٩/ ٥٢٢، العصر الجينومي، د. موسى الخلف، ص ٢١٤].
٣٣ - الخلية الوحدة الأساسية لكل أشكال الحياة؛ فكل الكائنات الحية مكونة من خلايا. وبعضها تتكون من خلية واحدة، بينما تتكون بعضها الآخر مثل النباتات
стр. 1400
والحيوانات من عدد كبير من الخلايا. ويتكون جسم الإنسان مما يزيد على ١٠ تريليون " ٠٠٠، ٠٠٠، ٠٠٠، ٠٠٠، ١٠" خلية. ومعظم الخلايا صغيرة جدًا لدرجة أنها لا ترى إلا بالمجهر. فخلايا دمك الحمراء مثلًا من الصغر بحيث تملأ ٤٠.٠٠٠ خلية منها مساحة هذه الدائرة O. ويتكون جلد راحة يدك من عدة ملايين من الخلايا. يحيط بالخلية غلاف رقيق يسمى الغشاء، ويسمى كامل محتويات الخلية البروتوبلازم. ولمعظم الخلايا تركيب يسمى النواة، يحتوي على البرنامج الوراثي للخلية؛ أي: الخطة الأساسية التي تتحكم في كل نشاطات الخلية تقريبًا. ويسمى الجزء من البروتوبلازم المحيط بالنواة السيتوبلازم. من أهم الأدوات التي يستخدمها العلماء لدراسة الخلية المجهر. فبإمكان المجهر البصري تكبير الخلية إلى ٢.٠٠٠ ضعف، وبإمكان المجهر الإلكتروني تكبيرها إلى مليون ضعف. ويبلغ طول النملة المكبرة ٢٠٠.٠٠٠ مرة أكثر من ٨٠٠ متر. ولكن بالرغم من هذا التكبير الهائل لا يمكن رؤية التركيب التفصيلي لبعض أجزاء الخلية. النواة هي مركز التحكم الذي يوجه نشاطات الخلية. ويحيط الغشاء النووي بالنواة ويفصلها عن السيتوبلازم. وتحتوي النواة على نوعين مهمين من التركيبات: الصبغيات "الكروموزومات" والنويات. والصبغيات خيوط طويلة من مادة تسمى الكروماتين. إلى آخر ذلك من عالمها المدهش، فسبحان الخالق العليم العظيم [الموسوعة، ١٠/ ١٣٥].
٢٤ - الذَّرَّة إحدى الوحدات الأساسية لبناء المادة. فكل شيء حولنا مكون من ذرَّات. والذرَّة الواحدة بالغة الصِّغر، فهي لا تتعدى واحدًا على مليون من سُمْك شعرة. وتحتوي أصغر عيِّنة يمكن رؤيتها بمجهر عادي على ما يزيد على عشرة بلايين ذرة. وبالرغم من أن الذرّات تُعدُّ من أدق الأشياء في العالم إلا أنها تُعدُّ أيضًا من أعظمها قوة، فبداخلها كمية هائلة من الطاقة الكامنة. وقد استطاع العلماء تسخير هذه الطاقة في إنتاج أسلحة الدمار البالغة التأثير كما استطاعوا أيضًا الاستفادة منها في توليد الكهرباء. وبالرغم من ضآلة الذرّة إلا أنها تتكون من جُسيمات أكثر صغرًا منها، والجسيمات الثلاثة الأساسية هي: البُروتونات، والنيوترونات، والإلكترونات. ولكل ذرة عدد محدد من هذه الجُسيمات تحت الذرية. تزدحم البروتونات والنيوترونات داخل النواة، وهي منطقة بالغة الصغر في مركز الذرة. فلو كان قطر ذرة الهيدروجين ستة كيلومترات، على سبيل المثال، فإن النواة لا يتعدى حجمها حجم كرة المضرب العادية. وما يتبقى من حجم الذرة خارج النواة هو في أغلبه فضاء فارغ. وفي هذا الفضاء، تدور الإلكترونات حول النواة بسرعة بالغة تقطع بها بلايين الرحلات في كل جزء من المليون جزء
стр. 1401
من الثانية. البروتونات والنيوترونات أصغر بـ ٠٠٠. ١٠٠ مرة تقريبًا مقارنة بوزن الذرة، ولكنها تتألف بدورها من جُسيمات أكثر صغرًا يسمى كل منها كوارك. ويتكون كل بروتون وكل نيوترون من ثلاثة من جسيمات الكوارك. على عكس البروتونات والنيوترونات فإن الإلكترونات لا تحتوي على جُسيمات أصغر. وكتلة الإلكترون بالغة الصغر. وتُكتب قيمة هذه الكتلة بالجرامات، بوضع علامة عشرية يتبعها ٢٧ صفرًا ثم رقم ٩. ولسعة هذا العالم وعجائب مكوناته فقد تكون له علم من أصعب العلوم هو ميكانيكا الكم: يتناول فرع الفيزياء المسمَّى بالميكانيكا الكمية مسألة القوى داخل الذرة وحركة الجسيمات تحت الذرية. وقد افُتتحت الدراسة في هذا الفرع من فروع الفيزياء في عام (١٩١٣ م) عندما استخدم عالم الفيزياء الدنماركي نيلز بور نظرية الكم لشرح حركة الإلكترونات داخل الذرات. وقام علماء فيزياء آخرون بتطوير ميكانيكا الكم، وطبقوا مبادئها على النواة والإلكترونات. إلى آخر ذلك من عالمها المدهش، فسبحان الخالق العليم العظيم [الموسوعة، ١٠، ٦٢٣، هذا الكون ماذا نعرف عنه؟ د. راشد المبارك، ص ١١٣]، [وانظر حول الإلكترون الموسوعة، ٢/ ٥٦٠].
٣٥ - رأس المال تعبير اقتصادي للثروة التي تُستَغَلّ لتنميتها وزيادتها باستثناء الأرض. فمدخرات الناس تُعَدُّ رأس مال، لأنها تنتج ثروة إضافية من خلال الأرباح التي يكسبونها. أما الأرض وغيرها من الموارد الطبيعية فلا تعتبر رأس مال؛ لأن الإنسان لا ينتجها. ومعظم الأصول الثابتة التي تمتلكها شركة تمثل رأس مال؛ لأنها تستثمر لتدر الدخل. تعتبر الأشياء الخاصة، مثل الغذاء الخاص، والأثاث والملابس ثروة وليست رأس مال؛ لأنها لا تضيف ثروة [الموسوعة، ١١، ٦٠، قاموس المصطلحات، ص ٢٤٤].
٣٦ - صك الغُفران مصطلح شاع في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور الوسطى. وكان أصحاب فكرة صك الغفران، يدّعون أن حامله يتحرر جزئيًا أو كليًا من العقاب الدنيوي، وعند منح الكنيسة صك الغفران لأحد الأشخاص، فإن أعضاء الكنيسة يصلّون من أجله ليعود إلى حياة سليمة خالية من الأخطاء، أدت فكرة صك الغفران وما صحبها من ردود فعل ضد الكنيسة، إلى ظهور الاتجاهات العلمانية الحديثة في أوروبا، التي أخذت تحارب كل ما له صلة بالفكر النصراني أو بالدين عامة مستغلة موضوع صك الغفران وما صحبه من أباطيل [الموسوعة، ١٥/ ١١٣].
٣٧ - الطبيعة: هي القوة السارية في الأجسام التي يصل بها الموجود إلى كماله الطبيعي، وهذا المعنى هو الأصل الذي ترجع إليه جميع المعاني الفلسفية.
стр. 1402
والمذهب الطبيعي في الفلسفة العامة هي القول: إن الطبيعة هي الوجود كله، وأنه لا وجود إلا للطبيعة، ويفسر جميع ظواهر الوجود بإرجاعها إلى الطبيعة، ويستبعد كل مؤثر يجاوز حدود الطبيعة ويفارقها، وأصحابه هم الدهريون. ولها دلالات أخرى مثل أصل الشيء، ومثل الفطري، وقد عرف المصطلح تغيرات كثيرة، ولكنه في الفلسفة العلمانية أصبح أداة لمعارضة كل ما هو ديني [المعجم الفلسفي، ٢/ ١٣، ١٧، الموسوعة الميسرة، ٢/ ١٠٨٧، مفاتيح العلوم الإنسانية، ٢٦٧، معجم المصطلحات والشواهد، ص ٢٧٥، موسوعة بدوي، ٢/ ٥٧، وبتوسع في الموسوعة الفلسفية العربية، ص ٥٦٠].
٣٨ - الطَّوْطَم رمز عند غير المسلمين تتخذه القبيلة أو العشيرة أو الأسرة كرابط بينها مع تعظيمه. ويمكن لأية عشيرة أن تتخذ طيرًا أو سمكة أو حيوانًا أو نباتًا أو أي شيء من الطبيعة ليكون لها طوطمًا. ويَعْتَقِد بعض الناس أن الطوطم هو بمثابة السلف للعشيرة. ومن الجدير بالذكر أنه يمكن لأية عشيرة أن تُصدر قانونًا يمنع قتل أو أكل النوع الذي تتخذه العشيرة طوطمًا لها. ويُعرف أعضاء العشيرة باسم طوطمهم. واعتقدت بعض القبائل في العصور الماضية بقدسية الطوطم وعبدته. واتخاذ الطوطمية عقيدة ربما كان منتشرًا بين الهنود الأمريكيين والأفارقة السود في العصور القديمة. وقد جعله دوركايم وأمثاله الشكل الأول لظهور الدين في العالم [الموسوعة، ١٥/ ٦٤٢، قاموس المصطلحات، ص ٣٠٠، الموسوعة الميسرة، ٢/ ١٠٨٩، وانظر عبادة الحيوان].
٣٩ - عبادة الحيوان اتخاذ الحيوانات آلهة أو تعظيمها كما عُرف في بعض المجتمعات القديمة والحديثة. وتعبد بعض المجتمعات الحيوانات لاعتقادها أن كل ما في الطبيعة له روح. ويسمى هذا الاعتقاد الأرواحية [سبق التعريف بها]. وقد يعبد مجتمع الصيد حيوانًا ليكسب وده أو ليعتذر عن قتله، أو ليكتسب صفاته الحيوانية مثل السرعة والقوة، عبد كثير من هنود شمالي أمريكا الشمالية الحيوانات جزءًا من الاعتقاد المعروف بالطوطمية. وكل جماعة لديها رمزها المقدس الذي يُسمى طَوْطَم. ومعظم الطَوْطَمات حيوانات. ويزعم كثير من الجماعات أنها سلالة الحيوان الطوطم الذي يعبدونه. وعبد بعض الناس إلهًا يعتقدون أنه اتخذ لنفسه شكل الحيوان؛ فمثلًا يظهر الإله المصري القديم توت أحيانًا في شكل الرباح "حيوان إفريقي آسيوي ضخم قصير الذيل قبيح المنظر"، وفي أحيان أخرى في شكل طائر الماء الذي يدعى أبا منجل، ومثل هذه الشركيات جاءت رسالات الأنبياء لإزالتها وإعادة الناس للتوحيد، بخلاف هؤلاء الاجتماعيين العلمانيين الذين يفرحون بمثل هذه الصور ويسكتون عنها كنماذج يدرسونها ثم يجعلها
стр. 1403
بعضهم أول صور الدين [الموسوعة، ١٦/ ٧٠، وانظر الطوطم].
٤٠ - العُصاب مصطلح يُستخدم في مجال الصحة العقلية، للإشارة إلى أنواع معيّنه من الاضطرابات العقلية وإلى نوعية معيّنة من الحيل النفسية. يستخدم معظم الأطباء النفسيين وخبراء الصحة العقلية مصطلح العصاب، أو الاضطراب العصبي، للتعبير عن مجموعة من الأمراض العقلية الخفيفة. وتتميّز الأمراض العصبية بأعراض مثل القلق وعدم الاستقرار والإحباط والمخاوف بدون سبب. وتحدث هذه المشاعر عند الناس من حين لآخر، لكن الشخص الذي يعاني اضطرابًا عصبيًا، توجد لديه بدرجة متكررة، أو حتى بصفة مستديمة. وتتداخل هذه المشاعر مع حياة الأفراد وصلاتهم بالآخرين. ونادرًا ما تعوق الاضطرابات العصابية الشخص تمامًا. والأفراد الذين لديهم اضطراب عصابي يميزون الأعراض، باعتبارها غير مقبولة وغريبة. وعلى خلاف أولئك المصابين بالأمراض العقلية الشديدة، المسمّاة الذّهان [١٦/ ٢٥٧].
٤١ - العصور الوسطى، انظر تعريفها ص ٩٤.
٤٢ - عقدة إلكترا، انظر عقدة أوديب.
٤٣ - عُقْدَةُ أودِيب مفهوم استخدم في التحليل النفسي، وهو رغبة الطفل غير الواعية في الاستئثار بحب الطرف المضاد لجنسه من والديه "الولد للأم والبنت للأب" وتشتمل هذه الرغبة على الغيرة من الولد تجاه الأب أو البنت تجاه الأم والرغبة غير الواعية في موت الأم أو الأب. أول من استخدم مصطلح عقدة أوديب فرويد، وجاء المصطلح من أسطورة أوديب، الإغريقي الذي يقال: إنه قتل أباه وتزوج أمه. استخدم فرويد المصطلح لوصف الشعور غير الواعي للأطفال من كلا الجنسين تجاه والديهم. ولكن فيما بعد استخدم الباحثون مصطلح عقدة إلكترا لهذه العقدة عند البنات، فطبقًا لرواية إغريقية ساعدت امرأة تدعى إلكترا في التخطيط لقتل أمها. يعتقد فرويد أن عقدة أوديب جزء من نمو الإنسان النفسي، ويفترض أن ينتهي تطور المرحلة الأوديبية في عمر ٥، ٢ إلى ٦ سنوات. ففي هذه الفترة يعرف الإنسان المشاعر الفياضة من حب وكراهية وغيرة وخوف وغضب مما يحدث لديه اضطرابات عاطفية. ويتغلب معظم الناس -مع النمو- على عقدة أوديب. غير أن بعض الأفراد المرضى عقليًا تظهر لديهم عقدة أوديب بقوة وهم كبار. ويرجع فرويد سبب ذلك إلى الخوف من عقاب الأب [الموسوعة، ١٦/ ٣٢١، التحليل النفسي للرجولة والأنوثة .. ، د. عدنان حب الله، ص ١٠٢ - ١٨٥، الأنا والهو، فرويد، ص ٥٣].
٤٤ - علم الاجتماع انظر تعريفه ص ٢٣٠.
стр. 1404
٤٥ - علم الأحياء مجال معرفي يُعنى بدراسة الكائنات الحية. ويوجد ما يربو على مليوني نوع من الكائنات الحية على الأرض، تتفاوت في أحجامها بداية من البكتيريا المجهرية إلى الحيتان الزرقاء الضخمة والأشجار الجبارة الشاهقة. وتختلف الكائنات الحية فيما بينها كثيرًا من حيث أماكن وجودها وكيفية معيشتها. ومع ذلك، فإن جميع الكائنات الحية تشترك في بعض الصفات المميزة التي تميِّزها عن الكائنات غير الحية. وتتمثل هذه الصفات في التنفّس والقدرة على التكاثر والنمو والتكيف أو الاستجابة للتغيرات البيئية [الموسوعة، ١/ ٢٨١].
٤٦ - علم الأساطير "ميثيولوجيا" يتناول بالدراسة كل ما يكون خارجًا عن المألوف وخارقًا للعادات في صفات الإنسان والحيوان والطير والمخلوقات الخرافية، وقد عرف في الحضارات القديمة من يونانية إغريقية ومن فارسية وصينية وغيرها من الأساطير ولاسيّما حول الآلهة والعوالم الغيبية، وهي التي جاء الأنبياء بالدعوة لنبذها من أجل توحيد الله سبحانه. وفي الموسوعة: نستطيع أن نقسم الأساطير إلى مجموعتين هما: أساطير الخلق وأساطير التعليل. وتحاول أساطير الخلق أن تفسر أصل الكون وخلق البشر وظهور الآلهة. أما الأساطير التعليلية فإنها تهدف إلى تفسير الظواهر الطبيعية. وربما تظهر في الدراسات الاجتماعية العلمانية نوعًا من استثمار مثل هذا الباب وتعميمه على الدين، ولاسيّما على جانب الغيبيات منه وعلى جانب الشعائر ذات الحِكم التعبدية، حيث ظهر في الكتابات التغريبية من يضع العقائد الإِسلامية ضمن الأساطير [الموسوعة، ١/ ٥٧٢، انظر أيضًا ص ٨١٩ من هذا البحث، وانظر مادة الأسطورة].
٤٧ - علم الإنسان "الأنثروبولوجيا" يدرس أصل النوع الإنساني وكل الظواهر المتعلقة به، كما يدرس الثقافة. وتنقسم الأنثروبولوجيا إلى فرعين كبيرين هما: الأنثروبولوجيا الطبيعية والأنثروبولوجيا الثقافية. وتشمل الأنثروبولوجيا الثقافية: الأركيولوجيا، وهي دراسة الثقافات البائدة، والأنثولوجيا [سبق تعريفها - الأتنولوجيا]، والأتنوغرافيا [سبق تعريفها]، بينما تتناول الأنثروبولوجيا الطبيعية: دراسة المشكلات الخاصة بالتطور الإنساني، والبانثولوجيا "علم الإنسان القديم" ودراسة الأجناس البشرية، وتكوين جسم الإنسان، وهذه العلوم بسبب نشأتها في بيئات علمانية ووضعية فقد وقعت في مشكلات كثيرة حول أصل الإنسان وأصل الدين وأصل اللغات وغيرها من الأمور [الموسوعة الميسرة، ٢/ ٩٧٦، مقدمة في الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، د. أحمد بدر، ص ٧٩].
٤٨ - عِلْمُ الكَلَام علم حادث في الملة يهتم بدراسة العقيدة الإِسلامية ويدافع عنها، ويرد الشبهات التي تثار حولها بالأدلة العقلية والبراهين الجدلية، مستحدثًا في
стр. 1405
ذلك مصطلحات استمدها من الفلسفة وطرقًا استنبطها منها مع ما أبدعته عقول المتكلمين. وسُمي هذا العلم علم الكلام -كما يقول الشهرستاتي- لسببين: أولهما أن أخطر مسألة خاض فيها المتكلمون هي مسألة كلام الله التي تجاوز الأمر فيها حدّ المناظرة وتبادل الرأي إلى الفتنة والقتل والسجن، كما هو معروف في فتنة خلق القرآن ومواقف رجال كالإمام أحمد ابن حنبل منها. وثانيهما سبب منهجي يتمثل في أن المتكلمين أرادوا أن يميزوا مناهج أبحاثهم عن المنطق الذي تبناه الفلاسفة واستخدموه في مباحثهم الفلسفية. فسمَّى المتكلمون طريقتهم في البحث الكلام. وقد ذمّ السلف علم الكلام ليس لمطلق الكلام وإنما لما فيه من انحرافات خطيرة منها ما ورد عن مالك بن أنس، ﵁، من ذم لأهل البدع لأنهم خاضوا وتكلموا فيما لا ينبغي لهم الخوض أو التكلم فيه، وبالإضافة إلى الكلام فقد سمي هذا العلم باسم الفقه الأكبر، وعلم أصول الدين وعلم التوحيد والصفات وعلم النظر والاستدلال. وقد ظهرت أسباب مختلفة أشغلت طائفة من المسلمين بالبحث في قضايا عقدية بالعقل وبعيدًا عن منهج سلف الأمة، وكل طائفة تتوقف مع أصل أو أكثر يتسع مع الأيام ليصبح هذا الأصل مدار نشاط الفرقة، وقد ورد في كتب الفِرَق العديد منها، حيث تبنت رأيًا أو آخر حول قضية من هذه القضايا، كالمرجئة والقدرية والجبرية والجهمية والمعطلة والمجسمة، ثم المعتزلة والأشاعرة والماترِيديَّة، وعرفت هذه الفرق بالفرق الكلامية، وعُرف ما خاضت فيه بعلم الكلام. وفي إطار الفكر الإِسلامي نجد في البداية تمايزًا بين الفلسفة والكلام، وعلاقة عداء وخصام بين الفلاسفة والمتكلمين؛ بلغت أوجها لدى أبي حامد الغزالي (٥٠٥ هـ) الذي هاجم الفلسفة من منطلق كلامي في كتابه تهافت الفلاسفة، وكفَّر الفلاسفة لقولهم بقِدم العالم، وعدم علم الله بالجزئيات، وإنكارهم البعث الجسماني. ورغم هذا العداء فقد كان هناك نوع من التقارب بين الفلسفة والكلام، إذ حاول المتكلمون الاستفادة من أسلحة خصومهم والاطلاع على مناهج الفلسفة ومصطلحاتها، وقد كان ذلك بطريقة غير مباشرة لدى المعتزلة، ثم ظهر بوضوح لدى الجويني والغزالي، وبلغ مداه على يد فخر الدين الرازي، ثم توغل المتكلمون في الفلسفة وعلومها حتى اختلط عليهم كثير من الموضوعات والتبست مسائل الكلام بحيث لم يعد في الإمكان التمييز بين علم الكلام والفلسفة، بل يمكن القول بأن الفلسفة اختلطت بالكلام إلى الحد الذي ابتلع فيه علمُ الكلام الفلسفة ابتلاعًا، واحتواها في كتبه، كما يظهر في كتب المتأخرين مثل كتاب المواقف لعضد الدين الإيجي الذي يبدأ بمقدمات في المنطق الأرسطي على طريقة الفلاسفة ويبسط آراء الفلاسفة في