← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة كتاب تأثير النظريات العلمية الحديثة الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن علماء الإِسلام قد خلفوا لنا تراثًا علميًا ضخمًا، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطًا لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطًا من تراث علماء الإِسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلًا عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره. وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة قطر -وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث- لتحمد الله على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها. والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإِسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتدادًا لتلك الجهود وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر. ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة.

стр. 2

ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وفي علم الرسم أصدرت كتاب (مرسوم المصحف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديد متميز لـ (المحرر الوجيز لابن عطية) مقابلًا على نسخ خطية عدة. وفي السُّنَّة أصدرت الوزارة كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن)، و (حاشية مسند الإمام أحمد للإمام السندي)، و (شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني)، و (شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي)، و (نخب الأفكار شرح معاني الآثار للبدر العيني) إضافة إلى (صحيح ابن خزيمة) بتحقيقه الجديد المُتقن. وأخيرًا صدر عن الوزارة كتاب (التقاسيم والأنواع للإمام ابن حبان) وكذا (مطالع الأنوار لابن قرقول)، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها. وفي الفقه أصدرت الوزارة: (نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني) الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإِسلامي أ. د. عبد العظيم الديب -رحمه الله تعالى- وكتاب (الأوسط لابن المنذر) بمراجعة دقيقة للدكتور عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب (التبصرة للخمي)، و (حاشية الخلوتي في الفقه الحنبلي)، وكتاب (الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي)، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإِسلامي في عهوده الأولى. وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية (جامع الآثار لابن ناصر الدين الدمشقي). وفي معتقد أهل السنة والجماعة أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو كتاب (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد لابن العطار)، صاحب الإمام النووي -رحمهما الله-. ولم نغفل عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجنا (القيمة الاقتصادية للزمن) و (نوازل الإنجاب) وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، ونوازل الأمة. واليوم يسر الوزارة أن تقدم لشداة العلم والمعرفة هذا الكتاب القيم (تأثير النظريات العلمية الحديثة في الفكر التغريبي المعاصر -دراسة نقدية في ضوء

стр. 3

العقيدة الإِسلامية للدكتور حسن بن محمَّد حسن الأسمري)، وهو دراسة علمية رصينة تعالج أثر النظريات العلمية الحديثة على المتغربين الذين يحيون مع الأمة بأبدانهم ومع أعدائها بقلوبهم وأفكارهم، ويسعون جاهدين في مصادمة حقائق الإِسلام وثوابته وعقائده وشرائعه بتلك النظريات التي أنتجتها عقول غربية في حالة من الخصومة الشديدة مع الدين وتسلط الكهنوت الكنسي. فهذه النظريات عند نشأتها اختلطت بانحرافات كثيرة كان من أخطرها موقفها من الدين فدعت إلى الدفاع عن الإلحاد باسم العلم، وإقامة العلوم الحديثة مستقلة بنظرياتها ومناهجها عن الوحي، ردًا على محاربة الكنيسة للعلوم وتنكيلها بأهلها ورميهم بالكفر. وذكر المؤلف أن تلك الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث بدأت تدخل إلى بلاد المسلمين في صور مختلفة، وأنها أحدثت صراعًا فكريًّا كبيرًا انقسم أصحابه إلى ثلاثة اتجاهات أساسية، مؤكدًا أنه لم يكن ثَمّ خصومة في يوم من الأيام بين الإِسلام وصحيح العلم والمعرفة. وتأتي هذه الدراسة تصحيحًا للرؤية في مساقاتها المتعددة الفكرية والعلمية والدينية. ولا يفوتنا التنويه بالجهود المتميزة لمركز التأصيل للدراسات والبحوث الذي يشرفنا التواصل والتعاون العلمي معه. ونشكر القائمين عليه ونسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا وإياهم من المتعاونين في سبيل نهضة الأمة وتقوية بنيانها العلمي والفكري.

стр. 4

المقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فإنه في العصر الحديث ما احتاجت الأمة ألزم ولا أوجب بعد تجديد أمر الدين مثل أهمية إصلاح أمر الدنيا، وذلك بالاستفادة من العلوم الحديثة، ومن فقه علماء الشريعة بذلك فقد جعلوها في درجة الواجبات ومن فروض الكفايات. وإنه في العصر الحديث ما ابتُليت الأمة بشيء بعد ضعفها الديني والدنيوي بأسوأ من تيارات التغريب المختلفة، فقد أعاقت هذه التيارات نهضة الأمة الحقيقية، ولوثت الجو الفكري في العصر الأخير. وقد التصق المتغربون بالغرب وثقافته، وشاركوا في نقل الثقافة الغربية إلى العالم الإِسلامي مع غيرهم ممن تبنى عملية النقل، ولكن التغريبي ركّز على الأمراض أكثر من تركيزه على النافع. فقد عانت الأمة الإِسلامية في القرون الأخيرة من أمور كثيرة، وكان من

стр. 5

أشهرها مشكلتا الضعف والتخلف وآثارهما في أغلب مجالات الحياة ونشاطاتها، وصاحب ذلك اتساع دائرة الجهل بالدين، وانتشار الابتداع فيه، وتسلط أعداء الأمة عليها من الداخل والخارج. وفي فترة ذلك الضعف العام للعالم الإِسلامي ظهر تقدمٌ كبير في الجانب الدنيوي في بلاد الغرب، وارتبط هذا التقدم بتطورات علمية مختلفة كان أبرزها علوم الطبيعة والرياضيات وما لحقها من تقدم تقني وصناعي، ولحق ذلك تقدم في مجالات العلوم المختلفة، ومنها العلوم الاجتماعية الحديثة مثل علم الاجتماع، وعلم النفس. . وغيرهما من العلوم. بدأت الرغبة عند المسلمين في الإفادة من تلك العلوم لمسايرة المتقدم الموجود في العالم والاستفادة منها في حياتهم، ولكن هذه العلوم قد اختلطت بها أثناء نشأتها الحديثة انحرافات كبيرة كان من أخطرها موقفها من الدين الذي قد يصل بصور منها إلى الدفاع عن الإلحاد باسم العلم، والدعوة إلى إقامة العلوم الحديثة مستقلة بمناهجها ونظرياتها وتوجهاتها حتى لو خالفت الدين، وزاد من اتساع خطورة الأمر ارتباط بعض العلوم الحديثة المشهورة -غالبًا- بنوعين من العلماء: النوع الأول فئة من الملاحدة المنكرين للأديان حاولوا توجيه تلك العلوم إلى مسارهم الإلحادي، والنوع الثاني فئة اللا أدرية؛ فلا هم ينفون قضايا الدين ولا هم يثبتونها، وإنما يقفون موقف "اللا أدري"، مع أنهم في نشاطهم العلمي يتحركون دون مراعاة لأي أصل ديني، ثم زاد ضرر تلك الانحرافات -المرتبطة بحركة العلم الحديث- وخطرها عندما خرجت عن مجالها الحسي والتجريبي لتُطبَّق في مجالات أخرى ولاسيّما مجال الغيبيات. ومما يؤسف له أن تلك الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث بدأت تدخل إلى بلاد المسلمين في صور وأشكال مختلفة، وأحدثت صراعًا فكريًا كبيرًا انقسم أصحابه إلى ثلاثة اتجاهات أساسية هي: الاتجاه الأول: الاتجاه السلفي الذي يدعو إلى التأصيل الإِسلامي للنافع من هذه العلوم، وإلى نقد الضار منها وفق منهجية إسلامية شاملة، وكان من آثاره النشاط الكبير في أسلمة العلوم الحديثة الذي تتبناه جامعات هذا البلد المبارك في الأقسام العلمية المتخصصة، وتنشط فيه أيضًا جهات علمية وفكرية منتشرة في العالم الإِسلامي.

стр. 6

الاتجاه الثاني: الاتجاه العصراني الذي تأثر ببعض الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وسلّم بعدد منها، ووقع في مشكلة ما يتوهمه من تعارض بين الدين والعلم الحديث، فاضطر أصحابه إلى تحريف النصوص الشرعية والقضايا الدينية من أجل موافقة العلم، ودعوا إلى مواصلة طريقة المتقدمين من أهل الكلام وغيرهم، فكما قدّم أهل الكلام العقل على النقل عند توهم التعارض، فقد تساهل هؤلاء في تقديم العلم الحديث على النقل وتأويل النقل عند توهم التعارض أيضًا. الاتجاه الثالث: الاتجاه التغريبي وهو الاتجاه الذي تحمس لكل ما في الغرب أو أغلبه، بما في ذلك العلوم الحديثة ومناهجها ونظرياتها بما فيها من خير وشر، حتى تلك التي تتعارض بوضوح مع ديننا وعقيدتنا، ولم يفرقوا بين الصحيح منها والفاسد، ثم إن منهم من يرى أهمية إعادة النظر في الدين حتى يتوافق مع العلم الحديث، على أن المقدم عندهم هو العلم بلا منازع، وإنما جاء الاعتبار للدين عندهم من أجل تلبية احتياج الجماهير للدين أو أنّ الدين يخص الجانب الروحي والأخلاقي، وفيهم الغالي الذي يرى أهمية تجاوز الدين والاكتفاء بالعلم؛ لأنّ الدين -بزعمه- كان يمثل مرحلة الخرافة التي تمّ تجاوزها إلى عصر العلم. وهذا الانقسام المشهور حول الموقف من العلم الحديث ومناهجه يكشف أهمية هذه المسألة في واقع المسلمين اليوم، وأهمية دراستها وبحثها. العلاقة بين الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث والفكر التغريبي العربي المعاصر: من يتأمل في واقع المسلمين اليوم يجد أنَّ من أبرز الانحرافات شهرة هو ظهور الانحراف الفكري المعاصر متمثلًا في دعوات ومذاهب فكرية تغريبية منتشرة هنا وهناك، ومن أهم أسباب ظهور الانحراف الفكري التأثر بالوافد الغربي بأشكاله المختلفة؛ ذلك أن الفكر العربي المعاصر تكون في ظل ظروف استثنائية مما مكّن لكثير من المؤثرات أن تسهم في تشكيله، ومن أهم تلك المؤثرات ما جاءنا من الغرب، ولا يخفى على أي باحث حجم ذلك التأثير الذي مارسه الوافد الغربي على الأمة الإِسلامية.

стр. 7

ومن يبحث في صور تأثير الوافد الغربي في الفكر العربي المعاصر يجد أن أهمها ما يلي: ١ - الفكر الغربي الحديث بمذاهبه المشهورة واتجاهاته الفلسفية الكثيرة. ٢ - الاستشراق. ٣ - الآداب والفنون الغربية ومدارسها المشهورة. ٤ - النظريات والمناهج والمفاهيم العلمية الحديثة. فقد كان العلم في الغرب -أي: العلم المعتمد على المحسوسات والمعقولات- مصاحبًا للفكر والفلسفة منذ عصر الفلسفة اليونانية والرومانية إلى العصور الوسطى ثم عصر النهضة، وبدأت محاولات الانفصال في القرن الحادي عشر/ السابع عشر، ثم تحقق الانفصال في القرون الثلاثة الأخيرة، ولم يكن الانفصال عن الفلسفة فقط بل وقع انفصال عن الدين أيضًا بعد ظهور مشكلة الصراع بين الإيمان والعلم في الغرب، وفي ذلك يقول هاشم صالح: "ثم جاءت العصور الحديثة مع ديكارت، وانفرط عقد التحالف بين العلم والإيمان. . . . واشتد الطلاق بينهما في القرن الثامن عشر عندما صرح بعض فلاسفة التنوير بماديتهم الإلحادية. . . . وبلغ الطلاق ذروته في القرن التاسع عشر عندما حقق العلم انتصارات كبيرة. . . ." (١)، وقد جعل الغلاة منهم العلم إلهًا معبودًا جديدًا، وقد كانت هذه المرحلة فترة نشاط بعثات أبناء المسلمين إلى الغرب التي عرفت في القرن الماضي في عصر محمَّد علي والي مصر، وما زالت تلك البعثات مستمرة من أغلب بلاد المسلمين إلى اليوم، ولم يخلُ الأمر من تأثر بعض المبتعثين بتلك الروح المادية اللادينية التي ارتبطت بالانحرافات المنهجية العلمية المصاحبة لحركة العلم الحديث في الغرب، وأسهم بعض أولئك المبتعثين في نقلها إلى بلاد المسلمين بصور مختلفة. وقد وجدت أن القسم الأخير -وهو التأثر بالنظريات والمفاهيم والمناهج العلمية المعارضة للأصول الدينية- كان بارزًا في الفكر التغريبي العربي المعاصر مع ندرة الدراسات التي تبحث في صور هذا التأثير وصور أخطاره وكيفية

стр. 8

مواجهته؛ لذا اخترته موضوعًا للبحث الذي أقدمه -بعون الله- للدكتوراه بعنوان: تأثير النظريات العلمية الحديثة في الفكر التغريبي العربي المعاصر دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية تبين مما سبق أن العلم في الفكر الغربي كان ضمن مباحث الفلسفة، ثم بدأ ينفصل عن الفكر الفلسفي مع بدايات العصر الحديث، وقد اختلط بمسيرته الجديدة بعد انفصاله عن الفلسفة بعض الأخطار التي مالت بمساره، والتصقت به على إثرها انحرافات خطيرة أصبحت سمة للفكر العلمي العلماني في الغرب، وأثّرت فيما بعد بمن أخذ بها من المسلمين، سواء من حرص على تلك العلوم لذاتها متأثرًا بما اختلط بها من انحرافات، أو من أراد استثمارها في تطوير الفكر "وهم المراد بهذه الدراسة"، وأصبحت هذه الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث أحد أبرز المؤثرات في انحراف مسيرة الفكر العربي المعاصر. فيكون الهدف -بإذن الله- من البحث: الدراسة النقدية لتأثير الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث ومناهجه ونظرياته في الفكر التغريبي العربي المعاصر في علاقته بالدين، إذ أجتهد -بإذن الله- في بحث سبب اتصال تلك الانحرافات بالفكر التغريبي العربي المعاصر، وصور تأثيرها فيه، وبيان خطورتها العقدية والعلمية والفكرية والعملية، فهذه الأهداف هي مدار اهتمامي وبحثي. ويمكن إرجاع صور الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث ذات الأثر في الفكر العربي إلى صورتين: الأولى: نظريات علمية مخالفة للدين، أو فلسفات وأيديولوجيات مبنية على تلك النظريات العلمية؛ والثانية: مناهج علمية تناسب مجالها الحسي التجريبي ولكنها طُبِّقت في غير مجالها مثل تطبيقها على الدين. ومن أهم الأمثلة على انحرافات الفكر التغريبي العربي المعاصر في هذا الباب: ١ - الاستسلام لضغط النظريات العلمية في الموقف من الدين. ومن آثار ذلك تحريف النصوص الدينية عن مرادها والأصول الدينية عن معناها لكي تتوافق مع النظريات العلمية الحديثة، أو رفض تلك النصوص والأصول عند الغلاة والتكذيب بها. وقد اتسع التحريف عند بعضهم ليطال الدين كله، فشمل تأويل العقائد وتأويل الشرائع من أجل عدم معارضة العلم، وهذا الخضوع لضغط النظريات العلمية قد وقع فيه حتى من له معرفة بالشرع مثل المدرسة العصرانية

стр. 9

المتأثرة بأفكار الشيخ محمَّد عبده، وبعض قيادات العمل الإِسلامي ممن تأثر بالاتجاه العصراني، فضلًا عن غيرهم من رموز الفكر التغريبي. ٢ - تقديس العلم بصورته الحديثة، والغلو فيه بما فيه من خير أو شر، وجعله أهم المصادر، وهو مقدَّم عند المقدِّسين له على مصادر الدين، ووصل الأمر عند بعضهم إلى جعله المصدر الوحيد للمعرفة ورفض ما سواه، وللعلم عندهم -بمفهومه الحديث- الكلمة الفصل فيما اختلف الناس فيه، في تقليد لتيار العلموية الذي ظهر في الغرب، وهو تيار عرف عنه تحويل العلم إلى عقيدة جديدة. ٣ - نقل المناهج العلمية المناسبة للقضايا المحسوسة إلى مجال الغيب، وتطبيقها على أبواب الغيب والأبواب الشرعية، ويرون أنها أفضل من المناهج التقليدية بحسب زعمهم، وإذا كان العلم الحديث في الغرب نشأ مستقلًا عن الدين ومعاديًا -مع أكثر دعاته- لكل ما هو ديني فهذا يكفي دلالة على نوع تلك المناهج ووجهتها وطريقة تعاملها مع أي دين، وسنجد من يتحمس لذلك من المفكرين العرب المشهورين مثل حسن حنفي، فيقول مثلًا عن مسائل التوحيد بأنها أصبحت موضوعًا "لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة" (١)، وآخر منهم هو محمَّد أركون يقول: "ينبغي أن نطبق العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية على التراث الإِسلامي مثلما طُبِّق على التراث المسيحي في أوروبا منذ زمن طويل. . . ." (٢). ٤ - نقل النظريات العلمية ذات المعارضة البيّنة للإسلام إلى بلاد الإِسلام، ونشرها والتحمس لها والدعوة إليها، مثل الدعوة إلى أفكار النظرية التطورية الدارونية حول وجود الحياة وخلق الإنسان وما ارتبط بها من فكرة التطور، وعرض نظريات في علم الفلك والفيزياء الحديثة حول وجود الكون بطريقة العرض المادي العلماني لها، ونشر نظريات علم الاجتماع الديني التي غلب عليها عند مؤسسيها في الغرب اعتبار الدين ظاهرة بشرية اجتماعية إن لم نقل كلها، يتساوى في ذلك ما أتى به الأنبياء ﵈ من ربهم مع الديانات الوضعية

стр. 10

التي ابتدعها الشيطان وأتباعه، ونشر نظريات في علم النفس مثل نظريات فرويد وغيره التي تصوِّر التدين والعقائد التي فطر عليها البشر بأنه مرض نفسي نابع من اللاشعور نتيجة غرائز جنسية بما في ذلك الإيمان بوجود الله، وأن الأنبياء ﵈ جميعًا مصابون -كما يقول فرويد- بنوع من العصاب يدفعهم إلى ادعاء تلقي الوحي والاتصال بالله تعالى، ومن علم الأنثربولوجيا نظريات حول نشأة الأديان في المجتمعات والشعوب البدائية ثم تطورها عند الشعوب الكتابية، غير مفرِّقين في ذلك بين دين نزل من السماء أو أديان وثنية أوحى بها الشيطان لأتباعه، ونظريات من علم الاقتصاد الحديث تدَّعي استحالة قيام اقتصاد حديث دون ربا، ولذا يرفضون الحكم الديني حول الربا؛ لأنه يتعارض مع علم الاقتصاد، بل حتى في علم الأخلاق نجدهم يرفضون الأخلاق الدينية ويستبدلون بها أخلاق علمية مصدرها العلم وتتوافق معه كما يزعمون. هذه وأمثالها تمتلئ بها كتب رموز فكرية عربية تغريبية بصورة أو أخرى، وتُنشر بقوالب فكرية وثقافية متنوعة بعد إخراجها من بيئتها التخصصية إلى بيئة الفكر والثقافة وتطبيقها على الدين الإِسلامي. ٥ - بناء أصول فكرية جديدة مستمدة من الفكر العلمي الحديث تتعلق بتصور الكون والحياة والنفس الإنسانية، وتتعارض مع الدين أو معظم أصوله. ٦ - الحرص على علمنة العلم، بداية بالجهود الفكرية التي تؤصل لذلك، وصولًا إلى النشاط الواقعي لتحقيق هذا الهدف بحجة أن العلم لا يتطور إلا بابتعاده عن الدين وضوابطه. ٧ - تقرير دعوى التعارض بين الدين والعلم التي اشتهرت في الغرب، ونقلها إلى العالم الإِسلامي، ونشرها بصور وأشكال مختلفة، والتركيز عليها في أغلب الخطابات الفكرية التغريبية المعاصرة، ثم استغلال فكرة التعارض في رمي الدين بشتى صنوف التهم بحجة عدم علميته وعقلانيته، ثم رفع دعوى أهمية تأويله أو نبذه. ٨ - ظهور دعوات واتجاهات عربية جديدة تتبنى تقديم الرؤية العلمية مكان الرؤية الدينية: يعتني أصحاب تلك الدعوات بالدعوة إلى العلم والنظرة العلمية والمناهج والمفاهيم العلمية دون تفريق بين الصحيح منها والفاسد، ويدعون أيضًا إلى النظرة العلمية للأديان والمجتمعات والحياة، وهم من يُطلق عليهم أحيانًا

стр. 11

دعاة الفكر العلمي، يقدمونه بمادته الإلحادية وروحه العلمانية، واشتهر هذا الاتجاه في بدايات القرن عند مجموعة من النصارى مثل فرح أنطون، وشبلي شميل، وسلامة موسى، ثم أخذ به بعض المسلمين مثل إسماعيل مظهر وصولًا إلى زكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا. . وغيرهم. فهذه الأمثلة هي أصول عند طائفة من المتغربين كانت -وما تزال- مرتبطة بالانحراف المصاحب لحركة العلم، وأثر هذه الأصول في رموز الفكر التغريبي المعاصر كبير، وهذا يُبرز أهمية دراسة مثل هذه الظاهرة الفكرية. أهمية الموضوع: تبرز أهمية الموضوع في النقاط التالية: ١ - بيان خطورة الانحراف العقدي الناتج عن التأثر ببعض النظريات العلمية الباطلة، ومن صوره المشهورة: - زرع الشُبَه والشكوك حول أبواب العقيدة. - تأويل العقائد التي لا تتوافق -بزعمهم- مع النظريات العلمية. - هجر الأصول العقدية، أو نبذها واستبدال نظريات علمية بها. ٢ - خطورة نشر دعوى التعارض بين الدين والعلم الحديث، أو بين الأصول العقدية والنظريات العلمية، وللاتجاه التغريبي نشاط في استثمار هذه الدعوى للانتقاص من شأن الدين وأصوله. ٣ - ما يمثله العلم الحديث من فتنة في هذا العصر عند كثير من الناس، إذ يختلط فيه الحق بالباطل عندهم، فهم يظنّونه على درجة واحدة فلا يعلمون الفرق بين الصحيح منه والباطل، ولذا يتأثرون ببعض الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث جهلًا بها، ولاسيّما مع انتشار الجهل بالعلم الشرعي في كثير من بلاد المسلمين، وعندما يأتي أصحاب الفكر المنحرف من باب العلم الحديث ونظرياته فإنهم ينجحون في نشر ما يريدون لتمسحهم بالعلم والكشوفات العلمية. ٤ - يحرص رموز الفكر التغريبي العربي المعاصر على بيان أهمية إدخال الروح العلمية الغربية العلمانية إلى العالم الإِسلامي وتطبيقها على الدين والتراث والمجتمع، ثم بدأت مشروعاتهم الفكرية تتوالى في دراسة التراث الإِسلامي مدَّعين استخدامهم منهجيات علمية متطورة يفضلونها على المناهج الإِسلامية المعهودة،

стр. 12

وقد اختلطت بهذه الروح العلمية مشكلات منهجية خطيرة مثل إهمال الوحي مصدرًا للمعرفة، واعتماد الحس معيارًا أساسيًا للمعرفة، والاتكاء على الموضوعية للتخلص من أي اعتقاد سابق ولو كان ذلك الاعتقاد هو الاعتقاد الحق. ٥ - تبنّي أغلب المذاهب الفكرية الدعوة إلى العلم الحديث دون تحديد لمفهوم العلم، فيدخل فيه العلم وأشباه العلم والانحرافات المرتبطة به، فلا يُفرَّق بين علوم نافعة وبين نظريات إلحادية أو مناهج غير مناسبة لمجال آخر غير مجالها الحسي، من ذلك دعوة أحد المعاصرين إلى إدخال كل ذلك في جميع المراحل الدراسية من الابتدائية إلى الجامعية؛ لأن التعليم -بزعمه- "لا يزال ينقصه الحدّ الأدنى من النظرة العلمية والانفتاح على المنهجيات الحديثة. . . .". . إلى قوله: "انظر الوضع المخيف لكليات الشريعة والمعاهد الدينية التقليدية هناك حيث لا يزال السياج العقائدي المغلق يتحكم بالعقول كالسجن. . . ."، ويؤكد حاجة هذه المعاهد إلى العلوم الحديثة، ويرى أن التدين المنتشر اليوم في العالم الإِسلامي مصدره أصول الدين والفقه القديمة التي لم تُراجَع في ضوء العلوم الاجتماعية الحديثة إذ ما زالت تُدرَس بصورتها القديمة في كليات الشريعة. فمثل هذه الحملات على الإِسلام وعلومه تُقام باسم العلم الحديث ومناهجه دون تفريق بين الحق والباطل (١). ٦ - زاد من خطورة الأمر وقوع مجموعة من الخيِّرين في خطأ منهجي، فهم يريدون الدفاع عن الدين، والجمع بينه وبين العلم الحديث، فتكلّفوا في ذلك تكلفًا قد يكون ضرره أكثر من نفعه، فخرجت كتب كثيرة تدور حول: الإِسلام والعلم، والعلم في القرآن. . . . وما شابهها، وتحمسوا للدفاع عن الإِسلام بإرجاع كثير من النظريات والأفكار العلمية إلى النصوص الدينية، وموقفهم هذا هو من ردود الفعل ضد انحراف تيار العلم التغريبي، ولعل من أبرز أسباب ظهوره هجمة التيار التغريبي على الدين، وادعاء مخالفته للعلم الحديث، ولذا كان من المهم التوقف النقدي مع هذه الظاهرة. ٧ - أهمية إزالة الهالة التي يتدرّع بها الفكر العربي التغريبي، فهو ينسب أصوله الفكرية إلى العلم، ويدَّعي العلمية لمناهجه؛ لأنها تمثل العقل العلمي

стр. 13

الحديث، ويدَّعي لفكره التوافق مع العلم، بينما الحقيقة أن تلك الأصول العلمية التي أسس عليها فكره أصول فاسدة وبعيدة عن العلم ومضادة للدين، ولكن من باب التلبيس يكثرون من ذكر العلماء والنظريات العلمية ومصطلحات العلم ليُخيِّلوا للناس علمية فكرهم. فهذه قضايا توضح أهمية الموضوع، وقد دفعني ذلك إلى اختياره موضوعًا للبحث أقدمه رسالة دكتوراه، راجيًا من الله العون والتوفيق والسداد والهداية. أسباب الاختيار: ١ - ما وجدته من أهمية كبيرة لهذا الموضوع. ٢ - ندرة الدراسات حول هذا الموضوع في ضوء عقيدة أهل السنة والجماعة رغم أهميته. ٣ - ما ظهر لي من أساليب التلبيس عند الاتجاه التغريبي في هذا الميدان، إذ يتمسحون بالعلوم الحديثة في تأكيد أصولهم الفكرية مع أنها في الحقيقة تلبيسات وأباطيل، ولذا فهي تحتاج إلى كشف وبيان ونقد حتى لا يُغترّ بها. ٤ - ضرورة وجود بحوث شرعية تبين الفرق بين العلوم النافعة وحدود مناهجها من جهة، ومن جهة أخرى ما ارتبط بهذه العلوم من نظريات مادية أو تطبيقات غير منهجية على أبواب لا تناسبها تلك المناهج لاسيّما مع كثرة من يحتك بتلك العلوم. ٥ - هذا الموضوع يخدم مجال تخصصي "العقيدة والمذاهب المعاصرة" فإن فيه الدفاع عن عقيدة أهل الإِسلام، والرد على من يستثمر الانحرافات المتصلة بحركة العلم الحديث للطعن في الدين. أهداف الموضوع: ١ - جمع أبرز صور التأثر بالنظريات العلمية عند الاتجاه التغريبي ذات الصلة بموقفهم من الدين. ٢ - كشف أسباب الانحرافات التي صاحبت تطور العلم الحديث، وأسباب تأثر الاتجاه التغريبي بتلك الانحرافات. ٣ - بيان خطورة تطبيق نظريات علمية باطلة أو مناهج مرتبطة بها على الدين من الناحية العقدية والشرعية والمنهجية.

стр. 14

٤ - الدراسة النقدية لما ظهر من انحرافات في الاتجاه التغريبي بسبب تأثره بهذه النظريات أو استثماره لها في خدمة غاياته وأهدافه العلمانية. ٥ - إبراز الموقف الشرعي من العلم الحديث ونظرياته ومفاهيمه ومناهجه. الدراسات السابقة حول الموضوع: لقد اجتهدت أثناء التخطيط للموضوع أو أثناء البحث فيه في جمع كل ما له صلة بالبحث، فلم يتيسر لي الحصول على كتاب في المكتبة العربية يتناول المشكلة التي أريد بحثها ويعالج القضية نفسها التي أنوي معالجتها بإذن الله، وقد توجد كتب فيها عناصر ترتبط ببحثي لكنها لا تتناول ما أتناوله من الجهة نفسها، بل تُركز على جهة أخرى، ومما وجدته من دراسات حول الموضوع ما يلي: أولًا: الكتب الإسلامية التي تكون بعنوان: الدين والعلم، أو القرآن والعلم، أو الإِسلام والعلم، وما في معناها وبابها ، وهي كتب كثيرة يصعب حصرها، وقد انتشرت في السنوات الأخيرة بشكل ظاهر، ولاسيّما بعد دعوات التأصيل الإِسلامي للمعرفة. وهذه الكتب تُركّز على قضية عناية الدين الإِسلامي بالعلم بما في ذلك صورته الحديثة، أو تبرز صورًا من العلوم الحديثة لها أصلها في الإِسلام، ولكنها لا تتناول بشكل أساسي أثر الانحراف المصاحب لحركة العلم الحديث في الفكر التغريبي؛ لأن هدف مؤلفيها -في الغالب- إثبات مكانة العلم في الإِسلام لا آثاره على الفكر، فما يأتي من فقرات حول التغريب والعلمانية يأتي تبعًا ودون قصد. ولكن هذه الكتب لها فائدتها في إبراز مكانة العلم في الإِسلام، والتأكيد على عدم وجود مشكلة بين الدين والعلم من المنظور الإِسلامي كما وقع في أوروبا النصرانية، كما أن في بعضها مناقشات للاتجاهات المادية الغربية التي استغلت العلم الحديث ونظرياته في تأصيل رؤيتها المادية. ومع ذلك توجد -في كثير منها- مشكلة التوسع في بابين اشتُهرا في الدراسات المعاصرة هما: التفسير العلمي للنصوص الدينية، والإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، فهذا التوسع يعيق الاستفادة العلمية من هذه الدراسات؛ ذلك أن على الباحث أن يتأكد أولًا من صحة أقوالهم قبل الاستشهاد بها. ومن بين الكتب الثرية بالمعلومات حول هذا الباب -مع الاختلاف مع

стр. 15

صاحبه في باب توسعه المذكور آنفًا -كتاب "الإشارات العلمية في القرآن الكريم بين الدراسة والتطبيق" للدكتور "كارم السيد غنيم". أما حول الباب عمومًا فتوجد كتب مثل: "الإِسلام والعلم" لأحمد غراب، "الإِسلام والعلم الحديث" لعبد الرزاق نوفل، وله أيضًا كتابا "بين الدين والعلم" و"السنة والعلم الحديث"، و"الدين والعلم الحديث" لإبراهيم محمَّد عبد الباقي، و"الإِسلام بين العلم والدين" لشوقي أبو خليل، و"الإِسلام في عصر العلم" لمحمد الغمراوي، و"الإِسلام والعلم التجريبي" ليوسف السويدي، و"العلم والدين" لأحمد عروة، و"الإِسلام في عصر العلم" لمحمد فريد وجدي. . . . وغيرها. ثانيًا: الكتب التي تناولت بعض موضوعات البحث: يوجد فصلان من فصول البحث تناولتها كتب أخرى لكن من زاوية مختلفة عن مرادي، والفصلان هما: "دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإِسلامي للعلوم" و"دعوى التعارض بين الدين والعلم وإبطالها"، فأغلب من كتب في العلمانية تناول هذين الفصلين بصورة أو أخرى، مثل كتاب "مذاهب فكرية معاصرة" لمحمد قطب، و"العلمانية نشأتها وتطورها وآثارها في الحياة الإِسلامية المعاصرة" لسفر الحوالي، و"تهافت العلمانية" لعماد خليل. . . . وأمثالها من الكتب المعاصرة فضلًا عن الكتب التي وردت في القسم الأول، فقد وجدتُ فيها مادة ثرية حول خطورة علمنة العلم ومناقشة دعوى التعارض المزعومة، إلا أنها لا تبحث هذه المسائل في صورتها عند المفكرين العرب المعاصرين، فلا تعتني مثلًا بمن قال بها منهم، وصُوَر عرضهم لها، وصور تأثرهم بالنماذج الغربية، وتسلسلها التاريخي، وغير ذلك مما أنوي التركيز عليه في البحث؛ لأنّ مدار بحثي سيكون عن تأثير الانحراف العلمي الحديث في الفكر التغريبي العربي المعاصر، لذا أبحث موضوعي الفصلين من هذه الزاوية خاصّةً، وهو ما لم أجده في البحوث السابقة، ولكنها -دون شك- ستكون مفيدة لي في جانب الردود العامة. ثالثًا: "منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير " وهي رسالة علمية مطبوعة لفهد الرومي: تناول المؤلف فيها منهج تلك المدرسة في التفسير، وذكر أنَّ من أسباب

стр. 16

انحراف منهجهم وكثرة تأويلاتهم التأثر بالنظريات العلمية الحديثة وذلك ضمن مؤثرات أخرى، ومن أهم الفروق بين هذه الرسالة وبحثي: ١ - أنه اعتنى بالمدرسة العصرانية وجعلها مدار بحثه واعتنى بروَّادها مثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومحمد رشيد رضا، ومحمد وجدي، ومحمود شلتوت، وأحمد المراغي. . . .، وهي نموذج للتأثر، ولكني لا أقصدها بالدراسة بقدر ما أقصد نموذجًا آخر أكثر شهرة في تأثره بتلك النظريات والمناهج وهو الاتجاه التغريبي. ٢ - أن أثر الانحراف المرتبط بحركة العلم الحديث كان جزءًا من بحثه يتناوله بحسب الحاجة، أما مدار بحثي فيظهر -من خلال الخطة- شموله لأهم صور الفكر التغريبي. ٣ - أن الباحث تناول تلك الفئة من جهة التفسير، أما في بحثي فسيكون تناولها من جهات أخرى أهمها جهة العقيدة وجهة الفكر، وذلك في فقرة مخصصة لها. وكذلك ما يدور في فلك هذه الدراسة من كتب وبحوث حول الاتجاه العصراني فإن التناول فيها يكون من منظور أوسع من منظوري المتخصص في أثر الانحراف المنهجي العلمي على الفكر، مع اختلاف الاتجاه الفكري الذي أدرسه، ومن أمثلة تلك الكتب والبحوث "مفهوم تجديد الدين" لبسطامي محمَّد سعيد، "والعصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب" لمحمد أحمد الناصر. . . . وما في بابها، ومن ذلك أيضًا البحوث الجامعية العلمية حول العقلانية المعاصرة، وتركز غالبًا على العصراني منها. رابعًا: الكتب التي تدور حول الفكر العربي المعاصر ومذاهبه: توجد في الساحة العلمية والثقافية كتب كثيرة حول الفكر العربي المعاصر ومذاهبه، إلا أنها من النادر أن تتحدث عن محور اهتمامي وهو تأثر هذا الفكر بالنظريات والمناهج والمفاهيم العلمية الحديثة، ومن الكتب المشهورة في ذلك: "الفكر الإِسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي" لمحمد البهي، وثلاثة كتب لمحمد محمَّد حسين وهي "الإِسلام والحضارة الغربية"، و"حصوننا مهددة من داخلها"، و"الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر"، ومجموعة من كتب المفكر

стр. 17

جمال سلطان. . . .، وهكذا أغلب الكتب الحديثة عن الفكر المعاصر فهي إن تناولت الفكر ومذاهبه فإنها تربطه بالتيارات الفكرية المشهورة في الغرب وهي أحد المؤثرات الأربعة الغربية المشهورة التي سبق ذكرها، أما عن تأثير الجانب العلمي فما وجدت كتابًا منها تناوله بالصورة التي رسمتُ خطتها أو قريبًا منها، وكذلك الرسائل الجامعية العلمية المختصة بالمذاهب المعاصرة التي أمكنني الاطلاع عليها. خامسًا: الكتب المتخصصة في مشكلة البحث: وغالب ما وجدته في هذا الباب يكون دراسة متخصصة لمفكر اهتم بالفكر العلمي أو نظرياته أو فلسفته. وهذا النوع هو الأقرب إلى مشكلة بحثي، وقد وجدت الدراسات الآتية: ١ - "الإِسلام والاتجاهات العلمية المعاصرة" للدكتور يحيى هاشم فرغل، وهو كتاب مميز في هذا الباب، تناول مؤلفه مشكلات في صلب البحث مثل النظريات العلمية "ولاسيّما نظرية التطور"، والمفاهيم العلمية التي انحرفت بها الاتجاهات المادية مثل القوانين الطبيعية، والحتمية، والصدفة. . . . وغيرها، وناقش دعوى توسيع المنهج العلمي ليشمل مجالات غير حسية. . . . وغيرها من المباحث المهمة. إلا أنه في باب التغريب توقف مع إسماعيل مظهر وعلاقته بالنظرية التطورية والمنهج العلمي وقانون الأحوال الثلاث لكونت، وتوقف مع بعض المقالات من مجلة "المقتطف"، وغلبت على بحثه مناقشة المشكلة العلمية بوضعها الغربي المادي والعلماني، دون أن تكون له عناية بدراسة تأثيرها على الاتجاه التغريبي إلا مع إسماعيل مظهر. ٢ - "أصل الإنسان بين العلم والفلسفة والدين" للدكتور سامي عابدين، وهو كتاب تناول مسألة واحدة من مشكلات العلم الحديث هي نظرية التطور وأبعادها في الفكر العربي بكل مدارسه، ويمتاز الكتاب بأنه جمع أغلب ما كُتب في هذا الباب منذ دخول النظرية إلى الساحة العربية في الكتب والمجلات، فهو ثري بالمعلومات والشواهد والاستقصاء لكل ما قيل في الباب، فالهدف الأبرز فيه هو جمع الشواهد ويأتي النقد بعده في المرتبة، فهو قد قَصَر عمله على نظرية واحدة، وقد أفدت منه في بابها.

стр. 18

٣ - "علماء الاجتماع وموقفهم من الإِسلام" لأحمد إبراهيم خضر، وهو من الكتب المشهورة في كشف انحرافات الاتجاه التغريبي في ميدان علم الاجتماع، إلا أنه اكتفى بتجربته الشخصية التي تمتد في هذا الميدان لأكثر من ثلاثين سنة بحسب مقدمته، وكانت أغلب شواهده من كتاب واحد جمع المتغربين في هذا الميدان بعنوان "الدين في المجتمع العربي -ندوة"، وقد استفدتُ منه في قسم علم الاجتماع، وقمتُ بتتبع الأمر من خلال أمثلة أكثر في هذا الميدان. ٤ - "منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية" لمحمد محمَّد أمزيان، وهو من البحوث المميزة في هذا الباب، ويمتاز صاحبه بتخصصه الاجتماعي مع نقده لوضعية علم الاجتماع العلمانية في البيئة الغربية ونقد بعض النماذج العربية المقلِّدة، وهو أوسع وأشمل وأكثر علمية من الكتاب السابق، ونقطة الاختلاف معه محدودة وهي في هدف البحث، فهدفه هو علم الاجتماع عمومًا في الغرب والشرق، أما هدف بحثي فهو دراسة فكر المتغربين العرب في ميدان علم الاجتماع فضلًا عن غيره من الأبواب. ٥ - "أبحاث ندوة علم النفس" لمجموعة متخصصين في علم النفس، ففي بعض الأبحاث مناقشة لبعض آثار النظريات النفسية على باحثين عرب، ولاسيّما بحث "نحو وجهة إسلامية لعلم النفس" للدكتور فؤاد أبو حطب، وقد ساعدتني أفكار الكتاب في بحثي في هذا الباب، ومع ذلك فهي وقفات مختصرة غير مقصودة في الأساس. ٦ - "موسوعة الجندي" لأنور الجندي، وهي موسوعة كبيرة تجمع كل كتبه، وفيها جهد ضخم حول التغريب، وقد يكون هو الأوسع في المكتبة العربية، وقد جاءت متنوعة وشاملة لكل المجالات بما فيها علاقة هذا الاتجاه بالعلم الحديث ونظرياته ومناهجه، إلا أن المتعب فيها أنها لا تأتي في باب واحد أو مخصص للموضوع، وإنما تأتي في سياق نقاش قضايا أخرى، وقد أفادني، ولاسيّما في شأن واقع المشكلة في مصر. ٧ - "الفكر الديني عند زكي نجيب محمود" للدكتورة منى أحمد أبو زيد، وهو كتاب يتناول بالدراسة شخصية مهمة في مجال فلسفة العلم ونظرياته ومناهجه، وفي الوقت نفسه تأثَّر بالعلمنة والتغريب، مما جعله يتعامل مع فلسفة العلم من منظور علماني، ولاسيّما في فترة تحمسه للوضعية المنطقية. وتأتي

стр. 19

أهمية الدراسة في أنها تبحث فكر زكي محمود من خلال الجانب الديني وعلاقته بفلسفته العلمية. وقد كانت الدراسة مفيدة لي في استقصاء مواقف المفكر، ولكن الاختلاف بين منهجي و منهج البحث السابق هو في الرؤية، ففيه رؤية متحمسة لفكر زكي محمود وتأخذ بموقفه العلماني بخلاف رؤيتي. ٨ - "الفلسفة النشوئية وأبعادها الاجتماعية -قراءة في تجربة شبلي الشميل الفلسفية" للدكتور محمود المسلماني، وهذه الدراسة في السياق السابق نفسه، فهي دراسة علمية حول شخصية اهتمت بالعلم وفلسفته ونظرياته ولاسيّما في جانبها الداروني المادي، وهو رمز تغريبي بارز، وتمتاز هذه الدراسة بجانبها العلمي، ومع ذلك فهي تتبنى رؤية شبلي شميل التغريبية وإن بشكل مخفف فالشر دركات، وقد أفادني هذا البحث في اكتشاف العلاقة بين النظريات العلمية والرؤية المادية من خلال نموذج عربي، ونفترق بعد ذلك في التصور والمنهج والغاية، فالمؤلف يدرس تلك التجربة مؤيدًا لها، بخلاف مسار بحثي الإِسلامي. ٩ - "سلامة موسى بين النهضة والتطوير" للدكتور مجدي عبد الحافظ، وهو كتاب يتناول أحد المتغربين المشهورين وأحد المتحمسين للنظريات العلمية بكل أبعادها المادية، وهو جزء من بحثٍ علمي، وقد أعطاني هذا البحث ما أعطاني البحث السابق أيضًا، ومسار الباحث مسار علماني تغريبي، ولكنه اعتنى بإبراز مشكلة العلاقة بين الفكر التغريبي والنظريات العلمية. ١٠ - "العلمانية من منظور مختلف" للدكتور عزيز العظمة، وهذا الكتاب لمؤلف علماني يدافع عن العلمانية بكل قوة، وقد جمع في بحثه كل شذوذ الفكر التغريبي مع تقديمه على أنه النموذج العقلي والعلمي ضد الفكر الديني الغيبي الخرافي، وقد جمع فيه ما ينتسب إلى العلم الحديث ونظرياته ويركز فيه على ما يعارض الدين. وقد وجدتُ فيه شواهد وأمثلة كثيرة في الباب، ولكن شتان بين من يسير نحو الغلو التغريبي وبين بحثٍ إسلامي. منهج البحث: أما عن منهج البحث في هذا الموضوع، فسأحاول -بإذن الله- السير وفق المنهجية التالية: ١ - الاستفادة من المنهج التاريخي الاستقرائي: أجتهد -بإذن الله- في تتبع

стр. 20

هذه الظاهرة من بداياتها حتى شهرتها وتحولها إلى تيارات فكرية، مع استقراء أهم صور انحرافات الفكر التغريبي المرتبطة بحركة العلم الحديث وآثارها ورصدها، وذلك من خلال استقراء كتابات المشهورين من معتنقي ذلك الفكر ودعاته، ثم جمعها وترتيبها بالصورة المناسبة لفهمها من جهة، ولتوجيه الدراسة النقدية إليها من جهة أخرى. ٢ - استخدام المنهج النقدي: بعد كشف الآثار -صورها وخطورتها- أوجِّه ما يكون مناسبًا من صور النقد لتلك الآثار، بحيث يشمل النقد بيان خطأ تلك المزاعم أو تناقضها أو تلبيسها، والحكم الشرعي فيها وفق منهج أهل السنة والجماعة -بإذن الله-. ٣ - تحقيق خدمات البحث المعهودة وأهمها: ١ - عند ورود آية فإني أذكر اسم السورة ورقم الآية. ٢ - عند ورود حديث أجتهد في تخريجه من كتب السنة، وأما فيما يخصُّ الحكم عليه: فإن كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليهما، وإن كان في غيرهما اجتهدت في البحث عن حكم العلماء عليه بعد تخريجه. ٣ - توثيق الشواهد: أوثقها من مصدرها ذاكرًا اسم الكتاب ثم المؤلف ثم الصفحة، وإن كان الشاهد كما هو ذكرت المرجع والصفحة مباشرة، وإن كان فيه تصرف فإني أوضح ذلك بحسبه، فإن كان يسيرًا قلت: "انظر"، وإن كان غير يسير فإني أنصّ على ذلك. ٤ - التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في البحث، مركزًا على تاريخ ولادته ووفاته وأهم ما اشتُهر به ولاسيّما ما يرتبط بالبحث، وقد جمعتهم في ملحق في نهاية البحث. ٥ - التعريف بالفرق والمذاهب والتيارات وما في بابها، وقد جمعتها في ملحق في نهاية البحث. ٦ - التعريف بالمصطلحات والكلمات الغريبة وما في حكمها تعريفًا موجزًا، وقد جمعتها في ملحق في نهاية البحث. ٧ - وضع الفهارس المناسبة للبحث. ٨ - وضع مراجع البحث ومصادره.

стр. 21

وبسبب كثرة الأسماء والمصطلحات وكثرة تردد بعضها في مواطن متفرقة فقد وضعتها في ملحق في نهاية البحث حتى لا تؤثر على حواشي البحث ويتيسر الوصول إليها. ٤ - الفترة الزمنية للبحث، والفئة المقصودة بالدراسة: أما الفترة المعنية بالبحث فهي الفترة المعاصرة التي تمثل القرن الرابع عشر الهجري -العشرين الميلادي؛ وذلك أن أول صور التأثر بالانحراف المصاحب لحركة العلم الحديث ظهرت بوضوح في بدايات هذا القرن، وبرزت في الدعوة الجادة لنظرية التطور الدارونية التي عُرفت في علم الأحياء مع شبلي شميل، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر. . . . وغيرهم، ثم بدأت النظريات العلمية والمناهج العلمية تتلاحق على بلاد المسلمين، وتبنّى بعض المفكرين العرب صورًا منحرفة منها، وطبقوها على الإِسلام، ووسعوا دائرة مجالها من مجال تخصصها إلى ميادين الفكر والثقافة ومن ثمّ إلى أبواب الدين. أما الفئة المقصودة بالدراسة فهي أصحاب الاتجاه التغريبي الذين تحمسوا للنظريات العلمية بما في ذلك النظريات المخالفة للأصول الدينية، واجتهدوا في نشرها أو في استغلالها في بناء أصولهم الفكرية، أو قاموا بتطبيق مناهج علمية لها مجالها الخاص بها على مجال آخر لا يتناسب معها مثل تطبيقهم مناهج علمية تجريبية حسية على أبواب دينية غيبية، وعليه فمدار البحث يخص الاتجاه التغريبي العربي المعاصر. خطة البحث: نظمت هذا البحث كما يلي: المقدمة، وفيها: - أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وهدف البحث، والدراسات السابقة. - منهج الدراسة، وخطة البحث. التمهيد، وفيه: - النظرية العلمية. - أسباب نشأة الاتجاه التغريبي. - الموقف الإِسلامي من العلوم التجريبية وأمثالها.

стр. 22

الباب الأول: نشأة الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وظهورها في العالم الإِسلامي، وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: تعريف موجز بالثورة العلمية الحديثة وما ارتبط بها من نظريات مخالفة للدين، وأثرها في الفكر. الفصل الثاني: أسباب وجود الانحراف المصاحب للتطور العلمي الحديث. الفصل الثالث: تاريخ تكوُّن الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث في العالم الإِسلامي، وتأثيرها في الفكر التغريبي العربي المعاصر. الفصل الرابع: أسباب دخول الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث إلى البلاد الإِسلامية. الفصل الخامس: أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإِسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة. المبحث الثاني: موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث. المبحث الثالث: موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين. الباب الثاني: التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث، وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال، وفيه مبحثان: المبحث الأول: التأثر المنهجي في مصدر التلقي. المبحث الثاني: التأثر المنهجي في منهج الاستدلال. الفصل الثاني: التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية وفيه مبحثان: المبحث الأول: التأثر المنهجي في طريقة النظر للغيبيات.

стр. 23

المبحث الثاني: أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها الاعتقادية. ١ - في باب بداية الخلق ووجود الكون. ٢ - في باب خلق آدم ﵇ وأصل الإنسان. ٣ - في باب الإيمان بالملائكة والجن. ٤ - في باب المعجزات ودلائل النبوة. ٥ - في باب الوحي. الفصل الثالث: التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية، وفيه مبحثان: المبحث الأول: التأثر المنهجي في طريقة النظر للشريعة. المبحث الثاني: أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها. ١ - في باب الأخلاق الإِسلامية. ٢ - في باب العمل بالأدوية الشرعية للأمراض الجسدية أو النفسية. ٣ - في باب حكم التعامل بالربا. ٤ - في باب حجاب المرأة المسلمة. الباب الثالث: صور لدعاوى باطلة ونظريات منحرفة ظهرت في الفكر التغريبي حول الدين والعلم وخطورتها، وفيه فصلان: الفصل الأول: صور لدعاوى أظهرها الاتجاه التغريبي باسم العلم الحديث وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: دعوى أهمية علمنة العلم ورفض التأصيل الإِسلامي: مظاهرها وخطرها. المبحث الثاني: دعوى التعارض بين الدين والعلم الحديث. المبحث الثالث: دعوى كفاية العلم الحديث لحاجة الإنسان وشموليته بدلًا عن الدين. الفصل الثاني: صور من تأثر الفكر التغريبي بنظريات علمية منحرفة حول مفهوم الدين، وفيه تمهيد وثلاثة مباحث: المبحث الأول: التأثر بنظرية داروين التطورية من علم الأحياء حول الدين.

стр. 24

المبحث الثاني: التأثر بنظريات من علم النفس حول الدين. المبحث الثالث: التأثر بنظريات من علم الاجتماع حول الدين. الخاتمة: وفيها نتائج البحث. الفهارس: ١ - فهرس الألفاظ الغريبة والمصطلحات. ٢ - فهرس الطوائف والفرق والمذاهب. ٣ - قائمة المراجع والمصادر. ٤ - فهرس الموضوعات. وقد واجهتني أثناء بحثي بعض المشكلات والصعوبات، وبفضل الله اجتهدت قدر الاستطاعة في تجاوزها، وأهمها: ندرة الدراسات الإِسلامية في هذا الباب مما يضيف مشقة على الباحث، وما وُجد منها فقد يختلف مع منهجية الباحث؛ ومنها تنوع المجالات التي يتناولها البحث مما يتطلب من الباحث القراءة في تخصصات مختلفة، والجلوس مع المختصين فيها، ولاسيّما في ميدان العلوم؛ ومنها مشكلات الترجمة التي تتفاوت بين الواضح والغامض، وهي مشكلة قد ذكرها المتخصصون في هذا الباب إذ غلب عليها البحث عن الربح، وهذا يتطلب من الباحث البحث عن الترجمات الأفضل، والتمعن في النصوص المترجمة بمقارنتها بغيرها. ومن المشكلات التي واجهتني أنني قد وجدت دراسات كثيرة حول رموز علمية إسلامية حديثة ولكن أصحاب تلك الدراسات قد أغفلوا موقف هؤلاء من الحضارة الغربية ومن التيارات الفكرية مع أن لهم جهودهم المهمة في ذلك، فأضطر إلى إعادة القراءة من أجل الاستفادة من نقدهم، ومن الأمثلة على ذلك ما كُتب عن العالمين: الشيخ السعدي والشيخ الشنقيطي -رحمهما الله رحمة واسعة-. ومن الصعوبات التي واجهت الباحث في هذا الميدان طبيعة الكتابات الفكرية والفلسفية التي تشتهر بالطول والصعوبة، وهذا يتطلب بذل أوقات مطولة في القراءة، وقد لا يظفر الباحث بعد ذلك إلا بالشيء القليل. وفي الختام. . فإني أشكر الله -سبحانه- أن وفقني وأعانني حتى أنجزت هذا البحث، وأشكره -سبحانه- على نعمه الكثيرة التي لا أحصيها، ومنها

стр. 25

ما منّ به عليّ من خدمة هذا الدين، وأسأله -سبحانه- المزيد من فضله. ثم إني أشكر لفضيلة الشيخ المشرف أ. د. سليمان الغصن تقبله الإشراف على هذا البحث، ثم أشكره على ما قدمه لي من مشورة ومن توجيهات ومن دعم، وأشكره على سعة صدره، وطيب استقباله، واهتمامه بالبحث والباحث، فجزاه الله خيرًا على ما قدم، وأسأل الكريم -سبحانه- أن يجزل له المثوبة، وأن يبارك له في علمه وعمره. كما أني أشكر كل من قدم لي العون أو الدعم أو المشورة من مشايخي الأجلاء ومن إخوتي الفضلاء، فقد قدموا لي كثيرًا، فأسأله -سبحانه- أن يجزيهم عني خير الجزاء.

стр. 26

التمهيد يحتوي التمهيد على ثلاث فقرات، هي: • أولًا: النظرية العلمية. • ثانيًا: أسباب نشأة الاتجاه التغريبي. • ثالثًا: الموقف الإِسلامي من العلوم التجريبية وأمثالها.

стр. 27

أولًا: النظرية العلمية يُعدّ العلم أحد أشهر النشاطات الإنسانية، فقد خلق الله الإنسان بأعضائه المختلفة، ويحقق الإنسان بكل عضو وظيفة معينة؛ فالرجل للمشي، واليد للعمل. . . . وهكذا، إلا أن هناك أعضاء خُلِقت للتعلم والمعرفة فجاء معها العلم، وأصبح العلم فعالية لا تنفك عن الإنسان، وهذه الأعضاء هي الأذن والعين والقلب، قال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [المؤمنون: ٧٨]، وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة: ٩]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ [الملك: ٢٣]. قال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير آية النحل: "أي: هو المنفرد بهذه النعم حيث ﴿أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ولا تقدرون على شيء ثم إنه ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ خص هذه الأعضاء الثلاثة لشرفها وفضلها ولأنها مفتاح لكل علم، فلا وصل للعبد علم إلا من أحد هذه الأبواب الثلاثة وإلا فسائر الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة هو الذي أعطاهم إياها، وجعل ينميها فيهم شيئًا فشيئًا إلى أن يصل كل أحد إلى الحالة اللائقة به، وذلك لأجل أن يشكروا الله، باستعمال ما أعطاهم من هذه الجوارح في طاعة الله،

стр. 28

فمن استعملها في غير ذلك كانت حجة عليه وقابل النعمة بأقبح المقابلة" (١). قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "ثم إن الله خلق القلب للإنسان يعلم به الأشياء، كما خلق له العين يرى بها الأشياء والأذن يسمع بها الأشياء، كما خلق له -سبحانه- كل عضو من أعضائه لأمر من الأمور وعمل من الأعمال. فاليد للبطش والرجل للسعي واللسان للنطق والفم للذوق والأنف للشم والجلد للمس، وكذلك سائر الأعضاء الباطنة والظاهرة" (٢)، إلى أن قال: "ثم هذه الأعضاء الثلاثة هي أمهات ما يُنال به العلم ويُدرك، أعني العلم الذي يمتاز به البشر عن سائر الحيوانات دون ما يشاركها فيه من الشم والذوق واللمس، وهنا يدرك به ما يحب ويكره، وما يميز به بين من يحسن إليه ومن يسيء إليه إلى غير ذلك" (٣)، "ثم إن العين تقصر عن القلب والأذن وتفارقهما في شيء وهو أنها إنما يرى صاحبها بها الأشياء الحاضرة والأمور الجسمانية مثل الصور والأشخاص، فأما القلب والأذن فيعلم الإنسان بهما ما غاب عنه وما لا مجال للبصر فيه من الأشياء الروحانية والمعلومات المعنوية، ثم بعد ذلك يفترقان: فالقلب يعقل الأشياء بنفسه إذ كان العلم هو غذاءه وخاصيته، أما الأذن فإنها تحمل الكلام المشتمل على العلم إلى القلب، فهي بنفسها إنما تحمل القول والكلام، فإذا وصل ذلك إلى القلب أخذ منه ما فيه من العلم، فصاحب العلم في حقيقة الأمر هو القلب، وإنما سائر الأعضاء حجية له توصل إليه من الأخبار ما لم يكن ليأخذه بنفسه. . . ." (٤). ويمكننا استخراج أمر في غاية الأهمية من النص السابق، وهو أن العلوم الدنيوية الحسية ترتبط غالبًا بالعين، ومن هنا جاءت أهمية "الملاحظة والتجربة" للعلوم التجريبية البشرية، وأصبحتا مكوِّنين مهمِّين من مكونات المنهج التجريبي، أما العلوم المعنوية -ولاسيّما الدينية- فهي ترتبط بالأذن والقلب؛ فالأذن طريق الخبر، وتوصله إلى القلب، والقلب إن كان على الفطرة وسلم من الشبهة والهوى وبقية الصوارف تَحَقَّقَ له العلم الأسمى وانتفع به، ومن هنا تأتي أهمية

стр. 29

السمع للعلوم الدينية؛ لأن مصدرها الوحي، والمقصود هنا الحال الأغلب، "وعند هذا تستبين الحكمة في قوله -تعالى-: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ حتى لم يذكر هنا العين كما في الآيات السوابق فإن سياق الكلام هنا في أمور غائبة وحكمة معقولة من عواقب الأمور لا مجال لنظر العين فيها، ومثله قوله: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ وتتبين حقيقة الأمر في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾. . . ." (١). ° ما المراد بالعلم؟ ربما يكون من العجب كثرة الاختلاف في تعريف العلم إذ نجد اختلافات كثيرة في كتب اللغة وغيرها حول تعريفه، قال الزبيدي اللغوي: "ووقع خلاف طويل الذيل في العلم حتى قال جماعة إنه لا يحد؛ لظهوره وكونه من الضروريات، وقيل: لصعوبته وعسره" (٢)، وقال الرازي في تفسيره بعد ذكره لعدد من التعريفات: "ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة، فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جدًا، وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفًا له" (٣). ثم ذكر الزبيدي بعض التعريفات فقال: "قلت: وقال الراغب: العلم إدراك الشيء بحقيقته. . . . وقال المناوي في التوقيف: العلم هو الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع، أو هو صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض، أو هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص" (٤). وقال الجرجاني في تعريفه: "العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع. وقال الحكماء: هو حصول صورة الشيء في العقل، والأول أخص من الثاني. وقيل: العلم هو إدراك الشيء على ما هو به. وقيل: زوال الخفاء من المعلوم،

стр. 30

والجهل نقيضه. وقيل: هو مستغنٍ عن التعريف. وقيل: العلم: صفة راسخة تدرك بها الكليات والجزئيات. وقيل: العلم وصول النفس إلى معنى الشيء. وقيل: عبارة عن إضافة مخصوصة بين العاقل والمعقول،. . . . وينقسم إلى قسمين: قديم، وحادث، فالعلم القديم هو القائم بذاته تعالى، ولا يشبه بالعلوم المحدثة للعباد، والعلم المحدث ينقسم إلى ثلاثة أقسام: بديهي، وضروري، واستدلالي. . . ." (١). وقال الشيخ محمَّد العثيمين ﵀: "العلم لغة: نقيض الجهل، وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. اصطلاحًا: فقد قال بعض أهل العلم: هو المعرفة وهو ضد الجهل، وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف. والذي يعنينا هو العلم الشرعي، والمراد به: علم ما أنزل الله على رسوله من البينات والهدى" (٢). ولا شك في أن التعريفات وإن اختلفت إلا أنها تعطينا المعنى التقريبي، ومما يهم من هذه التعريفات حول هذه الفعالية الإنسانية أمران: أنه فعالية ترفع الجهل الذي وُلد عليه الإنسان والوارد في آية النحل، وأنه فعالية تساعدنا على إدراك الأشياء، وإن اختلفت التعريفات حول درجة هذه المعرفة. فبإدراك الأشياء يرتفع الجهل ويتحقق العلم، وعمدته على الدليل، قال شيخ الإِسلام ﵀: "إن العلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول، فالشأن في أن نقول علمًا وهو النقل المصدق، والبحث المحقق، فإن ما سوى ذلك -وإن زخرف مثله بعض الناس- خزف مزوق وإلا فباطل مطلق" (٣)، وقال ﵀: "والعلم ما قام عليه الدليل، والنافع منه ما جاء به الرسول. وقد يكون علم من غير الرسول؛ لكن في أمور "دنيوية" مثل الطب والحساب والفلاحة والتجارة" (٤).

стр. 31

فبالدليل يكون الفرق بين العلم وغيره؛ وذلك أن هناك نشاطات إنسانية ارتبطت بالعقل، مثل العلوم الدينية والعلوم الدنيوية والفلسفة والفنون والآداب، فما كان له دليل فهو العلم، وما سوى ذلك فليس من العلم، والذي قام عليه الدليل بوضوح ثلاثة أبواب: الدين ومصدره الخبر، والرياضة ومصدرها الاستنباط، والطبيعة ومصدرها الاستقراء، فهذه تسمى علمًا لوجود الدليل عليها، وأعلاها العلم الديني؛ لأن مصدره الوحي، ويأتي بعده في الدرجة العلوم المفضولة من رياضية وطبيعية وما نتج عنها من صناعات وما في بابها (١). وإذا كان العلم من أهم الفعاليات الإنسانية فإن منه ما يكون مصدره الوحي، وهو العلم الإلهي، وإن كان العقل يستطيع الوصول إلى بعض موضوعاته، ولكنه يضلّ وحده إن لم يعتصم بالوحي، وهذا العلم قد بلغ كماله ونهايته في الحضارة الإِسلامية. ومنه ما يكون مصدره العقل والحس، وهو العلم الذي يوفق الله البشر إليه بما أعطاهم من السمع والبصر والعقل، وهذا حال العلم الدنيوي، وهو علم قد تطور كثيرًا في الحضارة الغربية الحديثة. قال شيخ الإِسلام ﵀: "فصارت العلوم بهذا الاعتبار: إما أن تُعلم بالشرع فقط، وهو ما يعلم بمجرد إخبار الشرع مما لا يهتدي العقل إليه بحال، لكن هذه العلوم قد تعلم بخبر آخر غير خبر شارعنا محمد ﷺ . وإما أن تُعلم بالعقل فقط؛ كمرويات الطب والحساب والصناعات. وإما أن تُعلم بهما" (٢)، ويقول ابن خلدون ﵀: "اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار -تحصيلًا وتعليمًا- هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إِليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول. . . . يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يَقِفَه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل، إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول" (٣)

стр. 32

ثم قال عن الثاني: "ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه، وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا شيء فوقها، وهُذبت الاصطلاحات ورُتبت الفنون، فجاءت من ورا الغاية في الحسن والتنميق" (١)، أما البشري منه فهو الذي يواصل البشر فيه جهدهم من أجل الانتفاع به في شؤون دنياهم. ° العلم الحديث ونظرياته: يدخل العلم الحديث في باب العلوم البشرية العقلية التي مصدرها العقل البشري، ومن قَدَر الله أن جعل لهذا النوع شأنًا كبيرًا في القرون الثلاثة الأخيرة، وأن يجعل لأوروبا شأنًا كبيرًا في رعايته وتطويره بصورة لم يعرف البشر لها مثيلًا، لدرجة أن أصاب طائفةً منهم غرورٌ عظيم فكفروا بكل دين، ووقعوا في أعظم صور الإلحاد، وأصاب طائفة فتنةٌ عظيمةٌ فأهملوا الدين وأهملوا شأن الآخرة، فانطبق فيهم قول الحق -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]. تعود جذور العلم الحديث إلى عدد من الحضارات ولاسيّما الحضارة الإِسلامية، فكما أن علماء الحضارة الإِسلامية قد بلغوا في العلوم الدينية ذروتها فقد وضعوا أيضًا بصماتهم المهمة على العلوم الدنيوية، فطوروا بعضها وصححوا بعضها، وصاغوا منهجها في صورته التجريبية، وأصبحت لغة العلم في عدد من القرون هي العربية (٢)، قال شيخ الإِسلام ﵀: "فما من خير يوجد عند غير المسلمين من أهل الملل: إلا عند المسلمين ما هو أكمل منه، وعند أهل الملل ما لا يوجد عند غيرهم، وذلك أن العلوم والأعمال نوعان: "نوع" يحصل بالعقل كعلم الحساب والطب، وكالصناعة من الحياكة والخياطة والتجارة ونحو ذلك، فهذه الأمور عند أهل الملل كما هي عند غيرهم؛ بل هم فيها أكمل، فإن علوم المتفلسفة من علوم المنطق والطبيعة والهيئة وغير ذلك من متفلسفة الهند واليونان، وعلوم فارس والروم؛ لما صارت إلى المسلمين هذبوها ونقحوها؛ لكمال عقولهم وحسن ألسنتهم، وكان كلامهم فيها أتم وأجمع وأبين، وهذا

стр. 33

يعرفه كل عاقل وفاضل. . . ." (١). وهذا الدور المهم قد أهملته دراسات كثيرة، ومع ذلك فإن الغرب قد كان له شأن يختلف عن الشأن الذي كان للمسلمين، فقد وقعت أحداث كبار داخل الحضارة الغربية الحديثة تسببت بوقوع ذاك الفصام النَّكِد بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ومن ثمّ الاعتناء فقط بعلوم الدنيا، ونبذ العلوم الدينية أو النظر إليها من منظور علماني، كما أن العناية بالعلوم الدنيوية كانت وفق رؤية علمانية لا دينية، مما أثر كثيرًا على مسيرة العلم الحديث، وأثر أيضًا على الدين (٢). لقد بدأت النظرة إلى مفهوم العلم ودوره تتغير، ولاسيّما بعد التطورات المهمة التي لحقت بالعلم الطبيعي والرياضي داخل أوروبا، فقد أصبح العلم الذي يصح أن يطلق عليه اسم العلم هو العلم العقلي الدنيوي -ولاسيّما الرياضي والطبيعي- "حتى طار في الناس أنه لا عقلانية إلا بتحصيل الوصفين التاليين: "التجريب" و"الترويض"" (٣)، وأصبح مصدر المعرفة هو الاستنباطي والاستقرائي مع استبعاد الوحي، واكتُفي بالشهادة المرتبطة بالبصر مادةً علميةً، وأُهمل الغيب المرتبط بالسمع، وفُعِّلَ منهج التجريب، يقول كارناب: "من أهم الملامح التي تميز العلم الحديث، بالمقارنة بعلم العصور المبكرة، هو تأكيده على ما يمكن أن نطلق عليه اسم "المنهج التجريبي"" (٤) من أجل السيطرة على الطبيعة، وأُهمل شأن التوجيه الديني والقيمي لطريقة هذه السيطرة، وظهرت مفاهيم المنهج العلمي مثل الملاحظة، والتجربة، والفرضية، والقانون العلمي، والنظرية العلمية، والتفسير العلمي، والاستقراء، والاستنباط، والعلية، والحتمية، والطبيعة. . . . وغيرها من المفاهيم، وتُعد النظرية العلمية الأكثر أهمية في هذا الباب والأكثر إشكالًا. عند البحث في الكتابات العربية المعاصرة حول تعريف العلم نجد كثيرًا

стр. 34

منها قد انساق مع الفهم السائد في فلسفة العلم الغربية، من جهة حصر العلم في باب العلوم العقلية البشرية، وإغفال الحديث عن العلم الديني وكأنه قد خرج من مفهوم العلم، بل إن عددًا منها يبدأ بتعريف العلم على أنه اشتقاق من لفظته الإِنجليزية أو الفرنسية أو جذوره القديمة في لغاتهم، ويندر من يعود إلى المعاجم العربية والمكتبة الإِسلامية، وهذا مؤشر لافت عن سعة تغرب المفاهيم والمصطلحات الحديثة في الفكر العربي المعاصر. فماذا نجد من تعريفات للعلم في المكتبة العربية المعاصرة؟ هذه بعض النماذج من تعريفات العلم: "العلم بحث بمنهج ولهدف، فهو معرفة الشيء على ما هو به. وهو بمعنى المعلوم" (١)، ومنها: "العلم نسق من المعارف التي ترتبط بعضها ببعض ارتباط النتائج بالمقدمات في الاستدلال السليم. ففي العلم إذن نستخلص قضايا كلية أو جزئية من عدد قليل من المبادئ والقوانين التي نفترض صدقها أو نتحقق منه" (٢)، ومنها: "العلم هو إدراك القانون؛ أي: التوصل إلى كنه العلاقات الشاملة والضرورية فيما بينها مما يتيح تفسير سبب حدوث الظاهرة على هذا النحو. ." (٣). وقد ارتبطت بالفكر الحديث -ولاسيّما في مجال الفلسفة- مجموعة مجالات تهتم بالعلم مع غيره أو بالعلم وحده مثل: "نظرية المعرفة" و"الميتودولوجيا - علم المناهج" و"فلسفة العلوم، مثل: الوضعية، والوضعية المنطقية، والتطورية، والمادية وغيرها" و"الإيبستيمولوجيا" و"تاريخ العلم" (٤). ° العلم الحديث "منهجه والطريق إليه وإلى نظرياته": تُرجِع فلسفة العلم الحديثة العلمَ إلى نوعين: العلوم الرياضية بمنهجها

стр. 35

الاستنباطي، والعلوم الطبيعية بمنهجها التجريبي، وتُعد العلوم التجريبية هي الأهم في باب حياة الناس وإن اعتمدت على الرياضيات؛ وذلك بسبب ما حققته من منافع كبيرة، ومن هنا جاء دور المنهج العلمي التجريبي (١). ومع أن عمدة العلم الدنيوي على المنهج التجريبي الاستقرائي إلا أنه لا يعني هذا وجود اتفاق على طبيعة هذا المنهج، فلابد أن تجد الاختلاف حول كل قضية من قضاياه "وهكذا نلاحظ أنه بالرغم من أن مئات الكتب قد تم تحريرها ونشرها عن المنهج العلمي، وكان من المفترض أن يكون هناك اتفاق بوجه عام حول طبيعة النشاط المنهجي، إلا أن هذا الاتفاق ظل بعيدًا عن أن يتحقق. . . ." (٢). توجد صورة عامة للمنهج العلمي بخطوات قد لا يُشترط فيها التتابع دائمًا، وهذه الخطوات هي: الملاحظة، التجربة، الفرضية، القانون والنظرية (٣). والملاحظة هي المشاهدة الحسية الدقيقة لظاهرة من الظواهر عن طريق الحواس وبالاستعانة بالأدوات والأجهزة والأساليب، ولا شك في أن الأجهزة الحديثة المكتشفة التي تساعد العين قد كان لها دور كبير في تطور الملاحظة ونجاحها، والملاحظة العلمية تأخذ أشكالًا حى توصل إلى نتائج. أما التجربة فتأتي بعد أن تسجل حال الظاهرة كما هو عن طريق الملاحظة، فكأن الباحث التجريبي وهو في طور الملاحظة قد أنصت للطبيعة وسجل ما سمع كما هو، بينما في التجربة يقوم الملاحظ بالتدخل فيها، فيقوم بإخضاع الظاهرة لظروف جديدة، وتفيد التجربة في تحقيق اكتشافات جديدة لم تحققها الملاحظة، وقد لا

стр. 36

تتيسر التجربة كما في علم الفلك فحظه الملاحظة، والتجربة أساسية في علوم أخرى كما في الكيمياء (١). تأتي الفرضية "أو التفسير العلمي المؤقت للظاهرة" بعد الملاحظة والتجربة، والفرض العلمي هو عبارة عن وضع علّة تكون الظواهر أو الأشياء الملاحظة، أو موضوع التجربة معلولة لها وأثرًا من آثارها. إنه جهد عقلي للبحث عن علاقة عامة بين مجموعة من الظواهر، وهو محاولة لإعطاء تفسير للظاهرة المشاهدة، فمثلًا عندما يلاحظ أحدهم تكسر كوب من الزجاج على النار وسجَّل كل ملاحظاته، ثم قام بتجارب يغير فيها من الحرارة أو من الزجاج أو من الظروف، وسجل كل ذلك، يأتي هنا دور التفسير "وهو الفرض" في تبيين سبب تكسر الكأس الزجاجي عند وضعه على النار، فيكون أن الحرارة تزيد من أبعاد الأجسام الصلبة (٢). ومن المهم بعد صياغة الفرض العلمي وضع طرق للتحقق منه، ولأهل العلوم والمناهج طرق مقترحة في التحقق من الفروض العلمية (٣). ويُعد الفرض الطريق إلى القانون العلمي والنظرية العلمية، "يقوم الفرض بمهمته وهو غفل من الاسم والعنوان، ويظل كذلك حتى يعمّد بالتحقيق والإثبات، فيصير قانونًا أو نظريةً ويتسمى بهما" (٤)، فالقانون العلمي هو تفسير نهائي للظاهرة قد تحقق منه، مع خلاف في فلسفة العلم: هل هو تفسير لها؟ أم

стр. 37

هو فقط مجرد وصف مفيد؟ (١)، وهناك من يشترط في العلم الوصول إلى قانون، وهناك من يرى هذا الشرط مؤديًا إلى تضييق دائرة العلم، ولهذا يتسامحون مع العلم ويكتفون بأن ما حوى الدراسة المنظمة القائمة على منهج واضح والمستندة إلى الموضوعية يمكن أن نسميه علمًا (٢). يمثل النموذج السابق الصورة الأشهر للمنهج العلمي حتى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وعمدته على الاستقراء، يقول د. محمود زيدان: "ونلاحظ أن الاستقراء هو منهج البحث في العلوم التجريبية كالطبيعة والكيمياء والأحياء كما تستخدمه بعض العلوم الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ. وهدف المنهج الاستقرائي أن يوصلنا إلى كشف القوانين، فالنتيجة الاستقرائية هي صيغة القانون العلمي؛ ومن ثم سُمِّي الاستقراء منهج الكشف أو منطق العلوم التجريبية" (٣)، ومراحل الاستقراء التقليدي ثلاث: " (١) الملاحظة والتجربة. (٢) وضع الفروض. (٣ ضض) تحقيق الفروض" (٤). ولكن مع نمو المعرفة العلمية وظهور نظريات جديدة وتقدُّم الأجهزة وقع بعض التحولات في المنهج مع عدم إلغاء القديم، ويتبع ذلك تجديد مسمى الفرض العلمي، فتكون ثلاثة فروض، هي: التفسير العلمي ويمثله المنهج السابق، والتفسير الوصفي بحيث تبتعد عن العلية التي يمتاز بها النوع الأوّل، مثل نظريات علم الفلك، فهي لا تصل إلى مفهوم القانون العلمي العلي، وهي فروض مؤقتة تقبل التطوير (٥). أما الثالث فهو التفسير الفرضي الذي يعطي تصورًا جديدًا للمفاهيم السابقة في المنهج التقليدي ولاسيّما من جهة تخفيف الاعتماد على العلية، كما أن الملاحِظ يدخل مشاركًا فيه، ومن هنا تدخل الاستنباطات الرياضية والرؤى الفلسفية (٦)، وبهذا تكون النظريات المعاصرة أكثر تعقيدًا

стр. 38

وغموضًا، وربما تختلط فيها الفلسفة بالعلم، والذاتية بالموضوعية، ويصبح العالم مشاركًا بعد أن كان يطلب استقلاله (١). وتأتي النظرية العلمية في نهاية المطاف، فما هي؟ وما دورها في العلم الحديث؟ وما سبب إثارتها للمشكلات الفكرية والاجتماعية؟ ° النظرية "مكانتها في المنهج العلمي، وتعريفها": تأخذ النظرية العلمية مكانًا مميزًا في المنهج العلمي الحديث وفي فلسفة العلم الحديثة، ففي المنهج العلمي تُعد "الخطوة النهائية هي إنشاء النظرية العلمية" (٢)، وهي تُعد "التتويج النهائي للمنهج العلمي، وحصاد خطواته الأخيرة. فكل ما يهدف إليه المنهج العلمي نجده دومًا في النظرية العلمية، فهي التي تحشد الوقائع والمفهومات والفروض والقوانين في سياق ملتئم واحد" (٣). ويقول د. عادل عوض عن أهميتها: "النظريات العلمية ضرورة من ضروريات العلم، فالحقائق التي نصل إليها عن طريق التجارب العلمية أو عن طريق الملاحظة لا يمكن أن نتركها مبعثرة غير متماسكة، بل إن الفكر البشري يدأب على الجمع بينها ولمّ شعثها في نظام واحد متناسق يربط أجزاءها ويجعل منها وحدة متصلة من التفكير. هذه الوحدات المتصلة من الحقائق والأقوال هي ما يسمى بالنظرية العلمية، والنظريات العلمية في تطور مستمر، فهي تنمو بنمو المعرفة البشرية وترتقي بارتقائها" (٤)، وكذا عن أهميتها في فلسفة العلم يقول د. بدوي عبد الفتاح: "حظيت النظرية العلمية باهتمام فلاسفة العلم، باعتبارها نموذجًا للمعرفة العلمية بمعناها الدقيق" (٥). يوجد تنوع في تعريف النظرية العلمية، ويشير هذا التنوع في التعريفات إلى

стр. 39

صعوبة الاتفاق على صورة موحدة، ولكنها تعطي السمات العامة لمفهوم النظرية باعتبارها: مجموعة قوانين، أو باعتبارها مجموعة فرضيات محققة، أو مجموعة وقائع، صيغت في بنية فكرية تجمعها وهي أعلى منها درجةً في التعميم، ويكون التعميم قادرًا على تفسيرها مجتمعة، وقادرًا على توليد القوانين الجديدة ويتنبأ بمشاهدات جديدة. وهذه بعض التعريفات والتقريبات للنظرية العلمية: "النظرية العلمية مجموعة من القوانين العامة التي يرتبط أحدها بالآخر ارتباطًا متسقًا يعتمد بعضها على بعض وهي جميعًا متعلقة بنوع واحد من الظواهر، بحيث إن مجموعة تلك القوانين المؤلِّفة للنظرية العلمية تفسر تلك الظواهر من كل جوانبها" (١). "وليست النظرية في العلم تخمينًا أو اقتراحًا كما هو شائع عن تعريف كلمة "نظرية"، إن النظرية العلمية هي تفسير موحد ومتسق ذاتيًا لعمليات أو ظواهر طبيعية أساسية، وهذا التفسير يتم تشكيله من مجموعة من الفروض التي تم تأييدها. فالنظرية العلمية إذن تُبنى من المعرفة الموثوق فيها وهي الوقائع العلمية. فالنظرية العلمية تفسير الطبيعة بتوحيد الكثير من الوقائع غير المترابطة أو الفروض التي تم تأييدها. . . ." (٢). "النظرية هي بنية فكرية تتضمن مفهومًا يستطيع أن يفسر المشاهَدات الموجودة، ويستطيع أن يتنبأ بمشاهدات جديدة" (٣). "فالنظرية هي "نشاط إبداعي ومنطقي موجَّه لفهم أو تفسير صور الارتباط المنطقي بين مجموعة من القوانين الاستقرائية الصادقة الخاصة بمجال ما من مجالات الطبيعة. وذلك عن طريق ربطها معًا بمنظومة من المفاهيم النظرية المبتكرة، على نحو يوسع من دائرة التعميم، ويجعل في المستطاع استنباط قوانين جديدة بطريقة رياضية". بهذا المعنى تكون النظرية بالنسبة للنشاط التجريبي هي "خطة العمل، وهي الشروط والهدف الذي نرجو منه"" (٤).

стр. 40

وقد سبق في مسارات المنهج العلمي أنه يبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم الفرضية، ثم القانون العلمي والنظرية، ففي مرحلته النهائية يأتي القانون والنظرية، فالقانون هو عبارة عن فرض تم التحقق منه، والفرق بينه وبين النظرية أن "القانون العلمي هو الذي يقبل التحقق، ويمكن أن يوصف بالصدق أو بالكذب؛ لأنه يمثل قضية تجريبية تبدأ من الواقع وتنتهي إليه. أما النظرية فلا شأن لها بالواقع المباشر لأنها ببساطة غير مشتقة منه. . . . فالنظرية العلمية هي بناء نظري مكون من عدد من القوانين الصادقة. . . ." (١). وأختم هذه الفقرة بذكر وظائف النظرية العلمية، وهي أربع وظائف: الأولى: التفسير "أو الفهم" بإدراك الأسباب التي بمقتضاها تحدث الظواهر، أو إدراك العلاقات بين الظواهر. الثانية: إثراء العلم بعلاقات ومفاهيم وقوانين جديدة تنبع من النظرية العلمية. الثالثة: التحقق من صدق القوانين الجديدة المنبثقة استدلالًا عن البناء المنطقي للنظرية، فبعد خروج قوانين جديدة منها نرجع إليها للتحقق من صحة الجديد. الرابعة: بيان الحدود التقريبية لصدق القوانين التي جاءت النظرية من أجل تفسيرها، فالنظرية مركبة من مجموعة قوانين، قد لا تُعلم حدودها إلا بالنظرية العامة (٢). صحة النظرية العلمية وقضية التحقق منها: الوضع المعرفي للنظرية العلمية: من المناسب الابتداء بذكر الوضع المعرفي للنظرية العلمية في تيارات الفكر الحديثة، وتظهر ثلاثة مواقف، هي: الأول: الموقف الواقعي: يرى أصحابه أن للنظرية مضمونًا معرفيًا، ولذا فنحن نتحقق من نتائجها، ونصفها بالصدق أو الكذب.
следующие страницы →