← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تتيسر التجربة كما في علم الفلك فحظه الملاحظة، والتجربة أساسية في علوم أخرى كما في الكيمياء (١). تأتي الفرضية "أو التفسير العلمي المؤقت للظاهرة" بعد الملاحظة والتجربة، والفرض العلمي هو عبارة عن وضع علّة تكون الظواهر أو الأشياء الملاحظة، أو موضوع التجربة معلولة لها وأثرًا من آثارها. إنه جهد عقلي للبحث عن علاقة عامة بين مجموعة من الظواهر، وهو محاولة لإعطاء تفسير للظاهرة المشاهدة، فمثلًا عندما يلاحظ أحدهم تكسر كوب من الزجاج على النار وسجَّل كل ملاحظاته، ثم قام بتجارب يغير فيها من الحرارة أو من الزجاج أو من الظروف، وسجل كل ذلك، يأتي هنا دور التفسير "وهو الفرض" في تبيين سبب تكسر الكأس الزجاجي عند وضعه على النار، فيكون أن الحرارة تزيد من أبعاد الأجسام الصلبة (٢). ومن المهم بعد صياغة الفرض العلمي وضع طرق للتحقق منه، ولأهل العلوم والمناهج طرق مقترحة في التحقق من الفروض العلمية (٣). ويُعد الفرض الطريق إلى القانون العلمي والنظرية العلمية، "يقوم الفرض بمهمته وهو غفل من الاسم والعنوان، ويظل كذلك حتى يعمّد بالتحقيق والإثبات، فيصير قانونًا أو نظريةً ويتسمى بهما" (٤)، فالقانون العلمي هو تفسير نهائي للظاهرة قد تحقق منه، مع خلاف في فلسفة العلم: هل هو تفسير لها؟ أم

стр. 37

هو فقط مجرد وصف مفيد؟ (١)، وهناك من يشترط في العلم الوصول إلى قانون، وهناك من يرى هذا الشرط مؤديًا إلى تضييق دائرة العلم، ولهذا يتسامحون مع العلم ويكتفون بأن ما حوى الدراسة المنظمة القائمة على منهج واضح والمستندة إلى الموضوعية يمكن أن نسميه علمًا (٢). يمثل النموذج السابق الصورة الأشهر للمنهج العلمي حتى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وعمدته على الاستقراء، يقول د. محمود زيدان: "ونلاحظ أن الاستقراء هو منهج البحث في العلوم التجريبية كالطبيعة والكيمياء والأحياء كما تستخدمه بعض العلوم الإنسانية كعلوم النفس والاجتماع والتاريخ. وهدف المنهج الاستقرائي أن يوصلنا إلى كشف القوانين، فالنتيجة الاستقرائية هي صيغة القانون العلمي؛ ومن ثم سُمِّي الاستقراء منهج الكشف أو منطق العلوم التجريبية" (٣)، ومراحل الاستقراء التقليدي ثلاث: " (١) الملاحظة والتجربة. (٢) وضع الفروض. (٣ ضض) تحقيق الفروض" (٤). ولكن مع نمو المعرفة العلمية وظهور نظريات جديدة وتقدُّم الأجهزة وقع بعض التحولات في المنهج مع عدم إلغاء القديم، ويتبع ذلك تجديد مسمى الفرض العلمي، فتكون ثلاثة فروض، هي: التفسير العلمي ويمثله المنهج السابق، والتفسير الوصفي بحيث تبتعد عن العلية التي يمتاز بها النوع الأوّل، مثل نظريات علم الفلك، فهي لا تصل إلى مفهوم القانون العلمي العلي، وهي فروض مؤقتة تقبل التطوير (٥). أما الثالث فهو التفسير الفرضي الذي يعطي تصورًا جديدًا للمفاهيم السابقة في المنهج التقليدي ولاسيّما من جهة تخفيف الاعتماد على العلية، كما أن الملاحِظ يدخل مشاركًا فيه، ومن هنا تدخل الاستنباطات الرياضية والرؤى الفلسفية (٦)، وبهذا تكون النظريات المعاصرة أكثر تعقيدًا

стр. 38

وغموضًا، وربما تختلط فيها الفلسفة بالعلم، والذاتية بالموضوعية، ويصبح العالم مشاركًا بعد أن كان يطلب استقلاله (١). وتأتي النظرية العلمية في نهاية المطاف، فما هي؟ وما دورها في العلم الحديث؟ وما سبب إثارتها للمشكلات الفكرية والاجتماعية؟ ° النظرية "مكانتها في المنهج العلمي، وتعريفها": تأخذ النظرية العلمية مكانًا مميزًا في المنهج العلمي الحديث وفي فلسفة العلم الحديثة، ففي المنهج العلمي تُعد "الخطوة النهائية هي إنشاء النظرية العلمية" (٢)، وهي تُعد "التتويج النهائي للمنهج العلمي، وحصاد خطواته الأخيرة. فكل ما يهدف إليه المنهج العلمي نجده دومًا في النظرية العلمية، فهي التي تحشد الوقائع والمفهومات والفروض والقوانين في سياق ملتئم واحد" (٣). ويقول د. عادل عوض عن أهميتها: "النظريات العلمية ضرورة من ضروريات العلم، فالحقائق التي نصل إليها عن طريق التجارب العلمية أو عن طريق الملاحظة لا يمكن أن نتركها مبعثرة غير متماسكة، بل إن الفكر البشري يدأب على الجمع بينها ولمّ شعثها في نظام واحد متناسق يربط أجزاءها ويجعل منها وحدة متصلة من التفكير. هذه الوحدات المتصلة من الحقائق والأقوال هي ما يسمى بالنظرية العلمية، والنظريات العلمية في تطور مستمر، فهي تنمو بنمو المعرفة البشرية وترتقي بارتقائها" (٤)، وكذا عن أهميتها في فلسفة العلم يقول د. بدوي عبد الفتاح: "حظيت النظرية العلمية باهتمام فلاسفة العلم، باعتبارها نموذجًا للمعرفة العلمية بمعناها الدقيق" (٥). يوجد تنوع في تعريف النظرية العلمية، ويشير هذا التنوع في التعريفات إلى

стр. 39

صعوبة الاتفاق على صورة موحدة، ولكنها تعطي السمات العامة لمفهوم النظرية باعتبارها: مجموعة قوانين، أو باعتبارها مجموعة فرضيات محققة، أو مجموعة وقائع، صيغت في بنية فكرية تجمعها وهي أعلى منها درجةً في التعميم، ويكون التعميم قادرًا على تفسيرها مجتمعة، وقادرًا على توليد القوانين الجديدة ويتنبأ بمشاهدات جديدة. وهذه بعض التعريفات والتقريبات للنظرية العلمية: "النظرية العلمية مجموعة من القوانين العامة التي يرتبط أحدها بالآخر ارتباطًا متسقًا يعتمد بعضها على بعض وهي جميعًا متعلقة بنوع واحد من الظواهر، بحيث إن مجموعة تلك القوانين المؤلِّفة للنظرية العلمية تفسر تلك الظواهر من كل جوانبها" (١). "وليست النظرية في العلم تخمينًا أو اقتراحًا كما هو شائع عن تعريف كلمة "نظرية"، إن النظرية العلمية هي تفسير موحد ومتسق ذاتيًا لعمليات أو ظواهر طبيعية أساسية، وهذا التفسير يتم تشكيله من مجموعة من الفروض التي تم تأييدها. فالنظرية العلمية إذن تُبنى من المعرفة الموثوق فيها وهي الوقائع العلمية. فالنظرية العلمية تفسير الطبيعة بتوحيد الكثير من الوقائع غير المترابطة أو الفروض التي تم تأييدها. . . ." (٢). "النظرية هي بنية فكرية تتضمن مفهومًا يستطيع أن يفسر المشاهَدات الموجودة، ويستطيع أن يتنبأ بمشاهدات جديدة" (٣). "فالنظرية هي "نشاط إبداعي ومنطقي موجَّه لفهم أو تفسير صور الارتباط المنطقي بين مجموعة من القوانين الاستقرائية الصادقة الخاصة بمجال ما من مجالات الطبيعة. وذلك عن طريق ربطها معًا بمنظومة من المفاهيم النظرية المبتكرة، على نحو يوسع من دائرة التعميم، ويجعل في المستطاع استنباط قوانين جديدة بطريقة رياضية". بهذا المعنى تكون النظرية بالنسبة للنشاط التجريبي هي "خطة العمل، وهي الشروط والهدف الذي نرجو منه"" (٤).

стр. 40

وقد سبق في مسارات المنهج العلمي أنه يبدأ بالملاحظة والتجربة، ثم الفرضية، ثم القانون العلمي والنظرية، ففي مرحلته النهائية يأتي القانون والنظرية، فالقانون هو عبارة عن فرض تم التحقق منه، والفرق بينه وبين النظرية أن "القانون العلمي هو الذي يقبل التحقق، ويمكن أن يوصف بالصدق أو بالكذب؛ لأنه يمثل قضية تجريبية تبدأ من الواقع وتنتهي إليه. أما النظرية فلا شأن لها بالواقع المباشر لأنها ببساطة غير مشتقة منه. . . . فالنظرية العلمية هي بناء نظري مكون من عدد من القوانين الصادقة. . . ." (١). وأختم هذه الفقرة بذكر وظائف النظرية العلمية، وهي أربع وظائف: الأولى: التفسير "أو الفهم" بإدراك الأسباب التي بمقتضاها تحدث الظواهر، أو إدراك العلاقات بين الظواهر. الثانية: إثراء العلم بعلاقات ومفاهيم وقوانين جديدة تنبع من النظرية العلمية. الثالثة: التحقق من صدق القوانين الجديدة المنبثقة استدلالًا عن البناء المنطقي للنظرية، فبعد خروج قوانين جديدة منها نرجع إليها للتحقق من صحة الجديد. الرابعة: بيان الحدود التقريبية لصدق القوانين التي جاءت النظرية من أجل تفسيرها، فالنظرية مركبة من مجموعة قوانين، قد لا تُعلم حدودها إلا بالنظرية العامة (٢). صحة النظرية العلمية وقضية التحقق منها: الوضع المعرفي للنظرية العلمية: من المناسب الابتداء بذكر الوضع المعرفي للنظرية العلمية في تيارات الفكر الحديثة، وتظهر ثلاثة مواقف، هي: الأول: الموقف الواقعي: يرى أصحابه أن للنظرية مضمونًا معرفيًا، ولذا فنحن نتحقق من نتائجها، ونصفها بالصدق أو الكذب.

стр. 41

الثاني: الموقف الأداتي: ويرى أنه ليس للنظرية العلمية أي مضمون معرفي، فلا توصف بالصدق أو الكذب، وإنما هي أدوات تؤدي وظائف هي: تفسير المعطيات الحسية وتقديم تنبؤات جديدة، لذلك فالأجدر أن نسأل: هل نجحت النظرية في القيام بوظائفها؟ بدلًا من أن نسأل: هل صدقت النظرية؟ فهي وسيلة إلى أفضل استثمار لمعرفتنا بالطبيعة، فليس ما يهمُّ أصحابَ هذا الموقف الحقيقة، وإنما كل ما يهمهم هو العائد العلمي. الثالث: الموقف التجريبي: وهو قريب من الواقعي، إذ يشاركه الاعتقاد بوجود مضمون معرفي للنظرية، ويخالفه بأن الواقعي يقول بوجود أنطولوجي للمفاهيم النظرية، بينما الطبيعة عند التجريبيين هي خبرتنا أو إدراكنا الحسي لها. وللموقف الأخير شهرة في الفلسفة الإِنجليزية التي ترى أن الطبيعة مجرد ظواهر تقع في خبرتنا، أما الواقعي فيرى وجودًا عقليًا -مثلًا- لتلك الظواهر الطبيعية (١). وهذا الاختلاف حول الوضع المعرفي للنظرية يحيلنا إلى صعوبات في إمكانية التحقق من النظريات العلمية، وسيجد الباحث مواقف مختلفة، وهذا التنوع يسمح لكل طرف أن يوجه النظرية العلمية إلى المعتقد أو الأيديولوجيا التي يتبناها، بما في ذلك أصحاب المواقف الدينية، ومن أسباب ذلك هذا المجال الواسع لمفهوم النظرية. فهذا أحد المهتمين بهذا المجال وهو "فرانك" يرى أن صحة النظرية ترتبط بالهدف منها، "ومن ثم فإنه لا يمكن الحكم على صلاحية النظرية بواسطة المعايير العلمية بالمعنى الدقيق: أي باتفاقها مع المشاهدات، وبتماسكها المنطقي. وبعد تطبيق كل هذه المعايير، يبقى في غالب الأمر أن نختار بين عدة نظريات. . . . ونجمل ما سبق فيما يلي: إن مشكلة الاختيار بين النظريات المختلفة في العلوم الفيزيائية لا يمكن حلها في نطاق هذه العلوم إذا كنا بصدد

стр. 42

النظريات ذات التعميم العالي" (١). فمثل هذا المهتم بفلسفة العلم نراه يبتعد عن البحث في صحة النظرية -ولاسيّما ذات التعميم العالي- ويكتفي بوضع هدف يتم من خلاله قبول النظرية أو رفضها. وغالب النظريات العلمية لا يناسبها التحقق؛ ذلك أن التحقق يناسب الأمور التجريبية، ويغلب على النظرية العلمية ألا تكون تجريبية، "فلا يجوز منطقيًا أن نتحقق من نظرية نيوتن في الجاذبية لأنها بناء نظري خالص، بل من القوانين التجريبية المستنبطة منها، مثل قانون المد والجذر. وبنفس المنطق لا يجوز التحقق من النسبية العامة لأينشتاين، بل نتحقق من النتائج التجريبية المستنبطة منها، مثل انحراف الضوء المنعكس من كوكب عطارد القريب من الشمس نتيجة لجاذبية الشمس" (٢). وقد كان التحقق من الأساسيات عند طائفة، ولكن التعقيدات التي صحبت النظريات المعاصرة جعلت بعضهم يحوّل مبدأ التحقق من الإيجاب إلى السلب، فبدل أن نطلب من صاحب النظرية أن يثبت صحتها أصبح المطلوب ألا توجد تجارب تنفيها (٣)، فإذا سلمت النظرية من وجود تجربة تنفيها فهي نظرية مقبولة. ويُعدّ مبدأ التحقق -الذي يمكن من خلاله إثبات صحة نظرية أو إثبات بطلانها- أحد الموضوعات الكبرى في فلسفة العلم ولاسيّما عند الوضعيين، وقد دارت نقاشات كبيرة حول هذا المبدأ، إذ كانت الوضعية المنطقية تصر على مبدأ التحقق شرطًا لقبول المعرفة العلمية، وكان أهم المعترضين عليهم "بوبر" الذي ركّز على الاكتفاء بأهمية عدم وجود ما يكذب النظرية (٤). ومن بين أسباب صعوبة التحقق الإيجابي أن هناك فروضًا علميةً يستحيل التحقق منها، مثل القانون الأوّل من قوانين الديناميكا الحرارية الذي يقول: إن كمية الحرارة في الكون في تناقص تدريجي، ومن ثم سوف يأتي على الكون يوم

стр. 43

تنعدم فيه الحرارة تمامًا ويتم فناؤه. فهذا فرض يقبله العلماء منذ قرابة قرن ونصف قرن تقريبًا، ومع ذلك فالتحقق منه مستحيل (١)، ويقول باحث آخر: "فليست كل النظريات يمكن اختبارها مباشرة، مثل قوانين الجاذبية والحركة عند "نيوتن" ونظرية التطور عند "دارون" ونظرية النسبية، إلا أنه من الضروري أن تكون هذه القوانين وتلك النظريات قابلة للاختبار بشكل غير مباشر. . . ." (٢). وهذا هو حال أغلب النظريات العلمية المعاصرة، فمن الصعب التحقق منها، وبعضها لا يمكن التحقق منه أصلًا (٣). ° طبيعة الحقيقة العلمية: فإذا كانت النظرية العلمية مما يصعب التحقق منه غالبًا، وكانت الحقيقة العلمية ذات وضع نسبي، فهذا يدفع إلى السؤال عن موقع الحقيقة العلمية من هذه المنظومة المعقدة؟ وهو سؤال مهم، ولاسيّما عند البحث عن المشكلات التي تقع بين العلم والدين. تكون الحقيقة أوضح في الجانب المادي، ولاسيّما في الموضوعات الجزئية مثل مكتشفات علماء الكيمياء من العناصر ومكوناتها، ولكن عند تجاوز الجزئيات إلى الكليات والعموميات، أو تجاوز الشهادة إلى الماضي البعيد أو المستقبل البعيد تأتي الصعوبات حول مفهوم الحقيقة، فضلًا عن النقاش الفلسفي والفكري الكبير حول مفهوم الحقيقة الذي لم يعد في الدراسات المعاصرة يعني المطابقة دائمًا، ولاسيّما بعد تأثير نظريات الفيزياء المعاصرة ونظريات العلوم الاجتماعية، مما جعل المفكرين يتكلمون عن مفهوم جديد للحقيقة، ولهذا أصبح مفهوم الحقيقة داخل الفكر الحديث في غاية التعقيد. وستبقى الحقيقة -بهذه الحال- ملتبسة عند أي مجتمع لا يملك مصدرًا موثوقًا وميزانًا مطلقًا يحكم به ويحتكم إليه، والذي هو في النهاية الوحي من رب العالمين، وهو القرآن الكريم، فهو المحكم والحاكم، وأما غير ذلك فستبقى الحقيقة ملتبسة فيه حتى داخل العلم، ولاسيّما بعد التحول من المنهج الاستقرائي إلى المنهج الفرضي

стр. 44

المعاصر. وعلى هذا، فكل من تحدَّث عن الحقيقة العلمية فلابد أن يكون مستوعبًا لمثل هذه المستجدات حول مفهوم الحقيقة أولًا، ثم حول مفهوم الحقيقة العلمية ثانيًا. وهذه بعض الآراء من داخل فلسفة العلم حول مفهوم الحقيقة العلمية، يقول جاسم العلوي: "علينا أن ننبه إلى أن الحقائق العلمية ليست حقائق مطلقة، ولا أدل على ذلك من تحول العلماء من نظرية إلى أخرى، بل هي حقائق صحيحة ونسبية في حدود دقة وتطور الأجهزة المستخدمة. إن تغيّر النظريات العلمية لا يعني أن الكون حقائقه متغيرة بقدر ما يعني أن الزاوية التي نرى بها الواقع قد تغيّرت" (١)، ويقول أيضًا: "ولكن ليس كل نظرية تمكّنت من إعطاء نتائج عملية أو ملائمة مع التجارب أصبحت صحيحة على نحو مطلق، فقد استطاع القدماء أن يفسروا حادثة الخسوف والكسوف بالاعتماد على هيئة بطليموس التي جعلت من الأرض مركزًا للكون، ورغم النتائج العلمية الصحيحة التي تمخضت عنها. . . . إلا أن نظام بطليموس الفلكي لم يكن صحيحًا. . . . إذن من الممكن أن نسير بالفرضية في الطريق الخاطئ ونصل في النهاية إلى الهدف الصحيح" (٢). ويقول د. صلاح قنصوه: "الحقيقة العلمية ليست هي الواقع " reality"، بل ما يقرره العلماء عن هذا الواقع، وليس ثمة حقيقة علمية نهائية،. . . . وما يزال العلم حتى اليوم مجازفات ومخاطرات، وكل "حقائقه" موقوتة لا تبقى كذلك إلا إلى حين. فلا يتملكنا الخوف إذن. . . ." (٣).

стр. 45

ثانيًا: أسباب نشأة الاتجاه التغريبي لقد تعرفنا على مفهوم العلم ومفهوم النظرية العلمية، وعلى الوضع الجديد للعلم في الحضارة الغربية بعد أن تسلّمته من الحضارة الإِسلامية، ولاسيّما في إظهار نوع واحد من العلم على أنه الجدير بالتسمية العلمية وأما ما سواه فلا يكون علمًا، وهو مشكلة خطيرة نجح الغرب الحديث في تجذيرها في مفهوم العلم، ويعود السبب إلى الرؤية العلمانية التي طغت على الحياة الغربية وأخذ بها أغلب علمائهم ومفكريهم، وترسخت مع السنين، وأصبحت جسمًا ضخمًا يؤثر على المنضمين الجدد إلى ميدان العلم والفكر. ومن أخطر المشكلات الفكرية الحديثة ما وقع من انحراف تيارات فكرية علمانية بالعلم، فقد نشأ العلم الحديث قريبًا منها، فقامت هذه التيارات باستغلاله ومحاولة توجيه نظرياته والتأثير في مسيرته بما يخدم رؤيتها العلمانية. وإذا كانت هذه التيارات لا تجد في حقائقه البيّنة فرصة تستغلها فإنها قد وجدت في فرضياته ونظرياته وفلسفته تلك الفرصة، فظهرت تيارات فكرية مادية وإلحادية وظّفت العلم في مصلحتها وبما يحقق رسالتها. والخطير في الأمر أنها أصبحت نموذجًا يُحتذى، ولاسيّما بعد أن أصبح الغرب قبلة طالبي التقدم الدنيوي، فجاء الناس إليهم من كل مكان، فاستقبلتهم تلك التيارات الفكرية وأثّرت فيهم أيّما تأثير، وعادوا إلى بلادهم محملين بالرؤية العلمانية الجديدة، ومن هؤلاء أصحاب الفكر التغريبي العربي. ° تعريف التغريب: التغريب مصطلح حديث للدلالة على تيارات فكرية حديثة، وللدلالة على

стр. 46

وجهة جديدة في التصور والفكر والحياة، وبالعودة إلى المكتبة التراثية لا نجد فيها مثل هذا المصطلح بمثل هذا المحتوى الجديد. فمادة "غَرَبَ" و"تغريب" في اللغة والاصطلاح بعيدة عن المفهوم الجديد للتغريب، قال الفيروز آبادي: "الغَرْبُ: المغْرِبُ، والذهابُ، والتنحي، وأول الشيء، وحدّهُ، كغُرابِهِ، والحِدّةُ، والنشاط، والتمادي، والراوية، والدلو العظيمة، وعِرْق في العين يسقي لا ينقطع، والدمع، ومسيلُهُ، أو انهلاله من العين، والفيضة من الخمر ومن الدمع، وبثْرة في العين، وورم في المآقي، وكثرة الريق،. . . . ويوم السقي، والفرس الكثير الجري، ومُقْدِمُ العين، ومُؤْخِرُها، والنّوى والبُعد، كالغَرْبَةِ وقد تَغَرَّبَ. وبالضم النزوح عن الوطن، كالغُرْبَةِ والاغْتراب والتَّغَرُّبِ،. . . . وتَغَرَّبَ: أتى من الغرب. . . . وغَرَبَ: غاب، كغرّب، وبَعُدَ. واغْتَرَب: تزوج في غير الأقارب. . . ." (١). وفي الاصطلاح الفقهي نجد التغريب للزاني، قال ابن الأثير: "التَّغْريب: النَّفْي عن البلد الذي وَقَعت فيه الجِناية. يُقال: أغْرَبْتُه وغَرَّبْتُه: إذا نَحَّيْتُه وأبْعَدْتُه. والغَرْب: البُعْد" (٢). ويمكن أن نأخذ مما سبق بعض المعاني للدلالة على المصطلح الجديد، ولاسيّما "الذهاب والتنحي، النشاط، التمادي، البعد، النزوح عن الوطن"، ففيها دلالات على مفهوم التغريب الحديث من بعض الوجوه. وبما أن التغريب في أساسه بدأ بصفته مشروعًا غربيًا قامت به دول الغرب نحو البلاد غير الغربية (٣)، فقد كانت نشأة المصطلح هناك، تحت لفظة " westernization"، وترجمتها في القواميس: "يتغرب، يجعله غربي السمة أو الثقافة، يصبح غربي السمة أو الثقافة"، وتطلق لفظة " westerner"، على المستغرب المنادي بضرورة الأخذ بالثقافة الأوروبية الغربية (٤)، فيكون في

стр. 47

أساسه مصطلحًا غربيًا في حاجة للترجمة العربية اللغوية والاصطلاحية. والتعريف القاموسي منطبق بدرجة كبيرة على المعنى الاصطلاحي الفكري للتغريب، فهو مفهوم يحوي على دلالتين مهمتين: الأولى أن هناك من يسعى للتغريب؛ أي: هناك من يقوم بالمشروع؛ والثانية نتيجة للأولى وهي وجود طائفة قد قبلت الدعوة واستجابت لها فأصبحت متغربة، حتى وإن لم تمارس الدعوة إلى التغريب. ففي الدلالة الأولى نجد طرفين: الطرف الغربي ومن استجاب له من المدعوين وشاركه في الدعوة، بينما الثانية خاصة بالمدعوين فقط. وبالنظر للدراسات العربية حول هذا المصطلح الجديد نجد منها النماذج الآتية: يتحدث المفكر البارز "د. محمَّد حسين" المهتم بهذا الباب عن الزحف الغربي نحو الشرق عن طريق الغربيين أنفسهم أو عن طريق من تأثر بهم، فـ"ظهر في معجم السياسة والحضارة ما يسميه الغربيون ومفكروهم بالـ" westernization" وما يمكن أن نسميه بالتغريب؛ أي: طبع المستعمرات الآسيوية والأفريقية بطابع الحضارة الغربية. وجهود الاستعمار في هذا تشمل المسلمين وغير المسلمين من أهل المستعمرات، ولكن جهدهم الأكبر وعنايتهم الأوفر كانت للمسلمين بخاصة؛ لارتباط حياتهم في مختلف مناشطها بالدين" (١). أما "د. السيد محمَّد الشاهد" فبعد النظر في المدلولات العربية التراثية للتغريب والنظر في الحملة الغربية توصل إلى تعريف، فقد عرَّف "التغريب الثقافي بأنّه وقوع ثقافة مجتمع ما تحت تأثير ثقافة غربية أقوى منها عن طريق الاحتكاك الثقافي غير المتوازن بهدف إبعاد هذه الثقافة عن جذورها وتغيير أهم معالمها فتصبح غربية عن أصولها الاجتماعية التي نشأت وتكونت فيها وميزت مجتمعها عن المجتمعات الأخرى، أو هو محاولة لإبعاد المجتمع عن ثقافته الأصلية وإرغامه بطرق غير مباشرة على قبول ثقافة غريبة عنه" (٢). وعرَّفت موسوعة إسلامية مهمة التغريب فقالت: "التغريب هو تيار فكري ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة،

стр. 48

والمسلمين بخاصة، بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية" (١). ويربط الدكتور "علي النملة" بين التغريب والتنصير أثناء حديثه عن التنصير فيقول: "وذلك بالسعي إلى نقل المجتمع المسلم في سلوكياته وممارساته، بأنواعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأسري والعقدي، من أصالتها الإِسلامية، إلى تبني الأنماط الغربية في الحياة، وهي المستمدة من خلفية دينية نصرانية أو يهودية. وفي هذا يقول سيرج لاتوش، في كتابه تغريب العالم: إن تغريب العالم كان لمدة طويلة جدًا -ولم يكف كليًا عن أن يكون- عملية تنصير، إن تكريس الغرب نفسه للتبشير بالمسيحية يتضح تمامًا قبل الحروب الصليبية الأولى، في انطلاقات التنصير قسرًا، وإن مقاومة شارل مارتل في بواتييه، وأكثر من ذلك تحويل السكسون إلى المسيحية بوحشية على يد القديس بونيفاس (٦٨٠ - ٧٥٤ م): ألا يشكل ذلك الحرب الصليبية الأولى، وأقصد القول بأنه شهادة لتأكيد ذاتية الغرب كعقيدة وكقوة؟. وهكذا، نجد أن ظاهرة المبشّرين بالمسيحية هي بالتأكيد حقيقة ثابتة للغرب، باقية في ضميره بكل محتواها الديني، يجدها الإنسان دائمًا في العمل تحت أكثر الأشكال تنوعًا، واليوم أيضًا، فإن أغلب مشروعات التنمية الأساسية في العالم الثالث تعمل بطريق مباشر أو غير مباشر تحت شارة الصليب" (٢). وعرَّفه الكاتب "محمد محفوظ" فقال عنه: التغريب "ويضم هذا التيار مجموع القوى والشخصيات التي انطلقت في عملها الفكري أو الاجتماعي أو السياسي من منطلق عقدي أو فكري ينتمي حضاريًا للغرب، فهو يضم كل المنبهرين بالحضارة الغربية، الذين ربطوا مصيرهم بمصير الغرب سياسيًا وحضاريًا كما يضم التيار الماركسي، الذي حاول انطلاقًا من مقولات ثابتة أن يمارس عملية النقد والتشريح للنظام الرأسمالي الغربي. ." (٣). فمن مجموع هذه التعريفات والرؤى نستخلص الآتي:

стр. 49

- التغريب نشاط غربي هدفه تذويب المجتمعات الأخرى، وإلحاقها بطابع الثقافة الغربية. - التغريب نشاط طائفة منبهرة بالحضارة الغربية تسعى إلى تقليد الغرب من جهة، ومن جهة أخرى تبذل جهدها لنشر دعوتها في مجتمعها. - التغريب حالة ثقافية هدفها تحويل العالم إلى حال على شاكلة الغرب الحديث. - التغريب حالة مرضية، وبهذا يختلف عن النشاطات الصحية الإيجابية مثل التجديد والإصلاح والنهضة والتحديث. - التغريب حالة عامة، يشترك فيها أطراف من جميع فئات المجتمع: المثقف والتاجر والسياسي وعوام الناس، ويأخذ أشكالًا مختلفة ثقافية وفكرية وفنية وسلوكية و. . . . - التغريب حالة سمحت بتلاقي كل القوى النافرة من الإِسلام أو المعادية له تحت مظلة واحدة، فنجد اليهودي والنصراني والمسلم الضال والملحد في التيار الفكري التغريبي الواحد، ومن ثم وجدت الأقليات الدينية فرصتها في التغريب. - التغريب تيار شارك الغرب مشكلاته وانحرافاته، ومنها المشكلات التي ارتبطت بالعلم الحديث ونظرياته وفلسفته. وينطبق على المسلمين من هؤلاء قول الرسول ﷺ : "لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! " (١)، فهذا الوصف العجيب في بيان شدّة المتابعة حتى لو كان فيما يخالف العقل الصحيح والفطرة السليمة نجده منطبقًا على المتغربين؛ فعندهم تتبع لحال الغرب في كل شيء؛ في الفكر والثقافة، في الفن والأدب، في طريقة العيش والحياة والسلوك، في القيم، وفي

стр. 50

غيرها، قال الشاطبي ﵀: "فدلّ ضرب المثال في التعيين على أن الاتباع في أعيان أفعالهم" (١). وهذه بعض الشهادات من مفكرين غير بعيدين عن الفكر التغريبي، وميزتها أنها من أشخاص يعرفون التغريب من داخله، ورغم نقدهم له إلا أنهم لم يخرجوا عنه، ومنها مجمل ما كتبه المفكران المصريان: حسن حنفي وأنور عبد الملك. يتحدث "د. حسن حنفي" عن أثره الذي امتدَّ "إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم، وهدد استقلالنا الحضاري، بل امتد إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة العامة وفن العمارة" (٢)، إلى أن قال: "كما تحولت مساحة كبيرة من ثقافتنا المعاصرة إلى وكالات حضارية للغير، وامتداد لمذاهب غربية اشتراكية، ماركسية، ليبرالية، قومية، وجودية، وضعية، شخصانية، بنيوية، سيريالية، تكعيبية. . إلخ حتى لم يعد أحد قادرًا أن يكون عالمًا أو فنانًا إن لم يكن له مذهب ينتسب إليه. ووضعنا أنفسنا أطرافًا في معارك لسنا أطرافًا فيها، وتفرقنا شيعًا وأحزابًا كما تفرق القدماء من ذواتهم، ولكن فرقتنا هذه المرة لم تكن موقفًا من الذات بل تبعية للآخرين. . . . وعادة ما يتحول التغريب الثقافي إلى موالاة سياسية للغرب. . . ." "ص ٢٠". ومع أن التغريب دخل بقوة مع الاستعمار إلا أنه لم يخرج بعد الاستقلال، فيقول: "ولكن بعد الاستقلال الوطني عاد المستعمر من خلال الثقافة، وانتشر التغريب. استقلت البلاد ولكن احتُلَّت الأذهان" (ص ٢٠ - ٢١)، وعندما ظهرت الأحزاب السياسية وريثة التيارات الفكرية أصابها التغريب أيضًا: "إذ لا يوجد عمل سياسي إبداعي دون أصالة بعيدًا عن التغريب. وما زالت أحزابنا السياسية حتى الآن -خاصة العلمانية منها- تصوغ القضية السياسية على نحو متغرب. . . ." (ص ٢٢) (٣). ويقول "د. أنور عبد الملك" عن التغريب تحت مسمى تيار العصرية الليبرالية: "إن نقطة الانطلاق هنا ليست شيئًا آخر في جوهرها سوى نهضة

стр. 51

الحضارة الغربية التي يجب أن يسمح قليلها بتجديد كل أبعاد الوجود في العالم العربي المعاصر، سيكون التركيز على الفكر العلمي والعقلانية الفلسفية والليبرالية السياسية، وستحدد الهدف على أنه خلق مجتمع عصري مماثل لمجتمعات أوروبا وأمريكا الشمالية ينزع بتصميم نحو الأمام، وينفتح على التقدم مع احتفاظه من الماضي بالتقاليد والسنن التي لن تحول دون بنائه" (١)، وهي تتسع لاتجاهات مختلفة ولاسيّما بين تيار ليبرالي وآخر ماركسي. ثم يصف حال هذا التغرب فيقول: "كان على تقليد الغرب أن يعم كافة المجالات، من الثياب حتى الفلسفة، ومن الأبجدية حتى المؤسسات السياسية، ومن العادات الجنسية حتى الاقتصاد، إذ لن يوقف منحى الانحطاط سوى قطيعة حاسمة مع الماضي وتنكر كامل للانحطاط، وبعد ذلك -أي: بعد أن نكون بذلك قد ضربنا صفحًا عن كل ما كان يكوّن "الأنا" الوطني الانحطاطي- فقد كان من الممكن ازدراع الغرب في الأراضي العربية لتثبيت النهضة" (٢). فهذه الشهادات الناقدة من داخل التغريب ذاته تكشف حجم التغريب وسعة مجالاته، وأخْذِها بكل جزء من حياة المتغرب، وهي ظاهرة عجيبة قد حذّر منها النبي ﷺ أمتَه، فالحديث -وإن كان فيه إخبار بما سيقع، وقد وقع فعلًا- ففيه تحذير من هذا الطريق لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. نحن إذًا أمام ظاهرة جديدة هي ظاهرة التغريب، وهي معروفة ومشهورة، فما سبب ظهورها؟ أسباب نشأة الاتجاه التغريبي: لظهور أي اتجاه جديد أسبابه الداخلية والخارجية، ومن ذلك الاتجاهات الحديثة التي عرفتها بلاد المسلمين، والبحث العلمي عن الأسباب ليس بتلك السهولة، وخير طريق لمعرفة ذلك الابتداء بتوجيهات الوحي وإرشاداته والاسترشاد بفقه سلف الأمة حول مثل هذه الظواهر، إذ هي الموصلة إلى طريق السلامة، ويبقى الأمر بعد ذلك بحسب دقة الباحث في التنزيل الصحيح على الوقائع الجديدة، فيأتي النظر -من خلال هذا الإطار العام- في الحالة الجديدة

стр. 52

ومنها ظاهرة التغريب الحديثة، وذلك بالنظر العلمي في الوقائع التاريخية والاجتماعية، واستخراج الأسباب منها. وسأقسم الأسباب إلى قسمين: قسم عام دلّ عليه الوحي، وهذا القسم هو الإطار الصحيح للنظر في أسباب الانحراف؛ لأنه من العلم الخبير -سبحانه- ثم تأتي بعده الأسباب الجزئية التي تتحرك في الإطار العام السابق، والتي ما كان لها أن تؤثر كل ذلك التأثير لولا وجود ذلك الخلل العام الذي نبهنا إليه العليم الحكيم -سبحانه-. ° القسم الأول: الأسباب العامة التي حذر منها الوحي: لقد تأمل العلماء نصوص الوحي حول الانحراف، فجمعوا الأسباب التي دلّ عليها كلام الله -سبحانه- وكلام رسوله ﷺ ، ومن ذلك ما قام به "الشاطبي" ﵀ في كتابه "الاعتصام" فذكر أن الاختلاف قدري كوني، وآخر كسبي جاءت النصوص بالتنبيه عليه والتحذير منه مثل: الجهل، واتباع الهوى، واتباع العوائد، وتحسين الظن بالعقل، والفرقة، وساق في ذلك النصوص، وبيّن ﵀ أثرها في ظهور الطوائف المخالفة والبدع والانحرافات العقدية. قال الشاطبي ﵀: "فلابد من النظر في هذا الاختلاف ما سببه؟ وله سببان. أحدهما: لا كسب للعباد فيه، وهو الراجع إلى سابق القدر، والآخر هو الكسبي وهو المقصود بالكلام عليه في هذا الباب، إلا أن نجعل السبب الأول مقدمة. . . . قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٨، ١١٩] فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدًا. . . ." (١). ومن أهم الأسباب الكسبية التي ورد بذكرها القرآن نجد: أولًا: الجهل: ولاسيّما الجهل بالله -سبحانه- والجهل بالدين. قال -تعالى-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ

стр. 53

تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقال -تعالى- عن نوح ﵇: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾ [هود: ٢٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾ [الأنعام: ١١١]. فالجهل بالله والجهل بدينه له خطره، وله أثره في ظهور المخالفة والمخالفين، فهذه شهادة من رب العالمين وشهادة من أنبيائه المرسلين في أن سبب ضلال من ضلّ هو الجهل (١)، وكل من تتبع حال المخالفين -ولاسيّما في أزماننا المعاصرة- وجد الجهل بالدين صفة لازمة لهم، وقد يوجد عند بعضهم معرفة نظرية دون أن تصل القلب فتنفعه، وذلك له أسبابه ومنها الهوى، وهو السبب الثاني الذي ذكره الشاطبي ﵀. ثانيًا: الهوى: قال "الجرجاني" في تعريفه للهوى إنه: "ميلان النفس إلى ما تستلذه من الشهوات من غير داعية الشرع" (٢)، وقال الشاطبي ﵀: "ولذلك سمي أهل البدع أهل الأهواء لأنهم اتبعوا أهواءهم فلم يأخذوا الأدلة الشرعية مأخذ الافتقار إليها، والتعويل عليها، حتى يصدروا عنها، بل قدموا أهواءهم، واعتمدوا على آرائهم، ثم جعلوا الأدلة الشرعية منظورًا فيها من وراء ذلك. ." (٣). قال -تعالى-: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ [البقرة: ٨٧]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ

стр. 54

أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾ [البقرة: ١٤٥] وقال -تعالى-: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٦]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [الأنعام: ٥٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال -تعالى-: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾ [النجم: ٢٣]، وقال -تعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وقال -تعالى-: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفرقان: ٤٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وغيرها من الآيات (١). ثالثًا: التقليد: وقد عنون له الشاطبي بـ "التصميم على اتباع العوائد وإن فسدت أو كانت مخالفة للحق"، وقال عنه: "هو اتباع ما كان عليه الآباء والأشياخ، وأشباه ذلك، وهو التقليد المذموم" (٢)، وهو في حقيقته سبب عند من قلد وعرض لمرض أعمّ وأشمل. وقد جاءت النصوص في هذا الباب بذكر الآباء وبذكر الأحبار والرهبان، وإنّ في دعوى المقلدين اتباع آبائهم -مع أن الآباء فيهم الجاهل والعالم- تعبيرًا عن ثقل البيئة الضالة التي يقلدها المقلد، وفي اتباع الأحبار والرهبان نوع آخر من التقليد، فإن ضلال الآباء عام غير مخصص، أما الأحبار والرهبان فهو خاص؛ فهم قادة دينيون وعلميون، ومع ذلك فهم أشد إضلالًا لقومهم ولمن

стр. 55

قلدهم، وبهذا يأتي الخطر من عموم البيئة ومن قادتها. ومن تأمل في حال المتغربين وجد فتنتهم بهذين البابين، فقد وقع لهم من جنسهما أشكال، فيجد فتنتهم بعموم البيئة الغربية التي ينتسبون إليها، حتى إن منهم من أعلن كفره بالشرق وانتماءه للغرب، ويجد فتنتهم بقادتها الفكرية والعلمية. قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ [المائدة: ١٠٤]، وقال -تعالى-: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ [الزخرف: ٢٢ - ٢٤]، وقال -تعالى-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، وقال -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: ٧] "والزيغ هو الميل عن الحق اتباعًا للهوى" (١). ومن عادة العلماء ذكر هذه الأدلة في النهي عن كل تقليد مذموم، فالعبرة بعموم الدلالة (٢). رابعًا: الفرقة والافتراق: قال د. ناصر العقل: "الافتراق في الشرع يُطلَق على أمور: ١ - التفرق في الدين، والاختلاف فيه. . . .، ٢ - الافتراق عن جماعة المسلمين. . . . فمن خالف سبيلهم في أمر يقتضي الخروج عن أصولهم في الاعتقاد، أو الشذوذ عنهم في المناهج، أو الخروج على أئمتهم، أو استحلال السيف فيهم، فهو مفارق" (٣)، ومن كان بهذه الحال فهو موطن تحذير الشرع، وهو من أسباب الانحراف، وقد اتصف أهل التغريب بهذه الحال.

стр. 56

قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥)﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال -تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢]، وقال -تعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]، وغيرها من الآيات (١). خامسًا: النفاق: لقد جاء الحديث عن النفاق في القرآن بشكل واسع، مما يدل على خطورته وأثره في صناعة الانحراف، وهو مرض عضال يصيب طائفة من الناس، يتصف أهله بإظهار الإِسلام وإبطان الكفر، ومن مظاهره كراهية الإسلام، وكراهية شرائعه، وكراهية نبيه ﷺ أو تكذيبه، وكراهية انتصار المسلمين أو قوتهم (٢). قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ

стр. 57

شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ [المائدة: ٤١]، وقال -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨]، والآيات في ذلك كثيرة. وقد ظهر أمر النفاق وخطره في حال المتغربين ولاسيّما الغلاة منهم، فتجد من يدّعي الإسلام ثم يتقول بأعظم مقولات الكفر، ويعتدي على الرسول ﷺ وعلى الإسلام وعلى القرآن. سادسًا: التشبه بالكفار: تُعد ظاهرة التغريب من أشهر صور التشبه بالكفار، وهو تشبه طال كل أمور المتغربين، وهو أمر يصرح به كُتاب علمانيون فكيف بغيرهم؟! فقد وقع انهيار نفسي كبير عند طائفة من المسلمين في العصر الحديث أمام الحضارة الغربية، وقادهم ذلك إلى التشبه العجيب بحال الكافرين. قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾ [الرعد: ٣٧]، وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾ [البقرة: ١٢٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]، وغيرها من الآيات. وقد أشبع شيخ الإسلام هذا السبب بيانًا وشرحًا وتوضيحًا في كتابه المشهور "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" (١).

стр. 58

فهذه الأمراض الخطيرة التي جاء التحذير منها في الوحي -وهي: الجهل والهوى والتقليد والفرقة والنفاق والتشبه بالكفار- هي من أهم مسببات الانحرافات في الأمة، وفقه هذا الأمر يعطينا العلاج لها، فإن نشر العلم الشرعي في الأمة من أعظم الأمور في الوقاية من الانحراف، ومن أعظم وسائل مقاومته، وإذا نُشر العلم وتعلَّمه الناس على مذهب أهل السنة والجماعة ساعد أيضًا -بإذن الله- في تحجيم الأهواء والافتراق والتقليد المذموم والتشبه المحرم، والعلم هنا هو العلم المصحوب بالعمل، فقد كثر تحذير السلف من علم دون عمل؛ لأنه علم لا ينفع كثيرًا (١). ومن العجيب أن نجد بعض من ينتمي إلى الفكر التغريبي قد تنبه إلى أهمية العلاج المديني، وحثّ على الاستفادة من هذا العلاج في مواجهة هذا التغرب المفزع، وقد عدد حسن حنف -مثلًا- صورًا يمكن بها إيقاف التغريب أو التخفيف منه، ومنها: إبراز الموقف الإسلامي من موالاة الكفار والتودد إليهم، فغاية الأعداء القضاء على هويتنا، وإظهار الموقف الإسلامي الرافض للتقليد والتبعية في السلوك وفي العقائد. . وهكذا (٢)، فإذا كان هذا الكلام من قِبَل المنخرطين في العلمنة والتغريب فمن باب أولى على دعاة الإسلام أن يبذلوا جهدهم في نشر العلم والدين والدعوة إلى إيقاف مثل هذه الأمراض. ° القسم الثاني: الأسباب الأخرى الجزئية: بقي الآن أن نتلمس الأسباب الأخرى التي ما كان لها أن تعمل لولا الأسباب الكبرى السابقة التي حذر منها الشارع العليم الحكيم -سبحانه-، ولكن لوجود الأسباب الكبرى سَهُلَ على غيرها من المؤثرات أن تعمل وتؤثر دون صعوبة. سأكتفي في هذه الفقرة -إن شاء الله تعالى- بتعداد أهم ما وجدته من أسباب لظاهرة التغريب، وذلك أن تفصيلات كثيرة سيأتي ذكرها -بإذن الله- في

стр. 59

الفصول الثلاثة "الثالث والرابع والخامس" من الباب الأول مع فقرات متنوعة من بقية البحث حول هذا الموضوع؛ ولهذا أكتفي في هذه الفقرة بتعداد الأسباب، ومن أهمها ما يلي: أولًا: الضعف والتخلف العام الذي لحق بالعالم الإسلامي في العصور الأخيرة: وهو يرتبط أساسًا بضعف التمسك بالدين على هدي سلف الأمة، وعادة ما يسمح الضعف بظهور الانحرافات دون القدرة على مقاومتها، والمجتمع في ذلك يشبه الجسد الحي، فإن الجسد إذا أُصيب بضعف أصبح معرضًا للفيروسات والأمراض، فهي تجد فرصتها عند ضعف المقاومة، وربما يكون منها القاتل. ومن صور الضعف: الضعف العلمي، والضعف الاقتصادي والسياسي والصناعي، والضعف العسكري، وقابلت هذا الضعف قوة مادية ودنيوية بكل مجالاتها عند الغرب، وكانت هذه القوة مصدر فتنة وإغراء، مما سمح بتسرب التغريب وانتشاره. ومن مشكلات الضعف ما يحدث من ولع الضعيف المنهار نفسيًا المصاب بهزيمة نفسية بتقليد القوي المشهور، وهو كما أنه حالة نفسية في الأفراد فهو حالة نفسية جماعية للمجتمعات إلا تلك التي تعتصم بدينها وهويتها. ثانيًا: الاتصال بالغرب: تأتي أغلب صور التأثر والتاثير من خلال الاتصال بين الحضارات والثقافات، وقد وقع تأثر من بعض المسلمين في عصر قوة الإسلام وضعف الحضارات الأخرى وظهرت فرق مختلفة بسبب ذلك الاتصال، والحال أكثر وضوحًا في زمن ضعف المسلمين وقوة الغرب المادية وتطوره الدنيوي الفاتن. فقد جاء الاتصال وقت تقدم الغرب مع غليان ساحته الفكرية بتيارات جديدة، ومن صور الاتصال التي وقعت في البدايات: أ- الرحلات الأولى الاستكشافية أو التجارية أو البعثات الدبلوماسية، إذ تولَّت هذه الشريحة الأولى وصف حال الغرب، وهو وصف لا يخلو من فتنة، وقد كان هذا من بدايات بروز أشخاص منبهرين بالحضارة الغربية. ب- الابتعاث من أجل تحصيل العلوم والمعارف الجديدة في الغرب، وُيعد الابتعاث أحد أبرز الظواهر الثقافية الخطيرة، وهو جديد على الأمة

стр. 60

الإسلامية، فقد كان الأمر مختلفًا في العصور الأولى، إذ غلب عليها مشروع الترجمة، ومن النادر ظهور حالات ذهاب إلى أمم أخرى لتحصيل العلوم إلا بشكل رحلات فردية. أما في العصر الحديث فقد برز مشروع الابتعاث، بما يعنيه ذلك من ذهاب عدد من الشباب في وقت حماسهم من جهة وضعفهم من جهة، ولاسيّما أنه إذا لم يتم الإعداد الجيد للشباب المبتعثين فسيكونون عرضة للافتتان بالحياة الفكرية والاجتماعية وبعموم الحضارة الغربية، فكيف إذا واجه هؤلاء الشباب مؤسسات وقوى غربية تحاول استثمارهم لمشروعات تغريبية أو مشروعات فكرية علمانية. وقد نجح الغرب في جعل الابتعاث عملية مستمرة؛ فهو يكسب منها ماديًا ويكسب منها معنويًا، ومن الواضح أن العالم الإسلامي لم ينجح في الاستقلال المعرفي بعد كل هذه السنين من الابتعاث. وما يهم هنا أن الابتعاث المستمر قد أصبح منفذًا خطيرًا للتغريب الفكري والاجتماعي، وقد كان أغلب رموز التغريب الفكري من المبتعثين، فقد تحولوا من نفع الأمة إلى تغريبها. ثالثًا: البيئة العلمية والثقافية الجديدة: لقد ارتبطت هذه البيئة بمشروع التحديث الأعرج، الذي قام على جانب العلم الدنيوي والثقافة البشرية وأهمل جانب العلم الشرعي، إذ نمت مؤسسات علمية وثقافية جديدة لا تهتم من جهة بالعلوم الإسلامية وهي مختَرَقة من جهة بمشكلات العلمنة والتغريب، ومن ذلك المدارس العصرية التي تمكن منها غير المسلمين في بداية مشروع التحديث، وما لحقها من مؤسسات علمية أعلى، ولاسيّما أنه في فترة من الزمن كان تحصيل العلم الدنيوي إما بالابتعاث أو من خلال كليات تبناها الغرب مثل "الجامعة الأمريكية اليسوعية" التي أسسها المنصّرون في بلاد الشام أو كلية "فكتوريا" التي أسسها "كرومر" في مصر لإخراج جيل متغرب، وقد تخرج في هاتين الكليتين وشبيهاتها زعماء التغريب وقادة التيارات الفكرية المتغربة. كما أن هناك حقلًا ثقافيًا وأدبيًا تكوَّن وكوَّن من الجيل المتغرب في مؤسسات ثقافية و"صالونات" وتجمعات وأندية وغيرها، وكانت مجال إشهار واسع للتغريب، وخاصة بعد تسلط هؤلاء على مؤسسات الآداب والفنون المختلفة واستغلالهم لها في نشر التغريب، وقد كانت أداة مهمة في ذلك بسبب حبّ الناس للمتع الفنية والأدبية، ومن ثمّ تسرُّب الأمراض من خلالها إلى المتلقين دون أن يشعروا بها.

стр. 61

رابعًا: دور وسائل الإعلام: لقد أصبح للإعلام شأنه في العصر الحديث؛ ولاسيّما بعد الاكتشافات المهمة للطباعة وما لحق بها من ظهور الصحافة ثم اخترع الإذاعة ثم الشاشة وقدرتها على توجيه الرأي العام. وقد كانت الصحافة الفكرية مخصصة لنخبة المجتمع، وقد لعبت الصحافة التغريبية دورًا خطيرًا في نشر التغريب، ولاسيّما أن انطلاقة مشروع الصحافة كان مع النصارى ولاسيّما الجيل المتغرب منهم، فبثّوا التغريب والعلمنة وأمراض كثيرة في وقت لم يكن لهم فيه منافس، مع حماية حصلوا عليها من بعض الولاة ومن الاستعمار فيما بعد. خامسًا: الطباعة والترجمة: لقد ازدهرت الطباعة والترجمة في العصر الحديث؛ فمع إدخال المطبعة نمت طباعة الكتب والمجلات والصحف، ومع تأسيس مدارس تعليم اللغات الغربية نمت ترجمة الكتابات الفكرية والعلمية الغربية، ولكن المكتبة الغربية العلمية عسيرة على الترجمة وعلى الفهم إلا من قِبَل عدد قليل، فجاء التحول إلى ترجمة ما لا ينفع أو ضرره أكثر من نفعه من الكتابات الفكرية والأدبية والفنية، ولاسيّما أنها ممتعة وغير عسيرة مثل الكتابات العلمية، ولكن ليس كل ممتع مفيد، ومن هنا جاء التوسع في طباعة الفكر الغربي المترجم، وهو فكر غلب عليه العلمنة والتكذيب بالدين والانفلات من قيمه. لقد كان لفوضى الطباعة والترجمة أثرهما على مسيرة الفكر الحديث، وأسهمت في توسع التغريب. سابعًا: دور الأقليات الدينية: لقد لعبت تلك الأقليات دورًا بارزًا في التغريب، فقد كانت أداة اختراق استخدمها الغرب لتغريب العالم الإسلامي، وذلك أن هذه الأقليات تملك صلات بالطرفين: بالعالم الإسلامي من جهة سكناها ومعرفتها الجيدة بواقع المسلمين، وبالغرب من جهة الروابط الدينية. وقد بدأ الأمر بالتدخل الغربي والضغط على الدولة العثمانية بطلب إعطاء امتيازات خاصة لتلك الأقليات والسماح للغرب بالتواصل معها، فتعلموا اللغات الأوروبية وحصلوا على رعاية أوروبية ودعم كبير، وصنع منهم الغرب نخبة متعلمة نجحت في التغلغل في مفاصل المجتمع الإسلامي الثقافية والفكرية والاجتماعية، وقد كان منهم المتدين

стр. 62

الذي رعته الإرساليات، وكان منهم العلماني الذي كان دوره أبرز في مسيرة التغريب، وقد تولى هؤلاء كثيرًا من المؤسسات مثل: المطبعة والصحافة والمدارس العصرية والكليات التي أسسها الاستعمار، وأسهم الكثير منهم في إنشاء الجمعيات "الماسونية" في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ثم الجمعيات "القومية" و"الليبرالية" و"الماركسية" في أوائل القرن الرابع عشر/ العشرين، ثم في المذاهب الفلسفية وتيار الحداثة منتصف القرن نفسه وما بعده، فإن كل البحوث حول هذه الجمعيات والتيارات والأحزاب التغريبية قد شاركت فيها تلك الأقليات بدور كبير. وهذا الدور قد تحدث القرآن عن جنسه وذلك بحديثه عن طرق اليهود والنصارى في مواجهة الإسلام. ثامنًا: التيارات الفكرية التغريبية وجمعياتها وأحزابها ومؤسساتها: كما عرف الإسلام الفِرَقَ قديمًا فقد عرف المذاهب الفكرية حديثًا، ويمكن وضع تفريق يساعد على الدراسة، فالفِرقة غالبًا تكون أصولها دينية، فسبب افتراقها الأول هو الأصول الدينية التي أخذت بها، أما المذاهب الفكرية فأغلبها قد نشأ في الغرب العلماني النافر من الدين والساعي إلى تأسيس حياة فكرية بعيدة عنه، ومع ذلك فهي غير بعيدة عن الفِرَق الدينية؛ لأن كثيرًا من هذه المذاهب قد جعل من تلك الأصول الفكرية شبيهًا بالأصول الدينية، فعند معتنقيها من الإيمان بها والثبات عليها ومقاومة من يخالفها مثل ما عند الفِرَق وربما أكثر، ومن الأمثلة على ذلك أصحاب الاتجاهات الماركسية. وقد كان لهذه التيارات الفكرية التغريبية الدور الأقوى في نشر التغريب، فالظواهر الجديدة في حاجة إلى دعاة يرعونها وينشرونها بين الناس، وقد كان هذا من دور تيارات التغريب التي تغلغل التغريب في أصحابها كما يتجارى داء الكلب بصاحبه، وقاموا على نشره بين الناس، ولاسيّما بعد أن وجد فيهم الغرب أداة مناسبة لمواصلة الهيمنة الفكرية وغير الفكرية على العالم الإسلامي. وتختلف التيارات الفكرية -ولاسيّما إذا أصبح لها جمعيات وأحزاب- عن غيرها بتلك القوة التي تحصل عليها بسبب توحد معتنقيها في تيار واحد يجمعهم وينظم جهودهم وحركتهم، وقد مكنتهم تلك القوة في بعض الفترات من الوصول إلى السلطة ومن ثم استغلال مؤسسات الدولة في بثّ التغريب، ومن

стр. 63

الأمثلة البارزة على ذلك جمعية "تركيا الفتاة" أو "الاتحاد والترقي" التي نجحت في الوصول إلى السلطة وإسقاط الدولة العثمانية، وإلغاء كثير من مظاهر الإسلام ومؤسساته، وفرض نمط تغريبي علماني شديد الغلو. تاسعًا: الدور الغربي الحديث: إن التحدي الغربي قديم ولم يتغير، فقد كانت المواجهات مع الروم طويلة ومستمرة، ويمثل سقوط القسطنطينية أحد المنعطفات المهمة في حياة الغربيين، وقد حاولوا التعويض زمن الحروب الصليبية ولكنهم أُخرجوا بعد قرنين، عندها انكمش الغرب على ذاته فترة طويلة من الزمن وفي ذاكرته هذا العدو الذي طردهم من فلسطين وطردهم من القسطنطينية وحاصرهم داخل قارتهم فترة طويلة من الزمن. وبعد تطورات خطيرة داخل القارة الأوروبية وتحولها إلى قوة جديدة وخطيرة تموج بتيارات خطيرة، عندها عادت طموحاتها من جديد لاختراق العالم الإسلامي، وكانت أولى المحاولات عن طريق الحملة الفرنسية على مصر، وبعدها انفتحت شهيتها نحو العالم الإسلامي، وقد جعلت من أهم طرقها لتحقيق ذلك تغريب المجتمع المسلم. ومن أخطر الأدوار الغربية لتغريب المجتمعات الإسلامية ما يأتي: أ - الاستعمار. ب - الاستشراق. جـ - الصهيونية. د - التيارات الفكرية الغربية. وقد كان الاستعمار أخطرها؛ وذلك أنه بعد نجاحه في الاستيلاء على كثير من بلاد المسلمين قام بتوجيه كل المؤسسات بما يحقق هدفه في تغريب المجتمع، ومن أهم نجاحاته قيامه بتكوين طائفة متغربة تقوم بالدور نيابة عنه في تغريب المجتمعات المسلمة. أما دور الاستشراق فهو تغريب العقل الإسلامي بحيث ينظر إلى تراثه ودينه وهويته من خلال المنظور الغربي الاستشراقي، فوضع المتغربون بينهم وبين دينهم وتراثهم وسيطًا خطيرًا، وقد افتتن كثير من المتغربين بهذه الدراسات الاستشراقية.

стр. 64

وترتبط بالاستعمار وريثته الصهيونية، فما خرج الاستعمار إلا بعد غرس جرثومة خطيرة داخل العالم الإسلامي، تقوم برعاية اليهود داخل البلاد الإسلامية ولاسيّما من خلال دولتهم التي أقاموها في فلسطين، وتقوم في الوقت نفسه برعاية المصالح الغربية، ويتبع الدور اليهودي دورُ الأقليات السابق ذكرها، وقد حدثنا القرآن عن التعاون بين اليهود والمنافقين وبين اليهود وأعداء الإسلام من المشركين، وهو يتكرر في زمننا هذا، ولاسيّما من جهة التعاون العلني والخفي بين اليهود وبين المتغربين، مع أن وضع دولتهم قد نفَّر المجتمعات المسلمة من كل متغرب يظهر تعاونه معهم، فتبقى الأدوار الخفية هي الأهم في هذا الباب. أما التيارات الفكرية الغربية فهي تيارات ذات أبعاد أيديولوجية، وترغب مع دعاتها في تعميم فكرها، وقد رحل السيمينيون أتباع سان سيمون والماسون مع الحملات الأولى لبث أفكارهم ومشروعاتهم داخل العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، أما في القرن اللاحق فقد نشط المعسكران: الشيوعي والرأسمالي في الانتشار من خلال التيارات الفكرية داخل العالم الإسلامي، وقد كانت التيارات الغربية تحصل على الدعم من أجل مدّ النفوذ داخل البلاد الإسلامية لتغريب المجتمع، ومن الطبيعي أن يرعى كل تيار غربي الفرع العربي الذي يمثله داخل البلاد الإسلامية. فهذه القوى الغربية الخطيرة نشطت نشاطًا محمومًا داخل العالم الإسلامي لما يقرب من قرنين من أجل تغريب المجتمع، ولا يُستغرب نجاحه في إيجاد طائفة متغربة، فنشاطٌ بكل هذه القوة الفكرية والمادية وأخَذَ كل هذا الوقت ومارس كل الأساليب لابد أن يحقق ثمرة جهده، ومع ذلك فقد كان لمشروعات الجهاد الإسلامية الفكرية والمادية دورها في تخفيف وطأة الهجمة التغريبية وإبطال كثير من مشروعاتها. فهذه مجموعة أسباب كان لها دورها في ظاهرة التغريب، وقد يكون بعضها أكبر من بعض ولكنها بمجموعها تشبه النهر وروافده، فالانحراف الفكري الحديث يشبه النهر الملوث، وهذا النهر تكوَّن من مجموعة من الروافد التي تصب فيه، فهي تأتي من أماكن مختلفة، وبعضها يلتقي قبل الصب فيه، ثم تصل إليه ملوِّنةً ماءه بحسب ما تلوّنت به، ومغيِّرةً وضعه بحسب حالها، وهي إن كانت غزيرة وكثيفة زادت من قوته، وإن كانت ضعيفة ضَعُفَ حال ذلك النهر، وبقدر ما

стр. 65

تُقفل تلك الروافد أو يُخفف من حجمها أو يُغيَّر في تركيبتها السيئة بقدر ما يكون لذلك له أثره في هذا النهر. لقد كان لهذه الأسباب دورها في ظاهرة التغريب، وأصبح الاتجاه التغريبي اتجاهًا واضحًا في المجتمع المسلم، وهو اتجاه لا يتفق مع هوية الأمة، وهو خليط من تيارات تختلف في مسافة بُعدها عن الدين، ففي بعض مستويات هذا الخليط نجد الإلحاد الصرف الذي يجعله في أقصى الشرّ، ومنه ما هو دون ذلك. وهذا الخليط الفكري والاجتماعي المنحرف يحتاج إلى الدعوة والمجادلة والمجاهدة، فالدعوة تكون في حق كل غافل أو ضال وهم كُثُر في هذا الاتجاه، كما أنهم موضع مجادلة ومجاهدة واحتساب من قبل العلماء والمفكرين والباحثين، والنموذج التغريبي ليس بجديد وإن غيّر من شكله، ولذا فالموقف الدعوي والاحتسابي ليس جديدًا أيضًا، وهذا من قَدَر هذه الأمة الكوني والشرعي؛ فالكوني بظهور الانحراف، والشرعي بالقيام على تغييره أو الحدّ منه، لتظهر عبوديات كثيرة من دعوة ومجاهدة ومجادلة واحتساب وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وبهذا لا نستغرب وجود تيار ضال، ولكن من المهم تحقيق العبوديات التي أُمرنا بها بحسب الحاجة وحسب الاستطاعة. ° الفكر التغريبي والعلم الحديث ونظرياته: بعد أن تعرفنا على العلم الحديث ونظرياته وعلى الفكر التغريبي وأسباب نشأته، يأتي الحديث عن العلاقة بينهما، فهدف البحث هو الدراسة النقدية لمشكلة العلاقة السيئة بين الاتجاه التغريبي وبين العلم الحديث ونظرياته؛ وذلك أن الاتجاه التغريبي بسبب توجهه العلماني وقع تحت تأثير علمنة العلم الغربية وما ارتبط بها من مناهج ونظريات وفلسفات ذات موقف سلبي أو عدائي لكل ما هو ديني. ويدور الأمر بين التأثر بفلسفات ارتبطت بالعلم ونظرياته أو استغلت العلم ونظرياته من جهة، وهذا غير مستغرب من اتجاه وقع في أسر تقليد المذاهب الغربية، وبين الاستغلال للعلم الحديث ونظرياته في مواجهة الإسلام من جهة أخرى، وهو غير مستغرب أيضًا من اتجاه انفصل عن أمته والتصق بالعلمانية والمادية، وما بين هذين الأمرين "التأثر والاستغلال" قامت علاقة الاتجاه التغريبي بالعلم الحديث ومناهجه ونظرياته وفلسفته.

стр. 66

ثالثًا: الموقف الإسلامي من العلوم التجريبية وأمثالها الموقف الإسلامي من العلم موقف لا مثيل له؛ فالعلم والإسلام توأمان لا ينفصلان، لقد وضع الإسلام العلم في منصّةٍ عالية، فبوابة الإسلام هي العلم، وقد عقد البخاري ﵀ بابًا مهمًا في صحيحه فقال: "باب العلم قبل القول والعمل"، قال ابن حجر ﵀ في الفتح: "قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يُعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما لأنه مصحِّح للنية المصحِّحة للعمل، فنبه المصنف على ذلك حتى لا يسبق إلى الذهن من قولهم: "إن العلم لا ينفع إلا بالعمل" تهوين أمر العلم والتساهل في طلبه" (١)، وفي الحديث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "طلب العلم فريضة على كل مسلم" (٢). ويكفي دلالة على مكانة العلم في الإسلام أن أول سورة نزلت كان فيها الحديث عن العلم ووسائله، وهي سورة العلق التي ابتدأت بـ "اقْرَأْ" وجاء فيها توجيه الإنسان إلى نعمة القلم ونعمة العلم التي أعطانا الله إياها، فقال -تعالى-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥]، قال القرطبي ﵀: "قوله -تعالى-: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ ـ يعني الخط والكتابة؛ أي: علم الإنسان

стр. 67

الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة قال: "القلم نعمة من الله تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش". فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علَّم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو. وما دُوِّنت العلوم، ولا قُيِّدت الحِكَم، ولا ضُبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا. . . ." (١). وقال الشيخ عطية سالم: ". . . . ثم لم يقتصر ﷺ في عنايته بالقلم والتعليم به عند كتابة الوحي، بل جعل التعليم به أعم، كما جاء خبر عبد الله بن سعيد بن العاص: "أن رسول الله ﷺ أمره أن يعلم الناس الكتابة بالمدينة، وكان كاتبًا محسنًا" ذكره صاحب الترتيبات الإدارية عن ابن عبد البر في الاستيعاب. وفي سنن أبي داود عن عبادة بن الصامت قال: "علّمت ناسًا من أهل الصفة الكتابة والقرآن". . . . وأبعد من ذلك ما جاء في قصة أسارى بدر، حيث كان يفادي بالمال من يقدر على الفداء، ومن لم يقدر -وكان يعرف الكتابة- مفاداته أن يعلِّم عشرة من الغلمان الكتابة، فكثرت الكتابة في المدينة بعد ذلك. . . . فإذا كان المسلمون -وهم في بادئ أمرهم، وأحوج ما يكونون إلى المال والسلاح، بل واسترقاق الأسارى- فيقدمون تعليم الغلمان الكتابة على ذلك كله، ليدل على أمرين: أولهما: شدة وزيادة العناية بالتعليم. وثانيهما: جواز تعليم الكافر للمسلم ما لا تعلُّق له بالدين، كما يوجد الآن من الأمور الصناعية، في الهندسة، والطب، والزراعة، والقتال، ونحو ذلك. وقد كثر المتعلمون بسبب ذلك، حتى كان عدد كتَّاب الوحي اثنين وأربعين رجلًا ثم كان انتشار الكتابة مع الإسلام. . . . " (٢).

стр. 68

وبعد هذه المنزلة الكبيرة التي جعلها الإسلام للعلم جاء دوره في وضع صورة جديدة لمفهوم العلم، فهناك إعادة تشكيل جذرية لمفهوم العلم تطال كل أموره، تطال المضمون والترتيب والغاية، فقد جاء الإسلام بعد أن وصل العالم إلى مرحلة صعبة من الجهل والظلم، فجاء بالتوحيد والعلم والعدل، فكان من رسالة الإسلام رفع شأن العلم بعد ملئه بمضمون جديد يقوم على العلم بالله وبدينه وبشرعه وبأمره ونهيه وبما أنزله مما يُصلح حال العالم، وأعاد ترتيب الأولويات في العلم، وكان قد أُهمل علم الدين الحق، ووُضع عند من بقي عندهم منه شيء في أسفل الهرم، وانشغل الناس بعلوم محرمة أو مفضولة وقدموها على العلم الأهم، وأخيرًا ربط الإسلام العلم بقيم وغايات قد غفل عنها البشر. فانطلقت الأمة الوليدة بهذا العلم الذي ورثته عن نبيها ﷺ ، كما أنها قد أخذت علوم الأمم النافعة وأدخلتها ضمن المفهوم الجديد للعلم. ومن بين النصوص القديمة -نسبيًا- والشاملة نجد كلامًا نفيسًا حول القضايا السابقة لابن عبد البر ﵀ (٣٦٨ - ٤٦٣ هـ)، نختصر منه بعض المعالم رغم طوله وأهميته إذ قال: "باب العبارة عن حدود علم الديانات وسائر العلوم المتصرفات بحسب تصرف الحاجات وسائر العلوم المنتحلات عند جميع أهل المقالات"، بدأه بتعريف العلم وأقسامه فقال: "حد العلم عند العلماء والمتكلمين في هذا المعنى هو ما استيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئًا وتبينه فقد علمه،. . . . والعلوم تنقسم قسمين: ضروري ومكتسب، فحد الضروري ما لا يمكن العالم أن يشكك فيه نفسه ولا يُدخل فيه على نفسه شبهة، ويقع له العلم بذلك قبل الفكرة والنظر، ويدرك ذلك من جهة الحس والعقل، كالعلم باستحالة كون الشيء متحركًا ساكنًا،. . . . وأما العلم المكتسب فهو ما كان طريقه الاستدلال والنظر، ومنه الخفي والجلي، فما قرب منه من العلوم الضرورية كان أجلى، وما بَعُد منها كان أخفى. والمعلومات على ضربين: شاهد وغائب، فالشاهد ما عُلم ضرورةً، والغائب ما عُلم بدلالة من الشاهد. والعلوم عند جميع أهل الديانات ثلاثة: علم أعلى، وعلم أسفل، وعلم أوسط. فالعلم الأسفل هو: تدريب الجوارح في الأعمال والطاعات، كالفروسية والسياحة والخياطة وما أشبه ذلك من الأعمال التي هي أكثر من أن يجمعها كتاب أو أن يأتي عليها وصف. والعلم الأعلى عندهم: علم الدين الذي لا

стр. 69

يجوز لأحد الكلام فيه بغير ما أنزل الله في كتبه وعلى ألسنة -أنبيائه صلوات الله عليهم أجمعين- نصًا ومعنى، ونحن على يقين مما جاء نبينا ﷺ عن ربه وسَنَّه لأمته من حكمته، فالذي جاء به القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، شفاء ورحمة للمؤمنين، آتاه الله الحكم والنبوة فكان ذلك يُتلى في بيوته قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] يريد: القرآن والسنة، ولسنا على يقين مما يدَّعيه اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل؛ لأن الله قد أخبرنا في كتابه عنهم أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا ويقولون هو من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون. فكيف يؤمَّن من خان الله وكذب عليه وجحد واستكبر؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١] وقد اكتفينا -والحمد لله- بما أنزل الله على نبينا ﷺ من القرآن وما سَنَّه ﵇". ثم توقف مع علم اللسان وفائدته في معرفة "علم الدين الذي هو أرفع العلوم وأعلاها، به يُطاع الله ويُعبَد وُيشكر ويُحمد، فمن عَلِمَ من القرآن ما به الحاجة إليه وعرف من السنة ما يعوِّل عليه ووقف من مذاهب الفقهاء على ما نزعوا به وانتزعوه من كتاب ربهم وسنة نبيهم حصل على علم الديانة، وكان على أمّة نبيه مؤتمنًا حق الأمانة إذا أبقى الله فيما علمه، ولم تمل به دنيا شهوته أو هوى يرديه، فهذا عندنا العلم الأعلى الذي نحظى به في الآخرة والأولى". وبعد إعادة صياغة مفهوم العلم الديني ووضعه في مكانه يأتي إلى العلوم البشرية، فيذكر أهمها وأشهرها، مع بيان الموقف منها الذي هو الموقف في كل حين، وهنا تظهر نظرة العالم المسلم إلى العلوم من حوله وتقييمها من خلال الإسلام، وقد اصطُلح على تسمية هذا الموقف في الدراسات المعاصرة بالتأصيل الإسلامي للمعرفة، فقال: "والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا التي يكون معرفة الشيء منها بمعرفة نظيره، وُيستدل عليه بجنسه ونوعه كعلم الطب والهندسة. وهذا التقسيم في العلوم كذلك هو عند أهل الفلسفة (١)، إلا أن العلم

стр. 70

الأعلى عندهم هو علم القياس في العلوم العُلوية التي ترتفع عن الطبيعة والفلك، مثل الكلام في حدوث العالم وزمانه، والتشبيه ونفيه، وأمور لا يُدرَك شيء منها بالمشاهدة ولا بالحواس، قد أغنت عن الكلام فيها كتب الله الناطقة بالحق المنزلة بالصدق وما صح عن الأنبياء صلوات الله عليهم، ثم العلم الأوسط والأسفل عندهم على ما ذكرنا عن أهل الأديان إلا أن العلم الأوسط ينقسم عندهم على أربعة أقسام هي كانت عندهم رؤوس العلوم، وهي علم الحساب والتنجيم والطب وعلم الموسيقى. . . ."، ثم تحدث عن هذه العلوم الأربعة وبيان الصحيح منها والباطل عند أهل الدين، وذكر أثرًا له دلالته المهمة عن أبي إسحاق الحربي قال: "العلوم ثلاثة: علم دنياوي وأخروي، وعلم دنياوي، وعلم لا للدنيا ولا للآخرة؛ فالعلم الذي للدنيا والآخرة علم القرآن والسنن والفقه فيهما، والعلم الذي للدنيا علم الطب والتنجيم، والعلم الذي لا للدنيا ولا للآخرة علم الشعر والشغل به"، وبعد كلام مهم حول هذه العلوم ختم بعلم الدين في الإسلام فقال: "واتفق أهل الأديان أن العلم الأعلى هو علم الدين، واتفق أهل الإسلام أن الدين تكون معرفته على ثلاثة أقسام: أولها معرفة خاصة الإيمان والإسلام،. . . . والقسم الثاني معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه،. . . . والقسم الثالث معرفة السنن واجبها وأدبها، وعلم الأحكام. . . ." (١). ومن الأمور المنهجية المهمة التي وقف معها هذا الإمام الكبير أنه -أثناء حديثه عن علم الدين- يذكر منهجية المسلم في هذا الباب، وهي: الاكتفاء بما في الوحي وأهمية العناية بصحة الخبر، فعلم الدين عمدته -كما سبق أول التمهيد- على السمع، بينما إذا جاء إلى علوم الدنيا نجده ينبه إلى "المشاهدة والحواس"، وما يقبله العقل ويقوم عليه البرهان، وذلك أن عمدتها على البصر، وهي ظاهرة في المنهج الإسلامي نحو العلم، فالدين عمدته الوحي، وفهمه يكون بما وُرِث عن النبي ﷺ وأقامه سلف الأمة، أما الدنيا -بعد معرفة الحلال والحرام فيها- فعمدتها على الحس والمشاهدة والعقل، وبهذا يقوم علم الدين وعلم الدنيا على منهجية صحيحة.

стр. 71

° توجيه الإسلام للعلم وتيسير طرقه: ولمنزلة العلم في الإسلام جاءت النصوص قوية وصريحة في الحثّ عليه وترتيب الأجور العظيمة على طلبه ونشره، وقد خصص العلماء لذلك مصنفات في فضل العلم وطلبه، فضلًا عن أن أغلب كتب العلم الشرعي تبدأ بمقدمات تذكر فضل العلم، وهي دلالة بيّنة على منزلة العلم في الإسلام ومكانته (١). وقد فتح الإسلام جميع المنافذ نحو العلم النافع، وأزال الحواجز والمعيقات، فمن نظر في الإسلام وجد أنه ما ترك طريقًا يوصل إلى العلم النافع إلا دلّ عليه، وما من حاجز يعيق العلم النافع إلا حذّر منه، فما بقي بعد ذلك من عذر لأحد في طلب العلم، ففضل طالبه كبير، والطرق إليه ميسرة وصحيحة والعوائق مُزالة، وهذا يكشف تلك الظاهرة العجيبة التي ارتبطت بظهور الأمة الإسلامية، وهي مكانة العلم في هذا الدين العظيم، فإذا أصابها ضعف وجهل فهذا دلالة على بعدها عن تعاليم دينها، وهنا بعض معالم التوجيه الإسلامي في هذا الباب، وسأقسمها -إن شاء الله تعالى- إلى قسمين: الأول: من صور فتح الباب نحو العلم النافع. والثاني: من صور إزالة العوائق أمام العلم النافع (٢). الأول: من صور فتح الباب نحو العلم النافع: وهو باب كبير، والقصد فقط التنبيه بالبعض على الكل، فمن ذلك: ١ - بيان سعة العلم، وأن ما عند البشر شيء قليل، وأثر هذا البيان على المسلم: قال -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ

стр. 72

مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧]، قال الشيخ السعدي ﵀ في آية الكهف: "فلو جُمع علم الخلائق من الأولين والآخرين، أهل السماوات وأهل الأرض، لكان بالنسبة إلى علم العظيم أقل من نسبة عصفور وقع على حافة البحر فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته، ذلك بأن الله له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة، وأن إلى ربك المنتهى" (١). وقال -تعالى-: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]، قال ابن كثير ﵀: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالِم إلا فوقه عالِم، حتى ينتهي إلى الله . . . . عن ابن عباس: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالِم. وهكذا قال عكرمة. وقال قتادة: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بُدئ وتعلمت العلماء، وإليه يعود" (٢). وقال -تعالى-: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، قال ابن كثير ﵀: "وقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎. والمعنى: أنَّ عِلْمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى، ولم يُطلعكم عليه، كما أنه لم يُطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى. وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخضر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة؛ أي: شرب منه بمنقاره، فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ " (٣)، والحديث الذي ذكره عن موسى ﵇ والخضر دليل عظيم في الباب، فإن موسى ﵇ عندما طلب الخضر

стр. 73

إنما طلبه للعلم، وجاء في الحديث "فجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر نقرة أو نقرتين في البحر، فقال الخضر: يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كنقرة هذا العصفور في البحر" (١). وهذا البعد الذي يرسخه الإسلام حول العلم له أهميته، فكل علم هو من الله سبحانه، وكل علم البشر لا يساوي شيئًا في علم الله سبحانه، وبهذا مهما بلغت علوم البشر من الكثرة والإبهار فهي نقطة بل لا شيء في علمه سبحانه، وإدراك هذا الأمر له أهميته، ومن صور الأهمية: عدم الغرور بما يصل إليه البشر من علم، بل ذاك يدفع أهله إلى التواضع، ومن ثمّ شكر المولى على ما فتح على الناس من علم والانتفاع به بما يرضي الرب سبحانه، والأمر الثاني الذي نستفيده من هذا الأمر أن العلم بحر لا نهاية له، وعلى المسلم طلب المزيد من العلم الذي ينفعه، وعلى المسلمين عدم الوقوف عند أي باب من العلم إلا في باب جاء الشرع بطلب التوقف فيه، وما عداه فالعلم بحر واسع وعلى الناس الأخذ منه دون توقف، وأعلاه العلم بالله وبما يوصلنا إليه، ويدخل في ذلك تبعًا كل علم نافع يحتاجه الناس. وهذا الأصل العظيم يجعل الأمة متوازنة في تحصيل العلم وفي موقفها من العلم، فلا تغتر بما حصلت عليه كما حدث للكفار من الاغترار بما وصلوا إليه من علوم، ولا تقف عند حدّ في طلب النافع منه. وتبع الأمر السابق بيان أن كل علم البشر هو من الله سبحانه، فهو الذي خلق الكون بسننه التي يكتشف منها البشر شيئًا بعد شيء، وهو الذي خلق للإنسان أدوات التعلم والإدراك من سمع وبصر وعقل، فيكون ما يحصلون عليه من علم هو من الله، ويعلمون في النهاية أن ذلك مما يفتح الله به على خلقه قال -تعالى-: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣]، وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ

стр. 74

إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومن استشعر هذا الأمر أقام العلم بما يرضي الرب سبحانه، بخلاف من ظن أنه من قدرات العقول وحدها فتجده ينحرف بهذا العلم. ومن استشعر أن كل علم هو من الله، تجده يلجأ إلى ربه دائمًا في طلب العلوم، وحتى الدنيوية منها ما دامت صحيحة ونافعة، والإنسان يؤجر في ذلك بحسب نيته. ٢ - دعوة القرآن إلى استخدام العقل في بابه الصحيح وبيان منزلة العلم: والآيات وإن قصدت في البدء إلى تحريك العقل نحو مقاصد دينية، إلا أن في ذلك توجيهًا صريحًا لتشغيل العقل وعدم إهمال شأنه، فجاءت آيات تدعو إلى النظر، وإلى التبصر، وإلى التدبر، وإلى التفكر، وإلى الاعتبار، وإلى التفقه، وإلى التذكر، وآيات في ذمّ الذين لا يعقلون وغيرها (١)، وغذاء العقل هو العلم، وقد جاءت آيات وأحاديث في الحث على العلم والتعلم بصور وأشكال مختلفة بالأمر الصريح أو بمدح العلم وأهله، أو بذكر الأجر، أو بذكر التميز، أو بذكر المآل الحسن. . . . وغيرها من الصور التي عُرض بها العلم في الكتاب والسنة (٢)، وهذا باب يصعب سرد نصوصه فهي من الكثرة والتنوع بما يتعذر في مثل هذا المختَصَر ذكرها، ولكن من المهم الاعتبار بدلالتها على منزلة العلم في الإسلام، وعلى أهمية إعمال العقل فيما يقرِّب من الله وفيما ينفع من أمور الدين والدنيا، ومن هنا يُعلم أنه ما وُجد من حث على العلم وإعمال العقل مثل ما وُجد في الإسلام. ٣ - حثّ الإنسان على استخدام الحواس في طلب العلم، وقد سبق هذا في أول التمهيد. ٤ - طلب الحجة والبرهان، والصدق واليقين، والحق والقسط، وهي أمور لا تتحقق إلا بالعلم، فطلبها هو طلب العلم، وطلبها يقتضي العناية بالعلم، قال -تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤]، وقال -تعالى-:

стр. 75

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ [الأنبياء: ٢٤]، وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]، وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ [يونس: ٣٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]، وغيرها من الآيات. وفي الجملة فإن من تتبع القرآن وجده يحث على العلم وييسر كل طريق إليه، فإن هذه الشريعة العظيمة عندما تحث على باب أو تأمر به تجدها تيسر كل طريق إليه، وفي المقابل فإنها تُقفل كل باب يكون سببًا في تعطيل المأمور به، وفي الفقرة الآتية بعض ما يدلّ على ذلك. الثاني: من صور إزالة العوائق أمام العلم النافع: وكما فتح الإسلام الباب للعلم النافع فقد أزال كل العوائق التي تعيقه، ومن ذلك مثلًا التحذير من اتباع الظن، واتباع الهوى، ومن الجدل المذموم، ومن البغي، والريب، ومن تبديل كلام الله، ومن تحريف الكلم عن مواضعه، ونهى عن تقليد الآباء والزعماء والأحبار والرهبان بالباطل، ومن ذلك محاربته للخرافة من السحر والشعوذة والتنجيم، والخرافات التي تتعلق بالتصور والاعتقادات الغيبية، وغيرها من المنهيات التي غاية النهي عنها صلاح حال المسلم في دينه ودنياه. وقد سبقت آيات في النهي عن اتباع الظن في الفقرة السابقة، فالابتعاد عن الظن يعني الحرص على اليقين والحق والعلم والصدق، وفي النهي عن اتباع الهوى قال -تعالى-: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال -تعالى-: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وجاء التحذير من تحريف الكلم عن مواضعه فذاك من التلاعب بالحق والعلم، قال -تعالى-: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، وقال
следующие страницы →