← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

القضايا الغيبية الدينية، ورمى بها لعالم مجهول تتخبط فيه العقول بفلسفاتها والعلوم بنظرياتها، فإن الإيمان بالله هو أساس كل القضايا الغيبية، وإذا سقط هذا الأساس سقط بقية الغيب، وهناك بجانب هذا الإلحاد الكلي إلحاد في الربوبية، يُثبت أصحابه وجود الرب سبحانه، ولكنهم يريدون الإيمان به كما تتوهمه عقولهم وليس كما أخبرنا سبحانه عن ذاته، فالأصل الصحيح في باب الإيمان بالله أن يكون كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، وليس كما تتوهم عقول البشر (١)، يقول أحد المتأثرين بالتغريب والنظرة العلمية المزعومة: "وفي الوقت الذي استوعب فيه الغرب أشكالًا مختلفة للعلاقة بين الله والعالم، مثل صورة الإله الذي يحكم العالم بالرياضيات، أو مهندس العالم عند ديكارت، أو صورة الصانع الذي لا يخطئ لساعة كبرى تظل تؤدي عملها بكفاءة وثبات، هي الكون عند ليبنتس، فإن العالم الإِسلامي لا يسمح بمثل هذا التغيير في شكل العلاقة بين العالم بسهولة، ولا يدمج هذه الصورة المتغيرة التي تعمل حسابًا لتطورات العلم في إطار العقيدة الدينية كما فعل هؤلاء الفلاسفة. في حين أن كبار مفكري الغرب المتدينين يقبلون بسهولة الفكرة القائلة بأن عناصر كثيرة من الأفكار الدينية ينبغي أن تتغير نتيجة للمعرفة الجديدة التي جلبها العلم والتقنية، فإن مثل هذه الأفكار مرفوضة -من حيث المبدأ- في معظم الأوساط الدينية الإِسلامية" (٢). [ثلاثي الانحراف]: إن إنكار الرب سبحانه أو الاعتقاد في ربوبيته بما تتوهمه العقول -وليس كما حدثنا الرب عن ذاته- يؤثران في بقية الغيب يصاحب ذلك الإغراق في الحسّ، فهذه ثلاثة أمراض: التكذيب بوجوده أو الانحراف في ربوبيته أو الإغراق في الحسّ. أما مع الأول فقد حُسم أمر الغيب معه؛ فإنه بإنكار وجود الرب لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني، ومع ذلك فقد يقدمون الحجج العلمية المزعومة لنشر إلحادهم أو للدفاع عن موقفهم. أما مع الثاني وهو التكذيب بالربوبية لاسيّما في أبواب الخلق والقدرة والإرادة، فيفتحون

стр. 877

للتخرصات العقلية حول صورة هذه الغيبيات، ويُدخِلون العلم الحديث طرفًا مفسرًا أو شارحًا لتصورهم عن هذه الغيبيات، ويغلب على النتائج التي يصلون إليها أنها معارضة لما جاء به الأنبياء، وبانحرافهم في باب الخلق: هربوا من إثبات خلقه للعالم المادي وعالم الحياة إلى أمور غامضة أو إلى الإلحاد، وفي باب القدرة: حيث أغرتهم السنن، فاكتفوا بتفسيرها كقوانين أو قوى طبيعية حتمية تدير العالم الصغير والكبير، دون أي إمكانية لفعل شيء فيها حتى من قبل الرب، وفي باب الإرادة حيث قيدوا هذه الإرادة بما تتخيله عقولهم. أما الثالث، فهناك أمر مشترك عند أغلب المكذبين بالغيب وهو الانحباس في عالم الشهادة، يستوي في ذلك الأمي القديم الذي يعبد صنمًا مع المتحضر المتبحر في العقليات والعلميات الذي ينكر وجود الرب والغيب، فالأول يصرّ على أن يكون إلهه محسوسًا لغلظة الحسّ عليه، والثاني ينكر ذلك للسبب نفسه، والاستغراق في عالم الشهادة والمادة والحسّ، وطول إلفه ذلك، والإخلاد إليه، يفسد على صاحبه الإيمانَ بالغيب والتصديق به، فيقع بين طرفي نقيض، فإما جلب ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة وإما نفي ذاك الغيب مطلقًا. لقد طلب اليهود قبل ثلاثة آلاف سنة طلبًا مكابرًا من أبواب الغيب فقالوا لنبيهم: أرنا الله جهرة، قال -تعالى- عنهم: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥]، يقول "وحيد الدين خان ": "وفي العصر الحديث أعيدت هذه المطالبة باسم العلم. فحين اكتشفت العلوم الحديثة كثيرًا من أسرار الكون التي لم يكن الإنسان القديم يعرفها، زعموا أن العلوم قد قضت على حدود الحواس البشرية، وأن الإنسان سيتمكن الآن من المشاهدة المباشرة لكل الأشياء الموجودة. وزعموا أنه لا وجود للأشياء التي لا تخضع للمشاهدة. . . . وحين تمكنت الأجهزة الحديثة من مشاهدة أصغر الأجسام إلى الأجرام البعيدة، ولكنها لم تشاهد الحقائق الدينية زعموا أنه لا وجود لهذه الحقائق" إلى أن قال: "ولكن القرن العشرين قد مضى على هذا المنهج الفكري بعد اكتشاف حقائق كثيرة تبطل النظريات القديمة. . . . "، ثم

стр. 878

عرض بعض الأفكار والاكتشافات العلمية الجديدة التي تنقض هذا الرأي، ثم قال: "وإذا كان الكون يتكون من حقائق لا نشاهد معظمها مباشرة، فما هو السبيل لمعرفة الأشياء الأخرى التي لا نشاهدها؟. . . . "لقد تقلصت دائرة التجربة في التعامل مع الحقائق الكونية الأبدية، واتسعت دائرة التأمل" وبهذا اعترف العلم الحديث أنه لابد من الإيمان بالغيب؛ أي: الإيمان بحقائق الكون بمشاهدة ظواهره" (١). ومن بين الأمثلة على إنكار كل الغيب بحجة العلمية نجد الكلام الإلحادي لـ"هكسلي" في كتابه: "الإنسان في العالم الحديث"، فيقول: "هل يستطيع الدين أن يلقي ضوءًا على الأزمة الحالية في الدين، وعلى حلها الممكن في المستقبل؟ والحالة الخاصة التي تواجه الدين في المدنية الغربية هي ما يأتي: أن الاعتقاد في الله قد أدى كل ما يستطيع من فائدة، وليس في وسعه أن يفعل أكثر من ذلك. والإنسان خلق القوى الخارقة للطبيعة؛ ليلقي عليها عبء ما لا يستطيع فهمه. فاعتقد الإنسان البدائي في السحر، ثم في الأرواح الشخصية، ثم انتقل من الأرواح إلى آلهة كثيرة، ومن الآلهة الكثيرة إلى إله واحد. وبعبارة بسيطة انتهى التطور. والمرحلة الخاصة التي تهمنا في هذا التطور هي مرحلة الآلهة. ولقد كانت الآلهة في عصر ما من حضارتنا الغربية تخيلات ضرورية، وفروضًا نافعة تساعد على الحياة. إلا أن الآلهة ليست ضرورية أو مفيدة، إلا في إحدى مراحل التطور. ولكي يكون للآلهة قيمة عند الإنسان، لابد من ثلاثة أشياء: يجب أن تبقى كوارث العالم الخارجي غير مفهومة، وألا يمكن منعها حتى تكون مزعجة للغاية، أو أن تكون قسوة الحياة العامة وعجزها بحيث يحولان دون تصديق أن في الإمكان تحسين هذا العالم. وعندئذ يستطيع الإله -ولا تستطيع الحياة الاجتماعية- أن يهيئ من الوسائل ما يلزم لإصلاح الحال. . . .". ويربط بين تقدم العلم والإلحاد وإنكار الغيب فيقول: "ولقد أوصلنا تقدم العلوم، والمنطق، وعلم النفس، إلى طور أصبح فيه الإله فرضًا عديم الفائدة،

стр. 879

وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا حتى اختفى كحاكم مدبر للكون، وأصبح مجرد أول سبب أو أساسًا عامًا غامضًا. ولقد أدت زيادة المعرفة إلى إدراك أن السحر عقيدة باطلة، وأن منع الكوارث لا يتحقق إلا بالعلم وتطبيقاته، وأن الطقوس الدينية التي تصحب تقديم القرابين، وصلاة الاستغفار، عديمة المعنى. وأن تحليل العقل البشري، وما كشفه عن قدراته على رسم الخطط وإشباع الرغبات، وما كشفه عن العقل الباطن والكبت، يجعل ألا داعي للاعتقاد بأن الانحراف وما إلى ذلك يرجع إلى قوة روحية خارجية، وأنه ليس من العلم في شيء أن ننسب التوفيق في الأعمال إلى هداية من الله. ولقد أدى المنطق اللاهوتي إلى الاعتقاد بوحدانية الله، وهذا غير مفهوم، ومن بعض النواحي أقل قيمة عملية من الشرك! "وإذا سلمنا بوجود إله من أي نوع، فالنتيجة المنطقية لذلك، الاعتقاد بوحدانية الله. ولكن لم هذا الاعتقاد في وجود الله؟ ولماذا الاعتقاد في كائنات خارقة للطبيعة لها صلة بمصير الإنسان وأمانيه؟ ويتوقف الاعتقاد في وجود الله على تشخيص الظواهر غير الشخصية، والتشخيص مقدمة للاستدلال على وجود إله. ولكن هذا ليس إلا مجرد فرض. وأنه إذا كان مفيدًا في العصور الأولى، فإنه الآن غير مفيد. ثم إنه يثير من الصعاب أكثر مما يحل. ويجب على الدين -لكي يستمر عنصرًا مهمًا في حياة المجتمع- أن يتخلى عن فكرة الله. أو على الأقل يقصيها إلى مركز ثانوي، كما حدث للسحر الذي سيطر على العقول في الزمن الماضي. "والإله، والآلهة، والملائكة، والجن، والأرواح. وغيرها من الأشياء الصغيرة الروحية من عمل الإنسان، وناشئة حتمًا عن نوع من الجهل، ودرجة من العجز أمام بيئته الخارجية. وبإحلال المعرفة محلّ الجهل في هذا الميدان، وزيادة سيطرة على بيئته نتيجة لتفكيره، يتلاشى الإله كما تلاشى الشيطان قبله، وآلهة الدنيا القديمة، وجنيات الغابات والبحيرات، والأرواح المحلية" (١).

стр. 880

وقد أطلت من هذا النموذج؛ لأنه يغني عن عشرات النقول عن المتغربين، فهم لم يتجاوزوا هذا الكلام، حيث سنجد هذا النموذج الشاذ يدخل في كتابات تغريبية عربية، حذو القذة بالقذة، ومع ذلك فهذا الكلام غير مُستَغرب من الملاحدة، فهو موجود في كل زمن، وإنما القصد هنا أن مثل هذه الدعاوى تتلبس بالعلم. وقد أورد سيد قطب منقولات عن ديورانت تصل لنتيجة: أن تلك الدعاوي التي تتلبس العلم، قد جاء العلم نفسه بإبطالها. ومن كلام ديورانت: "يقول برتراند رسل: "يقترب علم الطبيعة من المرحلة التي يبلغ فيها الكمال". وجميع الدلائل تدل على العكس من ذلك .. أما هنري بوانكاريه فيرى أن علم الطبيعة الحديث في حالة من الفوضى، فهو يعيد بناء جميع أسسه، وفي أثناء ذلك لا يكاد يعرف أين يقف. وقد تغيرت الأفكار الأساسية عن الطبيعة تغيرًا تامًا في العشرين السنة الأخيرة، فيما يختص بالمادة والحركة كلتيهما. ولم تعد تسمح أعمال كوري ورذرفورد وسودي وأينشتين ومينكوفكس لأي تصور قديم عن الطبيعة النيوتونية بالبقاء" (١)، ويعلق سيد على ذلك فيقول: "وبعد، فإن هذا هو موقف العلم من المجهول. . . . بل من المنظور. . . .! وهو الذي يحيلنا عليه أمثال جوليان هاكسلي من "العلماء" المتبجحين المستهترين بقيمة الكلمة في الحقيقة!. . . . وبقي "الإنسان" يريد أن يركن إلى "الحقيقة". يريد أن يستقر على قاعدة في التعامل مع هذا الوجود. يريد أن يعرف مركزه في الكون وغاية وجوده الإنساني. يريد أن يرى "الكل" ويطمئن إليه قلبه. . . . وليس هناك إلا دين الله يريه "الكل". ولم يعد دين الله يتمثل في غير "الإِسلام" .. فهو وحده العقيدة التي سلمت من الإضافات والتحريفات البشرية. وهو وحده الذي يتلقى منه الفكر البشرى مقومات التصور الوحيد الصحيح .. مقومات التصور الإِسلامي. ." (٢). وإذا أردنا أن نعرف بصورة أدق كيف نبع الانحراف في الغيب من خلال

стр. 881

المعرفة العلمية العلمانية، فعلينا الرجوع إلى أصولها التي بُنيت عليها، ومن أهمها بحسب الباحث الإِسلامي طه عبد الرحمن أصلان: "لا أخلاق في العلم، ولا غيب في العقل"، والمشكلة أنهما قد تسربا في نمط المعرفة الغربية، مما يجعل أخذها دون فحص ونقد، يعد في غاية الخطورة، من جهة إمكانية تسرب هذين الأصلين الخطيرين إلى ثقافتنا (١). ومقتضى الأصل الثاني الذي له علاقة بموضوع الغيب: "أن لكل واحد -أو جماعة- أن يُركب من العلاقات ويقيم من البنيات ما شاء ما عدا أن تكون بعض العناصر المرتبطة بهذه العلاقات أو الداخلة في هذه البنيات لا تفيد تحقيقاتُ التجربة الحسية ولا تقديرات العقل المجرد في الإحاطة بكنهها أو بوصفها" (٢). وقد تفرع عن هذا الأصل المبدآن المشهوران الآتيان: "أ- مبدأ السببية: وهو يقضي بأن يكون لكل ظاهرة سبب محدد؛ ولما كان القول بالسببية يلزم منه أن "الجواز" لا محل له في الممارسة العقلية المشترطة في العلوم، آثرنا أن نسمي هذا المبدأ "مبدأ السببية الجامدة"، حتى نفرق بينه وبين مبدأ آخر يأخذ بسببية "حرِكة" "بكسر الراء" تزدوج فيها الضرورة بالجواز، كما يزدوج فيها التوجيه الذي يضبط العلاقة السببية، إذ تكون هذه العلاقة موجَّهة من لدن المسبَّب كما هي موجهة من لدن السبب، وإن اختلفت صورةُ هذا التوجيه من أحدهما إلى الآخر. ب- مبدأ الآلية: ينص هذا المبدأ الثاني على أن كل ظاهرة لا تحددها إلا أوصاف وخواص خارجية يمكن أن نراقبها ونضبطها ونتصف فيها بطرق مقررة؛ ولما كان القول بالآلية يلزم منه أن الممارسة العلمية تُنزل كل شيء منزلة الظاهر الذي ينبغي التحكم فيه، ولا تتطلع إلى ما وراءه من الدلالات الخفية ولا إلى ما بَطَن من الأسباب الممتنعة عن المراقبة الآلية، اخترنا أن نطلق على هذا المبدأ اسم "مبدأ الآلية المسبَّبة"، حتى نفرق بينه وبين مبدأ ثان يأخذ بآلية "موجَّهة" "بفتح الجيم" يتزاوج فيها التحكم في ظاهر الأشياء مع الاحتكام إلى باطنها،

стр. 882

وذلك لتزاوج الأوصاف العلنية فيها مع المقاصد الخفية وتزاوج العلل المشهودة مع الحِكَم "بكسر الحاء" المبثوثة" (١). وقد ترتب على هذين المبدأين صور من الانحراف "وتوضيح ذلك أن لمفهوم "الجواز" تعلقًا بالإرادة، حيث إن الظواهر التي يستقرئ العلم الوضعي أسبابها هي من صنع الإرادة الإلهية التي تعلقت بهذه الأسباب، وكان بالإمكان أن تتعلّق بأسباب غيرها لو شاءت هذه الإرادة أن تكون الظواهر على غير ما هي عليه، أو شاءت أن يدركها الإنسان على غير الوجه الذي أدركها عليه، كما أن لمفهوم "الباطن" الذي يقترن بظاهر الأشياء، تعلقًا بالغاية التي أنيطت بكل ظاهرة والتي ترتقي بها إلى عالم القيم المعنوية" (٢). ولا شك أن في تعطيل الإرادة الإلهية والقول بسببية جامدة له أبعاد غيبية خطيرة لما في ذلك من تحديد القدرة الإلهية والإرادة والخلق (٣)، ومن أمثلته إنكار كل خارق بحجة معارضته لمثل هذه السببية الجامدة، كما أن القول بالآلية ومنع الحِكم الإلهية من وجود ما أخبر الرب بوجوده من مغيبات ذات غايات لا يمكن لأهل الحتمية فهمها من مثل وجود الوحي والرسالات السماوية وعالم المخلوقات الغيبية واليوم الآخر، وغيرها من الأمور الغيبية التي تعارض حتميتهم. وهذه الأصول مبنية على تصور مادي للعلم موروث من ماديي ووضعيي القرن الثالث عشر / التاسع عشر، وقد شهد العلم في القرن الرابع عشر/ العشرين تحولات مهمة سبق شيء من التوقف معها، أضعفت مثل هذه الأصول المادية، وقد خرجت دراسات فكرية مهمة في هذا الميدان تبيّن المسافة الكبيرة والخطيرة بين رؤيتين للعلم، رؤية اشتهرت لدى ماديي القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ورؤية جديدة مناقضة لها ما زالت تتشكل إلى اليوم تتعارض تمامًا مع القديمة، ومن بين هذه الدراسات نجد كتاب "العلم من منظوره الجديد" الذي يحدثنا عن الفرق بين الرؤيتين: القديمة المادية والجديدة، فقد انتهت القديمة بحسب مترجم

стр. 883

الكتاب إلى "مذهب مادي صارم يؤمن بأزلية المادة، ويرفض من ثم كل ما هو غيبي، ولا يعترف في تفسيره لمختلف الظواهر إلا بنوعين من العلل، هما: الضرورة والصدفة" (١)، ومع القول بالمادية والقول بالحتمية وإنكار الغائية فُتح الباب للإلحاد، مع أن مجموعة من مؤسسي العلم لم يكونوا ملحدين، ولكن تصورهم للعلم قد فتح الباب للإلحاد، ومن ثم فقد ظهر فريقان: فريق "لا أدري" من جهة الإيمان بالله؛ لأن العلم يفسر الأمور دون الحاجة إليه بزعمهم، وفريق وجد أن منطق العلم بصورته السابقة يؤدي للإلحاد، فذهبوا مع هذا المنطق، وقالوا به (٢)، ولكن حركة العلم المعاصرة حطمت عددًا كثيرًا من مسلمات العلم، لاسيّما في باب السببية الجامدة والحتمية والآلية وإنكار الغائية ودعوى مادية العالم وإنكار ما سواه، فانقلب العلم على العلم وبقي الملحدون في فوضاهم كالعادة، ولكن المهم أن العلم الذي استندوا إليه، قد هدم الأصول التي بنوا عليها موقفهم (٣). وقد خُتمت المقارنة بين النمطين السابقين بالآتي: "والبشر يلحظون يد الله في ندفة الثلج وفي غروب الشمس وفي حقل الأعشاب. وعظمة الجمال وجلاله يحملان توقيع الله الذي لا شبهة فيه. يقول توماس مان: "الجمال وحده إلهي ومرئي في آن معًا". أما إمرسون فيقدم لنا النصيحة التالية: "إياك أن تفوت أي فرصة لمشاهدة أي شيء جميل؛ لأن الجمال خط بيد الله، إنه قداس يقام على جانب الطريق، رحب بالجمال في كل وجه حسن، وفي كل سماء صافية، وفي كل زهرة جميلة، واشكر الله على ذلك". وهكذا ففي النظرة الجديدة نجد أن أصل الكون وبنيته وجماله تفضي جميعًا إلى النتيجة نفسها، وهي أن الله موجود" (٤). وهذا الذي يؤكده العلم وتقبله العقول الصحيحة والفطر السليمة هو الذي يؤكده الإِسلام ويبث ذلك في أهله، ويحققون الوسطية بين التصديق بالواقع

стр. 884

والإيمان بالغيب، وهكذا تكون العقلية الإِسلامية تجمع بين الغيب الحق الذي لا يمكن التكذيب به وبين التعامل مع عالم الحس الذي يسير بتسخير الرب العليم الحكيم، "إن العقلية الإِسلامية عقلية "غيبية علمية"؛ لأن "الغيبية" هي "العلمية" بشهادة "العلم" والواقع .. أما التنكر للغيب فهو "الجهلية" التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة! وإن العقلية الإِسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله؛ وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل، والتي تمكن معرفة الجوانب اللازمة منها لحياة الإنسان في الأرض، والتعامل معها على قواعد ثابته .. فلا يفوت المسلم "العلم" البشري في مجاله، ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة؛ وهي أن هنالك غيبًا لا يُطلع الله عليه أحدًا، إلا من شاء بالقدر الذي يشاء .. والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها "الفرد" فيتجاوز مرتبة "الحيوان" الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة "الإنسان" الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدود، الذي تدركه الحواس -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس-، وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود؛ وفي إحساسه بالكون، وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه؛ ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود؛ وأن وراء الكون .. ظاهره وخافيه .. حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده .. حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول. . . . لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان -كجماعة الماديين في كل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى .. إلى عالم البهيمة، الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا "تقدمية"! وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها. فجعل صفتهم المميزة هي صفة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. . . . والحمد لله على نعمائه؛ والنكسة للمنتكسين والمرتكسين. . . . إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة هي

стр. 885

حقيقة الغيب، وكل ما عداها احتمالات. وإن هنالك حتمية واحدة هي وقوع ما يقضي به الله ويجري به قدره. وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو. وإن هنالك -مع هذا وذلك- سننًا للكون ثابتة، يملك الإنسان أن يتعرف إليها، ويستعين بها في خلافة الأرض، مع ترك الباب مفتوحًا لقدر الله النافذ، وغيب الله المجهول .. وهذا قوام الأمر كله .. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ " (١). من أصول الانحراف في الغيب: ويمكن إجمال الأصول التي يقع فيها الانحراف في الغيب من ثلاثة جوانب، تحوي شبكة معقدة من المفاهيم والمصطلحات للانحراف في الغيب باسم العلم، وقد تحرك من خلالها المتغربون، إما تأثرًا بها أو استغلالًا لها، بعض هذه الأصول يرتبط بالعالم المحسوس، وبعضها بطريقة النظر، وبعضها يتعلق بنصوص الغيب. فمن بينها في الجانب الأول: مفهوم الطبيعة والصدفة الذي قُدس عند الماديين (٢)، وأصبحت مفهومًا يوازي باعترافهم ما يعتقده المؤمنون بربهم، لقد وضعوا الطبيعة والصدفة مكان الإله الخالق المدبر القدير القوي الفعال لما يريد، الطبيعة بقوانينها وقواها تُدبر أمرها وتُحدث عجائبها، وتسير وفق حتمية صلبة لا مجال فيها للجواز والإمكان، وهي تملأ الوجود، ممتدة في المكان والزمان، ولهذا من وجد منهم معترفًا بوجود الرب تجده يقول بوحدة الوجود، وقد أُقصي مع مثل هذا الفهم للطبيعة كل أمور الغيب، فما لم يوجد في الطبيعة فلا حقيقة له. وقد ارتبط بهذا التكذيب بالغيب، فبعد اكتشاف الطبيعة لم يعد هناك مجال للإقرار بالغيب.

стр. 886

ومن بينها في الجانب الثاني: مفهوم العلمية الضيقة الحسية (١)، فالعلم هو الحسي التجريبي، ومن ثمّ فكل حديث عن غيب أو ما ورائيات فهو غير علمي، وقد برز ذلك بقوة مع التيارات العلموية الوضعية التي صاحبت التطورات العلمية التجريبية في الغرب، وقد سادت في الفكر الغربي وتأثر بذلك المتغربون وقلدوا تيارات الفكر الغربية، فاستهانوا بالغيب بحجة عدم علميته. ومن بينها في الجانب الثالث: مفهوم الأسطورة، فقد دخل بقوة ميدان العلوم الاجتماعية، وقد أخذ به المتغربون بوصفه مفهومًا يمكن تطبيقه على الغيبيات، فقد كان علم الأساطير يهتم بدراسة الأساطير التي ملأَت الثقافات الوثنية القديمة، ولكن الملاحدة قد وجدوا فيها أداة مناسبة للطعن في الدين، وظهرت من خلال الدراسات المقارنة، فيجمعون كل ما يجدون حول أصل الإنسان، ويخرجون من ذلك بأن ما وجد عند أهل الكتاب له شبه في ديانات غير كتابية، فيصلون من ذلك إلى أن هذا القاسم المشترك دليل على الأسطورة، وهو ميدان واسع يهمنا منه زعمهم أن كل الغيبيات تدخل في الأساطير، وأنه مع تقدم العلوم الطبيعية تبدأ المعرفة الأسطورية في الاختفاء، ومنها الدين، ولكن حدث لمفهوم الأسطورة تطورات في ميدان العلوم الاجتماعية، ومن أهمها محاولة تجاوز القول الذي ارتبط بالتيار الوضعي الذي يرمي الأسطورة في عالم الخرافة، وأصبح الرأي الجديد يرى بأن الأسطورة وإن لم تكن صحيحة وذات واقع موضوعي، إلا أنها مهمة للإنسان، فلا يمكن نفي الأسطورة كما تخيل التيار الوضعي العلموي. ولكن يتفق الطرفان على عدم وجود حقيقة لها، ولكن العلمويين يرفضونها بينما المعاصرون يعترفون بوجود أثر مهم لها، وعدم إمكانية استبعادها، فالإنسان لا يعيش بالعقل فقط، بل بالأسطورة أيضًا. وقد عُرف عند المتغربين التكذيب بالغيب، أو التشكيك فيه، أو تأويله تحت دعوى أسطوريته، فمع انتشار الفكر الماركسي والأبحاث التاريخية من جهة وبعض العلوم الاجتماعية دخل مصطلح الأسطورة أداةً للتكذيب بالغيب (٢)، وهو

стр. 887

بارز في باب العلوم الاجتماعية المعاصرة، فيذكر أحد المدافعين عن العلمنة دخول هذا المصطلح في الستينات وهي فترة عرف فيها انتشار الفكر اليساري والحداثي فيقول: "فجاء النظر في التراث على اعتبار أنه من أمور الماضي التي ولّت ولا مكان لها في الثقافة العقلية للعصر. واستتبع هذا النظر إلى المفاهيم الإِسلامية العقائدية، كالألوهية والعوالم الروحانية والجن والعفاريت، وأخبار العصور الفائتة، على أنها أساطير -وأصبح ممكنًا النظر إلى قصة إبليس، مثلًا، على أنها قصة مأساوية، تقارب التراجيديا الإغريقية- دونما علاقة بواقع معين. . . . وجاءت أخبار إبراهيم وهود وصالح وغيرهم أخبارًا منسوبة إلى أنبياء ذات أصول عبرية وسومرية وبابلية موظفة في سبيل المشروع السياسي المحمدي. . . ." وغيرها من الأمثلة التي جمعها العظمة عن الرافعين لمفهوم الأسطورة (١). ولا يمكن عند أصحاب الأسطورة دراسة التراث دون الاعتماد على مفهوم الأسطورة، حتى الإِسلام، فمع وجود من يقول بأن الإِسلام قد أحدث قطيعة مع الأساطير، فإنه مع منظري الأسطورة غير مسلم به، ويضرب "سيد القمني" أمثلة على ذلك تجعل من الإِسلام مثله مثل غيره فيه أساطير، ومما ذكره "حادثة الإسراء والمعراج. . . . هل نرفضها بمنطق رفض اللامعقول؟ أم نبقي عليها بمنطق الإيمان؟. . . . ثم كيف نصنف دابة البراق -التي حملت الرسول ﷺ من مكة إلى القدس- تصنيفًا علميًا يضعها ضمن فصيلتها الحية. . . ." (٢)، وقد انطلق في كتابه مقارنًا بين الأساطير، وبين الكثير مما جاء ذكره في الوحي من أخبار الغيب. وقد نجد في كتابات عربية متغربة أسلوبًا ملتويًا، فهم ينقدون قضايا غيبية

стр. 888

لأسطوريتها على أنها وردت في اليهودية أو النصرانية، فمنهم من يسكت على ذلك، وموقفه خطير؛ لأنه يلبس على القارئ، والأصل في قضايا الغيب وجود مرجعية غيبية نصحح بها ما نجده عند الأمم الأخرى، ومن ذلك ما يذكره د. عبد الهادي عبد الرحمن خلال نقده لليهودية، فيقول: "اقرأ أي قصة مفصلية في العهد القديم، ولتكن قصة الخلق، آدم وحواء، الطوفان، الخروج. . . . إلخ، وحاول أن تقرأها بأصولها البابلية الآشورية أو الرافدية، وبأصولها المصرية أو السورية، ستجد أنها جميعًا إعادات إنتاج للأساطير المجاورة. . . . " (١). فأصل هذه الأمور حق، أما ما حدث في كُتب أهل الكتاب فذاك من التحريف الذي نعرفه ليس بالرجوع فقط للأساطير المذكورة بل بالرجوع للوحي الثابت، فما وجدناه في الكتاب والسنة عرفنا صحته وما لم نجده مع مخالفة لما في الكتاب والسنة عرفنا بطلانه، والمسكوت عنه في الوحي قد أُذن في شرعنا بذكره دون تصديقه أو تكذيبه، ولكن أهل التغرب يتملصون من ذلك، وقد جمع تركي الربيعو دراسات كثيرة لعدد من اليساريين العرب مثل النموذج السابق وذكر حول بعضها أنها وإن لم تُدخل الإِسلام صراحة فقد أدخلته ضمنًا (٢)، وإن كان الربيعو نفسه لا يبتعد عنهم كثيرًا، فهو ينظر للأسطورة بحسب المفهوم الأخير عنها، الذي يُبقي الدين ضمن الأسطورة بحقائق غيبية غير حقيقية ولكنها مهمة (٣). وفي نهاية هذه الفقرة أقدم نماذج تغريبية انحرفت في باب الغيب: المثال الأول: لويس عوض: اعتناق أفكارٍ تكْفرُ بهذا الغيب، وفي ذلك يقول أحد المتغربين: "وكنت. . . . أربي تلاميذي في الجامعة على. . . . المذهب الإنساني. . . . على أساس اشتراكية القرن العشرين. . . . وأحطم أمامهم المقدسات المزيفة القائمة على الغيبيات أو وليدة الخوف أو التقليد" (٤)، وصاحب الكلام متعصب للعلمانية

стр. 889

ونابذ للدين كما ذكر ذلك عن نفسه في سيرته "أوراق العمر"، وبهذا يُفهم مراده من "المقدسات المزيفة" و"الغيبيات" كما سيأتي من أمثلة فيما بعد، وهو يذكر الأداة التي يستخدمها في ذلك وهي اشتراكية القرن العشرين (١)، وهي اشتراكية إلحادية لا تؤمن برب ولا بغيب ولا بدين، وكل هذا البلاء يتم مع شباب متحمس يدخل الجامعة ليوسع معارفه ويحصل على ما ينفعه فإذا به يتشرب بمثل هذه الأمراض. المثال الثاني: هشام شرابي: في سياق دراسة قدمها هشام شرابي عن علاقة المثقفين العرب بالغرب امتدح النصارى منهم وبخاصة في باب ترك الماورائيات والاكتفاء بالمحسوس، فيقول: "كان الهم الأساسي لصروف والشميل وأنطون، ومعهم عدد قليل من المثقفين المسيحيين الذين اقتفوا خطاهم، هو نقل انتباه الإنسان بعيدًا عن الدين والماورائيات وتركيزه في قضايا العالم الحقيقي. إنهم كانوا مقتنعين بأن الظلامية التقليدية والتعمية يجب أن تلغيا ليحل محلها التنوير الفكري. وهذا الإدراك جعل أقوالهم أجرأ وأوضح. ومع أن لا أحد أعلن الإلحاد صراحة، فإنهم كشفوا في كتاباتهم عن فقر شديد في المعتقد الديني" (٢)، ومن صور تكذيبهم بالغيب قناعتهم بوجود تمييز بين ثقافة شعبية جماهيرية وأخرى نخبوية للخاصة، فهي ذهنيتان، وقد امتدح هاشم تمييز أحدهم بين هاتين الذهنيتين، ومن ذلك تكذيب هذا الممدوح باليوم الآخر، وبهذا يرفض العزاء الذي يقدمه الدين لكثير من الناس بوجود عالم آخر يجد المحسن فيه الأجر والمسيء العقوبة (٣). ولم يقدم المؤلف في كتابه أدلتهم على هذا الإنكار، وإنما غرضه استعراض شجاعتهم كما يزعم وتفوقهم على المسلمين في تقبل الأفكار الشاذة، ومعلوم أن مسألة إنكار الغيب وأصوله قديمة ومتجددة، وسيأتي مناقشة تفاصيل ذلك، وإنما الغرض هنا بيان طريقة احتفاء بعض المثقفين العرب بدور النصارى الذين تبنوا نشر المعارف الجديدة وأدخلوا من خلالها التكذيب بالغيب.

стр. 890

المثال الثالث: حسن حنفي: في هذا السياق يأتي نموذج فكري منخرط في الرؤى العلمانية الحديثة، ومتزعم لمنهجيات معاصرة ينظر من خلالها للإسلام والقرآن وأمور الدين وأمور الواقع، ومن ذلك نظرته للغيب، ويرجع ذلك إلى التجديد المطلوب، ومن طرق التجديد التي سلكها ثلاث طرق (١)، أولها منطق التجديد اللغوي، ويقوم على تغيير هذه اللغة التي غلب عليها الطابع الديني إلى لغة هي في النهاية لغة تستبعد كل العقائد، ومن ذلك الغيب. فمن شرط اللغة الجديدة المجددة أن يكون "لها ما يقابلها في الحس والمشاهدة والتجربة حتى يمكن ضبط معانيها والرجوع إلى واقع واحد يكون محكًا للمعاني ومرجعًا إذا تضاربت وتعارضت. فألفاظ الجن والملائكة والشياطين بل والخلق والبعث والقيامة كلها ألفاظ تجاوز الحس والمشاهدة، ولا يمكن استعمالها لأنها لا تشير إلى واقع، ولا يقبلها كل الناس، ولا تؤدي دور الإيصال"، وذكر ألفاظ الصفات الخبرية وأدخل فيها ما ليس منها، ثم ذكر السمعيات مثل الميزان والصراط وأمور الآخرة، فهي لا تدل على معانٍ حسية (٢). ومن الثابت أن أغلب أمور الغيب هي مما لا ينطبق عليها معياره الحسي والتجريبي، وهذا يعني إقصاء كل هذه الكلمات، أو تعبئتها بأمور محسوسة، وهذا في حقيقته هو من إنكار الغيب والتكذيب به، وغالبه مما يدخل في أصل فاسد معروف في القديم والحديث، وهو أن ما لا يحس لا نؤمن به، وسيأتي الجواب عليه في فقرة قادمة بإذن الله. المثال الرابع: محمَّد أركون: يدرس أركون الأصول الغيبية ضمن مفاهيم أخذها من المخزون العلماني الغربي الحديث، مثل: الأسطورة، اللامفكر فيه، الدوغمائية، العجيب الخلاب، التعالي، المقدس، وغيرها من المفاهيم، ويصل من خلالها لتأكيد ما هو من المسلمات عنده حول الغيب الديني؛ وهو الإنكار له. ودراسته تهتم فقط بكيفية

стр. 891

ظهور مثل هذه الأساطير، وتبعًا لرؤى جديدة حول الأسطورة فهو يتفهم تقبل العقل الإنساني لها بل وحاجته إليها (١). ففي دراسة له عن "العجيب الخلاب في القرآن" ويركز فيه على الأمر الخارق للعادة، بحث دور العجيب الخلاب في دعم الغيب وأصوله، فمن خلال إيراد القصص القرآني حول آيات الأنبياء وكرامات الأولياء وتعذيب الكافرين بأمور غير معتادة للناس، يتم استغلال هذا الخارق للعادة في دعم قضايا غيبية كما يقول أركون (٢)، ففي النهاية لا تلك الأمور الخارقة للعادة بصحيحة ولكنها أداة مهمة لدعم الغيب، وحتى الغيب إنما هو ضمن الفضاء الأسطوري الذي تنجح تلك الخوارق في تعزيزه وتوسيع دائرته، ثم ذكر أهم الأمور الغيبية التي يدعمها العجيب الخلاب، وهي: قصة الخلق الأول، ونشأة الكون، وخلق السماء وما فيها من أفلاك، وقصة خلق الإنسان، والكائنات اللامرئية مثل الملائكة والجن والشيطان وإبليس، وموت الإنسان وعالم البرزخ، وعلامات الساعة ونهاية الزمان، والبعث والحساب والآخرة (٣)، فقد جمع أركون هنا كل أصول الغيب، وأراد شطبها بكل سهولة من خلال هذا التحليل، من المسلَّم به أن من مقاصد ذكر الخوارق هو الإقرار بالغيب، بل قد عُدّت المعجزة آية صدق النبي وعلامة لصحة ما أخبر به من أمور الغيب، فلا جديد فيما يذكره، ولكن الفاسد من قوله هو عدم الإقرار بحقيقة هذه الأصول الغيبية. مناقشة المشككين في الغيب أو المنكرين له بدعاوى علمية: لمناقشة هذا الباب، أذكر ثلاثة مسارات، ويجمعها أنها الاستدلال بالعالم المخلوق المحسوس المشاهد على عالم الغيب، المخلوق منه وغير المخلوق، أما الأول فهو عن الطريقة الإجمالية للقرآن في إثبات الغيب، وسأكتفي منها بجانب الاستدلال بالمخلوقات على الغيب، والثاني سيكون عن طريق الاستدلال ببعض ما توصل إليه العلم الحديث في عالم المادة، والثالث عن طريق

стр. 892

الاستدلال ببعض ما توصل إليه العلم الحديث في عالم الكائنات الحية. أولًا: مجمل الطريقة القرآنية لإثبات الغيب والرد على المخالفين فيه. ثانيًا: دلالة عالم المخلوقات المادية على الغيب. ثالثًا: دلالة المخلوقات الحية على الغيب. أولًا: مجمل الطريقة القرآنية لإثبات الغيب والرد على المخالفين فيه: لقد جاء ذكر الغيب في القرآن، ولا شك أن العاقل يعلم من حال الأنبياء أن ما جاؤوا به من أمور الغيب هو حق، حتى وإن لم يدللوا عليه بدليل، ومع ذلك ولعلم الله سبحانه بوجود المكذبين والمنكرين والكافرين وبوجود من يتأثر بشبهاتهم من الناس، فقد ذكروا مع الغيب أدلة عظيمة تقرّ بها العقول الصحيحة والفطر السليمة، فجاء الرسل بأعظم الأدلة الخبرية والعقلية والحسية والضرورية وغيرها، قال -تعالى-: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥]، ولا يجد من يريد الحق إلا الخضوع لها والتصديق بما دلت عليه، ومع ذلك فإن من تأثرت فطرته بالشبهات قد يختلط عليه الأمر، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "الإقرار بالخالق وكماله يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة. وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة، وأحوال تعرض لها" (١). يعد النظر في المخلوقات من أعظم الطرق لتحقيق الإيمان بالله ومن أعظم الطرق للإقرار بالغيب؛ لأن من نظر في المخلوقات علم أن جهله بها كبير، وأنها عالَم يصعب الإحاطة به، فإنها وهي المخلوقة المحسوسة نجهل الكثير عنها وهي بين أيدينا فكيف بما غاب عنا، مما تقرّ به العقول واعتنت به الرسالات السماوية، وهو الغيب الديني من الإيمان بالله وعالم الملأ الأعلى والنبوات واليوم الآخر وغيرها من أمور الغيب. إن العالم المخلوق الذي نعلم بعضه ونجهل أكثره ليدل دلالة قطعية عن وجود ما هو أعظم من هذا العالم، وهو غيب يصعب على البشر بحدود أدواتهم المعرفية أن يصلوا إليه، فإنهم لو

стр. 893

تفكروا في المخلوقات لعلموا صعوبة الإحاطة بعلمها فكيف بما هو أعظم منها من شأن الغيب؟! وفي الوقت نفسه يستحيل الإقرار بهذا العالم المخلوق الكبير دون أن يكون خلفه موجد خالق مدبر. لهذا نجد مثل هذا التنبيه المتكرر بالنظر في عالم المخلوقات للاستدلال بها على عالم الغيب، ومن المهم أن يدرك كل أحد أن طريقة القرآن هي أعظم الطرق، فإذا كان القرآن قد أكثر من الاستدلال بعالم المخلوقات على خالقها وعلى الغيب الذي ينكره المنكرون، فهذا يعني أن هذه الطريقة هي أفضل الطرق لمناقشة المكذبين بالغيب والمنكرين له والكافرين به. ومن نظر في الآيات التي تأمر بالنظر في المخلوقات وجد فيها حشدًا كبيرًا من أنواع الأدلة الفطرية والضرورية والحسية والعقلية التي تدل كل عاقل إلى الإقرار بالغيب؛ أي: أن ذكر هذه المخلوقات ودلالاتها على الخالق ليس ذكرًا مباشرًا مما يناسب صاحب المعرفة المحدودة بل إنه آيات متسعة لأنواع من الأدلة يعجز البشر عن الإتيان بمثلها، ويبقى على المسلم النظر فيها وطلب الفتح من الفتاح سبحانه بأن يكشف له من عجائب كتابه المبين "الذي هو حبل الله المتين والذكر الحكيم والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله" (١). عندما واجه الإِسلام الشرك والكفر كان له طرقه في ذلك، ومن أشهرها إلجاؤهم للنظر في هذا العالم المخلوق، ففي ذلك عبرة لصاحب العقل السليم، فيترك الملحد والكافر التكذيب ويترك المشرك عبادة غير الله. ويعلم المسلم في كل زمان أن ما دلنا عليه القرآن هو الأهدى في دعوة هؤلاء، فهو من خالق

стр. 894

البشر وهو أعلم بما يصلح حالهم، وإذا كان الانحراف الأبرز زمن النبوة هو الشرك، وفي باب توحيد الألوهية، فإن الانحراف الأبرز هذا الزمان ولاسيّما في الفكر التغريبي وقدوتهم الغربيين هو في باب الربوبية وغالب الغيب، وما جاء في القرآن من الاستدلال بالمخلوقات على الخالق هو ردٌ مباشر على منكري الربوبية والمنحرفين في الغيب، ولكن ليس للوقوف عند هذا الباب، وإنما من أجل الانتقال منه إلى باب توحيد العبادة (١). عند النظر في الآيات الكثيرة حول الاستدلال بالمخلوقات على الغيب وعلى الخالق، نجد تعقيبًا لأغلب الآيات يحرك العقل نحو الإقرار بالخالق سبحانه، ومن ثم ما يلزم منه من الإيمان به سبحانه، والاستسلام له وتحقيق عبوديته وتوحيده. ونجد أكثر من صورة للتعقيب ومنها صورتان يكثر ورودهما، صورة ترتبط بالخالق سبحانه، وصورة ترتبط بالمخلوق، أما التي ترتبط بالخالق فيأتي التعقيب ببيان علم الله سبحانه وقدرته وحكمته وواسع إرادته وما في بابها. من مثل: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾، ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿وإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، ﴿وإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾، ﴿إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾، ﴿وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾، وغيرها. وأما التي ترتبط بالمخلوق فالتعقيب بما يتعلق بالإنسان من جهة حثّه على

стр. 895

الثمرة من نَظَره في هذا الخلق، من مثل: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، ﴿لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾، ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾، وغيرها (١). خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان: لقد نبه الله سبحانه على أمرين من خلقه بأكثر من أسلوب، والعاقل عند إحسانه النظر فيهما، يستسلم لله سبحانه، ويقر بوجوده وربوبيته وألوهيته، ويتوجه بقلبه إليه، ويقر بالغيب الكبير، وهما: "السماوات والأرض". والغالب أنه يراد منها جانبها المادي المحسوس، و"الإنسان" الذي يمثل الكائنات الحية، ومن ذلك قوله -تعالى-: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، وقوله -تعالى-: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١]، وقوله -تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت:٥٣]، ففي آيتي الطور تنبيه لكل عاقل بسؤالين مهمين عمن خلق البشر وخلق السماوات والأرض، فمن تفكر في هذين الخلقين لابد أن يصل لحقيقة واحدة، أن الله هو الخالق. وعندما خلق الله الإنسان والسماوات والأرض لم يُشهد المنكرين ولا الضالين، وما نعرفه إنما هو بالخبر أو بما أرانا الله في الآفاق والأنفس. والمقصود أن هذين العالمين المخلوقين "الإنسان والسماوات والأرض" فيهما من الدلالة على خالقهما ما يكفي لكل عاقل نظر فيهما، ولهذا يأتي ذكرهما كثيرًا في القرآن، ليعلم المعتبر بهما أن القرآن حق، وما فيه من غيب حق، وكفى بالله شهيدًا. وعالم المخلوقات المشاهدة تدل على الخالق، وتدل على الغيب المخلوق

стр. 896

الذي قد خلق أو هو مما سيأتي عليه الخلق مع الزمن، قال -تعالى-: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]، قال ابن الجوزي ﵀: "قوله -تعالى-: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذكر قوم من المفسرين: أن المراد به عجائب المخلوقات في السماوات والأرض التي لم يُطَّلع عليها" (١). والآن أستعرض بعض الآيات القرآنية حول تنبيه الإنسان للنظر في المخلوقات، وأثر ذلك في الإيمان بالغيب وأهمه الإيمان بالله سبحانه وتحقيق عبوديته، لنكشف فيها طريقة القرآن في الرد على منكري الغيب أو المنحرفين فيه. ومن المناسب في هذا الباب الافتتاح بكلام مهم للشيخ العلامة الشنقيطي ﵀ حول مثل هذه الآيات، ومن ذلك قوله ﵀ في تفسير قوله -تعالى-: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]: "أمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده -جل وعلا-. وأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية [فصلت: ٥٣]، ووبخ في سورة "الأعراف" من لم يمتثل هذا الأمر وهدده بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر في ما أمره الله -جل وعلا- أن ينظر فيه لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله -جل وعلا- وذلك في قوله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٥] " (٢). وقال ﵀ في آية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ من سورة [النحل: ١١]: "اعلم أن النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول "أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب". والله -جل وعلا- أمر الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه -من أنزله!؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات وإخراجه منها!؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات!؟ ثم من يقدر على تنميته حتى يصير صالحًا للأكل!؟ ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾

стр. 897

الآية [الأنعام:٩٩]. وذلك في قوله -تعالى-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢]. وكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه، لقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ [الطارق: ٥]، وظاهر القرآن: أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك" (١). وقال ﵀ في تفسير قوله -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [غافر: ١٣]: "وقد دلت آية المؤمن هذه، وما في معناها من الآيات على أن غير أولي الألباب المتذكرين المذكورين آنفًا، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات، بل يعرض عنها أشد الإعراض. وقد جاء هذا المعنى موضحًا، في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله -تعالى-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف: ١٠٥]. وقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ [القمر: ٢] وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ [الصافات: ١٤]. وقوله -تعالى-: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١] وقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ [الأنعام: ٤]، في الأنعام ويس إلى غير ذلك من الآيات" (٢). فمن الآيات في هذا الباب: قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].

стр. 898

وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وليس المقام ذكر ما في طريقة النبي إبراهيم ﵇ فمقام ذلك واسع، ولكن انظر بماذا ناظر إبراهيم الخليل هذا المنكر المكذب، فقد ناقشه بعالم المخلوقات لإثبات الخالق سبحانه، فهذه من طريقة الأنبياء ﵇ كما ستأتي أمثلة أخرى. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾ [الأنعام: ٩٥ - ٩٩]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥]. وقال -تعالى- ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣]. وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾ [يونس: ٥ - ٧]، ومن الدلالات المهمة التي ترشدنا إليها

стр. 899

هذه الآية خطورة الرضا بالدنيا والافتتان بها ونسيان الآخرة، إذ يغلب عليهم الغفلة عن آيات الله، ومن تأمل حال المنحرفين في الغيب يجد فيهم هذه الصفة، فعندهم تكذيب بلقاء الله واغترار بهذه الحياة. قال السعدي ﵀: "يقول -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾؛ أي: لا يطمعون بلقاء الله، الذي هو أكبر ما طمع فيه الطامعون، وأعلى ما أمله المؤملون، بل أعرضوا عن ذلك، وربما كذبوا به ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بدلًا عن الآخرة. ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ أي: ركنوا إليها، وجعلوها غاية مرامهم ونهاية قصدهم، فسعوا لها وأكبوا على لذاتها وشهواتها، بأي طريق حصلت حصلوها، ومن أي وجه لاحت ابتدروها، قد صرفوا إرادتهم ونياتهم وأفكارهم وأعمالهم إليها. فكأنهم خلقوا للبقاء فيها، وكأنها ليست دار ممر، يتزود منها المسافرون إلى الدار الباقية التي إليها يرحل الأولون والآخرون، وإلى نعيمها ولذاتها شمر الموفقون. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ فلا ينتفعون بالآيات القرآنية، ولا بالآيات الأفقية والنفسية، والإعراض عن الدليل مستلزم للإعراض والغفلة عن المدلول المقصود" (١). وقال -تعالى-: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]. وقال -تعالى-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف: ١٠٥ - ١٠٦]. وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٢ - ٤].

стр. 900

وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٨ - ٩]. وقال -تعالى-: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]. وقال -تعالى-: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ [الحجر: ١٤ - ٢٢]، وفي هذه الآيات بيان حال المكذبين، فعندهم من مرض العناد ما يجعلهم حتى عند تحقيق مطالبهم الحسية عن أمور غيبية يكابرون ويدعون بأنهم قد أُغلقت أبصارهم أو سحروا، ثم تحول الخطاب إلى العالم المحسوس الذي يرونه وأن فيه كفاية لو عقلوا وتركوا العناد. وقال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحجر: ٨٥ - ٨٦]، وقد ورد هذا المعنى في أكثر من موضع، الاستدلال بهذا العالم المحسوس الذي يدل كل شيء فيه أنه لا عبث فيه، ومن ثم لابد من غيب بعده وخلفه يكون غاية من هذا الحق الذي خلق به الخلق، فجاء هنا ذكر اليوم الآخر عقب ذكر خلق السماوات والأرض وما بينهما، قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق؛ أي: ليدل بذلك على أنه المستحق لأن يعبد وحده، وأنه يكلف الحق ويجازيهم على أعمالهم. فدلت الآية على أنه لم يخلق الخلق عبثًا ولا لعبًا ولا باطلًا. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]، وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية: [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ

стр. 901

أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١]، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ [القيامة: ٣٦ - ٣٧]، إلى غير ذلك من الآيات" (١). وقال -تعالى-: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾ [النحل: ٣ - ١٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ

стр. 902

وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾ [النحل: ٦٥ - ٧٤]. وقال -تعالى-: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٤٩ - ٥٠]، وهذا مثل طريقة إبراهيم ﵇ في جوابه للمنكر المعاند، فعند إنكاره للرب وتكذيبه بأعظم غيب، جاء جواب نبي الله موسى ﵇ بصرفه إلى دليل محسوس مشاهد يدله على الغيب. وقال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٦ - ١٧]. وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٠ - ٣٢]. وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحج: ٥ - ٦]، هذه صورة من صور لفت المرتابين في أمر عظيم من أمور الغيب، وهو اليوم الآخر، وقد جاءت صور مختلفة للدلالة على اليوم الآخر، وذلك أن إنكاره كان أكثر من غيره. وقال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ

стр. 903

السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦١ - ٦٥]. وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٧]. وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون: ٧٨ - ٨٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور: ٤٢ - ٤٥]. وقال -تعالى-: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ [الفرقان: ٢]. وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢].

стр. 904

وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٧ - ٩]. وقال -تعالى-: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٨]، سبق ذكر مثل هذا من الحوار بين الأنبياء والمكذبين، فإذا جاء طلب الشهادة الحسية على الغيب جاء الرد النبوي على المنكر المكذب بلفت نظره إلى هذا الخلق العظيم: السماوات والأرض، والإنسان، فهذا الخلق العجيب يدل دلالة ضرورية على الخالق، ومن ثم وجوب الإيمان به وعبادته. وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾ [النمل: ٨٦]. وقال -تعالى-: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ [القصص: ٧١ - ٧٤]. وقال -تعالى-: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾ [العنكبوت: ٤٤]، قال السعدي ﵀: "بالحق، أي: لم يخلقها عبثًا ولا سدى، ولا لغير فائدة، وإنما خلقها، ليقوم أمره وشرعه، ولتتم نعمته على عباده، وليروا من حكمته وقهره وتدبيره، ما يدلهم على أنه وحده معبودهم ومحبوبهم وإلههم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِين (٧٧)﴾ على كثير من المطالب الإيمانية، إذا تدبرها المؤمن رأى ذلك فيها عيانًا" (١). وقال -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)

стр. 905

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الروم: ٧ - ١١]، وهنا جاء ذكر الأنفس -الإنسان، والسماوات والأرض (١). وقال -تعالى-: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ١٦ - ٢٧]. وقال -تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ

стр. 906

مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾ [الروم: ٤٦ - ٥٤]. وقال -تعالى-: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١٠ - ١١]. وقال تعالى-: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ [السجدة:٦ - ٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ [فاطر: ١١ - ١٣]. وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨]. وقال -تعالى-: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ

стр. 907

مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ [يس: ٣٣ - ٤٤]. وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣]. وقال -تعالى-: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ [ص: ٢٧]. وقال -تعالى-: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٥ - ٦]. وقال -تعالى-: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [الأحقاف: ٣]، في آية "ص" ورد أنه لم يخلق ذلك باطلًا، وفي "الزمر" و"الأحقاف" أنه خلقها بالحق، وقد سبق مثلها في سورة الحجر. وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢، ٦٣]. وقال -تعالى-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧]. وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُون

стр. 908

(٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ [غافر: ٧٩ - ٨١]. وقال -تعالى-: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ٩ - ١٢]. وقال -تعالى-: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ [ق: ٦ - ١١]. وقال -تعالى-: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾ [الذاريات: ٢١ - ٢٣]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩]. وقال -تعالى-: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة: ٥٧ - ٧٦]. وقال -تعالى-: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]. وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك: ٣ - ٤].

стр. 909

وقال -تعالى-: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠]. وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾ [المرسلات: ٢٠ - ٢٨]. وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]. بعد سياق شيء من تكبر فرعون في أول النازعات جاء: قوله -تعالى-: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٣]. وقال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩)﴾ [الانفطار: ٦ - ٩]. وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق:٥ - ٧]. وقال -تعالى-: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢١]. هذه بعض الآيات حول الطريقة القرآنية في مناقشة المنكرين لباب الغيب والعقيدة، وفي طريقته للتمهيد لمسائل الإيمان وطريقته في غرسها في قلب الإنسان عن طريق التوسل بآيات الله الكونية من عالم الخلق العجيب، ومن نظر في القرآن يعجب من هذا الحشد الكبير من ذكر هذه المخلوقات حتى كأن القرآن

стр. 910

كله في هذا الباب، ولا عجيب في ذلك؛ لأنّ قضية الغيب من أعظم قضايا الدين، ولهذا جاء التدليل عليها بهذه الطريقة القرآنية في أغلب سور القرآن لما لها من أهمية. وقد وقف بعض العلماء حول هذه الآيات ودلالاتها العقدية ومنهم من أفرد لها كتابًا كابن القيم ﵀ في كتابه: "مفتاح دار السعادة"، ومن المعاصرين نجد كثيرًا من ذلك في كتاب القاسمي: "دلائل التوحيد" وكتاب محمَّد العدوي: "آيات الله في الآفاق والأنفس - طريقة القرآن في العقائد"، وكتاب: "الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد" لسعود العريفي، وهو من أهم ما وجدته من الكتب المعاصرة في هذا الباب، وقد استفدت من بحثه واستنباطاته، ولا شك في مكانة كتابيْ: الرازي قديمًا وطنطاوي جوهري حديثًا في تفسير القرآن "مفاتيح الغيب - التفسير الكبير" و"الجواهر في تفسير القرآن الكريم" حول هذا الموضوع، لولا أنّ فيهما توسُّعًا يخرج بالآيات عن مقاصدها. وهناك جانب آخر من هذا الباب اهتم به بعض المسلمين لاسيّما من المعاصرين: وهو كشف عجائب خلق الله التي توصّل إليها العلم الحديث، فبعد التطور العلمي، ولاسيّما ما حدث من تطور كبير في عالم الأجهزة التي فتحت الأعين على عالم عجيب من عالم المخلوقات وما يتبع تلك الاكتشافات من محاولات لفهمها من قبل العلماء المتخصصين في ذلك، فظهر في المكتبة الإِسلامية كتابات كثيرة عن عجائب خلق الإنسان وبقية الكائنات الحية من حيوان ونبات، وعن عالم الغازات والسوائل والجمادات، وعن العالم الصغير الذي لم يُكتشف إلا في هذا العصر: عالم الخلية وعالم الذرة، والعالم الكبير الذي تهتم به الفيزياء الكونية وعلم الفلك كالأرض والفضاء. الاستدلال بعالم المخلوقات المادية والحية على منكري الغيب: وإن إقامة الحجة على منكري الغيب بعالم الخلق قائمة في كل زمان ومكان، ومع كل أحد، وصدق الله العظيم القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾، فإنه مع التغيرات الفكرية الحديثة، ولاسيّما في بروز ظاهرة الإلحاد وظاهرة الكفر بالغيب التي شاع أمرها، جاء من الكشوفات العلمية في

стр. 911

الآفاق والأنفس ما يقيم الحجة على كل مكذب وملحد، وصدق الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وفي ما يلي عرض نوعين من هذه الكشوفات الجديدة التي اكتفى مكتشفوها بالعمل عليها دون السير معها إلى نهاياتها المنطقية -سوى قلة- وهو الإيمان بالله والإقرار بالغيب والتصديق به، الأول يتعلق بعالم المادة والثاني يتعلق بشيء عن الحياة. فبعد أن عُرض شيء من طريقة القرآن أنتقل إلى بابين مهمين، فيهما دلالة عظيمة على الغيب، وهما رغم سعة علم العلماء فيهما لم يصلوا إلا للقليل، وقد قال -تعالى-: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، قال الشيخ الشنقيطي ﵀: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلًا بالنسبة إلى علمه جل وعلا؛ لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق قليل جدًا. ومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ [لقمان: ٢٧] " (١)، ويقول د. التكريتي: "إن حدود المعرفة هذه يثبتها العلم نفسه. فإمكانات الإنسان في المعرفة تتضاءل عند الغوص في أعماق الذرة، أو الإبحار في الفضاء الكبير. فالمجهول يحيط به من جانبين: جانب الدقائق "العالم الصغير"، وجانب الفضاء الواسع "العالم الكبير"" (٢)، وسننظر الآن إلى حجم ما يصل إليه البشر رغم تطور العلم وأجهزته ومناهجه. * * * ثانيًا: دلالة عالم المخلوقات المادية على الغيب: ١ - العالم الصغير المادي: توصل العلم في أول العصر الحديث إلى أن الذرة هي أصغر مكون للمادة، وقد كان للذرة صلة بالتصور اللاهوتي القديم الذري وموضوع الجزء

стр. 912

الذي لا يتجزأ، ثم وقع تطور مذهل مع تطور أجهزة العلماء التي تساعدهم على اكتشاف هذا الجانب الصغير، وكان يُظن أنه بسيط الصورة والعمل، ولكن الاكتشافات التي تزيد مع تطور الأجهزة كشفت لنا عالمًا مدهشًا، مع أنه عالم يحتاج لتكبير إلى ملايين المرات، إلا أن هذا العالم الصغير جدًا فيه من العجائب والأسرار ما يفتح القلب للإيمان بخالقها ومدبرِ أمرها، ومسخرها سبحانه. فلقد نشأ علم جديد مع هذا العالم الصغير، سمي "علم الكم" وهو يرتبط بالنظرية الكمية التي تعتني بالعالم الصغير (١). ومن عجائب هذا العالم الصغير من خلق الله سبحانه أنه يصعب دراسته، مع أننا أمام ذرة واحدة فقط، ولهذا تقوم ميزانيات كبيرة لا تستطيع دولة واحدة على نفقتها بل دول غنية، كما لا يستطيع عالم واحد، بل فرق عمل كبيرة وحاصلة على تحصيل علمي خاص في العلوم الحديثة من تخصصات مختلفة، ومع ذلك تبقى نتائجهم محدودة في هذا الباب، مع أنهم محصورون في دراسة هذا العالم الصغير عبر دراسة ذرة واحدة منه، ومن ذلك اشتراك الدول الأوروبية (١٩) (دولة) في بناء مختبر لدراسة هذا العالم الصغير، فأقاموا سنة (١٩٨٩ م) أكبر المعجلات للدقائق الذرية في العالم، يتألف من أنبوب دائري من الألمنيوم يبلغ طوله (٢٧ كيلومتر)، مدفون في نفق قطره (٣.٨ متر) تحت سطح الأرض على عمق (١٠٠ متر)، وتدور فيه الدقائق الصغيرة ملايين الدورات وبسرعة عالية وإن كانت أقل من سرعة الضوء، وتوجد حول الأنبوب أربعة كواشف لقياس ما يحصل عند اصطدام هذه الدقائق بأخرى، ويبلغ حجم الكاشف الواحد حجم بيت كبير، ويزن عدة آلاف من الأطنان، وتكاليفها باهظة جدًا، ومع ذلك فما اكتشف من هذا العالم الصغير ما زال قليلًا، وقد دخلت أمريكا في مشروع مماثل لبناء هذا المعجل، ثم ألغي المشروع سنة (١٩٩٣ م) بسبب تكاليفه الباهظة (٨ بليون دولار) بعد إنفاق بليوني دولار على مرحلته الأولى (٢).

стр. 913

عالم الذرة: نكتفي بما يقوله العلماء عن حجمها، وعن شيء من الزمن الداخلي فيها، فمن جهة حجمها: فإذا ذهبنا إلى الذرة، ثم ونظرنا في حجمها وعوالمها، فنجد العجب. يقول "زويل": "وهب أننا قمنا، بوسيلة ما، بتكبير إحدى الذرات والتي يصل حجمها نحو جزء من مائة مليون جزء من السنتيمتر على وجه التقريب لتصبح في مثل حجم لوزة القطن. . . . فعندئذ يلزم أن تتخيل نفسك أنك تنظر إلى تلك الذرة من موقع لك على سطح القمر؛ أي: من على بعد ٣٨٥ ألف كيلومتر من تلك الذرة، حتى تظل النسبة ثابتة بين حجم لوزة القطن والذرة في حجمها المتخيل هذا، أو بمعنى آخر، فإن حجم الذرة لا يزيد على جزء من بليون "البليون يساوى ألف مليار" من حجم لوزة القطن، بمعنى أننا لو جمعنا من هذه الذرات لتبلغ بأحجامها حجمًا مثل حجم لوزة القطن لجمعنا نحو ١٠٠٠٠٠٠٠٠٠ منها .. فيا لها من ضآلة في الحجم تلك الذرات، والتي لا يزيد حجم الواحدة منها على جزء من مئة مليون جزء من السنتيمتر، الأمر الذي جعلها حينًا من الدهر كشيء خيالي .. ! " (١). وفيما يلي جدول يبين بعض الكميات التي تم قياسها علميًا (٢): * قطر نواة الذرة ... ١٠ (-١٥) متر ... ٠.٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠١ متر * كتلة الإلكترون ... ٩.١١×١٠ (-٣١) كيلو غرام ... ٠.٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٩١ كغم ولو جعلنا جسم الإنسان بداية الحركة نحو أصغر جسم "الأطول بقليل من طول بلانك "أي: جزء من ألف مليار مليار مليار جزء من المتر"، مرورًا بالأجسام الدقيقة التي لا نستطيع رؤيتها بالعين المجردة "كالأجسام المجهرية - خلايا جسمنا، والبكتيريا، والفيروسات"، حتى الإلكترونات والكواركات "وحدات بناء نواة العناصر"،. . . ." (٣) لوجدنا العجب العجاب مما كان يجهله البشر قبل ظهور الأجهزة الحديثة، فمن كان يتصور هذه العوالم الصغيرة من

стр. 914

مادية: الذرات وعالمها المدهش، أو الحية: الكائنات المجهرية والخلايا وعالمها الداخلي؟ فمن ذاك الذي يدّعي معرفة هذه العوالم الصغيرة التي بين أيدينا؟ وإن عرف عنها شيئًا فكيف تقوم بعمليات تحير العقول في عالمها الصغير، وقد نحتاج إلى مختبر ضخم لو أردنا عمل مثل تلك العمليات، فمن جعلها بهذه الصورة؟ وإذا كُشف شيء من هذه العوالم، فكم بقي غيرها؟ فإذا انتقلنا إلى جانب آخر من الذرة وهو زمنها الخاص، كم هو؟ لوجدنا شيئًا يأخذ بالألباب من العجب، فهو زمن يُذهل العقل من صغره، ويصعب ملاحقة الأحداث فيه، وقد نجح باحث عربي في رصد شيء من حركة هذا العالم الصغير في ذاك الزمن العجيب عبر طريقة خاصة لتصوير الجزيئات الصغيرة أثناء حركتها وقياس زمنها، وهو أحمد زويل: "لقد أصبح زويل باكتشافه هذه الطريقة الجديدة. . . . أول شاهد عيان للأحداث الكيميائية التي تقع في زمن يقدر بجزء من مليون بليون من الثانية. ." (١). والمقياس الزمني في العالم الصغير هو الفمتوثانية، ويحدثنا عنها زويل، فيقول: "ومقياس الزمن في عالم الذرات والجزيئات مقياس غير عادي، وحدته الفمتوثانية. . . . تساوى جزءًا من مليون بليون جزء من الثانية؛ أي:١ ٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠. ٠ ثانية "المقدار الناتج من قسمة الرقم واحد على الرقم واحد أمامه ١٥ صفرًا؛ أي: ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ١" أو جزء من كوادريليون. . . . من الثانية، ولتقريب الصورة إلى الأذهان نقول: إن الفمتوثانية بالنسبة إلى الثانية هي كمثل الثانية بالنسبة إلى ٣٢ مليون سنة. وفي زمن قدره ثانية واحدة يقطع شعاع الضوء مسافة طولها ١٨٦ ألف ميل "نحو ٣٠٠٠٠٠ كيلومتر"، وهي تقريبًا المسافة التي تفصل بيننا وبين القمر؛ وفي زمن قدره فمتوثانية واحدة يقطع شعاع الضوء نفسه مسافة طولها ٣٠٠ نانومتر. . . . وهي مسافة لا تزيد عن حجم جرثومة واحدة، أو جزء ضئيل من سُمك شعرة في جسم الإنسان، وفي زمن الفمتوثانية هذا فإنه يمكن رصد حركة الذرة -أي: تصبح حركة الذرة مرئية" (٢).

стр. 915

فهذه الذرة الصغيرة تحوي كل هذه العجائب، ويتفرغ لدراستها عباقرة من علماء الطبيعة في ميادين مختلفة، وتنفق فيها مبالغ طائلة، ويُصنع لها أجهزة دقيقة، ويعمل لها مختبرات ضخمة، ومع ذلك فعالمها المجهول ما زال كبيرًا، فكيف بالغيب الذي أوجدها؟! وكيف بغيب الملأ الأعلى والغيب الديني الكبير؟! كيف يستطيع الإنسان الإحاطة به مع كل عظمته وهو لم يستطع الإحاطة بالعالم الصغير المادي؟ ثم إن في انكشاف هذا العالم المخفي بكل عجائبه دلالة لأولي العقول على غيب أعظم، وفي طريقة عملها دلالة أعظم على وجود قادر عليم (١). ٢ - العالم المادي الكبير: فلنترك هذا العالم الصغير المدهش، ولننظر في الكون الكبير، وسيكون مع الأجهزة الحديثة أكثر إدهاشا من الذرة وعالمها، ويذكر م. شعبان "أن كل ما كان يعرفه العلماء عن أجرام الكون قبل هذا التاريخ -تاريخ إطلاق تلسكوب هابل في الفضاء ١٩٩٠ م-، لم يكن يتعدى ١% من مجموعها" (٢). وليس لمن هو خارج هذه العلوم إلا أن يعجب من هذه المسافات والأحجام التي يذكرها علماء الفلك والفيزياء الكونية، وربما هذا أهم ما يذكرونه في كتبهم، حيث أن ما سوى المسافات والأحجام أمر يحتاج إلى إمكانيات هي فوق طاقة البشر، وإن مشروعًا واحدًا لدراسة كوكب من الكواكب يكلف من المال والأجهزة والعلماء ما يفوق إمكانيات البشر (٣). إذا نظرنا لما يقوله علماء الفيزياء والفلك عن الكون المادي، وهو عالم محسوس لرأينا من جهة: عِظم خلق الله، مما يجعل العقل السليم يقرّ بعلم الله الواسع وحكمته البالغة وقدرته التامة، ويجعل العقل السليم يعترف بصعوبة الإحاطة بعالم الشهادة فكيف بالغيب العظيم؟! فإن عالم الشهادة نجهل أكثره
следующие страницы →