الشيخ صالح آل الشيخ حول الحديث وحديث آخر في الموضوع نفسه: "مما يستفاد منه أن صاحب الهوى قد يفهم الصواب، فإذا فهم الصواب، فإن الواجب أن يقبل منه؛ لأن المسلم يجب عليه أن يقبل الحق ممن جاء به، ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا، فهذا اليهودي والنصراني توجها إلى المؤمنين بالقدح فيهم بالشرك، ولم يمنع النبي ﷺ من قبول الحق الذي قالوه أنهم يهود، بل قبل ما جاء به ذلك اليهودي فأوصاهم أن يتركوا ذلك التنديد؛ لأن الحق هو ضالة المؤمن أين وجده أخذه، فلا يمنعه من قبول الحق أن قاله مشرك، أو قاله كافر، أو قاله فاسق، أو قاله مبتدع، أو قاله ضال، إذا كان الكلام في نفسه حقًا؛ لأنه كما قال النبي ﵊: "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها". . . . ولابن ماجه عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: "رأيت: كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد": هذا فيه أن صاحب الهوى أو صاحب الملة الباطلة قد يرد على صاحب الحق بأن عنده باطلًا كما أن عند ذاك باطلًا، فإذا واجهه بذلك فالواجب عليه أن يتجرد للحق وأن لا يرد الحق لأجل أن من أتى به صاحب باطل، فالقاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل. . . . بل إذا ووجهت بحق، ولو كان من أضل الضلال فاقبل، فإبليس -الشيطان- قبل منه بعض الحق الذي جاء به، وأرشد إليه أبا هريرة، وهؤلاء اليهود والنصارى في هذين الحديثين قبلنا منهما حقًا أرشدونا إليه في أعظم المسائل وأجل المطالب، وهو توحيد الله (١)، فإذا كان المسلم يقبل الحق حتى في هذه الأبواب ومن أبغض الخصوم فكيف بما هو أقل منها؟!
كما أن الإِسلام له موقف شديد في الدعوة لتخليص القلب والعقل من
стр. 842
الهوى، الحق هو المهم وهو المطلوب، وطلب الحق والبعد عن الهوى يتحقق بطلب العلم وطلب الإيمان (١)، قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال -تعالى-: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال -تعالى-: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ [الروم: ٢٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وغيرها كثير في طلب الحق وعدم الميل إلى الهوى، وهي وإن كانت في حال المكذبين بالدين والمنحرفين فيه، إلا أنها تصبح منهجًا للمسلم، فيبتعد عن الظن والهوى، ويحرص على الحق في كل شيء، وعلى الصدق وعدم القول دون علم.
ولا يشكل هذا نقطة خلاف بين المنهج الإِسلامي وبين المناهج الأخرى التي تصور الموضوعية بهذه الصورة، ولكن يتعجب أصحاب المنهج الإِسلامي من حال المتغربين وأمثالهم من تجاهلهم لدور الإِسلام في تأسيس هذا البعد في صميم المنهج العلمي، وقد بدأ ذلك مع أعز شيء على نفوس المسلمين "حديث الرسول ﷺ "، فمع محبة المسلمين لحديث الرسول ﷺ فهي محبة لم تجعلهم يغمضون أعينهم، ويقبلون بأي حديث ينقله الناقلون، بل قام علم الجرح والتعديل بصرامة، وطُبق على أناس لهم محبة ومكانة في نفوس المحدّثين، ومع ذلك لم يُقبل حديثهم أو بعضه لبعض المشكلات حول الراوي، كما أن الأحاديث قد طبق عليها الصرامة نفسها (٢)، وأُمّة بمثل هذه الصرامة في طلب
стр. 843
الحق وإقامة المنهج والبعد عن الهوى لا يصح تجاهل دورها على البشرية في تخليص المناهج من الهوى والظن والكذب.
لا يشكل المفهوم السابق للموضوعية -بمعنى الحرص على الحق والبعد عن الهوى- مشكلة، فالإِسلام موقفه صريح من ذلك، ولكن المشكلة تقع في محتويات أخرى أُقحمت ضمن مصطلح الموضوعية، ويُراد تعميمها في كل منهج علمي، وقد التصقت بحركة العلم الحديثة وذهبت معها في أي مكان تبناها، وقد تبنى الاتجاه التغريبي تلك المضامين بقوة، وقد يكون فيهم الغافل عن خطئها، إلا أن هناك المتعمد في التركيز عليها لهدف واضح عنده.
ويبرز من المحتويات السلبية لمصطلح الموضوعية أمران خطيران يحرص عليهما أهل المنهج التغريبي: الأول، نجد تلميحًا عنه في التعريف "لا بتمذهب أو تحزب" فيُدْخَل فيه طلب الباحث أن يتخلى عن معارفه الدينية إن كان متدينًا، وكما يقولون: العلم لا علاقة له بالدين. والثاني، أوسع من ذلك وأخطر، حيث تُرفض المعرفة الدينية، ويصبح وجود شيء منها ضمن المعارف الحديثة متنافيًا مع الموضوعية والعلمية، وبهذا تكون الموضوعية أداة رفض أو إقصاء لكل مضمون ديني في المعارف العلمية، وتتوازى الموضوعية هنا مع دعوى العقلانية أو العلمية، فشرط المعرفة كما يقولون أن تكون عقلانية وعلمية وذلك يعني إقصاء كل ما هو ديني. ولهذا فإني أطلق عليها اسم الموضوعية العلمانية لارتباطها بحضارة علمانية، ومن ثم لا يوجد موضوعية مطلقة، فكل موضوعية هي مرتبطة بوضعها الخاص، فهي تكتسب من البيئة خصائصها.
يعود مفهوم الموضوعية العلمانية لقائمة مفاهيم "العقلانية العلمية العلمانية" التي اشتهرت في الغرب، وقد تحدد في المنهج العقلي الذي أرسى منهجه ديكارت. . . . غايات ومقاصد، سعى المنهج العلمي في تحقيقها، ولكن تلك "العقلانية العلمية" لم تحقق النفع في غاياتها (١)، فهل حققت النجوع في الوسائل؟ وقد بحثها المفكر طه عبد الرحمن تحت عنوان: "المنهج العقلي العلمي وحدود النجوع في الوسائل" وقال فيه: "من ينظر في وسائل المنهج
стр. 844
العقلي العلمي، يجدها، هي الأخرى، متصفة بالصفات الثلاث الآتية: تكلف الموضوعية، والجمود على الظاهر، واتخاذ الوسائط.
أ- تكلف الموضوعية: تزعم الممارسة العقلانية العلمية تطهير وسائلها من كل أثر للمعاني والقيم الذاتية بحجة التزام طريق "الموضوعية"، هذا الطريق الذي يوجب، في نظرها، الاقتصار في كل شيء على الرجوع إلى الملاحظة الظاهرة والتجربة الحسية، حتى أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تُعدُّ عندها بمنزلة عوائق أو عقبات تثبِّط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته؛ والصواب أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن، وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معاني وقيمًا أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها "الموضوعية" نفسها.
ولما كان العلم الحديث مبنيًا على هذا التصور الخاص للمعرفة الموضوعية، فاته تحصيل الوسيلة الناجعة في خدمة حياة الإنسان؛ لأن هذه الوسيلة تقتضي الجمع بين طلب المعرفة العلمية، وبين التزام المعاني والقيم الروحية والأخلاقية" (١).
اكتسب مصطلح الموضوعية مثل هذه المضامين الخطيرة بعد توسيع مدلوله ليقوم على "غياب لكل عوامل التحيز، وكف لتأثيرها"، وعوامل التحيّز هي كما يقول جيبسون: "ما ينتج عن التأثير المناوئ للاستخدام السليم للشواهد والبينات المتاحة للباحث، وهو تأثير دوافع الشخص وعرفه وقيمه وموقفه الاجتماعي، فأن تكون موضوعيًا معناه ألا تتأثر بدوافعك وعرفك وقيمك وموقفك الاجتماعي" (٢).
ويمكن تصور حجم دور مصطلح الموضوعية بالنظر إلى دلالاته بحسب مستويات مختلفة في دائرة الفكر والعلم، وهي:
١ - دلالتها القيمية: تعد الموضوعية تجردًا من كل حكم من أحكام القيمة.
٢ - دلالتها المعرفية: وهي تتجاوز التعريف التقليدي "معرفة الأشياء كما هي" إلى العناية بالصلة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، وهنا تبرز المدارس الفلسفية المختلفة.
стр. 845
٣ - دلالتها النفسية: تعد تمحيصًا لأثر العوامل النفسية في تشكيل المعرفة.
٤ - دلالتها الثقافية: التي تشير إلى الاتفاق أو التواضع حول المعايير والتدابير السائدة في المناخ الفكري عند بحث موضوع ما، والسائد هو ما اتفق عليه المجتمع العلمي في ذاك الوقت (١).
نلحظ وجودًا لشبكة معقدة من المعاني ضمن مصطلح الموضوعية، وهي شبكة قابلة لأن تكون غير موضوعية؛ بسبب ارتباطها بتيارات ذات تحيز لا يمكن التخلص منه، كما أن هذه الشبكة المعقدة قابلة لتسريب الميول السائدة في عصر تشكل هذه المفاهيم إلى صميم المصطلح، وأهمها وأخطرها أن صُناع هذه المفاهيم والقيم قد شكلوها وقتَ صراعهم مع الدين والغيبيات، ووقت غلبة النزعات المادية والمذاهب الإلحادية والمواقف اللا أدرية مما جعل مفهوم الموضوعية يتلطخ بتلك الأبعاد.
نجد في أحد كتب المنطق والمنهج ما يأتي: "يسعى العالم قبل كل شيء إلى الموضوعية. فغاية العلم هي تحديد طابع الأشياء لا في علاقتها بنا، بل في علاقتها بعضها مع البعض الآخر. فالروح العلمي يقتضي تنحية كل اعتبار غريب عن الجهد الذي يبذل نحو الموضوعية الخالصة وبخاصة كل اعتبار انفعالي عاطفي، ديني أو أخلاقي، وكذلك التحرر من سلطة العرف. . . ." (٢)، ومثله قول متخصص -لطفي- في العلوم الاجتماعية: "ليس المقصود بالموضوعية هنا عدم التشويه المتعمد للحقائق فقط، أو العرض المضلل لها بقصد نشر مُثُل أو مبادئ معينة، وإنما نقصد أيضًا تحاشي تأثرنا عن غير عمد أثناء الدراسة، فلا ننقد أو نحكم على المجتمعات الأخرى التي تختلف عن مجتمعنا في الزمان والمكان على أساس القيم والاتجاهات والعقائد السائدة في مجتمعنا. . . . إن المقصود بالموضوعية هو ألا نكون متحيزين في ملاحظاتنا للظواهر الاجتماعية وترددها، وألا نتأثر بأية ناحية تعصبية دينية أو سياسية أو طبقية. . . ." (٣)، وفي بحثه المهم
стр. 846
يذكر محمَّد أمزيان بأن "المفهوم الشائع .. بين الكتَّاب الاجتماعيين عن الالتزام العلمي هو أن يتجرد الباحث من كل قيمه ومعتقداته وأفكاره وهي الفكرة التي أصّلها دوركايم ورددها من بعده الكتَّاب العرب" (١)، وهو بهذا يشير إلى المرجع القريب لهذه الفكرة. ومثل ذلك نجد عند أصحاب علم الاجتماع الديني ومن ذلك ما نجده عند الدكتور رشوان في أكثر من موضع من كتابه: "الدين والمجتمع. ." فيصف هذا العلم بقوله: "وعلم الدين ليس بعلم اللاهوت، بل هو ذلك العلم المستقل عن اللاهوت والذي يستهدف الدراسة الموضوعية للدين. . . ." (٢)، ويذكر طريقة عناية علماء الاجتماع به بموضوعية: "تعتبر دراسة الدين من الموضوعات التي نالت اهتمامًا كبيرًا من جانب علماء الاجتماع. . . . وعلم الاجتماع يحدد نفسه بالموضوعية. . . ." (٣)، ويقول حول ذلك أيضًا: "وينظر علم الاجتماع الديني إلى الحقائق الدينية نظرة موضوعية. . . . ويبتعد عن النزعة الشخصية. . . . والأحكام المعيارية. والحق أن هذا يمثل مشكلة للباحث في هذا الميدان. فالدين لدى الناس هو إحساس قلبي، أو ارتباط بمشاعرهم. وقد ارتبطت مشاعرهم بطقوسهم من خلال مشاركتهم فيها. ومع ذلك فإن الباحث في هذا المجال ينبغي عليه أن يتقصى الحقيقة، وأن يتحكم في مشاعره ويجنبها عن موضوع بحثه" (٤).
ويصف الدراسة الحديثة للدين بالموضوعية مما يجعلها في درجة أعلى من دراسات أهل الدين عن دينهم، فيقول: "وهكذا فإن الدراسة الحديثة للدين، قد بدأت خطًّا فاصلًا بين المؤرخين والعلماء من ناحية، وبين رجال اللاهوت والفلاسفة من ناحية أخرى. ويقوم هذا الخط الفاصل على أساس الموضوعية. . . . التي تعتبر أساسية بالنسبة للعلم.
وهنا يبدو الفارق بين الدراسات اللاهوتية، وعلم الدين، فالدراسات السابقة التي قام بها رجال اللاهوت تستهدف الهجوم أو تفنيد الأديان الأخرى. أما الدراسات في علم الدين فتقوم على الموضوعية، وعدم التحيز" (٥).
стр. 847
ومثل ذلك نجد عند الدكتور محمَّد بيومي، فما من مقطع من كتابه: "علم الاجتماع الديني" إلا وهو يتحدث عن ميزة علم الدين عن غيره من العلوم التي اهتمت بالدين، فعلم الاجتماع الديني ميزته: في بحثه عن الحقيقة وتركيزه على الموضوعية، ولو أدى ذلك إلى الاستخفاف بالوحي وبالرسل وبالدين الحق أو إهمال الاحترام له؛ لأن ذلك يتعارض مع الموضوعية، فيقول: "فعلم الدين هو ذلك العلم المستقل كلية عن اللاهوت، ويهدف إلى الدراسة الموضوعية للدين" (١)، وذلك أنه يركز على الحقائق بينما علم اللاهوت يهتم بوضع القواعد، ولذا يهمل الباحث العلمي الوحي كمصدر للمعرفة، بخلاف اللاهوتي الذي يضعه مصدر المعرفة (٢). وفي حديثه عن مراحل تطوره وصف مرحلة من المراحل بتميز عنايتها بالموضوعية حيث "أصبحت الموضوعية مطلبًا أسمى" (٣)، "وليس هناك أي حدود على الأسئلة التي قد تثار حول أي دين، اللهم إلا حدود الذاتية. . . ." (٤)، "وهكذا فإن الدراسة الحديثة للدين قد بدأت خطًا فاصلًا بين المؤرخين والعلماء من ناحية وبين رجال اللاهوت والفلاسفة من ناحية أخرى. هذا الخط الفاصل يقوم على أساس الموضوعية. . . . التي تعتبر أساسية بالنسبة للعلم" (٥)، ومن بين الأمثلة لمن يفتقد العلمية والموضوعية نجد صاحب الفلسفة الدينية، فلا يجد الباحث فيها "ما يمكن قوله سوى ترديد آراء المصلح أو الترويج والدفاع العقلي عن ما جاء به الأنبياء، وعلى هذا فهو يفتقد حرية اختيار نقطة البدء في بحثه" (٦)، ومع عدم التسليم بصحة ما يقوله صاحب الفلسفة الدينية إلا أنه أحسن حالًا من جهة تعظيمه للنبوة والدفاع عنها، بخلاف السياق هنا فصاحبه لا يجد الدفاع عما جاء به الأنبياء متوافقًا مع العلمية والموضوعية.
ولهذه الشواهد -ومثله كلام أغلب المقلدين للدراسات الغربية- دلالة عجيبة: فكأنه يقول بأن الدراسات عن الدين في الحضارة الإِسلامية، والعلوم
стр. 848
الشرعية عن الدين، غير علمية؛ لأنها غير موضوعية، وأن الدين قد بقي كل هذه القرون غير علمي حتى جاء دوركايم الملحد وأمثاله من اليهود (١) ليعلموا الناس دراسة الدين دراسةً علمية، ومثل هؤلاء ينزلقون بسهولة مع دعاوى العلمانيين والملحدين في الغرب، فيُبعدونهم عن علوم الإِسلام التي قامت على الدين ودراسته وبيانه، ويُحيلونهم إلى دراسات عجيبة متناقضة في موضوعاتها ومتفقة في خصومتها للدين وبغضها له ومحاربتها له.
وقد رأينا بأن المنهج الإِسلامي يوجب على أهله الابتعاد عن الهوى، ويأمرهم بقبول الحق إذا ظهر، حتى وإن خالف ما تهواه النفس، فإذا كانت هذه هي الموضوعية، فلا حاجة إلى استبعاد الدين كشرط للموضوعية (٢)، قد يناسب ذلك في استبعاد أديان باطلة ومحرفة وترفض الحق إن خالف أصولها، وهذا لا ينطبق على الإِسلام؛ لأن استبعاده يعني استبعاد المصدر الحقيقي للمعرفة، فكيف يتم استبعاده؟
بل إن الباحث المسلم يعلم علم اليقين بأن الكفار والملحدين لو التزموا بموضوعية صارمة، تقف مع الحقيقة دون ميل لوصلوا إلى ما يقرره الدين الحق، ولكن الذي يحدث لهم هو أن أثر الكفر والإلحاد والعلمنة، وكره الدين يطغى على الباحث في العلوم وبذلك تظهر النظريات المخالفة للدين تحت دعوى الموضوعية والعلمية.
وأيضًا فإن وجود موضوعية بهذه الصورة تكاد تكون مستحيلة؛ فإنه إذا كانت فلسفات العلم المعاصر ولاسيّما بعد الثورة في الفيزياء المعاصرة تجعل من الصعب الفصل بين الذاتي والموضوعي (٣) حتى في الجانب المادي فكيف بغيره (٤). فإذا كان ذلك عسيرًا فلماذا نستبعد المصدر الحقيقي للمعرفة والمانع من الانحراف والضلال الديني والمعرفي وهو الوحي؟!
стр. 849
وأيضًا فإنه مع التغيرات المعاصرة للعلم تبعه تغيرات -كما سبق- في الموضوعية، وهو تغير يكشف صعوبة الموضوعية، وأثر التحيّز على أصحابها، ومن ذلك ما نجده من استبدال الموضوعية بـ "الذاتية المشتركة" في العلوم الاجتماعية، ويوضحها أحدهم فيقول: "إن الإدراك ليس فعلًا سلبيًا، ولكنه تأويل إيجابي للواقع الخارجي، فالواقع ليس شيئًا معلومًا ومسلمًا به، ولكننا نقوم إيجابيًا ببنائه "بأنفسنا"، ولذلك فإن إدراك أي منا للواقع إنما هو بالضرورة إدراك ذاتي ومرتبط بالشخص ذاته، ولكن لما كانت نظرة الجماعة التي ينتمي إليها كل منا تتضمن بعض أوجه الاتفاق والتجانس فإن أعضاء كل جماعة يشتركون في رؤية "موحّدة نسبيًا" للعالم وفي "تفسير مشترك" للواقع، ولا يشترط أن يكون هذا الفهم المشترك للجماعة متطابقًا تمامًا مع الواقع الخارجي، فالواقع الخارجي -كما يوجد بصرف النظر عن من يدركه- لا يمكن ببساطة أن نعرفه موضوعيًا، فالواقع كما يظهر لنا في الرؤية المشتركة يكون ذا صدق ذاتي مشترك. . . . أما عن الصدق الموضوعي فلا يمكن الوصول إليه" (١). ولا شك أن هذا التصور الجديد للموضوعية يفتح الباب لتنوع النتائج، وتنوع الإجابات، وتنوع التفسيرات، فالحقيقة الخارجية مرتبطة بنظرة جماعة عبّر عنها فرد من أفرادها، أي أنها نظرة ترتبط بثقافة مجموعة ومعرفتها، ويحيلنا هذا إلى إجابات مختلفة عن الحقيقة ترتبط باختلاف تصورات المجموعات. فإذا أصبحت الموضوعية بهذا الشكل -على أنه شكلها حتى قبل هذه التحولات رغم المكابرات- فمن غير الموضوعي استبعاد الوحي بوصفه أساسًا للمعرفة؛ لأنه الوحيد القادر على رفع الاختلاف والوصول لنتائج موضوعية تركن لها النفس بكل طمأنينة، وسيبقى الاختلاف بدونه قائمًا مهما كانت الاحتياطات موجودة من أجل الوصول للحقيقة، قال -تعالى-: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ [البقرة: ٢١٣].
قال الشيخ السعدي ﵀: " ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وهو الإخبارات
стр. 850
الصادقة، والأوامر العادلة، فكل ما اشتملت عليه الكتب، فهو حق، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع، أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في كتابه، وسنة رسوله، فصل النزاع، لما أمر بالرد إليهما. ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم، فأخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف" (١).
وقال القرطبي ﵀: "ويحتمل أن تكون "كان" للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع، وجهلهم بالحقائق، لولا من الله عليهم، وتفضله بالرسل إليهم. فلا يختص "كان" على هذا التأويل بالمضي فقط" (٢)، فالاختلاف -ولاسيّما في المطالب العالية- سيبقى قائمًا ما لم يرجع الناس للوحي، ومن ثمّ فيتعذر الوصول لموضوعية في هذه الأبواب دون الاعتماد على الوحي، وكل من ادعى الموضوعية في أبواب تخص التصورات والعمليات مما يعني الإنسان والمجتمع ولم يسترشد بالوحي فسيقع في الاختلاف والتناقض، ويصعب الخروج بنتيجة يتفق عليها العقلاء. ولذا فالموضوعية الصحيحة تتحقق تمام التحقق بالعودة للكتاب والميزان الذي أنزله رب العالمين، قال -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ [النساء: ١٠٥]، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧]، فهذا الكتاب قد نزل من الحق وبالحق، فلا تكون إصابة الحق إلا بالعودة إليه.
قد يوجد ما يفسر إصرار فلسفة العلم داخل الحضارة الغربية على الموضوعية -على أنها التخلص من كل تصور سابق ولو جاء من الوحي- رغم
стр. 851
أنها تعترف باستعصاء قيام مثل هذا المفهوم، فهو رغم محاذيره يخفف من ضغط التصورات الدينية الباطلة أو الفلسفات المثالية الغامضة، فقد يحرص العقلاء في طلب البعد عن الدين المحرف والميتافيزيقا والفلسفات المثالية خوفًا على العلم ولكنه يتحول لأداة مهمة عند الملحدين ومبغضي الدين وأصحاب الصراعات الكبيرة مع أهل الدين للتخلص من الدين، وهي تجد حركتها بسهولة في ميدان معقد ويهمّ الإنسان مثل باب العلوم الإنسانية، حيث تصبح الموضوعية هناك أكثر تعقيدًا واشكالًا، وفي ذلك يقول قنصوه: "إن الموضوعية في العلوم الإنسانية هي مشكلتها المحورية، وكل من يعرض لها إنما يعرض بطريق مباشرة أو غير مباشرة للصعاب التي تواجه هذه العلوم لكي تبلغ مستوى العلوم الطبيعية ونجاحها" (١).
فيكون الحرص في العالم الإِسلامي على الموضوعية بمثل هذه المضامين أمرًا مشبوهًا، ولاسيّما عندما يرفع شعاره أهل التغريب أو المتأثرين بالفكر العلماني الغربي؛ لأنه في الغالب سيتحول معهم إلى أداة هدفها تأسيس علم علماني ومنهج علماني لا يكتفي بالانفصال عن الدين بل يسعى مع ذلك لهدمه.
ذلك أن الموضوعية العلمانية في أهم مضامينها إنما تهدف إلى التخلص من الدين، سواء كان صحيحًا أم غير ذلك. فإن مصطلح الموضوعية برز مع بروز العلمانية في ساحة الفكر الغربي، ثم مع ظهور التيارات المادية والوضعية الإلحادية بما حققته من سعة انتشار في القرن الثالث عشر / التاسع عشر، وهذا الأمر يُصرّح به الباحثون في ميدان العلوم ومناهجها كما نجده عند أحدهم -جولدنر- حيث يقول: "المذهب الذي يؤمن بأن علم الاجتماع ينبغي أن يكون محايدًا قيميًا، إنما هو الامتداد الحديث للصراع القديم بين الدين والعقل، ولقد نشأ هذا المذهب وما زال يعيش على الاتجاهات التي سادت القرن الثالث عشر الميلادي لإيجاد فواصل أو حواجز بين الدين والعقل لحفظ السلام بينهما. . . ." (٢)، ولكن هذا السلام أو هذه الهدنة قد انتهى أمرها، فلم يعُد هناك حرص لحفظ السلام بعد بروز المذاهب المادية والوضعية ذات الأيديولوجيا الإلحادية.
لم تعد الموضوعية مفهومًا بسيطًا في فلسفة العلم، بل أصبحت ظاهرة
стр. 852
معقدة حولها خلافات فلسفية ومنهجية كبيرة، وذات باطن غير خفي يهدف إلى علمنة العلم وإقصاء الدين وإبعاده، قد يُركّز العقلاء على الظاهر ويعترفون بصعوبة الفصل بين الذاتي والموضوعي، بينما يُركز التيارات العلمانية الكبرى في الفكر الغربي وأتباعها من المتغربين في البلاد الإِسلامية على الباطن، فيُصبح التركيز على إبعاد الدين والوحي شرطًا -كما يزعمون- لوجود معرفة علمية حقيقية. ومن ذلك تصوير الإِسلام عند المتغربين وكأنه عدو للمعرفة العلمية، فيا عجبًا كيف يُصوّر الإِسلام وكأنه عدوّ للعلم والمعرفة الصحيحة؟ وهو الذي ابتدأ بـ"اقرأ" ورفع من قيمة الحق والصدق وحرص على رفع قيمة العلم والعقل والنظر والتفكر والتدبر! ولن يجد العالم مثل المسلم في حرصه على الحق والتضحية في سبيله بكل نفيس بسبب شدّة وضوح ذلك في دينه.
والنتيجة التي نصل إليها أن الموضوعية من المصطلحات المجملة، والصحيح منه قد دلّ الإِسلام على عناصره بأجمل طريقة، والأيديولوجي منه، والضار لابد أن نحذر منه، وأن ننتبه له وأن لا نسمح لتيارات التغريب أن تُقحمه في كتب المناهج الفكرية والعلمية وفلسفات العلم وتصوره كمسلَّمة لتقدم العلم وسلامة المنهج العلمي بينما هو طريقة لإقصاء الدين.
استبعاد جانب القيم بحجة الموضوعية:
لم تعد الموضوعية في المجال العلمي تعني عدم تأثير الميل الديني الشخصي على الحقيقة فقط، بل تعني إبعاد القيم عن مجال العلم؛ بحجة أن القيم تؤثر على النشاط العلمي.
إن الموضوعية العلمانية تطلب عدم وجود قيم في مجال العلوم الاجتماعية المتعلقة بالإنسان رغم أهميتها. وتطلب عدم وجود مصدر غير حسي في مجال العلوم، مع أنه حتى في باب العلوم الطبيعية في عصرها الراهن لم يعد يُكتفى بالجانب الحسي، ولا فلسفة العلم المعاصرة تقبل بإمكانية معرفة حسية موضوعية خارجية دون تدخل الذاتي فيها. وتطلب أخيرًا بإيجاد معايير متحيّزة ضد الديني في المناهج العلمية، سواء تعلقت بالعلوم الاجتماعية أو بالعلوم الطبيعية، لتكشف عن بعد أيديولوجي تُغذّيه التيارات المادية والإلحادية المزدهرة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده رغم بوادر تراجعها بعد الثورة التي حصلت في الفيزياء المعاصرة.
стр. 853
يقول طه عبد الرحمن: "لقد قام النمط المعرفي الحديث منذ نشأته في مطلع القرن السابع عشر (١١ هـ) على أصلين اثنين يقضيان بقطع الصلة بصنفين من الاعتبارات التي يأخذ بها كل متدين.
أما الأصل الأول، فيمكن أن نصوغه كما يلي: "لا أخلاق في العلم"؛ مقتضى هذا الأصل أن لكل واحد -أو جماعة- أن يضع بنيان نظريته بحسب ما شاء من القرارات المعرفية والإجراءات المنهجية ما عدا أن يجعل فيها مكانًا للاعتبارات التي تصدر عن التسليم بقيم معنوية مخصوصة أو عن العمل بقواعد سلوكية معينة. . . . لقد تفرع على الأصل الأول الذي يقول بفصل العلم عن الأخلاق المبدآن المشهوران:
أ- مبدأ الموضوعية، وهو يقضي بأن يكون النظر العلمي مستقلًا كل الاستقلال عن آثار الذات الإنسانية؛ ولما كان هذا الاستقلال ادعاء بعيد التحقق، عسير الإثبات، اخترنا أن نسمي هذا المبدأ بـ "مبدأ الموضوعية الجامدة"، تمييزًا له عن مبدأ آخر يأخذ بموضوعية غير جامدة أو قل "حرِكة" "بكسر الراء"، إذ يقتضي أن تشترك قيم الذات الداخلية مع مدركات النظر الخارجية في تأسيس المعرفة تأسيسًا موجَّهًا "بفتح الواو المشددة" ومقوَّمًا "بفتح الواو المشددة"، لا تأسيسًا مجردًا" (١).
أقف مع شرط الموضوعية في العلوم الاجتماعية القائم على استبعاد جانب القيم في أثناء البحث الاجتماعي، ولاسيّما في العلمين المهمين "علم النفس وعلم الاجتماع"، وفي ذلك يقول أمزيان: "حيث ارتبط قيام الاتجاه الوضعي بالدعوة إلى تحقيق الموضوعية العلمية في مجال الإنسانيات تمامًا كما تم تحقيقها في مجال الطبيعيات، واعتبرت الوضعية ابتداء أن ارتباط العلم بالأخلاق والقيم من مخلفات القرون الوسطى ومن سمات الفلسفات الميتافيزيقية التي ظلت منشغلة في تحديد الأهداف والمثل وما ينبغي أن يكون عليه الواقع الاجتماعي بدل الاهتمام بالواقع نفسه في لحظته الراهنة" (٢)، ونسجل ابتداء أنها مشكلة
стр. 854
مفتعلة أفرزتها ظروف شاذة. . . . وتعبر عن هموم الغرب. . . . لا يصح تحويلها لمشكلة كونية (١). . . .، ومن ثم تعميمها على كل البيئات العلمية في الحضارات المختلفة، ولكن طائفة من المتغربين أو ممن تأثر بالتغريب قد انساق خلفها. فهذا -مثلًا- باحث اجتماعي يقول: "ويتميز منهج علم الاجتماع الأخلاقي بالتزام الموضوعية بالتجرد والنزاهة. . . .، حين يستبعد الباحث كل نزعة ذاتية أو عاطفة دينية حتى يدرس كل ما عنّ له من ظواهر خلقية يجمعها في حرص، ويصفها في أمانة ويدرسها في موضوعية خالصة. . . . بعد أن يخلع رداء العقيدة، وبعد أن يتجرد عن كل قيمة شخصية مسبقة" (٢)، وهذا يندرج في السياق العلماني لعلم الاجتماع الحديث، وكما يقول المفكر محمَّد أمزيان عنه: فصل رواده الأوائل "بين البحث الاجتماعي وبين مجال القيم. . . . فقد كانت القيم تمثل في نظر علماء الاجتماع أخطر عائق في سبيل تقدم البحث العلمي، حيث اعتقدوا بأن البحث العلمي لابدّ وأن يكون بحثًا محايدًا، ومجردًا من كل القيم والمعايير الأخلاقية. . . . الالتزام الأخلاقي أو النظرة المعيارية في نظرهم تعبر عن ميولات إنسانية ذاتية، وعلى الباحث أن يتخلى -إذا أراد أن يكون نزيهًا وعلميًا وموضوعيًا- عن كل القيم والأفكار التي يعتنقها، وكل التزام قيمي يعتبر خروجًا عن المنهج العلمي وخروجًا عن علم الاجتماع. هذه القناعة المنهجية التي نادى بها علماء الاجتماع، ستنتقل بشكل آلي إلى القائمين على تدريس المواد الاجتماعية في الجامعات العربية والإِسلامية وذلك من موقع التقليد لما هو سائد في الغرب" (٣).
ثم ذكر نماذج من ذلك، وذكر بعدها صورًا جديدة في الغرب انقلبت على التصور الوضعي القديم بعد أن رأت فشل الأوائل في تطبيقه، بل تقمصوا قيمًا علمانية في أثناء نشاطهم العلمي تعارض الموضوعية. وقد أبدع المؤلف في نقص هذه الخطيئة المنهجية، فالربط بين البحث العلمي والقيم الأخلاقية أكثر نفعًا
стр. 855
للبحث العلمي والموضوعية؛ إذا كانت تلك القيم ذات أصل إسلامي تلزم تصوراته وتوجيهاته.
والعجيب أن نجد من يتجاوز الكلام عن موضوعية العلم إلى اتهام الحضارة الإِسلامية بأثر القيم على ضعفها العقلي كما يوحي بذلك كلام الدكتور محمَّد الجابري الذي يقول: "إن المعطيات السابقة تجعلنا، من الناحية المبدئية على الأقل، في وضع يسمح لنا بالقول: إن "العقل العربي" تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء. ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعًا له ومرتكزًا. وهذا في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها. إن النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في قيمته، ومن ثمّ في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص "والمجتمع والثقافة" صاحب تلك النظرة. أما النظرة الموضوعية فهي نظره تحليلية تركيبية: تحلل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه" (١)، وهو بهذا يُعلي من العقل الأوروبي الموضوعي على حساب العقل العربي القيمي غير الموضوعي، العقل الأوروبي عقل موضوعي؛ لأنه لا يهتم بالقيم والأخلاق بخلاف العقل العربي، وكما يقول د. هشام غصيب: "ومن هذا المنظور، فإن العقل الأوروبي يتميز في أنه يتصور ذاته أداة لإدراك آليات الموضوع "الطبيعية بخاصة" وأسبابه. أما العقل العربي فيتصور ذاته أداة أخلاقية لضبط سلوك البشر في اتجاه مرضاة الله وتعزيزًا للإيمان بالله. ." (٢)، ولا يختلف غصيب كثيرًا عن الجابري -رغم نقده له-؛ لأن هناك تعزيزًا لاتهام الحضارة الإِسلامية بأنها تُقدم الأخلاق على العقل مع أن الحضارة الإِسلامية تربط الأخلاق والعقل ولا ترى تعارضًا حقيقيًا بينهما، والحقيقة العلمية لا تتعارض مع القيمة الأخلاقية في التصور الإسلامي.
وإن ما توصل إليه الجابري -في الكلام السابق- من كون الحضارة
стр. 856
الإِسلامية تربط بين "القيمة الخلقية والحقيقة الواقعية" هو شيء صحيح، ولكنه يقدح في ذلك بحجة التعارض بين الأخلاقي والموضوعي، وقريبًا منه ناقده غصيب. والفصل بين "القيمة والواقعة قد عرفه قدماء الفلاسفة، فإن هذا الفصل لم يَجْرِ ترسيخه ولا تقنينه إلا مع ظهور النزعة الموضوعية في العلم" فرفعوا من استحالة الجمع بين القيمة والواقعة (١). وقد ناقش المفكر طه عبد الرحمن ذلك، وبيّن عدم صحة تلك الاستحالات المزعومة ولاسيّما مع التطورات في حقل الفكر المعاصر "وعلى هذا، يكون الجابري قد تسرع في استهلاك عقلانية متقادمة حملته على اعتقاد الخطأ والنقص في عقلانية التراث التي تجمع بين القيم الخلقية والوقائع الكونية؛ ولو أنه قام بواجبه في تمحيص إجرائية هذه العقلانية من زاوية ما استجد من المواقف بصدد العلاقة بين القيم والواقع، لاتجه إلى الخروج عن اختياراته التجريدية والالتفات إلى أهمية الجانب العملي في الممارسة التراثية. . . ." (٢).
الموضوعية وعلاقتها بالحقيقة:
سبق أن من الموضوعات المنهجية المهمة التي يتناولها المتغربون باستغلال واضح مفهومي "الحقيقة والموضوعية"، فالموضوعية توصل للحقائق، فبينهما ارتباط واضح، ومن بين من اختل عنده وضعهما الدكتور هشام شرابي، فمع أنه من أسرة فلسطينية مسلمة إلا أن دراسته في المدارس التنصيرية وبخاصة الجامعة الأمريكية قد أثرت عليه كثيرًا وجرفته تيارات ذاك العصر بعيدًا عن الإِسلام، ثم ازداد الأمر سوءًا عند إكماله دراسته في أمريكا، ومما اختلط عنده مفهوما "الحقيقة والموضوعية"، فهو يقول عن تصوره عن الحقيقة: إنه كان تصورًا مثاليًا، وكان يعتقد بوجودها حتى ذهب لأمريكا، ففي نقاشه مع أستاذ له في أمريكا قال شرابي: "ومهما يكن من أمر فإن الحقيقة لا يمكن إلا أن تفرض نفسها"، فرد عليه أستاذه "لنضع الحقيقة جانبًا، فالحقيقة ليست موضع بحثنا الآن"، فذكر أنها صعقته إجابة أستاذه حيث كانت الحقيقة عنده مقدسة، ولكنه
стр. 857
بعدها بدأ "بالتخلص من عبودية "الحقيقة" الغيبية. ."، بمثل هذا الموقف البسيط تنهار عند الطالب قضية وتولد أخرى (١).
وقد وقع تحول خطير لمفهوم الحقيقة، فقد أصبحت الحقيقة هي التي تنبثق "من وعي محدد ومن ممارسات إنسانية اجتماعية محددة، ومن نشاطات حرة خلاقة، لا من وحي إلهي أو من حقيقة أزلية" (٢)، فانظر كيف وقع التحول حتى في تلك الحقائق التي جاء بها الوحي وترتبط بالحق سبحانه!!
وكما انهارت الحقيقة فقد انهار معها مفهوم الموضوعية، فهي تكون عملية عندما تطبق على المجتمع العربي الإِسلامي الذي يصفه بالمجتمع البطركي، ولكنه يصفها باللاموضوعية عندما تتعامل مع اتجاهه ورؤيته، وقد كانت الموضوعية حسب ما يذكر عن نفسه لحظة انخراطه في الجو الأكاديمي الأمريكي أساسية يقول: "مع الوقت مكنتني المنهجية الموضوعية، التي بدأت باستيعابها منذ الأشهر الأولى من التحاقي بجامعة شيكاغو، من التخلص من أدران ثقافتي الماضية، وخطوت بواسطتها خطوات فكرية كبيرة "إلى الأمام""، ولكنه اكتشف بعد حادثة النكسة وأثرها على فلسطين أن الغرب المتبجح بالموضوعية لا يعرف الموضوعية عندما يتعلق الأمر بالمصالح، مما جعله يراجع فهمه للموضوعية فاكتشف أن الموضوعية في المجال الغربي مُشبّعة بجوانب كبيرة لا موضوعية (٣)، ولكن من العجب العجاب أن يجد علاج تشوه الموضوعية الليبرالية الرأسمالية في طرف غربي آخر وهو الماركسية، فخرج من عماية اعترف بها إلى أخرى ما زال مصرًا عليها.
هذا نموذج يزعم العلمية لمسيرته الفكرية وبخاصة بعد عيشه في الجو الأكاديمي الغربي، كيف انهار عنده مفهوم الحقيقة ومعها مفهوم الموضوعية، ولكنها وإن خرجت من مفهوم نموذج ليبرالي فقد نقلها لنموذج ماركسي، فهو يعترف بثقل الماركسية عليه، ويقول عن ماركس بأنّه نفذ إلى أساس تفكيره،
стр. 858
فالأساس الذي تقوم عليه بقية الموضوعات أصبح ماركسيًا، فما حاله إلا كحال من خرج من حفرة ليقع في أخرى، فليست الرؤية المادية بأحسن حالًا من أختها، ولكن الرجل بحسب انتمائه للتغريب لا يجد مفرًا من الانتماء لأحد تياراته.
نموذج موسع للتلاعب المنهجي:
أقف الآن مع شخصيتين تتحركان في هذا الفضاء الفكري العام، المستند إلى العلمية والموضوعية والمنهجية، وهما الدكتور حسن حنفي، والدكتور محمَّد أركون، وهما يتشاركان في قضايا، منها دعوتهما تجاوز المنهجية الاستشراقية والمنهجية التراثية، بعد أن ألحقا بها نقائص عدّة، وذاك صحيح في الاستشراقية، ومنها دعوتهما إلى التعامل مع نصوص الوحي بجرأة ودون تقديس أو تنزيه، ومنها اعتمادهما على مدارس تفسيرية وتأويلية ونقدية حديثة ومعاصرة وذاك في تعاملهما مع النص الديني.
وقد سبق لي بحث ذلك بشيء من التوسع في بحث الماجستير، والذي كان بعنوان "موقف الاتجاه الفلسفي المعاصر من النص الشرعي"؛ ومن ذاك الوقت وأنا أتابع نشاطهما السيئ، وقد تنوع نشاطهما في ذلك، وأقف هنا مع خلاصة موقفهما حول طرق الاستدلال:
أ- حسن حنفي:
أشهر موضع عبر فيه "حسن حنفي" عن منهجيته هو كتابه "التراث والتجديد"، وأشهر موضع عرض فيه معرفته بتلك المنهجيات التي يتعامل بها مع النص الديني كان في مقدمة ترجمته لكتاب "رسالة في اللاهوت والسياسة" لإسبينوزا، وأشهر التطبيقات له قدمها في كتابه "من العقيدة إلى الثورة" وفي رسالته الدكتوراه في أصول الفقه.
وهذه المادة الطويلة تحتاج لرسالة مستقلة، وأكتفي هنا بذكر خطوط عريضة في الموضوع، تكشف الأزمة المنهجية عند حنفي، وخطورة ما وصل إليه من مواقف.
تعد المقدمة الطويلة التي وضعها لكتاب إسبينوزا محققة للغرض حول المنهجية التي يأمل بها وبرزت فعلًا في كتبه، وفيه نطلع على تنوع المدارس التي
стр. 859
تتعامل مع النص الديني (١)، ونطلع على الغرض من هذا العمل القائم على إسقاط مادة مكان مادة، فالمنهج واحد، وما لحقه من تطورات هي تعميق لهذا المنهج، أما المادة فقد كانت في الغرب هي اليهودية والنصرانية ويمكن استبدالها بتراث آخر وليكن هو الإِسلام (٢).
١ - تتعامل المنهجية مع "الوحي"، ولكن ليس الوحي بمعنى مقدس، بل الوحي في التاريخ، وكيف يتحول من معنى حسن إلى الضد (٣).
٢ - "يعتبر النقد التاريخي للكتب المقدسة أحد المناهج العلمية التي وضعتها الفلسفة الحديثة" (٤).
وقد استعرض هنا كل مدارس النقد وأشكاله حتى القرن العشرين، ومن الواضح أن هذه المدارس تحقق شيئًا من النجاح بسبب تعاملها مع نص ظاهره أنه نص ديني بينما هو نص محرف ومخترق بمؤثرات كثيرة، عرّفنا بها القرآن.
بينما يحرض المتغربون على توسيع دائرتها ليدخل الوحي الإِسلامي فيها، بحيث ينطبق عليه ما ينطبق على التوراة والإنجيل والكتابات الدينية، وهنا تأتي مشكلة التعميم دون وجه حق، ونحن نعلم من مناهج علماء الإِسلام في مثل علم الجرح والتعديل ذاك الفحص الدقيق الذي لم تعرف البشرية مثله، حتى يسلم النص الديني من أي تحريف، فضلًا عن ذاك الحفظ الإلهي لهذا الوحي، وهذا ما يعيه "حنفي" ومع ذلك يرى أن المستدلين بقوله -تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]، فيطلقون من موقف لاهوتي مفاده أن الله قد توكل بحفظ القرآن، فيهربون من تطبيق هذه المنهجيات (٥).
٣ - يفتح الباب للتفسير الحرّ، كل إنسان وما تمكنه قدراته (٦)، ولكنه عند "حنفي" يأخذ بعدًا خطيرًا، حيث ينفتح التفسير عنده على عمليات إسقاط خطيرة،
стр. 860
تقوم بإسقاط الفكر الغربي الذي اختاره على النصوص والأصول، وأوضح نموذج على ذلك ما نراه من عبث في كتابه: "من العقيدة إلى الثورة".
ب - محمَّد أركون:
وفي نفس السياق، وبصورة أخطر ما نجده عند محمَّد أركون، الذي يتجاوز المدارس السابقة حول النقد التاريخي والتفسير إلى تأسيس منهجية تعتمد عليها وعلى ما أخذه من العلوم الاجتماعية والإنسانية، مثل علم الاجتماع بتخصصاته المختلفة وعلم النفس بأقسامه وعلم التاريخ المعاصر المتمثل في مدرسة الحوليات وعلم اللغة المعاصر والنقد الفلسفي والنقد الأدبي وغيرها من المنهجيات، ليكوّن من خلالها طريقته المتمثلة في "الإِسلاميات التطبيقية" (١).
وهو يزعم أنه بهذا يحقق أقصى درجات العلمية، وذلك أنه يأخذ بكل الأبعاد العلمية الممكنة والمفيدة في التعامل مع النص الديني، وحسب هذا الزعم فإن منهجه هو أفضل منهج علمي يُطبَّق على النص الديني، وبها تتحقق الموضوعية والوصول إلى الحقيقة بمفهومها المعاصر ومن ثم التعامل الصحيح مع النص.
وهو موقف لا يقل طولًا عن مواقف حنفي، ويحتاج لبحث موسع كنت قد تناولت شيئًا منه أثناء بحث الماجستير، ومن أهم معالم هذه المنهجية العلمية حسب زعمه:
١ - الحديث عن "الظاهرة الدينية" وليس عن دين بعينه، ومن هذا الوجه، لا يوجد أي اختلاف بين كل الأديان، فهي كلها تقوم على وجود مقدس وغيبيات ونصوص وغيرها، وهذه المنهجية تحقق دمج أديان الكتاب بالأديان الوثنية، وهنا تتحقق الموضوعية والعلمية كما يزعم (٢).
٢ - تتميز منهجيته بحداثتها كما يقول، وذلك أنها عند دراستها للظاهرة الدينية تدمج ثلاثة أبعاد معرفية، ولا تهمل أي واحدٍ منها، وهنا يظهر بوضوح طغيان المنهجيات المعاصرة، وهذه الأبعاد الثلاثة، هي:
стр. 861
أ- البعد الأسطوري.
ب- علم التاريخ النقدي الذي يضم علم النفس، علم الاجتماع، علم الإنتربولوجيا التاريخية.
ت- النقد الفلسفي.
فهو يرى أن المنهجيات العلمانية الكلاسيكية قد ظنت إمكانية إقامة معرفة عملية مادية صرفة خالية من البعد الأسطوري، ولكن المعارف المعاصرة كشفت أهمية الأسطورة، ودورها في الوعي بالدين وأثره واستمراره، ويدخل هنا في الجانب الأسطوري كل المعاني الغيبية (١).
الأسطورة لها دور خلاق ومهم قد لا يوجد لغيرها، ومن هنا أهمية وجودها، وأهمية عدم إغفالها عند دراسة الظاهرة الدينية، إن الأساطير تفعل فعلها مثل المؤثرات العلمية والمؤثرات الفكرية العقلية والمؤثرات المادية (٢).
من الواضح في هذه المنهجية تنوع عناصرها مما يوهم قدرتها على دراسة الدين وأصوله ونصوصه من كل الجهات الممكنة، بحيث لا يبقى أي فراغ أو نقص، وبهذا تكون قد حققت أقصى درجات العلمية وتوصلت إلى معرفة موضوعية وحقيقية.
وليس المراد هنا انتقاص المنهجيات ودورها المهم في إنارة العقل وتيسير عمله وتوصله للحقيقة، وإنما المراد التأكد من قدرتها على أداء وظائفها في الباب المراد دراسته، وهنا عقبة تقف أمام نجاح هذه المنهجيات، تكشفها التطبيقات الأركونية، وهي إرادة التعميم على القضايا المختلفة، فقد قامت هذه المنهجيات على نصوص وعلى أوضاع وفي بيئات، إما للتفسير أو للتغيير، وهي هنا قد قامت على دين له وضعه التاريخي والواقعي، وقامت في بيئات اجتماعية ذات سياق تاريخي وواقع معين، ونقل هذه المنهجيات إلى دين آخر أو وضع اجتماعي آخر هي عملية غير علمية إلا عند إثبات التساوي، وهي دعوى يدعيها أركون وغيره من المتغربين ليس لها سند حقيقي.
وختامًا نجد أن مصطلح "الموضوعية" بحسب الصورة السائدة في الكتابات
стр. 862
التغريبية والمتأثرة بها قد تلبّس بإشكاليات كبيرة، مما جعله أداة للتوظيف السلبي لاسيّما مع تيار يحمل عداوة للدين، ومع أننا نجد حوارًا كبيرًا حول المصطلح داخل المنظومة الغربية قبل توظيفه إلا أنه ومع المتغربين وأمثالهم ينقل دون الحديث عن تلك الأبعاد. هناك تساهل في طرحه كمسلمة بكل أبعاده العلمانية. ورغم الاعتراف بأهميته من جانبه الإيجابي، وكونه بهذا الجانب عنصرًا صلبًا في الحضارة الإِسلامية، إلا أنه قد وُجد للمصطلح مشكلات كبيرة في الفكر العلماني جذبت التيار التغريبي، من أخطرها: رفض أي توجيه ديني بحجة الموضوعية، وأخطر من ذلك إقصاء الدين عن المعرفة العلمية واستبعاد الوحي كمصدر للمعرفة، وإقصاء القيم عن ميدان العلم، وقد وجدنا أن الموضوعية الحقيقية لا تستبعد الدين والقيم ولا تتعارض معها، بل التطور العلمي في ظلّ الدين والقيم أفضل من تطوره في ظل حضارة مادية علمانية، شريطة أن يكون الدين هو الدين الحق والخاتم، والقيم هي تلك النابعة عنه المغروزة في الفطرة السليمة.
لقد عرف العلم الحديث الذي لمع في الحضارة الغربية مشكلات منهجية، أخطرها من جهة المصدر استبعاد الوحي، وأخطرها من جهة المنهجية اعتماد الموضوعية العلمانية. وقد كان للبابين مخاطرهما على العلم العصري، فهناك أبواب لا يستطيع العلم البشري بمصادره الوصول إليها إلا عن طريق الوحي، كما أن هناك أبوابًا لا يمكن السير فيها دون الاعتماد على تصور ورؤية تساعده في مسيره، ويصبح من الزيف دعوى موضوعية جامدة تستقصد إقصاء الدين والقيم. وقد انخرط المتغربون بقوة في هذه المنهجية العلمانية، فاستبعدوا الوحي من مصادر المعرفة وهو أعلاها وأزكاها، وانغمسوا في موضوعية زائفة هدفها استبعاد الدين وقيمه، وقد رأينا خطر مثل هذه الدعاوى ومشكلاتها وزيفها.
وبعد أن عُرض شيء من الانحراف في المنهج، في مصدر التلقي وطريقة الاستدلال، ينتقل البحث إلى بابين وقع فيهما انحراف تغريبي كبير وخطير، في باب العقيدة وفي باب الشريعة، وذلك بطرح الانحراف المنهجي أولًا ثم أمثلة تبين ذلك.
стр. 863
الفصل الثاني التأثر المنهجى في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية
وفيه مبحثان:
• المبحث الأول: التأثر المنهجي في طريقة النظر للغيبيات.
• المبحث الثاني: أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها الاعتقادية.
стр. 864
الفصل الثاني التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية
أعظم نعمة للإنسان في هذه الحياة هي نعمة الدين، ولعظم أمره، جاء إرسال الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وإنزال الكتب لإقامة الدين في الأرض، قال -تعالى-: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقال -تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠]، وقال -تعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]، وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾ [الفتح: ٢٨]، وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣٣].
стр. 865
وقد قسم العلماء الدين إلى قسمين: عقيدة وشريعة، واختصت العقيدة بمسائل التصورات التي حقها التصديق، بينما اختصت الشريعة بمسائل العمليات وحقها العمل، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀: "فالكلام في باب التوحيد والصفات: هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في الشرع والقدر: هو من باب الطلب والإرادة: الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض، نفيًا وإثباتًا، والإنسان يجد في نفسه الفرق بين النفي والإثبات والتصديق والتكذيب، وبين الحب والبغض والحض والمنع، حتى إن الفرق بين هذا النوع وبين النوع الآخر معروف عند العامة والخاصة ومعروف عند أصناف المتكلمين في العلم، كما ذكر ذلك الفقهاء في كتاب الإيمان وكما ذكره المقسمون للكلام، من أهل النظر والنحو والبيان فذكروا أن الكلام نوعان: خبر وإنشاء، والخبر دائر بين النفي والإثبات، والإنشاء أمر أو نهي أو إباحة.
وإذا كان كذلك: فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضاد هذه الحال، ولابد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته وعموم مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانًا خاليًا من الزلل، وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له، وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول كما دلّ على ذلك سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ودل على الآخر سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ " (١)، ففي باب الاعتقاد يكون الواجب إثبات ما أخبرنا الله به وتصديقه في ذلك، وأن يكون ذلك على منهج السلف الصالح، منهج أهل السنة والجماعة.
وقد وقع التكذيب في أبواب العقيدة قديمًا وكثر أمره حديثًا، وازداد أمره بعد ظاهرة التأثر بالغرب العلماني ومذاهبه المادية والإلحادية، وقد وقع غالب المتغربين في التكذيب بالعقيدة: كلها أو بعضها، وإذا كان التكذيب قديمًا قد ارتبط غالبًا بالعقل وتخرصاته فإنه قد وُسّع من هذه التخرصات في العصر الحديث وأضيف إليها دعاوى تُنسب إلى العلم ونظرياته.
стр. 866
يبحث هذا الفصل ما وقع فيه المتغربون من ضلال في هذا الباب العظيم من تكذيب وانحراف، لاسيّما فيما ينسبونه للعلم ونظرياته، مبتدِئًا ذلك بالأصل المنهجي الذي بني عليه غالب الانحراف، وهو الانحراف في الغيب وما يلحق ذلك من أمور، ثم يأتي المبحث الثاني لعرض أمثلة عن أثر هذا الانحراف وخطورته.
стр. 867
المبحث الأول التأثر المنهجي في طريقة النظر للغيبيات
يعد الغيب أعظم جوانب الاعتقاد شأنًا، وفيه أكبر الأصول الدينية، فمواضيعه هي أركان الإيمان، من الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وفي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ في سؤال جبريل للرسول ﷺ : "قال فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" (١). وكثير من الانحرافات المعاصرة في باب العقيدة جاءت من الانحراف في باب الغيب وطريقة النظر فيه، وبهذا يعد الانحراف في باب الغيب هو أصل الانحراف عند المعاصرين، فمنه تتولد بقية الانحرافات، وهو انحراف قديم؛ إلا أن الجديد هو دعاوى العلمية لمثل هذا الانحراف، بعد أن كان السائد في الماضي دعاوى العقلانية، فإنه مع التحولات -الحديثة في الغرب- العلمية والعلمانية، دفع الملحدون بأدلة وشواهد تدّعي العلمية لإبطال الغيب.
стр. 868
أبدأ هذا المبحث ببيان هذا الأصل العظيم في الإِسلام، ثم طريقة المتغربين فيه، وأثرها، وبيان خطرها مع نقدها، وبالله التوفيق.
معنى الغيب في التصور الإِسلامي:
قال صاحب القاموس ﵀: "الغيب الشك، ج غياب وغيوب، وكل ما غاب عنك، وما اطمأن من الأرض. ." وقال ابن فارس: "الغين والياء والباء أصل صحيح يدل على تستر الشيء عن العيون" (١)، فما غاب عن الإنسان فهو من الغيب، وقد يكون في وقت دون وقت وهو النسبي، وقد يكون مطلقًا.
قال -تعالى- في وصف المتقين: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة:١ - ٣]
قال الإمام الطبري ﵀: "والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل. وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويل الآية، وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغيب، قولًا واعتقادًا وعملًا، إذ كان جل ثناؤه لم يحصرهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى، بل أجمل وصفهم به، من غير خصوص شيء من معانيه أخرجه من صفتهم بخبر ولا عقل".
ثم قال ﵀: "القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.
- عن ابن عباس: "بالغيب"، قال: بما جاء منه؛ يعني: من الله جل ثناؤه.
- ابن عباس وعن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ ، "بالغيب": أما الغيْبُ فما غابَ عن العباد من أمر الجنة وأمرِ النار، وما ذكر الله ﵎ في القرآن. لم يكن تصديقهُم بذلك -يعني: المؤمنين من العرب- من قِبَل أصل كتابٍ أو عِلْم كان عندَهم.
- عن قتادة في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، قال: آمنوا بالجنّة والنار، والبَعْث بعدَ الموت، وبيوم القيامة، وكلُّ هذا غيبٌ.
- عن الربيع بن أنس ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر، وجَنّته وناره ولقائه، وآمنوا بالحياة بعد الموت. فهذا كله غيبٌ.
стр. 869
وأصل الغيب: كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ. وهو من قولك: غاب فُلان يغيبُ غيبًا" (١).
وقد ساق ابن كثير ﵀ نفس كلام الطبري وزاد "وقال عطاء بن أبي رباح: من آمن بالله فقد آمن بالغيب. . . . وعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي ﷺ وما سبقوا به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمَّد ﷺ كان بيِّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة ١ - ٥] " (٢).
قال ابن تيمية ﵀: ". . وأصل الإيمان هو الإيمان بالغيب كما قال -تعالى-: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والغيب الذي يؤمن به ما أخبرت به الرسل من الأمور العامة، ويدخل في ذلك الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، وملائكته، والجنة والنار، فالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر يتضمن الإيمان بالغيب؛ فإن وصف الرسالة هو من الغيب، وتفصيل ذلك هو الإيمان بالله وملائكته، وكتبه ورسله، واليوم الآخر، كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ " (٣).
وقال الألوسي ﵀ في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: "وفسره جمع هنا بما لا يقع تحت الحواس ولا تقتضيه بداهة العقل" (٤).
وقال السعدي ﵀: "ويدخل في الإيمان بالغيب، الإيمان بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة، وحقائق
стр. 870
أوصاف الله وكيفيتها، وما أخبرت به الرسل من ذلك، فيؤمنون بصفات الله ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها" (١).
يتميز الذين يؤمنون على الذين لا يؤمنون بالغيب، فهو قضية فاصلة، والأصل في معرفة الغيب أخذه من الكتاب والسنة، فهما مصدرًا الغيب وفيهما الكفاية، وكل بحث في قضايا الغيب بعيدًا عن الوحي فمصيره الضلال؛ لوجود مسافة شاسعة بين عظمة الغيب وبين محدودية الإنسان، ولا يعني هذا أن الخبر السماوي عاريًا من الدلالة البرهانية على المطالب الإلهية، بل إنه يحوي من الدلالة على ذلك ما يكفي ويغني عن غيره، وقد ظن البعض أن دلالة الأدلة السمعية هي خبرية فقط، بينما الحق أنها مع الخبر تحوي من الأدلة العقلية والحسية ما يكفي لإثبات المطالب الإلهية ويغني عن غيره (٢).
وقد جعل الإِسلام من الغيب قضية أساسية، وهذا الأساس يرتبط بأساس آخر -ذكره وحيد الدين خان- أنه يجب أن يعترف الإنسان بأنه مع الإيمان بالغيب أيضًا لا يستطيع أن يكتشف قانون الحياة بنفسه، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: ١١٦]، "وفي العصر الحديث اعتبروا هذين الأساسين من أساطير الدين الفاقدة للأساس العلمي. ولكن الاكتشافات العلمية الحديثة تؤكد أن الأسلوب العلمي الوحيد للإنسان هو الذي أشار إليه القرآن، ولا أسلوب آخر سواه من الناحية العلمية" (٣)، فلا دين دون غيب كما أن حياة الإنسان الحقيقية لا تقوم إلا بالإيمان بالغيب، ولا حياة سليمة وكاملة دون شرع، ونعود للغيب مع آية البقرة:
قال ابن عاشور ﵀: "مجيء صلة الموصول فعلًا مضارعًا لإفادة أن إيمانهم مستمر متجدد كما علمت آنفًا؛ أي: لا يطرأ على إيمانهم شك ولا ريبة.
وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان؛ لأن الإيمان بالغيب أي ما غاب عن الحس هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل
стр. 871
عن وجود الله والعالم العلوي، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول، وللنظر فيما يبلِّغه عن الله تعالى فسهل عليه إدراك الأدلة، وأما مَن يعتقدُ أن ليس وراء عالم الماديات عالم آخر، وهو ما وراء الطبيعة فقد راض نفسه على الإعراض عن الدعوة إلى الإيمان بوجود الله وعالم الآخرة كما كان حال الماديين. . . ." (١).
وقال السعدي ﵀: "وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر. إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به، لخبر الله وخبر رسوله. فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر؛ لأنه تصديق مجرد لله ورسله. فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه عقله وفهمه. بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية؛ لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها، فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم. وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله" (٢).
ولسيد قطب كلام يناسب الأوضاع العصرية فيقول: " ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .. والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده .. حقيقة
стр. 872
الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول" إلى أن قال: "لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان، كجماعة الماديين في كل زمان، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى .. إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا "تقدمية" وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها فجعل صفتهم المميزة، صفة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين! " (١).
[مسألة] وللغيب أقسام:
فمنه الغيب المطلق الذي هو غيب عن جميع الخلق، ولا يعلمه أحد، وذلك مما استأثر الله بعلمه، ومنه ما عرفه رسله وأخبرونا به دون أن نستطيع معرفته بغير طريقتهم، كصفة الاستواء لله رب العالمين، وكعالم الملأ الأعلى، وكعلامات الساعة، مثل المسيح الدجال والدابة، فلا يعلم ذلك إلا من جهة الرسل، ولا يعرف البشر شيئًا منه بعقولهم وأدواتهم، فطريقهم لما علم منه هو الخبر المحض، فيكون مطلقًا من هذا الوجه، قال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٨]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
ومنه الغيب النسبي الذي يعرفه البعض ويغيب عن آخرين، فهذا غيب لمن غاب عنه وليس غيبًا لمن شاهده وعلمه من الخلق من الملائكة أو الإنس أو الجن.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ حول قوله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ "وهو سبحانه قال: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ﴾ ولم يقل "ما" فإنه لما اجتمع ما يعقل وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه بـ"من" لتكون أبلغ
стр. 873
فإنهم مع كونهم من أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله.
وهذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين الذي قال فيه: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾.
والغيب المقيد ما علمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس وشهدوه، فإنما هو غيب عمن غاب عنه ليس هو غيبًا عمن شهده.
والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا فيكون غيبًا مقيدًا؛ أي: غيبًا عمن غاب عنه من المخلوقين لا عمن شهده، ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين قاطبة.
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾؛ أي: عالم ما غاب عن العباد مطلقًا ومعينًا، وما شهدوه فهو سبحانه يعلم ذلك كله" (١).
فالإِسلام يقر بالغيب، ويقرر وجود غيب مطلق، نعلمه بالخبر الصحيح، وقد بثّ الله من الدلائل عليه في الآفاق والأنفس، وأنزل من الموازين والدلالات العقلية والحسية، ما يثبت لكل طالب حق وباحث عنه بوجود حقيقة الغيب الذي جاء به الخبر، حتى وإن لم نره، فقد أصبح الغيب أصلًا مهما من أصول الإِسلام، لا تقوم حياة الإنسان الكاملة إلا بالإقرار به، ومن ثم لا يصح دينه ولا تقوم نجاته إلا بالتصديق بالغيب، ولن تصلح حياة الناس إلا بالإقرار بالغيب. ومن هنا نعلم سبب المكانة العظيمة للغيب في الإِسلام، وأنها أساس الإِسلام الذي لا يقوم إلا بالإيمان بالغيب، يقول سيد قطب: "حقيقة الغيب من "مقومات التصور الإِسلامي" الأساسية؛ لأنها من مقومات العقيدة الإِسلامية الأساسية؛ ومن قواعد "الإيمان" الرئيسية ..
وذلك أن كلمات "الغيب" و"الغيبية" تلاك في هذه الأيام كثيرًا -بعد ظهور المذهب المادي- وتوضع في مقابل "العلم" و"العلمية" .. والقرآن الكريم يقرر أن هناك "غيبًا" لا يعلم "مفاتحه" إلا الله. ويقرر أن ما أوتيه الإنسان من العلم قليل .. وهذا القليل إنما آتاه الله له بقدر ما يعلم هو -سبحانه- من طاقته ومن حاجته. وأن الناس لا يعلمون -فيما وراء العلم الذي أعطاهم الله إياه- إلا
стр. 874
ظنًا، وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا .. كما يقرر -سبحانه- أن الله قد خلق هذا الكون، وجعل له سننًا لا تتبدل؛ وأنه علم الإنسان أن يبحث عن هذه السنن ويدرك بعضها؛ ويتعامل معها -في حدود طاقته وحاجته- وأنه سيكشف له من هذه السنن في الأنفس والآفاق ما يزيده يقينًا وتأكدًا أن الذي جاءه من عند ربه هو الحق .. دون أن يخل هذا الكشف عن سنن الله التي لا تبديل لها، بحقيقة "الغيب" المجهول للإنسان، والذي سيظل كذلك مجهولًا، ولا بحقيقة طلاقة مشيئة الله وحدوث كل شيء بقدر غيبي خاص من الله، ينشئ هذا الحدث ويبرزه للوجود .. في تناسق تام في العقيدة الإِسلامية، وفي تصور المسلم الناشئ من حقائق العقيدة ..
إن الله سبحانه يصف المؤمنين في مواضع كثيرة من القرآن بأنهم الذين يؤمنون بالغيب؛ فيجعل هذه الصفة قاعدة من قواعد الإيمان الأساسية".
إلى أن قال: "على أن الغيب في هذا الوجود يحيط بالإنسان من كل جانب .. غيب في الماضي وغيب في الحاضر، وغيب في المستقبل .. غيب في نفسه وفي كيانه، وغيب في الكون كله من حوله .. غيب في نشأة هذا الكون وخط سيره، وغيب في طبيعته وحركته .. غيب في نشأة الحياة وخط سيرها، وغيب في طبيعتها وحركتها .. غيب فيما يجهله الإنسان، وغيب فيما يعرفه كذلك!
ويسبح الإنسان في بحر من المجهول .. حتى ليجهل اللحظة ما يجري في كيانه هو ذاته فضلًا على ما يجري حوله في كيان الكون كله؛ وفضلًا عما يجري بعد اللحظة الحاضرة له وللكون كله من حوله: ولكل ذرة، وكل كهرب من ذرة؛ وكل خلية وكل جزئي من خلية!
إنه الغيب .. إنه المجهول .. والعقل البشري. . . . إنما يسبح في بحر المجهول. فلا يقف إلا على جزر طافية هنا وهنالك يتخذ منها معالم في الخضم. ولولا عون الله له، وتسخير هذا الكون، وتعليمه هو بعض نواميسه، ما استطاع شيئًا ..
ولكنه لا يشكر .. ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، بل إنه في هذه الأيام ليتبجح بما كشف الله له من السنن، وبما آتاه من العلم القليل .. يتبجح فيزعم أحيانًا أن "الإنسان يقوم وحده" ولم يعد في حاجة إلى إله يعينه! ويتبجح
стр. 875
أحيانًا فيزعم أن "العلم" يقابل "الغيب" وأن "العلمية" في التفكير والتنظيم تقابل "الغيبية" وأنه لا لقاء بين العلم والغيب؛ كما أنه لا لقاء بين العقلية العلمية والعقلية الغيبية! " (١).
ارتباط الانحراف في الغيب بالانحراف في الربوبية:
يرتبط الانحراف في الغيب بالانحراف في الربوبية، فالانحراف في الربوبية يؤثر في الغيب كله، وقد اتسع الفساد في هذا الباب مع ظاهرة الإلحاد الحديثة، وهي ظاهرة غزت في فترة الطفرة العلمية الحديثة مجالات مختلفة من الفكر الغربي الحديث، وإذا دخل الإلحاد إلى مجال الفكر، وأصبح موضة للمفكرين، فمن المنطقي انعدام جدوى الإيمان بقضايا الغيب الدينية كلها، وقد عُرض شيء من ذلك الإلحاد ودعوى ارتباطه بالعلم في الباب الأول، ثم الانكسار التدريجي لهذه الظاهرة المرضية.
لقد ذكر وحيد الدين خان هذا التحدي الجديد الذي يواجه المسلمين وهو الإلحاد، والذي تزعمه مجموعة من الملحدين البارزين في الفكر الغربي، ثم قال: "والتحدي الذي يواجه الإِسلام اليوم في مواجهة الإلحاد يطابق إلى حدّ ما التحدي الذي واجهه عند بدء الرسالة في مواجهة الشرك، الذي كان يحظى بقبول الرأي العام العالمي في ذلك العصر. وكان الشرك قويًا لدرجة أن المنادِين بالتوحيد كانوا يُحَرَّقون أو تُقطَّع أجسادُهم وهم أحياء" وبدعوة الرسول ﷺ قامت أمة، وظهر الإِسلام على الأرض، ونجحت هذه الأمة الجديدة في إزالة الشرك وسلطته من واقعها، وقد أثر ذلك على واقع الشرك في العالم، واليوم يواجه المسلمون الإلحاد تحت مسميات مختلفة ومنها مسمى العلمية، وعلى المسلمين الانتباه له من جهة وإنقاذ العالم من آثاره من جهة أخرى (٢).
وإذا كان الإلحاد بدعواه لإزاحة الإيمان بالله من الوجود قد حسم بقية
стр. 876
القضايا الغيبية الدينية، ورمى بها لعالم مجهول تتخبط فيه العقول بفلسفاتها والعلوم بنظرياتها، فإن الإيمان بالله هو أساس كل القضايا الغيبية، وإذا سقط هذا الأساس سقط بقية الغيب، وهناك بجانب هذا الإلحاد الكلي إلحاد في الربوبية، يُثبت أصحابه وجود الرب سبحانه، ولكنهم يريدون الإيمان به كما تتوهمه عقولهم وليس كما أخبرنا سبحانه عن ذاته، فالأصل الصحيح في باب الإيمان بالله أن يكون كما أخبرنا سبحانه عن نفسه، وليس كما تتوهم عقول البشر (١)، يقول أحد المتأثرين بالتغريب والنظرة العلمية المزعومة: "وفي الوقت الذي استوعب فيه الغرب أشكالًا مختلفة للعلاقة بين الله والعالم، مثل صورة الإله الذي يحكم العالم بالرياضيات، أو مهندس العالم عند ديكارت، أو صورة الصانع الذي لا يخطئ لساعة كبرى تظل تؤدي عملها بكفاءة وثبات، هي الكون عند ليبنتس، فإن العالم الإِسلامي لا يسمح بمثل هذا التغيير في شكل العلاقة بين العالم بسهولة، ولا يدمج هذه الصورة المتغيرة التي تعمل حسابًا لتطورات العلم في إطار العقيدة الدينية كما فعل هؤلاء الفلاسفة. في حين أن كبار مفكري الغرب المتدينين يقبلون بسهولة الفكرة القائلة بأن عناصر كثيرة من الأفكار الدينية ينبغي أن تتغير نتيجة للمعرفة الجديدة التي جلبها العلم والتقنية، فإن مثل هذه الأفكار مرفوضة -من حيث المبدأ- في معظم الأوساط الدينية الإِسلامية" (٢).
[ثلاثي الانحراف]: إن إنكار الرب سبحانه أو الاعتقاد في ربوبيته بما تتوهمه العقول -وليس كما حدثنا الرب عن ذاته- يؤثران في بقية الغيب يصاحب ذلك الإغراق في الحسّ، فهذه ثلاثة أمراض: التكذيب بوجوده أو الانحراف في ربوبيته أو الإغراق في الحسّ. أما مع الأول فقد حُسم أمر الغيب معه؛ فإنه بإنكار وجود الرب لم يعد هناك مبرر للقول بغيب ديني، ومع ذلك فقد يقدمون الحجج العلمية المزعومة لنشر إلحادهم أو للدفاع عن موقفهم. أما مع الثاني وهو التكذيب بالربوبية لاسيّما في أبواب الخلق والقدرة والإرادة، فيفتحون
стр. 877
للتخرصات العقلية حول صورة هذه الغيبيات، ويُدخِلون العلم الحديث طرفًا مفسرًا أو شارحًا لتصورهم عن هذه الغيبيات، ويغلب على النتائج التي يصلون إليها أنها معارضة لما جاء به الأنبياء، وبانحرافهم في باب الخلق: هربوا من إثبات خلقه للعالم المادي وعالم الحياة إلى أمور غامضة أو إلى الإلحاد، وفي باب القدرة: حيث أغرتهم السنن، فاكتفوا بتفسيرها كقوانين أو قوى طبيعية حتمية تدير العالم الصغير والكبير، دون أي إمكانية لفعل شيء فيها حتى من قبل الرب، وفي باب الإرادة حيث قيدوا هذه الإرادة بما تتخيله عقولهم. أما الثالث، فهناك أمر مشترك عند أغلب المكذبين بالغيب وهو الانحباس في عالم الشهادة، يستوي في ذلك الأمي القديم الذي يعبد صنمًا مع المتحضر المتبحر في العقليات والعلميات الذي ينكر وجود الرب والغيب، فالأول يصرّ على أن يكون إلهه محسوسًا لغلظة الحسّ عليه، والثاني ينكر ذلك للسبب نفسه، والاستغراق في عالم الشهادة والمادة والحسّ، وطول إلفه ذلك، والإخلاد إليه، يفسد على صاحبه الإيمانَ بالغيب والتصديق به، فيقع بين طرفي نقيض، فإما جلب ذاك الغيب بصور شتى إلى عالم الشهادة وإما نفي ذاك الغيب مطلقًا.
لقد طلب اليهود قبل ثلاثة آلاف سنة طلبًا مكابرًا من أبواب الغيب فقالوا لنبيهم: أرنا الله جهرة، قال -تعالى- عنهم: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣)﴾ [النساء: ١٥٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥]، يقول "وحيد الدين خان ": "وفي العصر الحديث أعيدت هذه المطالبة باسم العلم. فحين اكتشفت العلوم الحديثة كثيرًا من أسرار الكون التي لم يكن الإنسان القديم يعرفها، زعموا أن العلوم قد قضت على حدود الحواس البشرية، وأن الإنسان سيتمكن الآن من المشاهدة المباشرة لكل الأشياء الموجودة. وزعموا أنه لا وجود للأشياء التي لا تخضع للمشاهدة. . . . وحين تمكنت الأجهزة الحديثة من مشاهدة أصغر الأجسام إلى الأجرام البعيدة، ولكنها لم تشاهد الحقائق الدينية زعموا أنه لا وجود لهذه الحقائق" إلى أن قال: "ولكن القرن العشرين قد مضى على هذا المنهج الفكري بعد اكتشاف حقائق كثيرة تبطل النظريات القديمة. . . . "، ثم
стр. 878
عرض بعض الأفكار والاكتشافات العلمية الجديدة التي تنقض هذا الرأي، ثم قال: "وإذا كان الكون يتكون من حقائق لا نشاهد معظمها مباشرة، فما هو السبيل لمعرفة الأشياء الأخرى التي لا نشاهدها؟. . . . "لقد تقلصت دائرة التجربة في التعامل مع الحقائق الكونية الأبدية، واتسعت دائرة التأمل" وبهذا اعترف العلم الحديث أنه لابد من الإيمان بالغيب؛ أي: الإيمان بحقائق الكون بمشاهدة ظواهره" (١).
ومن بين الأمثلة على إنكار كل الغيب بحجة العلمية نجد الكلام الإلحادي لـ"هكسلي" في كتابه: "الإنسان في العالم الحديث"، فيقول: "هل يستطيع الدين أن يلقي ضوءًا على الأزمة الحالية في الدين، وعلى حلها الممكن في المستقبل؟ والحالة الخاصة التي تواجه الدين في المدنية الغربية هي ما يأتي: أن الاعتقاد في الله قد أدى كل ما يستطيع من فائدة، وليس في وسعه أن يفعل أكثر من ذلك. والإنسان خلق القوى الخارقة للطبيعة؛ ليلقي عليها عبء ما لا يستطيع فهمه. فاعتقد الإنسان البدائي في السحر، ثم في الأرواح الشخصية، ثم انتقل من الأرواح إلى آلهة كثيرة، ومن الآلهة الكثيرة إلى إله واحد. وبعبارة بسيطة انتهى التطور. والمرحلة الخاصة التي تهمنا في هذا التطور هي مرحلة الآلهة. ولقد كانت الآلهة في عصر ما من حضارتنا الغربية تخيلات ضرورية، وفروضًا نافعة تساعد على الحياة.
إلا أن الآلهة ليست ضرورية أو مفيدة، إلا في إحدى مراحل التطور. ولكي يكون للآلهة قيمة عند الإنسان، لابد من ثلاثة أشياء: يجب أن تبقى كوارث العالم الخارجي غير مفهومة، وألا يمكن منعها حتى تكون مزعجة للغاية، أو أن تكون قسوة الحياة العامة وعجزها بحيث يحولان دون تصديق أن في الإمكان تحسين هذا العالم. وعندئذ يستطيع الإله -ولا تستطيع الحياة الاجتماعية- أن يهيئ من الوسائل ما يلزم لإصلاح الحال. . . .".
ويربط بين تقدم العلم والإلحاد وإنكار الغيب فيقول: "ولقد أوصلنا تقدم العلوم، والمنطق، وعلم النفس، إلى طور أصبح فيه الإله فرضًا عديم الفائدة،
стр. 879
وطردته العلوم الطبيعية من عقولنا حتى اختفى كحاكم مدبر للكون، وأصبح مجرد أول سبب أو أساسًا عامًا غامضًا. ولقد أدت زيادة المعرفة إلى إدراك أن السحر عقيدة باطلة، وأن منع الكوارث لا يتحقق إلا بالعلم وتطبيقاته، وأن الطقوس الدينية التي تصحب تقديم القرابين، وصلاة الاستغفار، عديمة المعنى. وأن تحليل العقل البشري، وما كشفه عن قدراته على رسم الخطط وإشباع الرغبات، وما كشفه عن العقل الباطن والكبت، يجعل ألا داعي للاعتقاد بأن الانحراف وما إلى ذلك يرجع إلى قوة روحية خارجية، وأنه ليس من العلم في شيء أن ننسب التوفيق في الأعمال إلى هداية من الله. ولقد أدى المنطق اللاهوتي إلى الاعتقاد بوحدانية الله، وهذا غير مفهوم، ومن بعض النواحي أقل قيمة عملية من الشرك!
"وإذا سلمنا بوجود إله من أي نوع، فالنتيجة المنطقية لذلك، الاعتقاد بوحدانية الله. ولكن لم هذا الاعتقاد في وجود الله؟ ولماذا الاعتقاد في كائنات خارقة للطبيعة لها صلة بمصير الإنسان وأمانيه؟ ويتوقف الاعتقاد في وجود الله على تشخيص الظواهر غير الشخصية، والتشخيص مقدمة للاستدلال على وجود إله. ولكن هذا ليس إلا مجرد فرض. وأنه إذا كان مفيدًا في العصور الأولى، فإنه الآن غير مفيد. ثم إنه يثير من الصعاب أكثر مما يحل. ويجب على الدين -لكي يستمر عنصرًا مهمًا في حياة المجتمع- أن يتخلى عن فكرة الله. أو على الأقل يقصيها إلى مركز ثانوي، كما حدث للسحر الذي سيطر على العقول في الزمن الماضي.
"والإله، والآلهة، والملائكة، والجن، والأرواح. وغيرها من الأشياء الصغيرة الروحية من عمل الإنسان، وناشئة حتمًا عن نوع من الجهل، ودرجة من العجز أمام بيئته الخارجية.
وبإحلال المعرفة محلّ الجهل في هذا الميدان، وزيادة سيطرة على بيئته نتيجة لتفكيره، يتلاشى الإله كما تلاشى الشيطان قبله، وآلهة الدنيا القديمة، وجنيات الغابات والبحيرات، والأرواح المحلية" (١).
стр. 880
وقد أطلت من هذا النموذج؛ لأنه يغني عن عشرات النقول عن المتغربين، فهم لم يتجاوزوا هذا الكلام، حيث سنجد هذا النموذج الشاذ يدخل في كتابات تغريبية عربية، حذو القذة بالقذة، ومع ذلك فهذا الكلام غير مُستَغرب من الملاحدة، فهو موجود في كل زمن، وإنما القصد هنا أن مثل هذه الدعاوى تتلبس بالعلم.
وقد أورد سيد قطب منقولات عن ديورانت تصل لنتيجة: أن تلك الدعاوي التي تتلبس العلم، قد جاء العلم نفسه بإبطالها. ومن كلام ديورانت: "يقول برتراند رسل: "يقترب علم الطبيعة من المرحلة التي يبلغ فيها الكمال". وجميع الدلائل تدل على العكس من ذلك .. أما هنري بوانكاريه فيرى أن علم الطبيعة الحديث في حالة من الفوضى، فهو يعيد بناء جميع أسسه، وفي أثناء ذلك لا يكاد يعرف أين يقف. وقد تغيرت الأفكار الأساسية عن الطبيعة تغيرًا تامًا في العشرين السنة الأخيرة، فيما يختص بالمادة والحركة كلتيهما. ولم تعد تسمح أعمال كوري ورذرفورد وسودي وأينشتين ومينكوفكس لأي تصور قديم عن الطبيعة النيوتونية بالبقاء" (١)، ويعلق سيد على ذلك فيقول: "وبعد، فإن هذا هو موقف العلم من المجهول. . . . بل من المنظور. . . .! وهو الذي يحيلنا عليه أمثال جوليان هاكسلي من "العلماء" المتبجحين المستهترين بقيمة الكلمة في الحقيقة!. . . . وبقي "الإنسان" يريد أن يركن إلى "الحقيقة". يريد أن يستقر على قاعدة في التعامل مع هذا الوجود. يريد أن يعرف مركزه في الكون وغاية وجوده الإنساني. يريد أن يرى "الكل" ويطمئن إليه قلبه. . . .
وليس هناك إلا دين الله يريه "الكل". ولم يعد دين الله يتمثل في غير "الإِسلام" .. فهو وحده العقيدة التي سلمت من الإضافات والتحريفات البشرية. وهو وحده الذي يتلقى منه الفكر البشرى مقومات التصور الوحيد الصحيح .. مقومات التصور الإِسلامي. ." (٢).
وإذا أردنا أن نعرف بصورة أدق كيف نبع الانحراف في الغيب من خلال