← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

يكفي، وإن عنعنة القدماء عن القدماء أو المحدثين عن القدماء لا تكفي، بل ينبغي أن يمتحن كل شيء بالدليل العقلي وبالدليل الاستقرائي" (١)، ومما امتدحه "لويس" أيضًا في كتاب طه حسين: رفضه صحة قصة إبراهيم وإسماعيل وبناء الكعبة، فهي ليست حقيقة تاريخية، زاعمًا أن رفض "طه حسين" كان "وليد العقلانية والمنهج العلمي" (٢). بمثل هذه الروح الماركسية المتغربة يتكلم لويس عن القرآن ومرجعية الوحي وكأنها مرجعية خرافية أسطورية، وما كأنه الحق من رب العالمين، بينما يتكلم عن الفكر البشري القابل للصواب والخطأ والمستغل من قبل أعداء الدين وكأنه حق مطلق، ويكثرون من مصطلحات "المنهج العلمي" و"العقل العلمي" بينما لا علاقة لها بالعلم. أختم بمثال معاصر في هذا الباب ألا وهو "د. حسن حنفي": توسع أهل التغرب في استخدام المنهجيات الغربية مع الوحي، إما لنقده والتكذيب به، أو لتحويله عن مراده إلى أبواب تتسع لاستخدامات المتغرب وإسقاط أفكاره على الوحي. وممن بدّل مفهوم الوحي ليتسع لمقولاته الدكتور حسن حنفي، فهو ممن اطلَّع على آخر المنهجيات وعَرَف كثيرًا منها، وقد ذُكر بعضها في فقرة سابقة، ومن هذه المنهجيات ما أسماه "الشعور"، وهو مصطلح غامض لم يحدد له معنى، رغم كثرة ترديده له، وقد استخدم هذا المفهوم الغامض في التلاعب بموضوع الوحي. وعندما نبحث عن معنى محدد للشعور ونبحث عن ما يقابله من تطبيقات حتى نتأكد من سلامة العمل، فلا نجد إلا الغموض، ولكن النتائج واضحة، وهي متمثلة في تبديل الوحي. لقد عرفنا فيما سبق مفهوم الوحي الديني كما ورد في الكتاب والسنة، وعند مقارنتها بما يذهب إليه حسن حنفي نجد حجم التبديل والتحريف. يقول: "نصوص الوحي نشأت في الشعور، إما في الشعور العام الشامل

стр. 947

وهو ذات الله أو في الشعور المرسل إليه والمعلن فيه، وهو شعور الرسول أو شعور المتلقي للرسالة، وهو شعور الإنسان العادي الذي قد يشعر بأزمة فينادي على حل ثم يأتي الوحي مصدقًا لما طلب". ويقول: "نصوص الوحي ليست كتابًا أنزل مرة واحدة مفروضًا من عقل إلهي ليتقبله جميع البشر، بل مجموعة من الحلول لبعض المشكلات اليومية التي تزخر بها حياة الفرد والجماعة. . . ." (١). ويقول: "عندما نتحدث عن الوحي كمقصد من الله إلى الإنسان فإننا لا نستعمل لفظة "الله" للدلالة على شخص أو ذات أو قدرة مشخصة أو غيرها بل نتحدث عن واقعة الوحي ذاتها. ولفظة "الله" ليس إلا لفظًا عرفيًا استعمله الناس للدلالة على معنى عام، ويمكن استعماله مبدئيًا نظرًا لسهولة استخدامه في إيصال المعاني. . . ." (٢). هذه الشواهد المختارة من بين عدد كبير من النصوص مليئة أولًا بألفاظ سيئة لا يصح إطلاقها في أبواب العقائد، وكل فقرة منها قد تحتاج لوقفة، ولكن ذلك ليس المراد، وإنما المراد أخذ تصور عن الروح العلمية والمنهجية التي يطبقها حنفي على الوحي، وأبعادها الخطيرة، ومما نجد هنا: • إلغاء المفهوم الحقيقي لمعنى الوحي الوارد في الكتاب والسنة، وتحويله إلى معاني غامضة. • إهمال مصدر الوحي، وهو الرب سبحانه، وهو بهذا الإهمال يلغي مفهوم الوحي تمامًا. • بعد تعديل مفهوم الوحي عن معناه الحقيقي وإغفال مصدره، حوّله إلى معطى للشعور، إنه انبثاق من الشعور الفردي والجماعي، أو هو بعبارات الماديين معطى تاريخي، ظهر في الأرض من الناس واستجابة لحاجاتهم، وهذا ما يؤكده مبحث أسباب النزول (٣)، وإذا كان الأمر كذلك، فلا بأس من تحويل معناه ليتناسب مع الحاجات الجديدة.

стр. 948

فهذه الرؤية العلمية الفكرية الحديثة أوصلت صاحبها في الحقيقة إلى عملية حقيقتها التلاعب بالوحي، تحت مسمى نظرية التفسير المعاصرة. * * * القسم الثاني: دعوى وجود رأي علمي آخر حول بعض الغيبيات دون شرط المعارضة: فهذا يكون في عالم المخلوقات الموجودة، ولكن بداية خلقها كان في أزمان بعيدة، مثل خلق السماوات والأرض والكائنات الحية والإنسان، فهذه إما أن العلم الحسي لا يستطيع القطع فيها، وهذا هو حال كل الأمور البعيدة في الزمن الماضي، ولذا كل ما يُقال في هذا الباب هو من النظريات التي لا يمكن القطع بها، وهي نظريات تقبل التغير والتطور بحسب فلسفة العلم المعاصرة، وقد يأتي زمان يحدث فيه قطيعة معرفية بين نظريات تسود في وقت وبين نظريات جديدة تولد، لاسيّما حول خلق السماوات والأرض وخلق الحياة وخلق الإنسان، فقد جاء في الخبر ذكر ذلك بأوصاف محددة، ولكنها عند أهل الإِسلام من أمور الغيب التي لها حقيقة موضوعية يُعرف معناها ولا تعرف كيفيتها، فالكيفية من علم الغيب، ومعناها معلوم بما ورد في الخبر، فالله سبحانه هو خالق السموات والأرض والحياة والإنسان، وما أشهدنا على خلق ذلك، قال -تعالى-: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١]، وقد أخبرنا سبحانه بأشياء عن خلقه فعرفنا معناها ولكن جهلنا كيفيتها كما هو حال الغيب. فالقول في هذا الباب بأنه وإن تكلم علماء الطبيعة على هذه الأمور، وقدّموا نظرياتهم المختلفة، فإنه في فلسفة العلم المعاصرة لا يُقطع بها، فالنظرية كما سبق مرارًا هي أداة للفهم والتفسير، وقد تأتي صورة أخرى لها في زمن لاحق. فمن باب أولى أن لا يُقطع بها عند المسلمين؛ لأنهم يعلمون أن هذه النظريات رغم ما تتمتع به من تجارب واسعة وحسابات دقيقة فإنها في غياب الاسترشاد بالوحي تخبط في مجاهيل الماضي، مما يجعل العلمي والموضوعي منها ناقصًا حتى يرتبط بالوحي. فإن ما يذكرونه إنما هو من النظريات التي هي غاية ما وصل إليه جهدهم في ظل السقف المعرفي الذي أتيح لهم بأجهزتهم

стр. 949

المبتكرة وحساباتهم الرياضية الممكنة وملاحظاتهم ومشاهداتهم البشرية، ولكن هذا السقف قد يرتفع مع اكتشاف أجهزة أخرى أو حسابات أخرى أو ملاحظات أدق، وقد رأى العالَم أثر اكتشاف عالم الذرة بالأجهزة الحديثة في تغيير كثير من الأفكار حول النظريات السائدة، كما رأى العالَم أثر ظهور حسابات جديدة مع نظرية النسبية في تغيير كثير من الأفكار حول النظريات السائدة أيضًا، ورأى العالَم أثر التطورات الكبيرة في دراسات الجينات في تغير كثير من التصورات حول الكائنات الحية. والموقف الإسلامي في مثل هذا الباب هو أن القطعي من الأدلة هو المقدم، والقطعي هنا هو خبر السماء الذي جاءنا من خالق العوالم، والعارف بها، والشاهد سبحانه خلقها، وكفى بالله شهيدًا. ولهذا ما جاء من النظريات إما أنه يُنكِر الحق القطعي من الدين، فقد علمنا ولله الحمد بطلانه، وعلينا إراحة أنفسنا منه، أو أنه من الأمور التي يتحدث عنها الدين، أو عرفنا من الدين معناها دون كيفيتها، فغالب هذا النوع قد يناسبه السكوت، ويترك لمنطق الصواب والخطأ العلمي التجريبي، وما يُظنّ أن فيه تعارضًا مع الدين فتكون موطن الاجتهاد الشرعي، وتكون بطريق اجتماع علماء المسلمين في الشرع وفي العلوم الطبيعية لدراستها وبيان الأصوب في هذا الباب، وذلك مثل تلك الأرقام الكبيرة التي تقال عن تاريخ أحداث كونية مثل وجود الكون، فقد اعتمد علماء الطبيعة على مقاييس خاصة توصلوا بها لمثل تلك الأرقام الزمنية، ومعلوم أن الزمن الغيبي الذي وقع فيه الخلق ليس مثل الزمن الذي نعرفه. فمثل هذه المساحة تكون موطن البحث والنظر والاجتهاد، ولاسيّما أنها قد تكون بابًا لبعض المنحرفين للطعن في الغيبيات كما أنها قد تكون موطن اشتباه عند من لم يكن عالمًا بالشرع ولم يكن عالمًا بحقيقة العلوم الطبيعية ممن يدرس العلوم العصرية أو يقرأ عنها، فيسبق إليه شيء من الشُبَه؛ لذا كان من المهم اجتماع علماء المسلمين في باب العلوم الشرعية وفي باب العلوم الطبيعية لمعالجة أمهات الإشكاليات في هذا الباب. والآن ننظر في بابين وقع حولهما الإشكال، وهما: الأول: باب بداية الخلق ووجود الكون. الثاني: باب خلق آدم ﵇ وأصل الإنسان.

стр. 950

كثرة ورودهما في الكتاب والسنة، وتأليف العلماء فيهما، وأهمية الحذر من الإسرائيليات الواردة فيهما: لقد جاء ذكر خلق الكون والحياة والإنسان وآدم وبقية المخلوقات في الكتاب والسنة، وقد ورد في ذلك من الغيب ما لا يستطيع البشر معرفته بعلومهم أو عقولهم، وقد يكون منه ما يراه البشر، والعاقل من استدل بالمعلوم على الغيب. وقد كان الناس يسألون الرسول ﷺ عن ذلك فيجيبهم عما سألوا، مما يدلّ أن النفوس تشتاق لمعرفة ذلك. ومن ذلك ما ذكره البخاري عن عمران بن حصين قال: "دخلت على النبي - صلي الله عليه وسلم - وعقلت ناقتي بالباب، فأتاه ناس من بني تميم، فقال: اقبلوا البشرى يا بني تميم، قالوا: قد بشرتنا فأعطنا، مرتين، ثم دخل عليه ناس من أهل اليمن، فقال: اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله، قالوا: جئناك نسألك عن هذا الأمر [أي: الحاضر الموجود]، قال: كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض، فنادى مناد: ذهبت ناقتك يا ابن الحصين، فانطلقت فإذا هي يقطع دونها السراب فوالله لوددت أني كنت تركتها"، وروي عن طارق بن شهاب قال: سمعت عمر ﵁ يقول: قام فينا النبي - صلي الله عليه وسلم - مقامًا، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم [هي غاية قوله: "أخبرنا"؛ أي: أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئًا بعد شيء إلى أن انتهى الإخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار، ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة للتحقق المستفاد من خبر الصادق، وكان السياق يقتضي أن يقول: حتى يدخل، ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد]، وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه (١). وقد ألف علماء الإسلام في ذلك، فجمعوا ما ورد من آيات وأحاديث،

стр. 951

ورتبوها وبينوا معانيها، وليس هذا مقام ذكرها، ومن ذلك كتب التفسير في أثناء تفسير الآيات الواردة في الباب، والسنة النبوية مثل كتاب بدأ الخلق وكتاب أحاديث الأنبياء من صحيح البخاري، وكتب العقائد الإِسلامية وهي كثيرة، وكتب التاريخ الإسلامي، ومن ذلك -مثلًا- ما خصصه ابن كثير أول كتابه وآخره، البداية والنهاية، وقد جعل خلق الكون والإنسان في أوله (١). ومن المهم في هذا الباب الانتباه لمسألة الإسرائيليات التي يرويها العلماء عن بعض أمور الغيب، فقد كان المفسرون والمؤرخون يذكرون شيئًا من الإسرائيليات في هذا الباب. يقول ابن كثير في تاريخه عن مصدره: "ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام. ولسنا نذكر من الإسرائيليات إلا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وهو القسم الذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا، فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج إليه والاعتماد عليه. وإنما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبينه. وبالله المستعان وعليه التكلان" (٢). وقد ذكر مثل ذلك في أول تفسيره، فقال: "ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود

стр. 952

إلى أمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك" (١)، فهذه الإسرائيليات ذكرها العلماء دون قصد الاعتضاد، ولكن قد يختلط الأمر في زمننا على غير المتخصص، فيظن أن ذلك مما ثبت في الإِسلام، ولذا فهي في حاجة في زمننا بعد أن كثرت المشكلات إلى تحقيق وفصل بين الإِسلامي والإسرائيلي منها؛ حتى لا يقع الجاهل بالعلم الشرعي في أخطائها، ومن ثم يصدق بمقولات المتغربين الطاعنة في الغيب. وقد يكون من الحسن ذكر طريقة أحد علماء الإِسلام في مثل هذه الأبواب، وهو الإِمام البخاري صاحب الصحيح، ففي ما يتعلق بهذين المبحثين نجدهما في كتابين من كتب صحيحه، أولهما كتاب "بدء الخلق" قال ابن حجر: "ابتداؤه والمراد خلق المخلوقات" (٢)، بدأها بباب "ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، وفي الباب تأكيد لأمرين عظيمين أولهما أن العالم من خلق الله ابتداء، والثاني أن الخلق هو هيّن عليه سبحانه، وهنا أمران يُغفَلان عند أهل العلوم العصرية عند الحديث عن المخلوقات. ثم أتبعه بباب عن السموات والأرض، ثم باب عن النجوم، ثم الشمس والقمر، ثم الرياح، ينتقل بعدها لعالم آخر وهم الملائكة، ثم الجنة والنار وإبليس والجن. وفي هذا الكتاب المختصر ذكر أول الأمر وآخره". أما خلق آدم ﵇ فقد ذكره في الكتاب الذي بعده، وهو كتاب "أحاديث الأنبياء"، وذكر فيه "باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته" وأعقبه بباب "الأرواح جنود مجندة" قال ابن حجر: "للإشارة إلى أنهم ركبوا من الأجسام والأرواح" (٣)، فمن نظر في نصوص هذه الأبواب عرف مقدار عناية الإِسلام بوضع الأصول الكلية في هذا الباب وغيره. موقف المعاصرين من هذا الباب ممن طالع النظريات العلمية: إذا انتقلنا للناظرين في النظريات العلمية التي تتناول هذين البابين وطريقة تعاملهم معها أو تأثرهم بها فسنجد طائفتين لهما أهمية في هذه الفقرة: طائفة

стр. 953

ضعيفة أمام هذه النظريات، لاسيّما مع البناء العلمي الضعيف الذي يتلقاه المسلم في زمننا المعاصر، فليس عنده من العلم الشرعي ما يميز به بين الحق والباطل، ويحتك بالثقافة الغربية الفائرة في ذروة شبابه، فلا يجد بُدًّا من الاستسلام لهذه الحركة العلمية، دون قصد مخالفة الدين. وقد تُعالج هذه الحالة بوجود عمل إسلامي في حقل التأصيل للمعارف الحديثة مثل مشروعات التأصيل الإسلامي ومشروعات إسلامية المعرفة وغيرها، وهي نافعة لمثل هؤلاء؛ لأن مشكلتهم تزداد، ويزداد عددهم داخل العلوم العصرية، مع استسلام من قِبَلهم لحركة العلم المعاصرة، فما لم يظهر مشروع قوي للتأصيل الإِسلامي، فسيكونون كتلة مستقبلية كبيرة يصعب تصحيح وضعها، وقد يشكّلون أداة دعم لعناصر التغريب دون قصد منهم. أما الطائفة الأسوأ في هذا الباب فهم المتغربون بشتى مدارسهم، وهؤلاء بعد اطلاعهم على النظريات الحديثة، ثم انخراطهم في تقليد تيارات الفكر العلمانية الغربية، قد يجدون في مثل هذه النظريات العلمية أداة لهدم الدين أكثر من كونها نظرية في مجال علمي، والحقيقة أن محاولة الاستحواذ على النظريات العلمية واستغلالها في الصراعات الدينية والفكرية أمر سائد في العصر الحديث، وقد بلغت ذروتها في الغرب مع بروز المعسكرين الرأسمالي والشيوعي في القرن الماضي، حيث تحمس المعسكر الشيوعي لنظريات معينة؛ ليس لأنها علمية فقط؛ بل لأنها تخدم رؤيتهم الأيديولوجية، وتحمس الرأسماليون لغيرها؛ لأنها تخدم رؤيتهم الفكرية ومصالحهم، وقد يشتركون في نظرية، ولكن كل جهة تفسرها بما يناسبها (١)، ويعود السبب لأمرين: لاشتهار العلم من جهة في التعبير عن الحقائق وفي الوصول للفوائد، ولاشتهار التيارات الفكرية الناشطة في الدعوة لمبادئها، فاستعانت التيارات بالعلم في صراعاتها الفكرية. وعندما ظهرت التيارات التغريبية العربية وجدت تجربة كبيرة أمامها وقدوة تقتدي بها، فنقلت ذاك الصراع الفكري إلى العالم الإِسلامي، واستعانت بتلك النظريات في معاركها. ولكن مع تحويل النظريات إلى أداة للصراع يختلف الوضع؛ لأن التركيز لا

стр. 954

ينصب على الحقيقة في النظرية بل ينصب على المشتبه منها غالبًا؛ لأنه الأداة الأنسب في الصراع، ومن ذلك ما نجده مع المتغربين العرب، لاسيّما في باب عظيم مثل باب العقيدة. فإنه لما فيه من غيب يصعب الاكتفاء فيه بالعقل أو الحس، فلابد فيه من الخبر الصحيح، يصبح فرصة للمتغربين وأصحاب الأهواء، فيطعنون في الدين من خلال الطعن في الغيب وذلك بذكر النظريات العلمية المخالفة له، فيلبسون على الخلق بهذه الطريقة، مع أنهم وبسبب الصراع يركزون على الجانب المشكل في النظريات ويتركون القطعي من العلوم؛ وذلك أن الأول يفيدهم بخلاف الثاني فهو ضدّهم. وقد كان هؤلاء يسرحون لوحدهم بداية الأمر لأسباب سبق ذكرها (١)، فنشروا الكثير من الشبهات في مجلاتهم وفي الكتب وفي تياراتهم التابعة لهم. الضعف والجهل هما مشكلة الطائفة الأولى، بخلاف الطائفة الثانية فمشكلتها الهوى والجهل، وهنا يأتي الفكر الإِسلامي بمشروعه لرفع الضعف ودفع الهوى، فمع الأول بنشر العلم الشرعي الذي يرفع الضعف، ويعيد الثقة في نفوس الناس بدينهم وبأنفسهم، ومع الثاني بنشر العلم النافع العصري الذي يكشف تلاعب المتلاعبين بالعلوم العصرية، مع ما يصاحب ذلك من جهود فكرية أخرى. نجد من بين أبرز الموضوعات التي يهتم بها العلم الحديث ويطرح العلماء نظرياتهم المختلفة حولها بابين كبيرين هما: "باب بداية الخلق ووجود الكون، وباب خلق آدم ﵇ وأصل الإنسان"، ويمكن استعراض كتابة حديثة نسبيًا حول هذا الموضوع، تجمع في تسلسل مثل هذه المخلوقات. يقول الدكتور هاني رزق: "يمكن تلخيص التسلسل الزمني لمراحل التطور الموجّه على النحو التالي: - اللحظة صفر "١٠ (- ٤٥) ثانية": حدوث الانفجار الأعظم، بدء الزمن، درجة الحرارة تساوي "١٠ (٣٧) درجة". - نهاية الثانية الأولى: تحول الطاقة إلى مادة، ولادة القوى الطبيعية

стр. 955

الأربع، حجم الكون أكبر بقليل من حجم المجموعة الشمسية الحالية. - مئة ثانية: تكون نوى الهدروجين، والهليوم، وبعض نوى المعادن الخفيفة المشتقة من هذين العنصرين. - ثلاثة آلاف عام: تكون ذرات العناصر، انتثار الركام أو السديم الكوني، تكون بذور المجرات. - مليار عام: تكون المجرات، حجم الكون أصغر بقليل من حجمه الحالي، ودرجة حرارته تساوي قرابة ٧.٢ كلفن أو درجة مطلقة. - ٨.٤ مليار عام: ولادة المجموعة الشمسية ومعها الأرض "التي أصبح عمرها الآن ٤.٦ مليار عام". - ٦٠٠ مليون عام عمر الأرض "قبل ٤ مليار عام": تتالي الكوارث الثلاث على الأرض: ١ - الرجم بأمطار هائلة من الشهب والنيازك وكتل الصخور الهائلة. ٢ - تجمد كل ما على سطح الأرض بسبب ضعف حرارة الشمس الفتية وإشعاعها. ٣ - اجتياح عواصف الأكسجين السام لجوها، ونشوء "حياة" الصلصال ذات التقانة الخفيضة. - "٨٠٠" مليون عام عمر الأرض "قبل ٣.٨ مليار عام": سيادة عالم RNA . ARN ذي التقانة الرفيعة. - ٩٠٠ مليون عام عمر الأرض "قبل ٣.٧ مليار عام": بدء بداية عالم DNA . ADN، استمرار حياة ARN .RNA. - ٣٤٠٠ مليون عام عمر الأرض "قبل ١.٢ مليار عام": انفصال المملكة الحيوانية عن المملكة النباتية، سيادة عالم, DNA . ADN ، واستمرار حياة، , RNA. ARN. - ٤١٠٠ مليون عام عمر الأرض "قبل ٥٠٠ مليون عام": الانفجار الأعظم "الكمبري" لعالم الحيوان، ظهور التصاميم الأساسية لمخططات أجسام حيوانات اليوم. - قبل ثلاثة ملايين عام: بدء بدايات ظهور الإنسان القديم.

стр. 956

- قبل خمسين ألف عام: ظهور الإنسان العاقل "الحالي"، بدء تشكل الجمهرات البشرية وهجرتها" (١). فمثل هذا العرض يقفز على ما ورد ذكره في الوحي، ولا ينتبه له، كما أن في العرض شيئًا من إهمال بعض معاني الربوبية باستثناء ما يذكره من رعاية الله لنوع من التطور الموجه، فهو يسير وفق تطور عجيب، ويمكن أن يكون ذلك صدفة، فيذكر الرب هنا كتفسير لمثل هذا التطور. كما أن المشكلة تتعمق مع التصور عن الجانب الديني من الموضوع والجانب العلمي فيه، فقد عرض الكاتب في أكثر من موضع تجاور الرؤيتين الدينية والعلمية لكن النتيجة في النهاية للمتأمل هي للعلم الوضعي، فبعد عرضه لنظرية الانفجار العظيم ذكر استنتاجًا له أهميته -كما يقول- للفكر البشري "ونعني بذلك تلازم الإيمان والعلم وتناسقهما في سيادتيهما على الفكر البشري، ومن ثمّ غياب أي تناقض جوهري بينهما. وعلى الرغم من أن لكل من الإيمان والعلم سيادته الخاصة على عقل الإنسان ومنحى تفكيره، فإن الطراز المعياري للانفجار الأعظم "أو خلق الكون" يوحد هذه السيادة، التي هي ظاهريًا فقط ذات شقين، إنما في كينونة واحدة. فكلما تعمقنا في فهم الحقائق العلمية، كلما اقتربنا من الإيمان أكثر، وما من تفسير إلا وبعده تفسير أعمق" (٢). وفي محاولته بحث سبب التعارض في هذا الباب يقول: "وربما يعود التناقض الظاهري بين الإيمان والعلم إلى حرفية التفسير. فقراءة الخطاب الإيماني يجب أن تكون رمزيًا وليس حرفيًا. وما إن نقرأ نصوص الإيمان، ونفهمها فهمًا حرفيًا، وليس على أساس أنها إشارات ورموز، حتى نقع ضحية تناقضات لا سبيل إلى حلها، ليس مع العلم فحسب، وإنما مع الإيمان نفسه، وحتى مع أنفسنا. وكذلك هي الحال في العلم، فإن اعتقادنا أن قوانينه قادرة على تفسير كل شيء، تبعدنا ليس عن الإيمان فحسب، إنما عن العلم نفسه، وتقربنا كثيرًا من حدود الجهل بحقيقة الأمور" (٣).

стр. 957

وقد استعرض إنجازات العلم المذهلة ولكنه قال: إن "العلم لا يستطيع بمفرده أن يجيب على عدد كبير من التساؤلات. . . ." (١)، وهي غالبًا تساؤلات ترتبط بالقدرة الإلهية التي أوجدت تلك الأحداث المختلفة في العالم الصغير "الذرة والخلية" والعالم الكبير "الكون بمجراته" والعالم البعيد "بداية الخلق". ولكنه لا يتجاوز ذلك إلى إثبات ما ورد في الغيب، فقد جعله رمزيًا أو قريبًا من ذلك، بينما الحقيقة عنده تكمن في العلم الطبيعي، ويكون الإيمان فقط لتفسير التحولات والتغيرات التي يستحيل على العلم قول شيء فيها. وقد يكون هذا النوع من الانحراف ناتجًا من الضعف أمام شهرة العلم وضخامته وفتنته، مما يجعل البعض يخشى مخالفته أو أن يُتهم بعدم علميته وتسليمه بالغيبيات، وقد يخف مثل هذا الافتتان عند نجاح النشاط الإِسلامي المقابل له في تأصيل الأطر العلمية وأسلمة المعرفة. قبل مواصلة الحديث مع الاتجاه التغريبي نأخذ بعض الأصول التي تبرز في هذا الباب، قد برزت بعض ملامحها في المثال السابق، وهي أصرح عند المتغربين المتطرفين، ويجدون فيها فرصة للطعن في قضايا الغيب، ومن أهمها -لاسيّما ما له علاقة بالجانب الديني- الأصول التالية: ١ - ترسيخ القول بوجود خطابين للمعرفة والوصول للحقيقة -لاسيّما في تلك المسائل التي جاء ذكرها في الوحي واهتم بها العلم، مثل: خلق الكون والحياة والإنسان- خطاب ديني وخطاب علمي، فإذا جاؤوا إلى الديني الذي تكلم عن هذه القضايا طلبوا تأويله وأن يُعدّ رمزيًا، وإذا جاؤوا إلى العلمي حكموا به وقدموه مع أنه نظريات يصعب القطع بها. والأصل هنا أن لا يصرف الخبر الديني عن ظاهرة إلا عند وجود حقائق قطعية، وهو متعذر في باب النظريات التي تبحث الماضي البعيد. وعند افتراض علمية النظريات وقيامها على تجارب ومشاهدات وحسابات متينة، فهي مع كل ذلك، وباعتراف العلماء وباعتراف فلسفة العلم، لا تتجاوز كونها نظرية ظنية لا يمكن القطع بها، وبهذا يكون المقدم عند تعارض الأدلة هو القطعي منها، وليس ما يفعله هؤلاء من وضع الظني من النظريات موضع القطعي، وصرف القطعي عن ظاهره مطلقًا،

стр. 958

فهذا من عدم الإيمان بالغيب ومن عدم الإيمان بالوحي، ومن عدم الاطمئنان لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. ٢ - امتداد الرؤية المادية العلمانية إلى إطار النظريات وإلى تفاصيلها، لاسيّما في أبواب الخلق والتسخير والتدبير، فهم لا يتكلمون عن عالم مخلوق وإنما عن عالم موجود، وذلك أن الحديث عن العالم الموجود يبعدهم عن الاعتراف بعالم من خلق الله تعالى (١)، ولذا يأتي الحديث في هذا الباب دون ذكرهم خلق الله لهذه العوالم، وهي مفرق طرق بين التصور الإِسلامي والتصور العلماني، فذكر العوالم المخلوقة لا يأتي في القرآن إلا مقرونًا بخالقه ومدبره ومسخره وربه ومليكه، وقد استبدل الاتجاه المادي هذا الخالق سبحانه بالطبيعة، فهي التي تقوم بكل الأدوار التي جاء نسبتها في القرآن لرب العالمين، وهذا في الأمور الجارية على سنن ثابتة، أما البدايات لكل شيء أو التغيرات فتنسب للصدفة، وقد صيغت كثير من النظريات، ومن ثم الكتب العلمية وفق هذا المنظور، فيتم الحديث عن هذا العالم المخلوق وكأنه دون خالق، إنما هو آلة محكمة تدير نفسها بنفسها، وعند وجود تغير أو تحول فالذي لا يخضع منها لمنطق العلم وقوانينه، ومن ثم للطبيعة فيحال للصدفة، وقد أراد بعضهم إثبات مثل هذا الرأي في الصدفة بمنطق العلم الرياضي (٢)، ومن ذلك هذه الصدفة التي وقعت بخروج الخلية الحية من المادة، مع أن من نظر في عالم الخلية اليوم يعلم كم هي عالم عجيب تلك الخلية، يقول بوكاي: "ومثل هذا القول يساوي تمامًا في أهميته القول بأن إمكانية تكوين جزيئات الصلب من خام الحديد والفحم تحت درجات الحرارة العالية يمكن أن تؤدي -بصورة عفوية- إلى تشييد برج إيفل .. عبر سلسلة من المصادفات الموفقة التي عملت على تجميع المواد في وضعها الصحيح. ومع ذلك فوجه الشبه في المقارنة ضعيف جدًا؛ لأن تعقد التركيب في أي من الأحياء الأولية يفوق -بالفعل- تركيب برج إيفل. . . ." (٣)،

стр. 959

بل إن بعض الماديين رفضها وإن تحول إلى لا أدرية مثل البيولوجي الروسي "أوبارين" حيث كتب عن صدفة ظهور الحياة: "إن ذلك يشبه تمامًا أن يمسك أحدهم بقطع كتب على كل منها حروف الهجاء المعروفة، فيخلطها معًا، ثم يبعثرها على الأرض يحدوه الأمل في أن تسقط مصوغة شعرًا موزونًا مقفى. ومن نافلة القول: إن لصناعة الشعر من الأحرف مسارًا آخر -حيث لا تتولد القصائد عن الأحرف بغير المعرفة والتضلع في النظم وترتيب الحروف" (١). أما في التصور الإِسلامي فيقوم على إثبات عالمٍ مخلوق، خلق بالحق، من قبل العليم الحكيم القوي القدير سبحانه، ومما ورد من الآيات في ذلك قوله -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠]، وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥]، وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤]، وقال -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)﴾ [الأنعام: ١ - ٢]، وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

стр. 960

وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال -تعالى-: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥]، وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٣]. وقد جمع الله لنا مخلوقاته الثلاثة: الكون والإنسان والحيوان فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ [النحل: ٣ - ٥]، وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾ [النور: ٤٥]، وقال -تعالى-: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ [يس: ٣٦]، وقال -تعالى-: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٥ - ٦]، وعشرات الآيات التي لا يأتي ذكر عالم المخلوقات إلا وقُرنت بخلق الله لها وتسخيره وتدبيره وملكه وفعله سبحانه. ٣ - قيام النظريات في بعض أجزائها على مخالفة صريحة لما ثبت بالوحي، وغالب ذلك من أثر المادية والإلحاد الذي ساد في الفكر الغربي مع ازدهار العلوم الطبيعية في بيئاتهم، ومن أشهر الأمثلة إنكارهم لخلق الإنسان المستقل، وقد برز ذلك بعد ظهور نظرية داروين، وأهم ما ينكرونه ما ورد من خبر الوحي عن خلق آدم ﵇ ونزوله إلى الأرض، وهي مسألة لا يمكن للعلم أن يصل فيها إلى شيء؛ لأنها من خبر الغيب المحض، ويتبع ذلك ما نجده من مزاعم لوجود صورة بدائية للإنسان لم يكتمل فيها عقله وتركيبة جسده، ثم جاء

стр. 961

زمن ظهر فيه الإنسان بالصورة التي هو عليها اليوم. وهذا مخالف لما جاء في الوحي، فقد خلق الله آدم في أحسن تقويم، وأنزله الله الأرض وأسكنه فيها وهو بهذه الحال. مع العلم أن ما يقولونه في هذا الباب ليس من العلم المقطوع به حتى في دائرة العلم، ولكنه نظريات تقدم كمحاولة للتفسير، وهي في ظل من غاب عنهم هدي السماء مشهورة ومعروفة ولا يمكن منعها، فستبقى نظرياتهم تظهر، مع العلم أن حركة العلم المعاصرة بدأت تنفض يديها من بقايا نظرية داروين، ولكن لا يشترط دائمًا في البديل أن يقترب من الوحي، رغم أن أشهر النظريات مخالفة هي تلك التي تعترف بالخلق الإلهي، ولكن ذلك هو حاصل جهد البحث العقلي والعلمي بعيدًا عن الاهتداء بهدي الوحي، ولذا لا يعوّل عليها، وقد تظهر تيارات إلحادية تعصف بحركة العلم نحو الإلحاد. بل من الأمور الأكثر بشارة بتحسن مسار هذا النوع حتى مع أصحاب القول بالخلق الإلهي، هو تلك الدراسات التي ظهرت في الغرب وتثبت أن القطعي من الاكتشافات العلمية في باب الكائنات الحية، يتفق اتفاقًا واضحًا ما ورد ذكره في القرآن الكريم، ومن بين تلك الدراسات ما قدمه الدكتور "موريس بوكاي" "ما أصل الإنسان؟ إجابات العلم والكتب المقدسة" و"القرآن الكريم والعلم العصري"، وبقدر ما نجد من مبشرات في هجر الأقوال المادية الإلحادية بقدر ما أجد عدم جدوى الانسياق خلفها، فما جاء في القرآن هو الأصل، وهو منطلق الرؤية الإِسلامية، وكل جهود ملاحقة النظريات العلمية محفوفة بالمخاطر، ولكنها تأخذ أهميتها في بيان بطلان الاتجاه المادي وأهم من ذلك في بيان نسبية النظريات ومحدوديتها، وبهذا فهي لا تعتبر حجة في رفض الحق الديني، ولا يصح التسرع في تأويل النصوص الشرعية من أجلها. ٤ - تدخل تفاصيل النظريات العلمية حول وجود الكون والحياة والإنسان في باب الكيفيات، ويقاس فيها -غالبًا- الماضي البعيد على الحاضر، وهذا النوع غالبه غير قطعي من جهة علمية، وغير قطعي من جهة دينية، فهو من جهة علمية من غير القطعيات، فهو أحد الأجوبة المقدمة، وقد يأتي غيره، وقد يُكتشف خطؤه، وقد يتغير أو يتطور، وسنجد حول نشوء الكون أكثر من نظرية (١)، وكذا حول أصل

стр. 962

الحياة (١)، وكلها تتنافس في هذا الباب، وهو من جهة دينية مما لا يمكن القول فيه بقول قاطع لعدم ورود نص صحيح صريح حول الكيفيات التي وقع بها الخلق للمخلوقات، منذ أن خلق الله السموات والأرض حتى اللحظة التي استطاع الإنسان اكتشاف مكونات المخلوقات المادية والحية، حتى أصغر شيء فيها من الذرة وما بداخلها في عالم المادة، ومن خلية وعالمها في عالم الكائنات الحية، ثم استطاع معرفة شيء من طريقة عملها. فلم يأت القرآن بذلك وما كان غرضه ذكر هذه التفاصيل التي يذكرها علماء الطبيعة، ولكن ورد في القرآن والسنة أصول عامة حول هذه المخلوقات، مثل خلق السموات والأرض والحياة والإنسان، ومن ذلك خلق السموات والأرض قبل الإنسان، ومن ذلك أن كل كائن حي يرجع إلى الماء، قال -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، ومن ذلك أصل الزوجين في المخلوقات الحية، قال -تعالى-: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩]، ومنها خلق الكائنات الحية من هذه الأرض ومنهم آدم الذي خلق من تراب، قال -تعالى-: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧ - ١٨]، والآيات في ذلك كثيرة. وتبقى هذه أصولًا عامة، وكل ما خالفها يعلم بطلانه، أما الكيفية فهي مما لا نعلمها؛ لأنه لم يرد فيها نص، وغالب ما يقوله أهل العلوم مما يدخل في باب الكيفيات، فإن كانت من الغيب الذي لا يمكن للبشر علمه إلا بالخبر مثل خلق آدم ﵇، فكل دعوى حوله هي من الرجم بالغيب؛ لأنه لا طريق لها إلا بالخبر، بخلاف خلق الإنسان، فقد كان أمره من الغيب النسبي، وقد جاء ذكر تفاصيل ذلك في القرآن، وكانت التفاصيل المذكورة غير ممكنة المعرفة زمن نزول القرآن، فكانت من الغيب النسبي، ثم مع تطور

стр. 963

الأجهزة الحديثة التي تُصوّر كيفيات تخلق الجنين في بطن الأم عُرف معنى تلك الآيات على وجه مفصل، وهذه من دلائل النبوة، حيث إن ما جاء في القرآن هو نفسه الذي كشفته الأجهزة، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية حول قوله -تعالى-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢]: "فذكر الخلق مطلقًا، ثم خص خلق الإنسان أنه خلقه من علق. وهذا أمر معلوم لجميع الناس، كلهم يعلمون أن الإنسان يحدث في بطن أمه، وأنه يكون من علق، وهؤلاء بنو آدم. وقوله: الإنسان هو اسم جنس يتناول جميع الناس، ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين؛ فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى، والاستدلال إنما يكون بمقدمات يعلمها المستدل. والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم، وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق. فأما خلق آدم من طين فذاك إنما علم بخبر الأنبياء أو بدلائل أخر. ولهذا ينكره طائفة من الكفار الدهرية وغيرهم الذين لا يقرون بالنبوات. وهذا بخلاف ذكر خلقه في غير هذه السورة. فإن ذاك ذكره لما يثبت النبوة وهذه السورة أول ما نزل وبها تثبت النبوة فلم يذكر فيها ما علم بالخبر، بل ذكر فيها الدليل المعلوم بالعقل والمشاهدة والأخبار المتواترة لمن لم ير العلق" (١). فما كان من الغيب الذي لا يُعلم إلا بالخبر، فهذا لا يستطيع الناس القطع فيه بشيء، وأما ما كان من الغيب النسبي، ومن ذلك بعض الكيفيات التي وقع عليها الخلق، فهذه إن جاء العلم بذكر شيء منها مما ورد ذكره في الوحي، فلابد من اجتماع علماء المسلمين من البابين: علماء الشريعة وعلماء الطبيعة، فيُخرجوا الاجتهاد الشرعي حول هذه الأمور. ومن نظر في واقع الناس اليوم عرف أهمية مثل هذا العمل، بسبب فوضى النظريات العلمية في أبواب الغيب النسبي، وقد تؤثر في الناس لاسيّما وهي موجودة في كل مكان، ومثل هذا الباب لا يكفي فيه جهد باحث، وإنما هو في حاجة لعمل مؤسسي، وقد أقام الناس مؤسسات وجمعيات في أبسط الأمور وأقلها شأنًا، فمن باب أولى أمور عظيمة مثل هذا الباب. مع أن المهتمين بهذه المجالات العلمية يعترفون بصعوبة الجزم في مثل هذه الأبواب، ومع ذلك تجد المتغربين يطرحونها بكل سهولة في

стр. 964

مقابل الدين دون تعظيم للدين، ومن ذلك ما نجده عند "رزق " حيث يقول: "مع أننا نواجه عند بحثنا لأصل الحياة "وليس لأصل الإنسان" صعوبات تماثل الصعوبات التي نصادفها عند الحديث عن أصل الكون، إلا أن بساطة العلاقة بين الطاقة والمادة، وأنواع المقاريب، والسواتل، والمسابير الفضائية، وكذلك المسرعات الضخمة التي بناها العلماء، والدراسات النظرية الرياضية والفيزيائية، حولت، كما سبق أن عرضنا، فرضية الطراز المعياري للانفجار الأعظم إلى نظرية راسخة معيارية، تستطيع تفسير أمور عديدة تطرحها الرياضيات الكونية، وتنبثق عن الدراسات، التي تجري في نطاق الفيزياء الفلكية. إن البحث عن أصل الحياة يفتقر إلى هذه الأمور كلها. ويزيد في صعوبة إجراء بحوث معمقة حول أصل الحياة تعقد الحياة نفسها مقارنًا بالمادة التي تشكلت نتيجة الانفجار الأعظم. . . . وعلى الرغم من هذه الصعوبات الجسيمة، فإن تقدم البيولوجيا الجزئية في النصف الثاني من هذا القرن، أدى إلى اختصار عدد الأسئلة التي كانت تطرح في هذا الصدد. . . ." (١)، ويقول عن أصل الأرض: "مع أن أصل الأرض ما يزال يعتوره الغموض، إلا أنه يرجح بأنها ولدت نتيجة تصادم نجم مع نجم آخر، أو مع كوكب ضخم. ولقد حدث هذا قبل ٤.٦ مليار عام. . . ." (٢)، بل هذا ما ينقل حتى من أصحاب النظريات كما نقل مثلًا عن "داروين" قوله: "إن سرّ بداية الأشياء غير قابل للحل. أما فيما يتعلق بي شخصيًا فإنني قانع بأن يكون موقفي هو موقف اللاأدري حول هذا الموضوع" (٣). بعد عرض هذه الأصول أقف مع نماذج أكثرُ تطرفًا وغلوا وأصرح في التغريب ومحاربة الدين عن طريق التكذيب بالغيب بحجة تعارضه مع العلم، أو أصرح في التبعية العمياء وتحريف أي نص غيبي لا يتوافق مع ما يتصوره علمًا. أمثلة من الانحراف حول خلق الكون: قد نجد من يعرض التصور الإِسلامي عن هذا الباب بحسب ما يفهم بعقله من الآيات الواردة، ثم يحولها كفرع تحتاج إلى أصل توافقه، بينما الحق أن

стр. 965

يكون القرآن هو الإطار، وهو الأصل، وهو السقف، وهو الرؤية، ثم يكون غيره فرعًا له، وهذا ما نجده مثلًا عند هذا الكاتب، فبعد عرضه لعدد من الآيات حول الكون قال: "يُستخلص مما سبق أن نظرة الإِسلام إلى الكون تتفق مع نظرية النشوء والارتقاء لداروين وأتباعه من الطبيعيين إلى حد بعيد. فالكون كان كتلة واحدة "رتقًا" ثم انقسمت "انفتقت" بإرادة إلهية، لعلها عن طريق الانفجار العظيم. . . ." (١)، ولولا هذا الاتفاق بحسب تصوره لقام بتحريفها كما حرف الكثير في كتابه. يقوم الاتجاه التغريبي بعرض النموذج العلمي عن وجود الكون والحياة والإنسان بوصفها منافسًا لما ورد في الدين، بل بديلًا حقيقيًا، ويَستثمر كل مكان مشتبه للطعن في الدين، ويُصور الأمر على أنه انتقال من الخرافة إلى العلم. فيَعرض وجود الكون والأرض والحياة والإنسان بهذا التسلسل، ثم يتبع ذلك بالتكذيب بكل أمور الغيب، ومختصر طريقتهم في ذلك هي: يأتي أولًا وجود الكون والسموات والأرض ثم الحياة والكائنات الحية ثم الإنسان، ثم يأتي بعدها تصورات الإنسان عما حوله، فبعد نمو دماغه استطاع أن يضع تصوراته حول هذه الموجودات، ولقدرة الدماغ على الخيال فهو يبتكر تصوراته بشكل أسطوري وخرافي عن هذه الموجودات التي يعجز عن معرفتها، ومن ذلك: كيف وجد الكون؟ وكيف تحدث التغيرات في الطبيعة؟ وكيف ظهر الإنسان؟ وهل هناك عوالم خفية تحيط به يرمي عليها تفسير فعل ما لم يستطع تصوره؟ ويُقحم المتغربون في هذا الباب -تبعًا للفكر الغربي العلماني- الأصول الدينية التي أُرسل بها الرسل ونزلت فيها الكتب، ويخلطون في الباب بين الحق والباطل من خلال المقارنة بين الدين الحق وبين الأديان المبدلة أو المخترعة أو البدع والانحرافات. لا يحرص الدكتور رزق -صاحب التطور الموجه- على إبراز ما يعارض الدين من النظريات العلمية، ولكنه يقع في الإشكال المنهجي من جهة تصوره للدين كرموز بينما النظريات هي حقائق، وهو يظن أنه يحسن للدين وهو يسيء له بذلك، كما أن فلسفة العلم المعاصرة لم تعد ترى النظريات ذات تعبير صرف عن حقائق موضوعية، وقد رأينا في المبحث الأول من هذا الفصل اتجاه أغلب

стр. 966

العلماء في باب العلوم الطبيعية نحو المثالية، كما رأينا في المبحث الأول من الباب الأول مقولة العوالم الثلاثة في المجال العلمي، وخلاصتها في الطرفين أن التعبير عن حقائق موضوعية في غاية الصعوبة، وأن كل ما نعبر عنه هو عن ظواهرها، وأن ما نعبر عنه إنما هو تصورات ذهنية قد تكون بعيدة عن الحقيقة الموضوعية للأشياء. وليس المقصود التسليم بهذه النتائج، بقدر ما المقصود إثبات اختلاف مؤسسي هذه المنهجيات. ويختلف عنه النموذج التغريبي الصرف الذي يحرص على رفع تلك النظريات إلى حقائق موضوعية بكل تركيبتها، ثم وضعها بديلًا عن الدين، بل أداة للتكذيب بالغيب، ومن بين الأمثلة نجد ممثلًا لما يدعى بالتيار العلمي في الفكر التغريبي وهو سلامة موسى، ونجد ممثلًا لما يدعى بالتيار الماركسي وهو صادق العظم، حيث يحرص هؤلاء في أثناء عرض النظريات العلمية عن وجود الكون والحياة والإنسان أن تكون أداةً للتكذيب بالغيب، وكل له طريقته في ذلك، ويعد "سلامة موسى" الرائد لسبقه التاريخي في نشر كل التناقضات الغربية في البيئة الفكرية، ثم جاء التخصص في الأفكار بعده، حيث برزت اتجاهات فكرية متخصصة. يبدأ "موسى" في ذكر أصل الكون بحسب ما تقوله النظريات الحديثة، وهو يتكلم على عالم دون خالق له، ينظر في قوى الكون الخاصة وطريقتها في التكوين وطريقتها في تدبير أمرها وطريقتها في إحداث التغييرات والتحولات، وأن الكون كان كتلة واحدة قبل ملايين السنين، ثم انفجرت هذه الكتلة فنشأت منها المجرات، ومن الملاحظ وجود نجوم تولد وأخرى تموت ومثلها سيكون مصير مجرتنا ومجموعتها الشمسية، ولكن ذلك يستغرق ملايين السنين، وقد ظهرت ظروف جعلت من الأرض مكانًا مناسبًا للحياة، ويقطع بوجود كثير مثلها تتبع نجومًا أخرى كما تتبع الأرض نجم الشمس، وقد بدأت الحياة من الماء عبر كائنات صغيرة، بدأت تتجاوز الماء نحو اليابسة، وقد احتاجت لتحقيق مغامرتها الجديدة إلى تغير في خياشيمها، وإلى تحولات في أطرافها تساعدها على المشي، فظهرت البرمائيات متكيفة مع الوضع الجديد، وبدأت حياة جديدة على الأرض، تطورت عبر ملايين السنين حتى وصلت للإنسان (١)، حيث وصل تطور

стр. 967

تلك الكائنات إلى خمسة تُعد الأكثر تطورًا "نحن خمسة ليس لنا سادس، قد افترقنا منذ أكثر من مليون سنة، ولكننا ما زلنا نذكر قرابتنا وندل عليها بالوجوه وسائر الأعضاء، وكذلك بالاتجاهات الذهنية والعاطفية. نحن البشر، ثم الشمبنزي، ثم الغوريلا، ثم الأورانج، ثم الجيبون" (١). ولنترك ما حدث للنظرية العلمية؛ لأن هذه النظرية لها مدافعون عنها ولها معارضون (٢)، ولكن لننظر إلى الأمراض التي تتسرب من خلال النظريات، لاسيّما تلك التي لها علاقة بمبحث الغيب؛ لأن هذه الأمراض هي متواصلة مع كل نظرية ترتبط بمن لا يؤمن بالله، وأهمها في القسم الأول مما يطرحه موسى هنا: تفسير نشأة الكون والحياة تفسيرًا ماديًا، الطبيعة تُكوّن نفسها بقواها الخاصة وتُطور نفسها وتغير في مكوناتها، لا وجود هنا للخالق المالك المدبر الفعال لما يريد؛ لأنه عند الماديين لا وجود إلا للمادة، هي الوجود الحقيقي، ولها قواها الخاصة التي تدبر وجودها. وبعيدًا عن صحة مكونات النظريات العلمية هذه أو تلك -فذاك ميدان العلوم إلا ما علم بطلانه دينيًا- فمن المتفق عليه فساد التصورات المادية التي يتحرك فيها مثل هذا العرض. حيث يُصور تكون الكون والحياة والإنسان حادثًا بالصدفة وبقواه الخاصة. ويرتبط بهذا الانحراف المادي حول وجود الكون والحياة والإنسان انحراف أكثر مادية وإلحادًا حول قضايا الغيب الأخرى: فالوعي بقضايا الغيب يرتبط بالإنسان، فهو الذي يشعر بالغيب وهو المكلف بالإيمان بالغيب، فكيف يطرحه هذا النموذج من خلال عرضه لنشوء الكون والإنسان؟ باختصار، سكن الإنسان مع الأربعة السابقين على الشجر في الغابات، مما هيأ لنمو يديه للتسلق ورجليه للمشي، ثم ترك الشجر ونزل للسهول، وارتبط بذلك تطور آخر لأعضائه، ولاسيّما الشم والسمع والنظر، وأصبحت من وسائل معرفته، بينما اليد والرجل تساعده في العمل والحركة، وبسبب حاجتهم للتعاون

стр. 968

في السهول للصيد ظهرت اللغة، فهو قبلها كان مثل الحيوانات دون لغة، ومع وسائل المعرفة ومع اللغة كبر الدماغ، وقد أدى اجتماعهم للصيد والرعي والزراعة في تكوين مجتمع نمت فيه عادات وخرافات، وفي هذه المرحلة جاء الإيمان بالله، وقبلها لم يكن هناك إيمان به كما أنه لم يكن له لغة، وذلك أن الصيد خطر، والصائد عرضة لأن يكون فريسة ما يصيد، فعمّ الخوف الصائدين مما حملهم على التشبث بأية عقيدة تلهمهم الاطمئنان، ومعها ظهر الإيمان بالغيبيات (١)، وكما يقول: "وجد البشر، منذ شرعوا يفكرون، أنهم في حاجة إلى الإيمان بغيبيات تقوم مقام الاقتناع بالمنطق؛ لأن وسائل المنطق لم تكن مكملة لديهم. ولذلك سلموا أو آمنوا بأشياء كثيرة، بما أسموه "ما وراء المادة". ومهما يكن اختلافهم في هذه الغيبيات فإنهم أجمعوا على اتخاذ عقائد ارتضوها ووجدوا فيها طمأنينة أو وسيلة للخير والعدل" (٢)، وهذه الغيبيات هي ما يريد الاتجاه التغريبي المتطرف هدمها، وقد اتخذ مثل هذه النظريات لهدمها، وهو لا يفرق بين الغيب الحق الذي جاء به الأنبياء، وبين الغيب الذي اخترعته عقول الناس؛ لأنهم أصلًا لا يقرون بدين أو بأنبياء، وبهذا فهم يتبنون مثل هذه النظريات ليس لعلميتها، وإنما لمثل هذه الأبعاد الفكرية القائمة على الرغبة في هدم الدين والغيب، يقول أحدهم عن انعكاس مثل هذه النظريات على "موسى": "اكتشفنا أن انعكاس نظرية التطور على الحركة الفكرية المصرية، هو "التفريج الكظوم"، هو "الانتقام"، هو الثورة العارمة على الغيبيات والثقافة الدينية" (٣). باب خلق آدم ﵇ وأصل الإنسان: بحسب الأمثلة السابقة يأتي الإنسان في مرحلة متأخرة، يستوي في ذلك صاحب النظرة المتحفظة وصاحب النظرة المتطرفة، فبعد ملايين السنين تكونت المجموعة الشمسية وأرضها، ثم ولدت فيها الحياة، وكانت البداية بالنبات ثم الحيوان ثم الإنسان. ويتفق الجميع على إهمال قصة خلق آدم ﵇ أو إنكارها،

стр. 969

وذلك أن تلك القصة كما وردت في الوحي هي من أنباء الغيب، ولا يمكن معرفتها إلا بطريق الوحي، فمن كذّب بالوحي أو نفى مصدريته للمعرفة واكتفى بالحس فمن المؤكد عدم تسليمه بما جاء في الوحي، وإن كان النافي قد يكون معه غيبيات (١) لا يمكن التحقق منها. لقد ورد ذكر قصة خلق آدم ﵇ أبي البشر في آيات منها ما ورد بتفصيل في سورة البقرة فقال -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ [البقرة: ٣٠ - ٣٨]. في هذه الآيات ذكر هذا الحدث الغيبي العظيم بخلق هذا الإنسان بما ركب من عجائب تحار فيها العقول، وصدق الله العظيم: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]، وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ [الحجر: ٢٦ - ٣٣]، وقال -تعالى-: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)

стр. 970

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧١ - ٧٦]، وقد وردت في سورة الأعراف [الأعراف: ١١، ١٢]، وغيرها من الآيات. فهذا حدث غيبي لا يمكن للبشر معرفته إلا عن طريق الوحي، ومن نفاه من الملحدين فحجته فقط أنه لا يستطيع إثبات ذلك بعقله أو بالحس، ومعلوم أن ذلك غير ممكن للبشر، فحجة الملحدين هنا هي عدم دلالة الدليل المعين، وقد سبق أن عدم دلالة الدليل المعين لا تعني عدم المدلول المعين، ويدخل مع ذلك بقية الغيبيات المطلقة مثل: العرش واللوح المحفوظ والقلم وبقية المخلوقات السماوية. وإذا عدنا لمشكلة المتغربين في هذا الباب فقد كانت بحق أول مشكلة أثاروها ونالت شهرة كبيرة، وذاك يختلف عما حدث في الغرب، فقد كانت أول نظرية سببت الإشكال في الغرب هي نظرية الفلك الجديدة، ومنذ ذاك الوقت والسائد في العقلية الغربية توقع التعارض بين الدين والعلم، وقد استغل الاتجاه الإلحادي المادي مثل هذه الثغرة لجعل كل ما ينتمي للحقل العلمي له القوة نفسها، والتي تتميز بها الحقائق العلمية، فكلما ظهرت نظرية تنتمي للعلم وخالفت الدين، رفع الماديون عقيرتهم: ها هي المشكلة القديمة نفسها تتكرر، مع العلم أنه ليس كل ما ينتمي لمجال العلم هو من العلم، ففيه ما هو طرح مؤقت أو مبدئي ويحتاج لمزيد من البحث والتحقق، وبقي الأمر على هذه الحال حتى جاءت نظرية التطور الدارونية التي وقع لها من الشهرة ومن التأثير ما لم يقع لغيرها، وأثارت من الصراع والجدال ما لم يثره غيرها، وربما هذا دليل واضح على الثغرات التي فيها، فلو كانت حقيقة علمية بيّنة يمكن التحقق منها ما وقع كل ذلك الصراع، بل ما ظهر من دائرة العلم ذاته من يرفضها كل ذاك الرفض القاطع، وعندها يبقى الإصرار على نشرها مما يدل على البعد المذهبي والأيديولوجي أكثر من الجانب العلمي. وكما يقول "أورخان علي": "وهناك ظاهرة تلفت النظر في موضوع نظرية التطور؛ لأن هذه النظرية خرجت من كونها نظرية علمية قابلة للصواب أو الخطأ، إذ تحولت إلى "أيدلوجية" يدافع عنها أنصارها، ولا يترددون حتى في

стр. 971

القيام بعمليات تزوير مشينة من الناحية العلمية والأخلاقية، وهذا ما لا نراه في النظريات العلمية الأخرى، فلا نرى عالمًا في الفيزياء أو في الكيمياء أو في أي علم من العلوم يقوم بعملية تزوير لإثبات صحة نظريته أو صحة القانون الذي اكتشفه؛ لأن غاية العلم هي الوصول إلى الحقيقة. بينما نرى أن عمليات التزوير العلمية منحصرة في موضوع نظرية التطور فقط"، ثم استعرض بعض هذه العمليات التزويرية (١)، ومن بين الأسباب لمثل هذه التحمس كما يذكر بعض الغربيين عدم وجود بديل عنها سوى البديل الديني القائل بخلق الإنسان، يقول أحد الغربيين: "إن نظرية النشوء والارتقاء غير ثابتة علميًا ولا سبيل إلى إثباتها بالبرهان. ونحن لا نؤمن بها إلا لأن الخيار الوحيد بعد ذلك هو الإيمان بالخلق الخاص المباشر، وهذا ما لا يمكن حتى مجرد التفكير فيه" (٢). وقد كانت هذه النظرية أول نظرية دخلت العالم الإِسلامي بقوة، وأحدثت لفترة طويلة مشكلات كبيرة داخل الفكر العربي والإِسلامي (٣)، وفي النظرية جوانب إشكالية وإلحادية خطيرة، وهذه الجوانب منها تجذب مرضى القلوب، فمعلوم أن النظرية برزت في إطار مادي علماني، وقد امتدت الرؤية المادية إلى مكونات كثيرة من هذه النظرية، لاسيّما مع الدارونية المذهبية، ومن ذلك: إنكار خلق آدم ﵇ صراحة أو هو من لازم النظرية، وإنكار مبدأ الخلق ذاته، والقول بفاعلية للطبيعة ذاتية مستقلة عن خالقها، والقول بالصدفة لتفسير عدد من الثغرات التي لا يجدون لها جوابًا، والقول بتطور لملايين السنين من بداية الخلية الأولى إلى الإنسان الحالي، ومن آثارها الخطيرة عدم التفريق بين الإنسان الذي خلق في أحسن تقويم وبين الحيوان، وما ترتب على ذلك من أبعاد أخلاقية خطيرة، وغيرها من المشكلات (٤)؛ أي: أن الذي ترتب على النظرية قضايا كثيرة، ولم

стр. 972

تعد المسألة بحثًا علميًا يدخل في دائرة البحث العلمي من قومٍ لا يجدون مرجعية عليا توجه التصور والتفكير والعمل، وإنما تجاوزت ذلك إلى تصورات وعمليات كثيرة. وتثار هذه النظرية من قبل المتغربين بمثل هذه المشكلات، لاسيّما في اتخاذها أداةً للتكذيب بالدين والطعن فيه، ومن ذلك التكذيب بخلق الإنسان، والتكذيب بخلق آدم ﵇، وكذا يتخذونها أداةً لإثبات التعارض بين الدين والعلم، فتجد أحدهم يسب الدين متذرعًا بمثل هذه النظرية، فوقع المحذور من جهتين: من جهة التكذيب بالغيب ومن جهة رفع دعوى التعارض، وهما بابان خطيران على الدين وفيه، فما جاءت الانحرافات الكبرى إلا ممن كذب بالغيب، وقد يصل بصاحبه إلى التكذيب بكل الغيب وبهذا يقع إبطال الدين، ومثله من ادعى التعارض؛ لأنه هنا يقيم دعوى التعارض بين الدين والعلم، والعلم في أذهان الناس مرتبي بالحقائق الموضوعية، فيقع من ذلك استهانة بأمر الدين عند الجاهل بالدين وغيبه والجاهل بالعلم الحديث ومشكلاته، وهذه نماذج من هذه الانحرافات الخطيرة التي انطلقت من خلال الاتكاء على نظرية علمية حول أصل الإنسان. كانت بداية ذلك مع طائفة من المتغربين تبنوا ما هو أوسع من النظرية وهو المذهب الداروني، ومن أولئك شبلي شميل الذي ينكر الخلق الإلهي لكل شيء، بما في ذلك الإنسان "فالخلق إبداع في مصنع الطبيعة"، وأما عدم قدرة العلم على إثبات التولد الذاتي؛ أي: الحياة من الجماد، فلا يعني ذلك التسليم للقائلين بالخلق (١). وتبعه في ذلك سلامة موسى فهو يسير مع النظرية من بدايتها لنهايتها

стр. 973

متحملًا كل أبعادها المادية، فقد نشأت الحياة في الماء، ثم تطورت تلك الخلية حتى تحولت إلى حيوان بحري ثم حيوان بحواس تمكنه الخروج من الماء، وتطور على الأرض (١) إلى أن يصل إلى الإنسان "نحن خمسة ليس لنا سادس، قد افترقنا منذ أكثر من مليون سنة. ولكننا ما زلنا نذكر قرابتنا وتدل عليها بالوجوه وسائر الأعضاء (٢). . . .، عشنا آلاف القرون على الأشجار، ثم تركناها بصحبة الغوريلا، وعندما تركنا الأشجار بدأ التطور يدخل أجهزتنا، وعبر مئات السنين أصبحنا على ما نحن عليه، وكل ذلك حدث في الطبيعة وبها، وكل ما سوى ذلك هو من الغيبيات التي ولدت في فترة بدائية من حياة الإنسان" (٣). وقد أصبحت النظرية بعد ذلك أداة للتكذيب بالغيب أو أداة لترسيخ التعارض بين الدين والعلم، من خلال التكذيب بخلق آدم ﵇، وكما سبق فإن حجتهم هنا فقط تقوم على عدم دلالة الدليل المعين؛ لأن المسألة ترتبط بالغيب، والغيب لا طريق له سوى الخبر الصحيح، والخبر الصحيح حجة عند كل العقلاء، وبهذا لم تعد المشكلة مع النظرية يرتكز في جانبها العلمي؛ لأن النظرية لا تستطيع تقديم اليقين في الجانب الحسي، فكيف بها في الباب الغيبي، ولكن المشكلة في تحولها إلى أداة، والتلبيس على الناس، وبثّ التشويش على عقائدهم. ومن بين الأمثلة على قوم يرفعون التكذيب بخلق آدم ﵇ أداةً للتكذيب بالغيب والدين ما نجده من الدكتور "العظم"، فهو يدّعي لأفكاره تناسقها مع العلم بينما هي في حقيقتها ماركسية صرفة. ففي هجومه على من يزعم التوافق بين الإِسلام والعلم يقول: "يشدد القائلون بالتوافق التام بين الإِسلام والعلم، أن الإِسلام دين خال من الأساطير والخرافات باعتبار أنه هو والعلم واحد في النهاية. لنمحص هذا الادعاء التوفيقي بشيء من الدقة بإحالته إلى مسألة محددة تمامًا. جاء في القرآن مثلًا أن الله خلق آدم من طين، ثم أمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس، مما دعا الله إلى طرده من الجنة. هل تشكل هذه القصة

стр. 974

أسطورة أم لا؟ نريد جوابًا محددًا وحاسمًا من الموفقين وليس خطابة. هل يفترض في المسلم أن يعتقد في النصف الثاني من القرن العشرين، بأن مثل هذه الحادثة وقعت فعلًا في تاريخ الكون؟ إن كانت هذه القصة القرآنية صادقة صدقًا تامًا، وتنطبق على واقع الكون وتاريخه "إنها كلام منزل" لابد من القول: إنها تتناقض تناقضًا صريحًا مع كل معارفنا العلمية، ولا مهرب عندئذ من الاستنتاج بأن العلم الحديث على ضلال في هذه القضية. وإن لم تنطبق القصة القرآنية على الواقع ماذا تكون إذن "في نظر الموفقين"، إن لم تكن أسطورة جميلة" (١). والإجابة العامة هنا أن الأمر على ما هو عليه، إلا أنه لم يظهر أحد من علماء الإِسلام، وقال بنفي التعارض المطلق؛ وإنما علماء الإِسلام يقولون بعدم وجوده بين النص الصحيح الصريح وبين العلم الصحيح الصريح، أما ما ليس بعلم، أو ما هو علم مخلوط بغيره مما ليس بعلم، فهذا قد يقع القول بالتعارض فيه، وهذا من تمام العقل والعلم والدين، والجهل هنا هو قبول كل ما جاء في الحركة العلمية والفكرية الغربية دون نظر وبحث وتدقيق، ومن المستحيل عند أي عاقل أن يقول بأنه لا يوجد تعارض بين الدين والعلم مطلقًا؛ لأن العلم ذاته يحوي مقولات ناقصة أو مشتبهة، ويوجد في دائرة العلم صور من التعارض بين نظريات علمية أو بين أجزاء من مكوناتها، ومن باب أولى وجوده بين تلك النظريات وبين الدين في جوانب، وإنما الأمر يتعلق بالحقائق العلمية، مع العلم أن كثيرًا مما يقال له حقائق علمية يُنظَر له في فلسفة العلم المعاصرة بمعنى نسبي؛ لأن الحديث هنا عن عالم يصعب الإمساك به ووضعه تحت التجريب المباشر، ويكثر الحديث عن مثالية العلماء عندما يتحدثون عن مفاهيم غير محسوسة، فإذا كان ما يُقال عنه حقائق علمية ينظر له بمنظور نسبي فكيف بغيره مما لم يصل لدرجة عالية من التحقق، ولم يمتلك من الشواهد ما يكفي (٢). إذًا فعلماء الإِسلام يثقون في الوحي ويعرفون أنه الحق من ربهم، ولا يمكن أن يظهر في العقل أو في العلم ما يعارضه، ويقولون: إنه لا يوجد تعارض بين الدين الحق والعلم اليقيني "الحقائق العلمية"، أما الدارونية فقد رُفضت في أماكن

стр. 975

كثيرة، وحدث لها تطور داخلها، وأجزاء النظرية ومكوناتها مختلفة، أما مسألة خلق آدم وبقية أمور الغيب فهذه لا قدرة للعلم حولها، فهي خبرية محضة والحجة إنما هي في صحة الخبر. لقد أصبح أسلوب "العظم" نموذجًا يُحتذى، فهذا أحدهم في أثناء دفاعه الصارخ عن العلمانية ونقده لكل صوت إسلامي، بل يعترض أيضًا حتى على حقيقة تميّز الإِسلام عن غيره من الأديان، فيقول: "ما هو موقف الإِسلام المميّز تجاه رأي العلوم الطبيعية في مسألة النشوء والخلق؟ هل يختلف عن موقف الديانات الأخرى في هذه المسألة؟ أليس جميع الديانات قد رفضت نظرية داروين مثلًا؟ هل الإِسلام الذي لا يرى تعارضًا بين العلم والدين -كما حدث في الأديان الأخرى- على حد زعم القرضاوي -أي: الشيخ يوسف القرضاوي- أخذ موقفًا خاصًا ومتميزًا عن الديانات الأخرى واعترف بنظرية داروين بالضد من موقف هذه الديانات مثلًا؟ " (١). ومن الأمثلة التغريبية المعاصرة في هذا الباب ما نجده في موقف لويس عوض، ففي نقاشه لموقف الأفغاني من نظرية التطور ذكر أن وجود آدم يخضع حسب نظرية التطور لقوانين الطبيعة كغيره من أمور الطبيعة، وهذه النظرية كما يعترف "لويس" تنفي خلق الله سبحانه لآدم كما وردت في الوحي، كما أن فكرة قوانين الطبيعة تنفي "الفكرة السائدة في الأديان عن "الله المشخص" وتضع مكانها فكرة العلم عن "الله القانون"، أو قانون القوانين، حيث الله مساو للطبيعة وحيث الطبيعة مؤلهة" (٢)، وهو لا يعارض هذه الفكرة التي جاءت أثناء دراسته لجمال الدين الأفغاني، وحقيقة المشكلة تقوم في عدم الإيمان بالله والبحث عن بديل يمكن من خلاله تفسير الأحداث، فهو في سيرته الذاتية وأثناء حديثه عن تدين والده، يقول بأن والده أقرب لمذهب "لا أدري" ولم "يكن يؤمن بالله "المشخص" الشائع في الفهم الديني العام (؟؟)؛ أي: الله الذي يجلس على عرش الكون. . . ."، ثم ذكر انطباعه عن حقيقة ما يؤمن به والده بأنه "كان يعتقد بأن في الطبيعة قوة عظمى تتصف بالحكمة هي التي نسميها الله، وهذه القوة

стр. 976

العظمى الحكيمة تسيّر كل شيء في الوجود، وأن الشيطان ليس له وجود مشخص. . . ." (١)، فمثل هذا الانحراف الذي يلف لويس ووالده يجعله يقول بمثل هذه المقولات الفاسدة بحجة انتمائه لمنطق العلم والعقل. وكما سبق فهؤلاء مصممون على إدخال الأمور الشاذة أو المشتبهة ضمن العلم، وجعله هو الذي يتعارض مع الدين، بينما التعارض هنا هو بين الدارونية والدين، والدارونية تحمل في طياتها أشياء باطلة وأخرى خاطئة وثالثة مشتبهة أو مسكوت عنها ورابعة صحيحة، فليست شيئًا واحدًا من الوجهة العلمية، والأخطر من ذلك ما تشبعت به من بُعد مادي لا علاقة له بالعلم، ولهذا كان لعلماء الإِسلام موقفهم المميز من مثل هذه النظريات بخلاف من يقلد تقليد الأعمى. * * * القسم الثالث: دعوى مخالفة العلم لأبواب من الغيبيات فهي إما أن تكون مخالفة حقيقية ويكون الحق ما ورد في الغيب؛ لأن معنى ذلك أن ما قدمه العلم ليس من الحقائق، أو أنها دعوى فقط، وهذا النوع هو الأكثر تلبيسًا على الناس، ويتحرك فيه المنحرفون بقوة؛ لأنهم يرونه دليلًا على بطلان الغيب أو بعضه، ودليلًا على صواب موقفهم التكذيبي. وأفضل باب اتخذه المنحرفون مطية للتكذيب بالغيب باسم العلم هو باب المعجزات، ووضعوا في ذلك شُبَهًا كثيرةً، ففتنت الكثير من الخلق حتى بعض المنتسبين للشريعة، مما جعلهم يؤوّلون المعجزات حتى لا تُعارض العلم، وذلك أن العقلية العلمانية قد انحرفت في باب السببية، فتصورت حتمية جامدة لا تَغيُّر فيها، فلا أحد يستطيع تغييرها حتى من أوجدها، وعدّوا هذا أساسًا علميًا لا يمكن خرقه، ومن ذلك انتظام الكون بنظام حتمي لا يمكن خرقه، وتعد المعجزات خرقًا لهذه الحتمية، وهو أمر مستحيل في تصورهم، وبهذا تكون المعجزات وما في بابها من الغيبيات أمرًا يُبطله العلم بحسب دعواهم، وقد يضيفون لذلك دعاوى أخرى من شهاداتٍ لعلوم طبيعية لم تستطع بحسب زعمهم إثبات بعض المعجزات من مثل علم الحفريات والآثار وغيرها، إلا أن الباب

стр. 977

الأول هو الأبرز في فلسفة العلم العلمانية وهو القول بحتمية الطبيعة. ويقع الانحراف هنا من طرفين مغاليين في باب السببية، طرف جعل الكون لعبة يمكن إحداث التغيير فيه بيسر وسهولة، وهذا مثل ما يزعمه أهل الكرامات الصوفية في كل أمم الأرض، حيث ينسبون لأشخاصٍ أبوابًا عجيبة من القدرة (١)، ويصبح الكون في أيديهم ألعوبة، وتكثر عندهم الحكايات الخرافية حول إحداث تغييرات مدهشة. يقابلهم قوم غلوا في الحتمية ومنع الجواز، وجعلوا أي خرق لحتمية الطبيعة من باب المستحيلات، وكل خرق حتى ولو كان من معجزات الأنبياء، فهو غير صحيح ومخالف للعلم، وأصبح الكون معهم آلة صماء عمياء، ولا يقدر أحد على فعل شيء فيها ولو كان من خلقها. وأصحاب الموقف الثاني هم المقصود، فماذا تعني الحتمية أولًا؟ "الحتمية العلمية مبدأ يفيد عمومية القوانين الطبيعية، وثبوتها واطرادها. فلا تخلف ولا مصادفة. إذ يعني: أن نظام الكون ثابت شامل مطرد"، والحتمية في الطبيعة تمنع الجواز والإمكان، بل كل ما فيها ضروري، ولما كانت الضرورة تعني استحالة النقيض، كانت الحتمية العلمية تعني أن كل ما يحدث لابد وأن يحدث، ويستحيل أن يحدث سواه (٢). مدخل المشكلات في الباب: يأتي الانحراف في باب المعجزات من الانحراف في باب الإيمان بالله، ويأتي من أصلين خطيرين: من الإلحاد، أو من فساد التصور حول الربوبية، لاسيّما في باب قدرة الرب سبحانه. [١]- أما الملحد فقد قطع الطريق على نفسه، وأفسد عليها حياتها بإنكاره الحقيقة المطلقة. وقد اشتهر الإلحاد داخل الفكر الغربي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وإن كان قد عرف من قبل، وارتبط غالبًا بالفلسفات المادية، وتبنى

стр. 978

القول بحقيقة واحدة هي المادة والمادية، وأسس عليها مفهوم الطبيعة الأزلية الأبدية، التي لا موجد لها سواها، ومن ثمّ لا تغير فيها ولا تغيير حتى من خالقها؛ لأنه لا خالق لها عندهم، ولذا ارتبط إنكار المعجزات بالملاحدة، وإنكارهم لها مرتبط أصلًا بإلحادهم وليس بالحقائق العلمية (١). وهؤلاء مهما بلغت عقولهم وعلومهم وحقائقهم فهم من أرذل الخلق وأحطهم بصيرة، إذ قد أنكروا أشرف حقيقة وأعظمها فكيف يُقبل قولهم أو يُوثق في رأي لهم، ومع ذلك فسيتخذهم الشيطان مطية لبثّ الإلحاد ونشر الشبهات، ومقاومتهم واجبة إذا أثّرت شبهاتهم على الخلق. ومن خطر أمرهم انتشار بعض مفاهيمهم الإلحادية داخل فلسفة العلم الحديثة، ومن ذلك مفهوم الطبيعة التي لم يخلقها أحد والتي تسير بقوانينها الخاصة التي لا يمكن حدوث أي خرق لها. وهذا مُتفِق مع مذهبهم الإلحادي، فإذا كانوا لا يؤمنون بالله فمن غيره يستطيع خرق سنن الطبيعة؟ فهذا هو النموذج الفرعوني الحديث، الذي ينكر أعظم الحقائق وأصرحها وأوضحها، ومع ذلك فقد جادل نبي الله موسى ﵇ من هو مثلهم، فقد جادله موسى ﵇ وكشف كفره وكذِبه. ومع الإلحاد الحديث يظهر أهمية مواجهته من قبل المسلمين ودفع شبهاتهم التي قد تتسرب للمطلعين على العلوم العصرية ممن ليس عندهم معرفة شرعية، فيسبق لقلوبهم شيء من هذه الشبهات فتؤثر فيهم. وإن كان قد حدث انحسار للإلحاد الفج الذي برز في القرن التاسع عشر، لاسيّما بعد تهاوي المفاهيم الفلسفية المعتمدة على العلم الطبيعي التي أسسوا عليها إلحادهم، كما سبق ذكر ذلك في الباب الأول، ومع ذلك فما زالت شبهاتهم تسبح في ميدان الأفكار، ويستثمرها بعض الكارهين للإسلام أو للدين من أجل تشويهه، مما يدفع لأهمية الحذر. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: إن "الزنادقة المتأخرين الذين أنكروا وجود الباري، وأنكروا جميع ما أخبرت به الرسل والكتب السماوية من أمور الغيب، ولم يثبتوا من العلوم إلا ما وصلت إليه حواسهم وتجاربهم القاصرة على

стр. 979

بعض علوم الكون، وأنكروا ما سوى ذلك، وزعموا أن هذا العالم وهذا النظام الموجود فيه لا يمكن أن يغيره مغير، أو يغير شيئًا من أسبابه، وأنه وجد صدفة من غير إيجاد موجد، وأنه آلة تمشي بنفسها وطبيعتها، ليس لها مدبر ولا رب ولا خالق، وهؤلاء جميع أهل الأديان يعرفون مكابرتهم ومباهتتهم؛ لأنهم كما عدموا الدين بالكلية فقد اختلت عقولهم الحقيقة، إذ أنكروا أجلى الحقائق وأوضحها، وأعظمها براهين وآيات، وتاهوا بعقولهم القاصرة وآرائهم الفاسدة، هؤلاء أمرهم معلوم" (١). وقد ناقش الشيخ مصطفى صبري أمثال هؤلاء كثيرًا، واستأنس في الرد عليهم ببعض مقولات العقلاء الغربيين الذين عاصروا فتنة الإلحاد وإنكار المعجزات التي كانت من أدلة النبوات، ومن تلك الأقوال ما نقله عن شيله وريتجه: "إن الإيمان بالمعجزات لا ينفك عن الإيمان بالله"، وهي حقيقة مهمة؛ لأن من شك في المعجزة أو أنكرها، فذاك مؤشر على مشكلة تتعلق بالإيمان بالله. ونقل عن "استوارت ميل" قوله: "إن من لا يؤمن بموجود فوق الطبيعة، ولا بتدخله في شؤون العالم، لا يقبل فعل إنسان خارق للعادة على أنه معجزة، ويؤوله مطلقًا بما يخرجه عن كونه معجزة، لكن إذا أومن (٢) بالله فلا يكون تأثيره في العالم وسلطته عليه فرضية محضة بل احتمالًا جديًا. والحكم بعد تدخل الله في شؤون العالم إنما يمكن بمعرفة السنة الإلهية في الماضي، أو بمعرفة ما يلزم منطقيًا أن تكون السنة الإلهية كذلك" (٣). ونقل عن "استانلي" وهو منطقي إنجليزي: "القدرة التي خلقت العالم لا تعجز عن حذف شيء منه أو إضافة شيء إليه، ومن السهل أن يقال عنه: إنه غير متصور عند العقل، لكن الذي يقال عنه: إنه غير متصور ليس غير متصور إلى درجة وجود العالم". وعلق الشيخ: "يعني: لو لم يكن هذا العالم موجودًا، وقيل لمن ينكر المعجزات ولا يتصور وجودها: سيوجد عالم كذا، كان جوابه: إن

стр. 980

هذا غير متصور، وكان تصوره أشدّ من نفي تصور المعجزات" (١)، ونجد التنبيه القرآني الأعلى شأنًا على هذا المعنى في قوله -تعالى-: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣]، فقد عجز أن يتصور الأقل مع أن الأعظم منه أمام عينيه، ومثل ذلك في قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٦ - ٥٧]. [٢]- أما فساد التصور حول الربوبية، فيأتي من الانحراف في تصور القدرة، فبعضهم قد ترك الامتثال للوحي في باب الإيمان بالله وصفاته وأفعاله، وتأثروا بمقولات المعطلين الحديثة والقديمة، ومن ذلك تأثرهم بما شاع في الفكر المادي حول الطبيعة التي لا يمكن خرقها، ومن قال بخرقها فقد خالف العلم بحسب زعمهم. فهؤلاء عَظُمت عندهم الطبيعة حتى أصبحت هي التي تحدد قدرة الله، بينما يقوم التصور الإِسلامي على الانطلاق من الوحي في بيان صفات الله وأفعاله، فنعرفه بالطريق التي عرفنا بها بذاته وبصفاته سبحانه، ومن عظم عنده الإيمان بالله علم أنه هو خالق الكون وهو المسخر له والمدبر له وواضع السنن التي يسير بمقتضاها، وهو القادر على خرق تلك السنن متى شاء لحكمة هو يعلمها سبحانه. قال الشيخ السعدي: "آيات الأنبياء، وكرامات الأولياء، وما يخرقه الله من الآيات، ومن تغيير الأسباب، أو منع سببيتها، أو احتياجها إلى أسباب أخر، أو وجود موانع تعوقها هي من البراهين العظيمة على وحدانية الله، وأنه على كل

стр. 981

شيء قدير، وأن أقدار الله لا يخرج عنها حادث جليل ولا حقير، وأن هذه المعجزات والكرامات والتغييرات لا تنافي ما جعل الله في هذه المخلوقات من الأسباب المحسوسة والنظامات المعهودة، وإنك لا تجد لسنة الله تبديلًا ولا تحويلا؛ فإن سنن الله في جميع الحوادث السابقة واللاحقة قسمان: أحدهما: وهو جمهور الحوادث والكائنات والأحكام الشرعية والقدرية وأحكام الجزاء: لا تتغير ولا تتبدل عما يعهده الناس ويعرفون أسبابه، وهذا القسم أيضًا مندرج في قدرة الله وقضائه، ويستفاد من هذا العلم بكمال حكمة الله في خلقه وشرعه، وأن الأسباب والمسببات من سلك طرقها على وجه كامل أفضت به إلى نتائجها وثمراتها، ومن لم يسلكها أو سلكها على وجه ناقص لم يحصل له الثمرات التي رتبت على الأعمال شرعًا ولا قدرًا، وهذه توجب للعبد أن يجد ويجتهد في الأسباب الدينية والدنيوية النافعة مع استعانته بالله، والثناء على ربه في تيسيرها وتيسير أسبابها وآلاتها، وكل ما تتوقف عليه. والقسم الثاني: حوادث معجزات الأنبياء التي تواترت تواترًا لا يتواتر مثله في جميع الأخبار، وتناقلتها القرون كلها. . . . فهذا القسم ليس عند الخلق اهتداء إلى أسباب هذه الحوادث، ولا جعل لهم في الأصل وصول إلى حقيقتها وكنهها، وإنما هي حوادث قدرها الرب العظيم الذي هو على كل شيء قدير بأسباب وحكم وسنن لا يعقلها الخلق، ولا لحواسهم وتجاربهم وصول إليها بوجه من الوجوه، وبها آمن الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأتباعهم الأولون منهم والآخرون، وبها يعرف عظمة الباري، وأن نواصي العباد بيده، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويعرف بذلك صحة ما جاءت به الرسل، كما يعرف أيضًا بالقسم الأول، وكما أنه لا سبيل إلى العباد في هذه الدار إلى إدراك كنه صفات اليوم الآخر، وكنه ما في الجنة والنار، وإنما يعلمون منها ما علمتهم به الرسل، ونزلت به الكتب، ولا سبيل إلى أهل هذا الكون الأرضي للوصول إلى العالم السماوي، ولا سبيل لهم إلى إحياء الموتى وإيجاد الأرواح في الجمادات، فكذلك هذا النوع العظيم من حوادث الكون" (١).

стр. 982

يتقابل أمران عند المنحرفين في هذا الباب: أحدهما من جهة تصورهم لقدرة الله، والآخر من جهة تصورهم للإحكام والضرورة البادية في الطبيعة؛ فالأصل في الأول الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفته به رسله، وهم تصوروا قدرته بمقياسهم الخاص، فانحرفوا في ذلك، والأصل في الثاني أن يؤمن الإنسان بأن الكون من خلق الله، وأنه لا يخرج عن ملك الله، وأن ما فيه من إحكام دليل على أن من خلقه عليم حكيم، وأنه قادر على خرقه بقدرته لحكمة يعلمها سبحانه، وكما دلّ إحكام الكون على خالقه، فإن المعجزات تدل على كمال قدرته وعلى نبوة الأنبياء. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "وإن كان اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره -ويسمونها: الآيات- لكن كثيرًا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة. فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة، والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى، والأول أجود. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين. وقد أمر الرسول ﷺ أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وكذلك قال نوح ﵇: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ [هود: ٣١]. فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض. وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي العزم، كلاهما يتبرأ من ذلك" (١). وقد ورد ذكر القدرة كثيرًا في القرآن، وجاءت مقرونة بالعلم، وجاءت عقب ذكر ملكه للسماوات والأرض، وهي بيّنة ظاهرة لا ينكرها إلا جاحد، وقبل النظر في ما ورد من آيات أذكر معناها عند أهل العلم:

стр. 983

قال الشيخ محمَّد هراس: "وأما القدرة؛ فهي الصفة التي تتعلق بالممكنات إيجادًا وإعدامًا، فكل ما كان ووقع من الكائنات واقع بمشيئته وقدرته" (١). قال الشيخ ابن عثيمين حول هذه الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]: "القدرة هي وصف يتصف به الفاعل يتمكن به من الفعل دون عجز، فهو على كل شيء قدير. يقدر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، فالسماوات والأرض كانت معدومة، فخلقها الله ، وأوجدها على هذا النظام البديع. . . . وذكر الله العلم والقدرة بعد الخلق؛ لأن الخلق لا يتم إلا بعلم وقدرة" (٢). ومما جاء في اقتران القدرة بالعلم: قوله -تعالى-: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]. وقوله- تعالى-: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠]. وفي كمال قدرته سبحانه وتعلقها بكل شيء آيات كثيرة: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠ وفي آية: ١٠٦ وفي آية: ١٠٩ وفي آية: ١٤٨]، [آل عمران: ١٦٥] [النحل: ٧٧] [النور: ٤٥] [العنكبوت: ٢٠] [فاطر: ١]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] [الطلاق: ١٢]. وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] [آل عمران: ٢٩ وفي آية: ١٨٩] [المائدة: ١٧ وفي آية: ١٩ وفي آية: ٤٠] [الأنفال: ٤١] [التوبة: ٣٩] [الحشر: ٦]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] [التحريم: ٨]. وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] [هود: ٤] [الروم: ٥٠] [الشورى: ٩] [الحديد: ٢] [التغابن: ١] [الملك:١].

стр. 984

وقال -تعالى-: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. وقال -تعالى-: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] [الأحقاف: ٣٣]. وقال -تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. ومعظم المنكرين للمعجزات المكذبين بها بحجة مخالفتها للعلم، تأتي دعواهم من خلال النظر في السماوات والأرض المسخرة الثابتة على سنن لا تتغير ولا تختل، فاستحال عندهم خرقها بعد أن كشف العلم الحديث شيئًا من أسرار هذا الإحكام العجيب، وقد غفل هؤلاء أو تغافلوا أن من خلقها ووضعها بهذه السنن وبهذا التسخير، هو من خلق ما يخرق العادة من المعجزات، فهو الخالق هنا وهناك سبحانه، وهو الذي أخبرنا بهذا وذاك سبحانه، وقد جاء ذكر القدرة في آيات بعد ذكر السماوات والأرض، وفي ذلك دلالات مهمة: فعظمها يدل على الخالق القادر القوي العليم الحكيم سبحانه، والذي خلقها هو المالك لها، والمالك يتصرف في ملكه كيف شاء سبحانه، فكيف تأتي عقول قاصرة لتضع حدودًا لما يجوز في حق الله وما يمتنع عنه، دون أن يرجعوا لقوله ولما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، ولا شك أن هذا الإحكام في الكون دليل على وجود خالقه وعلى مدبره ومسخره، ولكن من تمام قدرته وملكه أن يتصرف في ملكه كيف شاء سبحانه، ومن الآيات التي ذكرت الكون العظيم ثم ختمت بالقدرة: قوله -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]. وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠]. وقال -تعالى-: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].

стр. 985

وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾ [النحل: ٧٧]. وقال -تعالى-: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾ [الحديد: ٢]. وقال -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فمن يتصف بهذه القدرة الكاملة ومن بيده الملك الكامل هو الذي جعل تلك المعجزات لأنبيائه، ويصدق بها المؤمن، أما من عَظُمت عنده الطبيعة لدرجة خروجها عن ملك الله، بظاهر قوله أم بلازمه، فما ذاك إلا من تصور مغلوط عن مفهوم الحتمية البادية في الطبيعة، ومن انحراف عظيم في باب الإيمان بالله وبرسله. نموذج من الانحراف في باب المعجزات: تأتي الطبيعة بحوادثها وحتميتها مفهومًا يتحكم برؤية هذا النموذج الآتي، تتبدى الطبيعة عنده أساسًا ثابتًا يتكسر عليه كل شيء حتى ما جاء به الوحي من معجزات الأنبياء ﵈ (١)، وقد ذكر -مثلًا- ناموس المجموعة الشمسية الذي كشفه علماء الفلك، ثم علق: "هل من المعقول أن يغيّر الله هذا الناموس، الذي هو ناموسه وناموس الكون الأبدي، كأن تشرق الشمس من مغرب الأرض، والعكس بالعكس، إكرامًا لخاطر أحد أنبيائه؟ إن مثل هذا التغيير يتضمّن تغيير وضع الكواكب في المنظومة الشمسية، بل وضع الكون كله،. . . ." (٢). الإنسان "الديني يفكر من خلال الفكر الديني الذي يقبل تحول عصا موسى إلى ثعبان حقيقي، وتفجير الماء من الصخر بضربة من عصاه، بل وتحول النار
следующие страницы →