← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

شيء قدير، وأن أقدار الله لا يخرج عنها حادث جليل ولا حقير، وأن هذه المعجزات والكرامات والتغييرات لا تنافي ما جعل الله في هذه المخلوقات من الأسباب المحسوسة والنظامات المعهودة، وإنك لا تجد لسنة الله تبديلًا ولا تحويلا؛ فإن سنن الله في جميع الحوادث السابقة واللاحقة قسمان: أحدهما: وهو جمهور الحوادث والكائنات والأحكام الشرعية والقدرية وأحكام الجزاء: لا تتغير ولا تتبدل عما يعهده الناس ويعرفون أسبابه، وهذا القسم أيضًا مندرج في قدرة الله وقضائه، ويستفاد من هذا العلم بكمال حكمة الله في خلقه وشرعه، وأن الأسباب والمسببات من سلك طرقها على وجه كامل أفضت به إلى نتائجها وثمراتها، ومن لم يسلكها أو سلكها على وجه ناقص لم يحصل له الثمرات التي رتبت على الأعمال شرعًا ولا قدرًا، وهذه توجب للعبد أن يجد ويجتهد في الأسباب الدينية والدنيوية النافعة مع استعانته بالله، والثناء على ربه في تيسيرها وتيسير أسبابها وآلاتها، وكل ما تتوقف عليه. والقسم الثاني: حوادث معجزات الأنبياء التي تواترت تواترًا لا يتواتر مثله في جميع الأخبار، وتناقلتها القرون كلها. . . . فهذا القسم ليس عند الخلق اهتداء إلى أسباب هذه الحوادث، ولا جعل لهم في الأصل وصول إلى حقيقتها وكنهها، وإنما هي حوادث قدرها الرب العظيم الذي هو على كل شيء قدير بأسباب وحكم وسنن لا يعقلها الخلق، ولا لحواسهم وتجاربهم وصول إليها بوجه من الوجوه، وبها آمن الرسل من أولهم إلى آخرهم، وأتباعهم الأولون منهم والآخرون، وبها يعرف عظمة الباري، وأن نواصي العباد بيده، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويعرف بذلك صحة ما جاءت به الرسل، كما يعرف أيضًا بالقسم الأول، وكما أنه لا سبيل إلى العباد في هذه الدار إلى إدراك كنه صفات اليوم الآخر، وكنه ما في الجنة والنار، وإنما يعلمون منها ما علمتهم به الرسل، ونزلت به الكتب، ولا سبيل إلى أهل هذا الكون الأرضي للوصول إلى العالم السماوي، ولا سبيل لهم إلى إحياء الموتى وإيجاد الأرواح في الجمادات، فكذلك هذا النوع العظيم من حوادث الكون" (١).

стр. 982

يتقابل أمران عند المنحرفين في هذا الباب: أحدهما من جهة تصورهم لقدرة الله، والآخر من جهة تصورهم للإحكام والضرورة البادية في الطبيعة؛ فالأصل في الأول الإيمان بما وصف الله به نفسه وبما وصفته به رسله، وهم تصوروا قدرته بمقياسهم الخاص، فانحرفوا في ذلك، والأصل في الثاني أن يؤمن الإنسان بأن الكون من خلق الله، وأنه لا يخرج عن ملك الله، وأن ما فيه من إحكام دليل على أن من خلقه عليم حكيم، وأنه قادر على خرقه بقدرته لحكمة يعلمها سبحانه، وكما دلّ إحكام الكون على خالقه، فإن المعجزات تدل على كمال قدرته وعلى نبوة الأنبياء. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "وإن كان اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وعرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد بن حنبل وغيره -ويسمونها: الآيات- لكن كثيرًا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي، والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة. فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة، والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى، والأول أجود. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين. وقد أمر الرسول ﷺ أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] وكذلك قال نوح ﵇: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ [هود: ٣١]. فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض. وهذا خاتم الرسل وخاتم أولي العزم، كلاهما يتبرأ من ذلك" (١). وقد ورد ذكر القدرة كثيرًا في القرآن، وجاءت مقرونة بالعلم، وجاءت عقب ذكر ملكه للسماوات والأرض، وهي بيّنة ظاهرة لا ينكرها إلا جاحد، وقبل النظر في ما ورد من آيات أذكر معناها عند أهل العلم:

стр. 983

قال الشيخ محمَّد هراس: "وأما القدرة؛ فهي الصفة التي تتعلق بالممكنات إيجادًا وإعدامًا، فكل ما كان ووقع من الكائنات واقع بمشيئته وقدرته" (١). قال الشيخ ابن عثيمين حول هذه الآية ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]: "القدرة هي وصف يتصف به الفاعل يتمكن به من الفعل دون عجز، فهو على كل شيء قدير. يقدر على إيجاد المعدوم وعلى إعدام الموجود، فالسماوات والأرض كانت معدومة، فخلقها الله ، وأوجدها على هذا النظام البديع. . . . وذكر الله العلم والقدرة بعد الخلق؛ لأن الخلق لا يتم إلا بعلم وقدرة" (٢). ومما جاء في اقتران القدرة بالعلم: قوله -تعالى-: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤]. وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٠]. وقوله- تعالى-: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٥٠]. وفي كمال قدرته سبحانه وتعلقها بكل شيء آيات كثيرة: قال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٠ وفي آية: ١٠٦ وفي آية: ١٠٩ وفي آية: ١٤٨]، [آل عمران: ١٦٥] [النحل: ٧٧] [النور: ٤٥] [العنكبوت: ٢٠] [فاطر: ١]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩] [الطلاق: ١٢]. وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] [آل عمران: ٢٩ وفي آية: ١٨٩] [المائدة: ١٧ وفي آية: ١٩ وفي آية: ٤٠] [الأنفال: ٤١] [التوبة: ٣٩] [الحشر: ٦]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦] [التحريم: ٨]. وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٠] [هود: ٤] [الروم: ٥٠] [الشورى: ٩] [الحديد: ٢] [التغابن: ١] [الملك:١].

стр. 984

وقال -تعالى-: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]. وقال -تعالى-: ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحج: ٦]. وقال -تعالى-: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩] [الأحقاف: ٣٣]. وقال -تعالى-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. ومعظم المنكرين للمعجزات المكذبين بها بحجة مخالفتها للعلم، تأتي دعواهم من خلال النظر في السماوات والأرض المسخرة الثابتة على سنن لا تتغير ولا تختل، فاستحال عندهم خرقها بعد أن كشف العلم الحديث شيئًا من أسرار هذا الإحكام العجيب، وقد غفل هؤلاء أو تغافلوا أن من خلقها ووضعها بهذه السنن وبهذا التسخير، هو من خلق ما يخرق العادة من المعجزات، فهو الخالق هنا وهناك سبحانه، وهو الذي أخبرنا بهذا وذاك سبحانه، وقد جاء ذكر القدرة في آيات بعد ذكر السماوات والأرض، وفي ذلك دلالات مهمة: فعظمها يدل على الخالق القادر القوي العليم الحكيم سبحانه، والذي خلقها هو المالك لها، والمالك يتصرف في ملكه كيف شاء سبحانه، فكيف تأتي عقول قاصرة لتضع حدودًا لما يجوز في حق الله وما يمتنع عنه، دون أن يرجعوا لقوله ولما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله، ولا شك أن هذا الإحكام في الكون دليل على وجود خالقه وعلى مدبره ومسخره، ولكن من تمام قدرته وملكه أن يتصرف في ملكه كيف شاء سبحانه، ومن الآيات التي ذكرت الكون العظيم ثم ختمت بالقدرة: قوله -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾ [آل عمران: ١٨٩]. وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٧]. وقال -تعالى-: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾ [المائدة: ٤٠]. وقال -تعالى-: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].

стр. 985

وقال -تعالى-: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾ [النحل: ٧٧]. وقال -تعالى-: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾ [الحديد: ٢]. وقال -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [فاطر: ١]. وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال -تعالى-: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١]. فمن يتصف بهذه القدرة الكاملة ومن بيده الملك الكامل هو الذي جعل تلك المعجزات لأنبيائه، ويصدق بها المؤمن، أما من عَظُمت عنده الطبيعة لدرجة خروجها عن ملك الله، بظاهر قوله أم بلازمه، فما ذاك إلا من تصور مغلوط عن مفهوم الحتمية البادية في الطبيعة، ومن انحراف عظيم في باب الإيمان بالله وبرسله. نموذج من الانحراف في باب المعجزات: تأتي الطبيعة بحوادثها وحتميتها مفهومًا يتحكم برؤية هذا النموذج الآتي، تتبدى الطبيعة عنده أساسًا ثابتًا يتكسر عليه كل شيء حتى ما جاء به الوحي من معجزات الأنبياء ﵈ (١)، وقد ذكر -مثلًا- ناموس المجموعة الشمسية الذي كشفه علماء الفلك، ثم علق: "هل من المعقول أن يغيّر الله هذا الناموس، الذي هو ناموسه وناموس الكون الأبدي، كأن تشرق الشمس من مغرب الأرض، والعكس بالعكس، إكرامًا لخاطر أحد أنبيائه؟ إن مثل هذا التغيير يتضمّن تغيير وضع الكواكب في المنظومة الشمسية، بل وضع الكون كله،. . . ." (٢). الإنسان "الديني يفكر من خلال الفكر الديني الذي يقبل تحول عصا موسى إلى ثعبان حقيقي، وتفجير الماء من الصخر بضربة من عصاه، بل وتحول النار

стр. 986

إلى برد وما شابه ذلك؛ أو بتعبير آخر: يقبل وقوع المتقابلات المتضادة على شيء واحد وفي الوقت نفسه، كأن يكون اللون الأبيض أسود، ويكون الحار باردًا" (١)، وهذا من باب التأثر بالدراسات الإنسانية التي تهتم بالإنسان وقت جهله وقبوله للخرافة والأسطورة، ومن ذلك قوله بالمتناقضات وقبوله للمستحيلات، وقد وجدوا في النماذج المنعزلة في إفريقيا وأمريكا وغابات آسيا من قبائل تقوم على أساطير عجيبة وطقوس غريبة، ثم جعلوا هذا النموذج هو كمن جاءهم الأنبياء أعلم البشر بأعظم علم (٢)، وشتان بين النموذجين، قال -تعالى-: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٤٨ - ٥٠]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. ومع مثل هذا الإنكار لوجود معجزة بسبب هذه الطبيعة الصلبة يأتي التكذيب بمعجزات الأنبياء وتأويلها بتأويل لا يقبله عاقل من الكفار فكيف يأتي مثل ذلك من مسلم! حيث تحول تلك المعجزات إلى سخافات وتقدم تلك السخافات باسم العقل: "ترى ما هو تأويل مُعجزتَي تحول العصا إلى حية أو ثعبان وصيرورة يد موسى بيضاء؟ إن ما يستخلصه العقل من المعجزة الأولى أنّ موسى أتقن فنون السحر وأنه استخدم هذا الفنّ ضد خصومه. . . ."، أما إخراج اليد البيضاء فله احتمالان: إما أنه مصاب بالبرص، أو أنه وجد صبغة بيضاء لوّن بها يده (٣). ومن عجائب مدّعي العلمية والعقلانية أن يأتي منهم ما يكشف سخافة آرائهم وبعدها عن منطق العقل، ومن ذلك مثل هذا التأويل الذي قدمه عن معجزتَي موسى ﵇، وحقيقة قوله أن موسى ﵇ لم يأت بأية معجزة، وإنما تعلم فنون السحر، والحيل السريعة، وخفة اليد، والحركة السريعة الخاطفة، "لقد

стр. 987

اعتمد موسى النبي على أعمال سحرية تبدو كالمعجزات للاستعانة بها على تصديق أتباعه. . . ." (١)، مع أن السحر من أعظم المحرمات التي حاربها الأنبياء، فانظر كيف حول هذا الرجل نبيًا من أنبياء الله إلى ساحر ومحتال، أو أنه وجد بعض الحالات العادية فاستغلها فيصف نبيًا من أنبياء الله وكأنه شخصية انتهازية تتلاعب بعقول الناس من أجل تحقيق مصلحة، وكما يقول فالمن والسلوى ليس "سوى هبة من هبات الطبيعة التي استغلها موسى، كعادته، وأعلن لشعبه بأن الله أنزلها عليهم كنتيجة لدعائه لهم، وذلك بهدف تثبيت قيادته لهم ومواصلة مسيرتهم" فما هو إلا مادة لزجة حلوة تقطر من بعض الأشجار (٢). ولماذا كل هذا التكذيب بآيات الأنبياء؟ السبب هو هذا الفهم الفاسد عن الطبيعة، طبيعة آلية صلبة لا أحد يستطيع فعل شيء فيها حتى خالقها. وكما يقول: "ونحن الذين نعرف أن نواميس الطبيعة لا تتغير "وهي بحد ذاتها معجزة"، لا يمكننا أن نصدق تحول ماء النيل إلى دم بمجرد ضربة بعصا موسى. . . . وكذلك الحال مع آفات الضفادع والذباب والبعوض وغيرها، فإنها مع حساب ما فيها من مبالغة لا تعدو كونها حوادث طبيعية. . . ." (٣)، وكما يزعم فإن معجزات موسى ﵇ لا يقبلها العقل السليم ولا يصدقها، وإنما يمكن تأويلها لتصبح معقولة (٤). تأتي الطبيعة الصلبة أيضًا وناموسها على معجزات نبي آخر من أنبياء الله وهو عيسى ﵇، فهذا الناموس الطبيعي يجعل "من المتعذر أن يكون للإنسان غير المتعلم أو المتدرّب قدرة على صنع الشفاء؛ لأن الأمراض موضوع عِلْم عظيم هو علم الطب الذي لم يكن المسيح ضليعًا به. ولا يعقل أن يشفى المريض بمجرد تعلّقه بثوب المسيح. . . . ولا يمكن أن يشفى الأعمى من عماه بمجرد لمس المسيح لعينيه. وكذلك الأمر، من المستحيل أن يكون للمسيح أو أي إنسان آخر قدرة على إحياء الموتى الحقيقيين. . . ." (٥)، ولكن هذه

стр. 988

المستحيلات هي التي جعلت من علاج عيسى ﵇ معجزة عظيمة، بينما المنكر لها قد جعل هذه الاستحالة دليلًا على نفيها أو تأويلها، وقد استثنى من ذلك ما قبله عقله منها، فقبل بعض صور تأثير العلاج فقال: "إنما يبقى شيء مهم، لابد من قوله، وهو أن الإنسان يستطيع بقوة روحية ذاتية، لاسيما إذا ساندتها قوة روحية خارجية عظيمة كالتي كانت للسيد المسيح خلال حياته، أو لمثيله من الأولياء وبعض العلماء والحكماء الصالحين أثناء حياتهم أن تؤثر على نفس المريض. . . ." (١). ويتورع هذا الكاتب تورعًا باردًا فيقول: "أما معجزات موسى وعيسى التي وردت في التوراة والإنجيل، وحكاها القرآن، فنحن لا ننكرها، كحوادث، ما دامت قد وردت على ما وردت عليه في الكتب المقدسة المذكورة، وإنما نرى وجوب تأويلها وفق ما يتصوّرها العقل في الواقع؛ أي: على الشكل الذي يؤيد نواميس الكون ومنه الطبيعة، ولا يغيّرها" (٢)، ويقول: "ولا نرى حاجة لاستعراض سائر معجزات موسى لتبيان إمكان تأويلها إلى حقيقتها الواقعية، ولإثبات أن ما كان يُعتبر معجزة أو إعجازًا في عهده، لم يعد كذلك في عهد ارتقاء العلوم والمعارف، وارتياد الفضاء الواسع. ويمكننا بالأسلوب عينه تأويل معجزات السيد المسيح عيسى ﵇" (٣). فيكون التأويل هو الأداة لتشذيب كل معجزات الأنبياء التي لم تتقبلها الطبيعة، ولا نواميسها. إن مشكلة المنكرين للمعجزات تعود إلى انحراف إيمانهم بالرب سبحانه، فهناك من عَظُمت عنده الطبيعة حتى أصبحت أكبر من الله وإن لم يُصرّح بذلك، فكأنها هي التي تتحكم بخالقها وليس الخالق هو المدبر لها والمسخر لها. وبهذا يتصورون حقيقة الرب سبحانه بمقياس عقولهم وبمقياس الطبيعة، مع أن هذه المعقولات والمعلومات تتغير وتتطور، فكيف يقاس كلي القدرة والعلم والكمال بالمتحول من معارف الناس وتصوراتهم عن الطبيعة! نعم يرد في آيات الأنبياء ما

стр. 989

تحار فيه العقول مما يجعلها بين خيارين: إما التسليم بالغيب الصادق أو التكذيب به، ولكن ليس في الآيات ما تستحيله العقول، وما يذكرونه من صور الاستحالة فهي استحالة ترتبط بمصدرها وإطارها من معقولات ومعلومات تجمعت في ظلّ تصور علماني، فهي استحالة ظنية وليست حقيقية، فقد ارتبطت استحالتهم بالفيزياء الكلاسيكية حتى نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، ثم انهارت تلك المستحيلات مع نظرية الكم ونظرية النسبية، وظهر إطار جديد قد ترتبط به استحالات جديدة، ولهذا يكون الحق في باب الغيبيات بطريق واحد هو الارتباط بالوحي؛ لأنه خبر صادق وحق وإطار نهائي وقمة عالية لا يعلوها شيء وبهذا يختفي ضلال العقول. ولكن المتغربين لا يجدون في الغرب العلماني إلا ما يناسب هواهم فيسقطون عليه، ويتخذونه ذريعة للتكذيب، وعندما ظهر من المفكرين من يبيّن أن العلم الحديث لا يُكذّب بأمور الغيب بل فيه ما يدل على كثير من أصوله، لم يعجب هذا الموقف مفكرًا علمانيًا صرفًا كالعظمة الذي دافع عن كل شواذ الفكر، وصورهم كأبطال، فقال في نقده لمثل هذا المفكر: "وتوسط الساحة خطاب غيبي تجهيلي بالغ الرجعية، فأصبح تسخير سليمان الجن وركوبه الريح وكلامه مع الطير، وشق موسى البحر، حقائق وضعية،. . . ." (١)، وقد جاء هذا النقد في سياق عجيب، فقد عرضه في مساق دفاعه عن العلمانية ونمو العلمانية العربية، وركّز على فترة اشتهارها بالدهرية ثم فترة اشتهارها بالإلحاد، ثم حركتها تحت مصطلح العلمانية، مادحًا ومثنيًا ثم وقع الانعطاف بظهور الصحوة الإِسلامية، وجاء حديثه السابق في سياق ذمّه لهذا التحول، ومن ذلك عودتها إلى الإيمان بالمعجزات. ومن بين من ينظر فقط لما يناسب هواه نجد كاتبًا آخر قد انغمس في تيارات مادية فلا ينظر إلا بعينيها ولا يتنفس إلا من رئتيها، فيقول في هذا الباب العظيم: "لا أعتقد أن الجيولوجيين سوف يرتاحون كثيرًا، من جهة نظر علمهم، إلى الآيات القرآنية التي تروي كيف شق موسى البحر الأحمر بعصاه، كما أنه ليس صحيحًا أن علماء الفيزياء والكيمياء لن يجدوا أي تناقض بين قوانين

стр. 990

علومهم وبين الآيات القرآنية التي تروي كيف تحولت النار فجأة إلى برد وسلام على إبراهيم. كما أن علماء الفلك "وليس التنجيم" سوف يجدون بعض الصعوبة، لا شك، في التوفيق بين معلوماتهم العلمية عن النيازك والشهب من ناحية وبين الآيات القرآنية التي تعلمنا أن الشهب هي لرجم الشياطين والجن حين تحاول الصعود إلى السماء واستراق السمع "أي: الاستماع إلى أحاديث الملائكة" من ناحية ثانية" (١) وذلك في رده على القائلين بعدم وجود تعارض بين الإِسلام والعلم. فهذا الكاتب قد يرى سبب رفضهم لمثل هذه الآيات هو علميتهم، من جيولوجيين وكيميائيين وفيزيائيين وفلكيين، وما يهمنا أن الكاتب يريد الاستناد للعلم في التكذيب بهذه الخوارق للمألوف، والحقيقة أن العلماء منهم من انحبس في عالم هذه الطبيعة فكفر بآيات الأنبياء، ومنهم من خرج عن هذا الإطار، فأثبت الضرورة والحتمية البارزة في الطبيعة واستثنى من ذلك معجزات الأنبياء لتدخل في باب الجواز والممكن، فاجتمع عندهم دون إشكال الضرورة والحتمية مع الجائز والممكن. ومن النماذج الخطيرة في هذا الباب ما قدمه محمَّد أركون، فهو يدرس المعجزات ضمن مفاهيم أخذها عن العلوم الاجتماعية والإنسانية مثل: الأسطورة، اللامفكر فيه، الدوغمائية، العجيب الخلاب، وغيرها من المفاهيم ذات الإجراءات العملية في تطبيقاته على القضايا الدينية ومنها المعجزة، ومن بينها "العجيب الخلاب" الذي ناقش من خلاله "المعجزات". يدور المفهوم حول ظواهر لا يمكن إدراجها ضمن التفسير السببي الطبيعي، مما يدفع الإنسان إلى اقتراح سبب خارق، وهو عند العقلية الدينية يكون بالمعجزات، ويفسر ميتافيزيقيا عند العقل الفلسفىِ، فتكون مهمة هذا المفهوم دراسة مثل هذه القفزة التي تذكر تفسيرًا يخرق العادة لظواهر لم يستطع الإنسان تفسيرها (٢). ومثل هذا المفهوم المنهجي مثل غيره من المفاهيم التي تكتسب مكانتها من

стр. 991

تماسكها الداخلي وإجرائيتها الخارجية، فلا يوجد اعتراض عليه عندما يطبق على ظواهر بشرية واجتماعية، فمن المسلم به أن كثيرًا من المجتمعات والطوائف تخلع المعجزات حول شخصيات مهمة وتصنع القصص الكثيرة حولهم، وانظر ما يوجد عند عوام الوثنيين وما يوجد من طوام عند غلاة المتصوفة، ولكن أركون كعادته لا يتوقف بمثل هذه المنهجيات عند حدودها بل هو من دعاة توسيعها وتطبيقها على الإِسلام، الدين الحق، دون تفريق بين المختلفات، لهذا نجده يطبق ما يصح على مقولات الدجالين والسحرة وما تختزنه ذاكرة الأمم التي انحرفت من معجزات مكذوبة، نجده يطبق ذلك على الإِسلام أيضًا، وذلك أنه حسب قناعته الشخصية أن هذه المعجزات لا يقبلها العقل العلمي ولكن يمكن للعقل العلمي أن يتفهم لماذا النفوس البشرية تقول بها وتتقبلها وتصدقها. ومثل هذه التسوية هي المزلق الخطير، صحيح أن المعجزة ترتبط بالأنبياء ﵈ وبيننا وبينهم مسافة زمنية، ولكن ذلك قد نقل إلينا بالنقل الصحيح، فهي من الغيب لنا ولكن غيرنا قد شاهدها ونقلها إلينا، والعبرة هنا: هل صح بها النقل أم لا؟ أما أركون فهو ينطلق من مسلمة يريد فقط إثباتها، المسلمة عدم وجود المعجزات وخوارق الطبيعة الدينية، وكل ما هنالك هو لغة دينية "مرتبطة بالمنطق الشعري أكثر من ارتباطها بالمنطق العقلاني. إنها تغذي الخيال وتهزّ العاطفة أكثر مما تسجن "أو تحجز" القارئ في مقولات. . . . عقلية" (١). وأختم هذه الظاهرة الإنكارية للمعجزات أو إهمالها بسبب هذا التصور الفلسفي والعلمي عن الطبيعة بحالةٍ وقعت مع مجموعة من الكتاب المتغربين ومن تأثر بهم، فقد وقع تحول بارز عند مجموعة من المتغربين منتصف القرن الرابع عشر/ العشرين في نوع الكتابة الفكرية، حيث ظهرت لهم كتابات عن السيرة النبوية، "على هامش السيرة" لطه حسين، "حياة محمَّد" لهيكل، "عبقرية محمَّد" للعقاد، وإن كان العقاد لا يُحسب على المتغربين، وقريبا من طريقة العقاد ما كتبه محمَّد فريد وجدي "السيرة النبوية تحت ضوء العلم والفلسفة" (٢).

стр. 992

وهناك ملاحظة بارزة في هذه الكتابات حول السيرة النبوية، وهي تذبذبها حول معجزات نبينا ﷺ ، وقد تناولها الشيخ مصطفى صبري بالنقد والكشف، فهم يهملون الحديث عن هذه المعجزات، أو يذكرونها ثم يؤولونها، أو ينكرونها، لعدم موافقتها للعلم والعقل، وبأنها لم ترد في القرآن، وأن معجزة النبي ﷺ كانت في القرآن فقط. ولا شك أن معجزة النبي ﷺ كانت في القرآن، فهو الذي ورد به التحدي في آيات، قال ابن كثير ﵀ في مقدمة تفسيره: "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (١). . . . وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء، وعلى كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبي إلا أعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر؛ أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم يبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهده في زمانه، فأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ فإنما كان معظم ما آتاه الله وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كل حين هو كما أنزل، فلهذا قال: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا"، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته؛ ولهذا قال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]، ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨]، وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية

стр. 993

كما ذكرنا وفي المدنية أيضًا كما في سورة البقرة، حيث يقول -تعالى-: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة: ٢٣ - ٢٤] فأخبرهم بأنهم عاجزون عن معارضته بمثله، وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أيضًا، وهذا وهم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد من البشرية من الكلام الفصيح البليغ، الوجيز، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأخبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة والمحكمة، كما قال -تعالى-: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. . . . " (١). ولكن وإن كانت معجزة النبي ﷺ التي تحدى بها هي القرآن فإن هناك آيات أخر عظيمة وقعت لنبينا ﷺ ، وجمعها العلماء في كتب مفردة، وهي مما يُصدّق بها المؤمن، ومن آمن بما وقع من آياتٍ لأنبياء الله السابقين فمثلها ما وقع لنبينا ﷺ من آيات. أما ما وقع لهؤلاء المتغربين أو المتأثرين بالتغريب من إغفال لهذه الآيات أو من إنكار لها فهو من باب التأثر بالإنكار المادي للمعجزة، فقد ولّد عندهم حساسية تجاه المعجزة، فتجد أحدهم إذا وجد مخرجًا لرفضها سلكه، ولا شك أنه مع انحرافه الخطير فهو ليس كمن أعلن إلحاده الصرف. والبعض قد يُقدّم تنازلات من حسن نية وما علم أنه أخطأ في اجتهاده، وقد توسع الشيخ مصطفى صبري في مناقشتهم والرد عليهم في كتبه. قال الشيخ السعدي: إن "بعض أهل العلم العصريين الذين يتظاهرون بنصر الإِسلام، والدخول مع هؤلاء الزنادقة في الجدال عنه يريدون باجتهادهم أو اغترارهم أن يطبقوا السنن الإلهية وأمور الآخرة على ما يعرفه العباد بحواسهم، ويدركونه بتجاربهم، فحرفوا لذلك المعجزات، وأنكروا الآيات البينات، ولم يستفيدوا إلا الضرر على أنفسهم، وعلى من قرأ كتاباتهم في هذه المباحث؛ إذ ضعف إيمانهم بالله بتحريفهم لمعجزات الأنبياء تحريفًا يؤول إلى إنكارها، وإنكارهم هذا النوع العظيم من قضاء الله وقدره، وضعف إيمان من وقف على

стр. 994

كلامهم ممن ليست له بصيرة، ولا عنده من العلوم الدينية ما يبطل هذا النوع، ولم يحصل ما زعموه من جلب الماديين إلى الهدى والدين، بل زادوهم إغراء في مذاهبهم، لما رأوا أمثال هؤلاء يحاولون إرجاع النصوص الدينية، ومعجزات الأنبياء، وأمور الغيب إلى علوم هؤلاء القاصرة على التجارب المدركات بالحواس، فيا عظم المصيبة! ويا شدة الجرم المزوق! ولكن ضعف البصيرة والإعجاب بزنادقة الدهريين أوجب الخضوع لأقوالهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله" (١). وقال سيد قطب في تفسيره قوله -تعالى-: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩]: "إن الذين يقيسون أعمال الله سبحانه إلى أعمال البشر هم الذين يسألون: كيف كان هذا؟ وكيف أمكن أن يكون؟ فأما الذين يدركون اختلاف الطبيعتين، واختلاف الأداتين، فإنهم لا يسألون أصلًا، ولا يحاولون أن يخلقوا تعليلًا علميًا أو غير علمي. فالمسألة ليست في هذا الميدان أصلًا. ليست في ميدان التعليل والتحليل بموازين البشر ومقاييس البشر. وكل منهج في تصور مثل هذه المعجزات غير منهج الإحالة إلى القدرة المطلقة هو منهج فاسد من أساسه؛ لأن أعمال الله غير خاضعة لمقاييس البشر وعلمهم القليل المحدود" (٢). وفي خاتمة هذه الفقرة تلخيصٌ لها، فقد ظهر القول بتعارض العلم والدين، وقد استند أهل الإلحاد في الفكر الغربي على المعجزات، حيث أثّر فيهم الفكر المادي في تصور الطبيعة، وقد امتد هذا الأثر إلى المتغربين العرب، وقد جعلوا هذه المعارضة المزعومة سندًا للتكذيب بالدين أو لتحريفه، وقد ظهر هذا إما بسبب الإلحاد وإنكار وجود الرب سبحانه، أو بسبب الانحراف في حقيقة الربوبية، لاسيّما في باب القدرة الإلهية، وقد انساق المتغربون في هذا الباب، فوقع منهم انحراف عظيم، وتسبب فكرهم بخطر عقائدي عليهم وعلى المسلمين. وبهذا نصل لنهاية هذا المبحث، وفيه ظهر أن الأمثلة التي وقع الانحراف

стр. 995

فيها باسم العلم ونظرياته، إما أن غاية ما عندهم أن العلم لم يدلّ على بعضها، وقد رأينا أن عدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول المعين. أو أن غاية ما يقولونه: إن العلم يقدم تصورًا جديدًا، إما مشاركًا عند بعضهم للتصور الديني أو مقدمًا عليه عند الغلاة منهم، وقد رأينا أن هذا الباب لا توجد فيه حقائق علمية، والنظريات فيه متنوعة، وفلسفة العلم المعاصرة تقول بأن ما نعرفه عن العالم أمر نسبي، وتدخل فيه الذات بوصفها مشاركًا في العرض مما يعني استحالة الموضوعية أو صعوبتها في مثل هذا الباب، واستحالة معرفة الحقيقة الموضوعية لمثل هذه الموضوعات أو صعوبتها، ومثل هذا النوع يقدم التصور الإِسلامي منهجه واضحًا: أن القطعي هو المقدم، والقطعي هنا هو خبر السماء، وما وجد من أبو اب محتملة وتثير مشكلات، فلابد من اجتماع العلماء المسلمين في البابين: العلم الشرعي والعلم التجريبي، لرفع الإشكال. وأخيرًا تجرُّؤهم بادعاء وجود ما ينقض الغيب ويثبت بطلانه من ميدان العلم، مستندين في ذلك على المعجزات، وقد رأينا أن هذا ناتج عن تصور مادي عن الطبيعة مع إلحاد أو انحراف في الربوبية، فضلًا عن أن فلسفة العلم المعاصرة بدأت تتذبذب بين الحتمية واللاحتمية، فهناك ظاهرة تثبت الحتمية وهناك أخرى تخرقها، والحق أحق أن يتبع، فمن عرف كمال قدرة الله وكمال ملك الله علم أن هذا الكون يسير بانتظام عجيب يدعو القلوب السليمة للتسليم بخالقها، ومن ذلك التسليم بتمام ملكه في أن يفعل ما يشاء سبحانه، ومن ذلك ما يحدثه من خرق للطبيعة أو للمألوف لحكمة يعلمها سبحانه. وبعد أن عُرِض باب الإشكالات في باب العقيدة ينتقل البحث إلى باب آخر، هو باب الشريعة، حيث وقع فيه من قبل المتغربين انحرافات باسم العلم ونظريات.

стр. 996

الفصل الثالث التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية وفيه مبحثان: • المبحث الأول: التأثر المنهجي في طريقة النظر للشريعة. • المبحث الثاني: أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها.

стр. 997

الفصل الثالث التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية ينقسم الدين إلى: عقيدة وشريعة، وكما أجابت العقيدة عن أعظم الأسئلة البشرية وأكثرها إلحاحا على الإنسان: من خلف هذا الوجود؟ وما صفاته؟ وما الواجب تجاهه؟ وما الحكمة من هذا الوجود؟ وما مستقبل العالم؟ وغيرها من الأسئلة المهمة، جاءت الشريعة لتعتني بمصالح البشرية الفردية والجماعية. وقد سبق في الفصل الثاني ما وقع فيه التغريب من انحرافات منهجية عقدية باسم العلم الحديث في باب الغيبيات، وأنه يعود في أصله إلى الانحراف في مفهوم الغيب. أما هنا فالبحث عن انحراف التغريب في باب الشريعة باسم العلم الحديث. وللانحراف في الشريعة أصول فاسدة وتطبيقات تفرعت عنها، هي موضوع هذا الفصل بمبحثيه، ونبدؤها بالأصول المنهجية، ونتبعها في المبحث الثاني بأمثلة من تلك الانحرافات النابعة عن هذه الأصول، يتخللها أو يتبعها ما يبيّن أثرها السلبي وخطرها على الدين وأهله والمجتمع مع النقد المناسب وبالله التوفيق. المبحث الأول: التأثر المنهجي في طريقة النظر للشريعة. المبحث الثاني: أمثلة للتأثر المنهجي وبيان خطورتها.

стр. 998

المبحث الأول التأثر المنهجي في طريقة النظر للشريعة المراد بالشريعة: استعمل لفظ الشرع والشريعة باستعمالات متعددة: فأطلق على التوحيد، وأطلق على الفروع أو العمليات، وأطلق عليهما معًا، فمثال الأول: قوله -تعالى-: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣]، ومثال الثاني: قوله -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]، ومثال الثالث: قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨] (١). وقد كان "التعريف الاصطلاحي للتشريع عند أهل الصدر الأول يطابق

стр. 999

التشريع الاصطلاحي للفقه عندهم، إذ كل منهما يتناول الدين كله بعقائده وأحكامه وآدابه"، أما عند المتأخرين فيطابق مدلول الشريعة مدلول الفقه، إذ كل منهما يطلق على الأحكام العملية، "إلا أن بينهما فرقًا لا ينبغي أن يهمل، ذلك أن الشريعة هي الدين المنزل من عند الله، والفقه هو فهمنا لتلك الشريعة، فإذا أصبنا الحق في فهمنا كان الفقه للشريعة من هذه الحيثية، وإذا أخطأ فقهنا الحق المنزل لم يكن هذا الفهم من الشريعة، ولم يخرج عن الفقه" (١). قال ابن القيم: " [إحاطة الأوامر الشرعية بأفعال المكلفين]. وهذه الجملة إنما تنفصل بعد تمهيد قاعدتين عظيمتين: إحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرًا ونهيًا وإذنًا وعفوًا، كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابة وقدرًا، فعلمه وكتابه وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها، وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية، فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري، فقد بين الله -سبحانه- على لسان رسوله بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمره به وجميع ما نهى عنه وجميع ما أحله وجميع ما حرمه وجميع ما عفا عنه، وبهذا يكون دينه كاملًا كما قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾. ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله، ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص -سبحانه- سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالعلم والحكم. . . . والفرق بين الفقه والتأويل أن الفقه هو فهم المعنى المراد، والتأويل إدراك الحقيقة التي يؤول إليها المعنى التي هي أخيته وأصله، وليس كل من فقه في الدين عرف التأويل، فمعرفة التأويل يختص به الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى؛ فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه والله يعلم بطلانه" (٢). والشريعة في اصطلاح الفقهاء "تطلق على الأحكام التي سنها الله لعباده

стр. 1000

على لسان رسول من الرسل" (١)، والشريعة الإِسلامية "ما شرعه الله لعباده من العقائد والأحكام في شؤون الحياة كلها" (٢). ينطلق التصور الإِسلامي حول الشريعة من "أن الشريعة الإِسلامية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان"، وقد جاء ذلك في مسلمات أساسية للعقيدة الإسلامية، منها: ١ - أن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء، وأن شريعة الإِسلام هي آخر الشرائع الإلهية إلى البشر. ٢ - مهمة الإِسلام هي إصلاح حياة البشر؛ فقد قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال: ٢٤]. ٣ - وأن الشريعة قد أُكملت قواعدها وأسسها، فاتضحت مقاصدها العامة، وطريقتها في الحياة ومعالمها، ومناراتها الهادية، بما جاءت به نصوصها العامة من حيث الشمول، وما بينته نصوصها الخاصة من حيث الدلالة وأسلوب التطبيق. ٤ - وأن شريعة الإِسلام ودعوته خالدتان (٣). وسيكون التركيز في هذا الباب على جانب العمليات من الدين، ومع أن هذا المبحث يركز على الجانب العملي من الشريعة؛ إلا أنه مرتبط بالجانب العقدي في باب التصور والخصائص، مما يجعل الحاجة قائمة للتوقف مع بعض الأصول التصورية. أستذكر قبل الدخول في قضايا هذا المبحث بعض النتائج المهمة التي استفدتها من الدراسة التاريخية لظاهرة العلم الحديث، وعلاقته بالتيارات

стр. 1001

الفكرية، ولاسيّما في الموقف من الدين، ولاسيّما ما يفيد في هذا المبحث، حيث تُدرس تلك النتائج من جانب آخر، وذلك بالنظر لها في صورتها المنهجية، ذات الأصول والفروع والآثار، وتحليل هذا المنهج ونقده. فماذا أفاد العرض التاريخي؟ إن أهم ما كشفه هذا العرض أن تعامل الاتجاه العلماني في الغرب -قدوة التغريبيين- مع الأمور العقدية، وانحرافهم فيها، جاء غالبه من باب العلوم الطبيعية ونظرياتها، أما مع الأمور الشرعية؛ فقد جاء من باب العلوم الاجتماعية ونظرياتها، وقد اكتفى الباحث من العلوم الاجتماعية بالعلمين المهمين منهما داخل فلسفة العلم المعاصرة وهما: علم الاجتماع وعلم النفس. الغيب مع الطبيعيات والشريعة مع الاجتماعيات: بالاطلاع على الفكر التغريبي ومصادره الغربية نجد مجموعة من المبادئ والأصول التي توجه التغريب في باب الشريعة، وتأتي غالبًا ضمن العلوم الاجتماعية المعلمنة. لقد جاءت مشكلات العلوم الطبيعية مع القضايا الاعتقادية الخبرية، حيث راجت نظرياتها عن بداية العالم ونشوء الكون وأصل الإنسان والإيمان بالمخلوقات الغيبية كالملائكة والجن وآيات الأنبياء والوحي وغيرها من القضايا الخبرية، ويغلب على ما قُدِّمَ باسم العلم مما فيه تعارض مع الدين أمران: فإما أنه صريح في المعارضة فهو من باب الظنيات، قال -تعالى-: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ [الأنعام: ١١٦] وقال -تعالى-: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨]. ومؤكد من وجهة نظر المسلم أنها "أكاذيب من مرضى القلوب، أو أوهام أو أخطاء من الباحثين العلميين"، وقد عرف المسلم ذلك من الوحي الذي بين يديه، وإن لم يكن ملمًا بتفاصيل تلك العلوم.

стр. 1002

أو أنه يوهم التعارض وهذا بابه واسع، وعادة ما يكون هذا الباب مسرحًا للفوضى الفكرية، حيث يحرص أهل العلمنة على تحويله لتعارض حقيقي وهو ليس كذلك، فمثل هذا النوع يناسبه الدراسة المتأنية لرفع التعارض -وهذا هو حال المصدق برسالة الإِسلام ويحترم في الوقت نفسه الحقيقة- وليس الفرح بوجوده للطعن في الدين كما هو حال مرضى القلوب (١). وقد استند المتغربون على هذا النوع في باب العقائد للحركة في باب الشرائع، فإذا وقع التعارض في الخبريات فما المانع من نقله للعمليات. ولكن هذه الطبيعيات لا تدخل باب الشرعيات، فباب الشرع هو الطلب بخلاف باب العقائد القائم على الخبر، فمعلومات العلوم الطبيعية هي من جنس الخبر؛ لأنها إخبار عن الطبيعة والإنسان -كجسد- وكل الموجودات المحسوسة؛ ولذا قد يقع منها ما يوهم التعارض مع أخبار الدين، أما الشرع فهو من باب الطلب، وهو أمر أو نهي أو إباحة، ويدخل في هذا الباب كل أمور الإنسان العملية، التي تدخل من الوجهة الإِسلامية ضمن الشريعة، وهذا الباب اعتنت به العلوم الاجتماعية بعد أن فصلتها عن علوم الدين ومصدرية السماء إلى علوم إنسانية ومصدرها الأرض. إذًا العلوم الاجتماعية بابها أوسع في حياة الإنسان القولية والعملية، الفردية والاجتماعية، ومن ذلك مثلًا العبادات، والحلال والحرام في العمل والمعاملات، والأخلاق والسلوك والقضايا الاجتماعية، ولاسيّما ما يتعلق بالجنسين والعلاقة بينهما، والجانب الأسري، والقضايا الاقتصادية، والقضايا السياسية وغيرها، وكما ظهر توهم التعارض في الخبر فهو أكثر ظهورًا في باب الطلب؛ ذلك أن نظريات العلوم الاجتماعية في العلم الواحد بل في الباب الواحد كثيرة، وتكون في الغالب متعارضة ويخطئ بعضهم بعضًا، ولذا تظهر مشكلة التعارض بين الدين وبين كثرة من النظريات الاجتماعية. يخف الاختلاف في العلوم الطبيعية؛ لأن المشكلة فيها ليست كثرة نظرياتها في الباب الواحد ولكن المشكلة تأتي من طريقة توسيع دائرتها أو الاستثمار السلبي لها، أما بين الشريعة والعلوم الاجتماعية فيتسع الخلاف ويزداد حدة؛

стр. 1003

لأننا أمام طوفان من النظريات، وكلها تدّعي العلمية كونها خرجت من ميدان العلم، ولذا يكون دور المتغرب النافر من الدين هو التنقل بين هذه النظريات، فيغرف من هنا وهناك ما يعارض به الدين، ثم هو بعد ذلك يصرخ بأنه ما جاء إلا بالعلم. مع نجاحات العلم الحديث وما يتميز به من مزايا أهلته في الفكر الغربي للتغلب على بقية الفنون الأخرى، وظهر معه أسلوب جديد في التفكير يقوم على الوقائع المحسوسة والمشهودة، "وهذه العقلية التي تفسر الظواهر غير الطبيعية بالمصطلحات الطبيعية، أخضعت الدين أيضًا للدراسة" وفق المنظور السابق؛ أي: التركيز على المحسوس، ومن ثم أخرجوا الدين من موضوعات "علوم الدين" وجعلوه من موضوعات "علم الإنسان"، فأصبح المجتمع الإنساني مصدر الدين بعد أن كان مصدره السماء (١). تقول العلوم الاجتماعية "علوم الإنسان": إن الدين مصدره الإنسان والمجتمع، وهو بذلك طاهرة إنسانية واجتماعية، وبهذا فهو غير دائم، ومرتبط بزمنه وبظروفه، ومن ثم يمكن تغيره بل زواله، بخلاف من رآه مرتبطًا بالسماء، وأن مصدره رب العالمين، لوجد الدين وشريعته حقيقة أبدية، مثل سنن الطبيعة والحياة (٢). أصول منهجية تغريبية للنطر في الشريعة تدعي العلمية: تأتي مجموعة أصول عند المتغرب في باب الشريعة، يجدها كل من استقرأ كتاباتهم، بعضها صريح وبعضها الآخر مضمر، وقد يتداخل عدد منها لدى البعض، وقد تؤثر صورة واحدة في بعضهم، وهنا ذكر أبرز تلك الأصول المؤثرة في نظرهم للشريعة وتدعي نسبتها للعلم. أصل الأصول: تعميم الظواهر الاجتماعية على الدين الحق: تقوم العلوم الاجتماعية العلمانية على انحراف منهجي خطير، حيث تجعل القضايا الشرعية من باب الظواهر الاجتماعية، والظاهرة منبعها من الأرض، من

стр. 1004

الإنسان أو المجتمع أو المؤثرات المادية كقانون التطور المادي أو قانون الجدل المادي الاقتصادي، فيكون مصدر الظواهر أرضيًّا ويُستبعد المصدر السماوي (١). وفرق بين نسبة الأمور العملية للشرع وبين نسبتها لميدان الظواهر الاجتماعية الدنيوية، فشتان بين أن يكون ربانيًا وبين أن يكون أرضيًا، فالرباني يحقق إنسانية الإنسان أما الأرضي فرغم دعوى الإنسانية فيه، إلا أنه يدسّها ويُفسدها ويطمر حقيقتها المفطورة عليها، قال -تعالى-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]. والشرع قائم على تزكية النفوس والمجتمعات والبشرية كلها بتحقيق مقاصده العليا فيها، ويقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد، على مستوى الإنسان وعلى مستوى الجماعة، ومعرفة المصالح والمفاسد ترتبط بالعلم والحكمة والعدل والقسط والرحمة وما في بابها، وهذه لا يمكن أن يكون مصدرها البشر، ولذا يذكر عادة في آيات الشريعة علم الله وحكمته وإرادة اليسر وقيامه على الحق والعدل والميزان والرحمة. فالشريعة ربانية، وهي تُوصف بما وصُف به كتابها أيضًا، فما اختص به من خصائص يشمل كل موضوعاته، وجاءت من العليم، الحكيم، الحق، العدل، الذي وضع الميزان وأمر بالقسط، وحرم على نفسه الظلم، الرحيم، الذي يريد لنا اليسر بشرعه ولا يريد بنا العسر، وأفضل شيء حول معرفة خصائص شرعه وشريعته أن نأخذها من مصدرها، وأن نعرفها كما عرّفنا بها ذلك المصدر الرباني، وهنا بعض الآيات البينات التي تكشف لنا شيئًا من خصائص الشريعة الربانية: فأهم شيء حولها أنها من عند الله، والأمر كله لله، قال -تعالى-: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠]. قال ابن كثير: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم. . . . ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾. . . . أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل

стр. 1005

عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء" (١). وقال السعدي: "فلا ثمّ إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تعالى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى" (٢). وقال -تعالى-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾؛ أي: "له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها، والأمر المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء" (٣)، وكما أن مخلوقات الله تسير وفق سنن ثابتة، وينعم الناس بهذا الثبات، ويشقون عند اختلاله كما إذا خرق الثبات بركان ضخم أو زلزال عظيم أو طوفان مهول، عندها يشعر البشر بنعمة هذا الثبات، فكذا أمره جاء كاملًا وثابتًا لتهنأ البشرية في ظلّه إن التزمته، ويقع فساد عظيم عند خرقه. وقال -تعالى-: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. قال السعدي: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ "الأمر يشمل الأمر القدري، والأمر الشرعي" (٤). وقال -تعالى-: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ [الفرقان: ٦]. قال ابن كثير: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب

стр. 1006

السماوات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر" (١). وقد وصف سبحانه كتابه أنه تنزيل العزيز العليم الحكيم، فتكون شريعته متضمنة لدلالات هذه الأسماء الجليلة، قال -تعالى-: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ [الزمر: ١]، وقال -تعالى-: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ [غافر:١ - ٢]، وقال -تعالى-: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [الجاثية: ١ - ٢] وقال -تعالى-: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ [الأحقاف:١ - ٢]. وقال -تعالى-: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ [النساء: ١٦٦]. قال السعدي: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ يحتمل أن يكون المراد أنزله مشتملًا على علمه؛ أي: فيه من العلوم الإلهية والأحكام الشرعية والأخبار الغيبية ما هو من علم الله تعالى الذي علم به عباده. ويحتمل أن يكون المراد: أنزله صادرًا عن علمه، ويكون في ذلك إشارة وتنبيه على وجه شهادته، وأن المعنى: إذا كان تعالى أنزل هذا القرآن المشتمل على الأوامر والنواهي، وهو يعلم ذلك ويعلم حالة الذي أنزله عليه، وأنه دعا الناس إليه، فمن أجابه وصدقه كان وليه، ومن كذبه وعاداه كان عدوه واستباح ماله ودمه، والله تعالى يمكنه ويوالي نصره ويجيب دعواته، ويخذل أعداءه وينصر أولياءه، فهل توجد شهادة أعظم من هذه الشهادة وأكبر؟ " (٢). وقال -تعالى-: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ [الشورى: ١٧]. قال السعدي: "فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾. فالكتاب هو هذا القرآن العظيم، نزل بالحق، واشتمل على الحق والصدق واليقين، وكله آيات بينات، وأدلة واضحات، على جميع المطالب الإلهية والعقائد الدينية، فجاء بأحسن المسائل وأوضح الدلائل. وأما الميزان، فهو العدل والاعتبار بالقياس الصحيح والعقل الرجيح، فكل الدلائل العقلية، من الآيات الآفاقية والنفسية،

стр. 1007

والاعتبارات الشرعية، والمناسبات والعلل، والأحكام والحكم، داخلة في الميزان الذي أنزله الله تعالى ووضعه بين عباده، ليزنوا به ما اشتبه من الأمور، ويعرفوا به صدق ما أخبر به وأخبرت رسله، فما خرج عن هذين الأمرين عن الكتاب والميزان مما قيل: إنه حجة أو برهان أو دليل أو نحو ذلك من العبارات، فإنه باطل متناقض، قد فسدت أصوله، وانهدمت مبانيه وفروعه، يعرف ذلك من خبر المسائل ومآخذها، وعرف التمييز بين راجح الأدلة من مرجوحها، والفرق بين الحجج والشبه، وأما من اغتر بالعبارات المزخرفة، والألفاظ المموهة، ولم تنفذ بصيرته إلى المعنى المراد؛ فإنه ليس من أهل هذا الشأن، ولا من فرسان هذا الميدان، فوفاقه وخلافه سيان" (١). قال -تعالى-: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الإسراء: ١٠٥]. قال ابن كثير: "يقول -تعالى- مخبرًا عن كتابه العزيز، وهو القرآن المجيد، أنه بالحق نزل؛ أي: متضمنًا للحق، كما قال -تعالى-: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦]؛ أي: متضمنًا علم الله الذي أراد أن يُطْلِعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه. وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: ووصل إليك -يا محمَّد- محفوظًا محروسًا، لم يُشَب بغيره، ولا زِيدَ فيه ولا نُقص منه، بل وصل إليك بالحق، فإنه نزل به شديد القُوى، القَوِيّ الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى" (٢). وقال السعدي: "أي: وبالحق أنزلنا هذا القرآن الكريم، لأمر العباد ونهيهم، وثوابهم وعقابهم، ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾؛ أي: بالصدق والعدل والحفظ من كل شيطان رجيم" (٣). وقال -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. قال السعدي: "أي: ثم شرعنا لك شريعة كاملة تدعو إلى كل خير وتنهى

стр. 1008

عن كل شر من أمرنا الشرعي ﴿فَاتَّبِعْهَا﴾ فإن في اتباعها السعادة الأبدية والصلاح والفلاح، ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: الذين تكون أهويتهم غير تابعة للعلم ولا ماشية خلفه، وهم كل من خالف شريعة الرسول ﷺ هواه وإرادته، فإنه من أهواء الذين لا يعلمون" (١). وقال القرطبي: "فمعنى ﴿جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾؛ أي: على منهاج واضح من أمر الدين يشرع بك إلى الحق" (٢). وقال -تعالى-: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ [هود: ١]. قال الطبري: "وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: تأويله: أحكمت آياته بالأمر والنهي، ثم فصلت بالثَّواب والعقاب. . . . . قول آخر: عن الحسن قال: ﴿أُحْكِمَتْ﴾، بالثواب والعقاب ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، بالأمر والنهي. وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ من الباطل، ثم فصلت، فبين منها الحلال والحرام. . . . قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قولُ من قال: معناه: أحكم الله آياته من الدَّخَل والخَلَل والباطل، ثم فصَّلها بالأمر والنهي. وذلك أن "إحكام الشيء" إصلاحه وإتقانه وإحكام آيات القرآن: إحكامها من خلل يكون فيها، أو باطل يقدر ذو زيغ أن يطعن فيها من قِبَله. وأما "تفصيل آياته" فإنه تمييز بعضها من بعض، بالبيان عما فيها من حلال وحرام، وأمرٍ ونهي" (٣). وقال ابن كثير: "وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾؛ أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كاملٌ صورةً ومعنى. هذا معنى ما روي عن مجاهد، وقتادة، واختاره ابن جرير. وقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾؛ أي: من عند الله الحكيم في أقواله، وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور" (٤).

стр. 1009

وقال -تعالى-: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]. قال ابن كثير: "أي: أنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر" (١). وقال السعدي: "وهذا يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الديني، فإنه الحاكم في خلقه، قضاءً وقدرًا، وخلقًا وتدبيرًا، والحاكم فيهم، بأمره ونهيه، وثوابه وعقابه" (٢). ونجد اليسر والرفق وعدم إرادة الحرج في هذه الشريعة في آيات منها قوله تعالى في سياق الحديث عن المهاجرات بدينهن وما يرتبط بحالهن من أحكام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال ابن كثير: "وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله يحكم به بين خلقه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده حكيم في ذلك" (٣). وقوله تعالى حول الطهارة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]، حيث ختمها بعدم إرادة الحرج بهذا التشريع، وإنما يريد الطهارة وإتمام النعمة علينا. وفي الصوم قال -تعالى-: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ

стр. 1010

مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]، حيث ختمها بأنه يريد لنا اليسر ولا يريد العسر. وفي الصلاة والخير والجهاد قال -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٧ - ٧٨]، حيث ذكر ربنا تعالى بعدم جعل الحرج في هذا الدين. نكتفي بهذا النموذج الذي يكشف لنا خصائص هذه الشريعة ومصدرها، ومن أهم ما تنبهنا له الآيات: الربانية، وهي أعظم الخصائص، فهي من العليم الحكيم الرحيم سبحانه، ولهذا يكون شرع الله مناسبًا لكل حال ولكل زمان ولكل أحد؛ لأنه جاء من العليم الحكيم، ويكون فيه من الثبات والشمول والكمال ما يجعل الحياة مستقرة باستنادها على ركن ثابت، ويجعلها متوافقة باستنادها إلى هذا الشمول، ويجعلها غنية عن الزيادة والتلفيق والتصحيح لكمالها، وهذا الثبات والشمول والكمال لا يكون إلا من شريعة ذات مصدر رباني. كما أن الشريعة مع هذه الإحاطة والشمول يكون فيها اليسر والرفق والرحمة ويكون فيها العدل والوسط والتوازن، ولهذا جاء التنبيه عقب مواطن من الأحكام بـ ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فما كان بالحال السابقة فهو أحق بالشكر. وفي ربانية الشريعة بركة للشريعة يجدها الناس في حياتهم، كما أنها تكون أكثر قبولًا من الناس وتجدهم أكثر رضًا بها، وتكون بعيدة عن الهوى، فما كان من البشر لابد أن يخضع لهوى فرد أو طائفة، وقد تنجح هذه الطائفة في فرض حكمها بالقوة أو بالترغيب أو بالخداع، وكلما جاءت أمة غيرت بما يناسب هوى الأقوى، بخلاف شرع الله، فقد نزل بالحق والميزان، وجاء كل حكم فيها بتعليل تقره العقول السليمة، قال ابن القيم: "وقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، وبأن تارة، وبمجموعهما تارة، وبكي تارة، ومن أجل تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة، وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي

стр. 1011

له تارة، وبلما تارة، وبأن المشددة تارة، وبلعل تارة، وبالمفعول له تارة" (١). ومن تأمل في كل تعليل وجد فيه كمال هذه الشريعة واستجابتها لحاجة الإنسان وقدرتها على مسايرة حياته في كل زمان ومكان. ولاستحالة قدرة الإنسان على التشريع المناسب لحياته، جاء التصور الإِسلامي واضحًا في هذا الباب، ويجب أن يعترف الإنسان بأنه لا يستطيع أن يكتشف قانون الحياة بنفسه، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ [النحل: ١١٦] (٢). وإذا كان مستند المتغربين هو العلم الحديث، فقد أثبتت الاكتشافات العلمية ذاتها "أن الإنسان لا يستطيع اكتشاف قوانين حياته بنفسه. لقد اتضح الآن أن الوسائل المتاحة للإنسان لا تعطينا أي تفاصيل جزئية عن الحقائق. والجانب الأهم في هذا كله هو أن الأشياء التي لا نطلع عليها هي أهم بكثير من التي نطلع عليها" (٣)، وقد ظهرت صعوبات بالغة للعلم المادي أمام عنصر واحد من عناصر الطبيعة وهو الراديوم، "وهذا الشيء الذي عرفناه عن العالم المادي ذو أهمية بالغة لقضية القانون البشري؛ لأن الإنسان أكثر تعقيدًا من قطعة الراديوم التي لم يتمكنوا من معرفة قانونها"، وهو عنصر واحد محدود "فكيف يمكن الادعاء بإمكان التوصل إلى قانون الحياة البشرية عن طريق جهود بشرية؟ لقد كشف العلم أن الوجود الإنساني أعقد بكثير مما كان الناس يظنونه في الأزمنة الغابرة، فالحقيقة أن للإنسان علاقة بالكون كله، فهو موضع دراسة علوم كثيرة ابتداء من علم الخلية والنفس والاقتصاد إلى علم الفلك، وبكلمة أخرى: لابد من معرفة الكون كله لأجل معرفة الإنسان. ولكن بحوثنا العلمية تخبرنا بأن البشر يعانون من بعض العجز والحدود التي لابد منها والتي تحول بكل قطعية دون

стр. 1012

رؤيتنا الكاملة والواسعة للحقائق" (١). وكما سبق فإن ربانية الشريعة كما تعني الإحاطة والشمول والكمال تعني أيضًا اليسر والرفق والرحمة ويكون فيها العدل والوسط والتوازن، ولذا فيها الثابت وفيها المتغير، وهذا من مرونة الشريعة واستجابتها للمتغير في حياة البشر، وبهذا تحقق الشريعة مصالح العباد بما تحويه من مقاصد لا يستطيع البشر لوحدهم إدراكها ولا يمكنهم ذلك. قال ابن القيم: "فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد. بناء الشريعة على مصالح العباد في المعاش والمعاد. هذا فصل عظيم النفع جدًا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به؛ فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها،. . . . وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها، وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها" (٢). وقد جاءت تكاليف الشريعة بحفظ مقاصدها في الخلق "وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون ضرورية، والثاني: أن تكون حاجية، والثالث: أن تكون تحسينية" (٣)، "ومجموع الضروريات خمسة وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل" (٤)، ويعيب أي تشريع بشري انتباهه لجانب من المصالح والمفاسد وغفلته أو تغافله عن جانب؛ ولذا نجد عادة في كل قضية

стр. 1013

آراء متعارضة، بخلاف ما جاء البشر من العليم الحكيم سبحانه؛ فإنه لا يدخله النقص ولا التناقض، ويحقق المصالح دون إفراط أو تفريط. أما الأخذ بجانب دون جانب فمآله إلى الانحراف، فالتوازن كما هو في خلق الله وسننه الكونية هو كذلك في أمره وشرعه، وأي إخلال بهذه المعادلة الكونية والشرعية يقع الفساد في الأرض، قال -تعالى-: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الروم: ٤١]. قال أبو حامد الغزالي: "أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم، لكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة. . . . وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح" (١). قال القرضاوي: "من الحقائق المسلمة أن الشريعة الإِسلامية قد وسعت العالم الإِسلامي كله، على تنائي أطرافه، وتعدد أجناسه، وتنوع بيئاته الحضارية، وتجدد مشكلاته الزمنية. . . . وأنها -بمصادرها ونصوصها وقواعدها- لم تقف يومًا من الأيام مكتوفة اليدين، أو مغلولة الرجلين، أمام وقائع الحياة المتغيرة، منذ عهد الصحابة فمن بعدهم .. وأنها ظلت القانون المقدس المعمول به في بلاد الإِسلام حوالي ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، إلى أن جاء عهد الاستعمار الغربي الذي استبدل بها تشريعاته الوضعية، فأحل بها ما حرم الله، وأبطل بها ما فرض الله. وإنما استطاعت الشريعة الإِسلامية أن تفي بحاجات كل المجتمعات التي حكمتها، وأن تعالج كافة المشكلات في كافة البيئات التي حلت بها، بأعدل الحلول وأصلحها؛ لأنها -بجوار ما اشتملت عليه من متانة الأصول التي قامت على مخاطبة العقل، والسمو بالفطرة، ومراعاة الواقع، والموازنة بين الحقوق

стр. 1014

والواجبات، وبين الروح والمادة، وبين الدنيا والآخرة، وإقامة القسط بين الناس جميعًا، وجلب المصالح والخيرات، ودرء المفاسد والشرور، بقدر الإمكان- قد أودعها الله مرونة عجيبة جعلتها تتسع لمواجهة كل طريق، ومعالجة كل جديد، بغير عنت ولا إرهاق" (١). وحتى تقوم الشريعة بتحقيق ذلك فقد قامت على أسس عظيمة، وتميزت بخصائص تجعلها قادرة -في كل زمان وفي كل مكان وفي كل مجتمع مؤمن بها- على تحقيق الخير للناس، وبهذا يعلم الفرق بين شريعة مصدرها السماء وبين ظواهر اجتماعية مصدرها الأرض. وهذا الأصل هو الأصل الذي تفرعت عنه بقية الأصول المنهجية المنحرفة في نظرتها لشرع رب العالمين، ومنها أصل التطور. الأصل الثاني: التطور: من أبرز التحولات في باب العلوم الاجتماعية عنايتها بدراسة الدين، ولكن بعد فصله عن الوحي، وتحويله لظاهرة اجتماعية أو نفسية، ويُدرس كعلم من علوم الإنسان الأرضية التي لا علاقة لها بالسماء، وتدرس على نحو تطوري، من الأدنى إلى الأعلى أو من حال إلى حال، والتطور مذهب قديم "غير أنه لم يصبح مذهبًا علميًا إلا في العصور الأخيرة" (٢)، وقد "اكتسب التفكير التطوري مكانة هامة في العلوم الاجتماعية والثقافة، سواء في القرن التاسع عشر أو أوائل القرن الحالي، وبالرغم من فقدانه لشيء من شعبيته بين الحربين العالميتين إلا أنه أعيد إحياؤه أخيرًا. . . ." (٣). وحتى يؤكدوا فرضياتهم ذهبوا إلى ديانات وثنية مع فئات أمية ومتخلفة تعيش بعيدًا عن المدن والمجتمعات المدنية، مثل غابات أفريقيا وصحاريها أو في غابات أمريكا الجنوبية أو في بيئات قاحلة من أستراليا، حيث وجدوا

стр. 1015

تكوينات اجتماعية بشرية معزولة عن العالم، وتعيش في دائرتها الخاصة، لها نظامها الديني والاجتماعي والعملي والقيمي، ومما درسوه بعناية أحوالها الدينية، وجعلوا هذا الجانب صورة عن بدايات الدين وتشكيلاته العملية، فإننا لو عدنا للماضي وإلى بدايات الإنسان الأولى فلن نجد بحسب زعمهم أفضل من هذه الصورة التي بين أيدينا لتمثيلها، ويجعلونها نقطة البداية لنشوء الشرائع، باعتبار أن النظام الاجتماعي لهذه النماذج هو الصورة الأولى لكل أمور الإنسان العملية، ومنه انطلقت عملية تطور بطيئة ومعقدة حتى وصلت الحال إلى ما هي عليه من شرائع وأخلاق وقيم وأنظمة ترتبط بالدين (١)، وتجد الاجتماعيين بمختلف مدارسهم عند دراسة أصل أي ظاهرة يعودون لمثل هذا النموذج باعتباره النواة الأولى البسيطة كحال أول خلية بسيطة وجدت في الأرض ثم تطورت حتى وصلت لقمتها في الإنسان، ومثل ذلك كل ظواهر حياة الإنسان المختلفة. لقد تعززت هذه الرؤية الجديدة مع ظهور نظرية داروين التطورية، ولاسيّما مع توسيعها لمجال الدراسات الاجتماعية والإنسانية، وأصبح مفهوم التطور عنصرًا مهمًا لأي دراسة علمية (٢). وقد يجد هؤلاء الباحثون في تاريخ البشرية ما يغريهم بتعميم مفهوم التطور على باب الشرائع والقيم وغيرها، فإن صورَهُ بارزةٌ في الجوانب الدنيوية، من حالة بسيطة وساذجة إلى أمور عجيبة ومدهشة، وذلك عبر مئات السنين، فيُلحقون الدين بذلك، ولاسيّما أنه يوجد نوع من الدين يسير مع هذه الفرضية، وهو الدين المبتدع، فالدين من الوجهة الإِسلامية ضرورة فطرية، ولا يعيش مجتمع دون دين، ولكن يقع الانحراف عن عبادة الله إلى عبادة غير الله، أو من عبادة الله على طريقة الأنبياء إلى عبادته ببدع من اختراع البشر، وقد يظهر في الدين المبتدع مثل هذا التطور، بل إن الباحث في الفرق الدينية المختلفة يجد مثل هذه التطورات قد لحقت بها عبر الزمن، حيث تبدأ البدعة بأصل واحد وساذج ودون أن تملك أدلة وحججًا، ثم تتلبس بأحوال تتطور

стр. 1016

خلالها لتصل إلى درجة في غاية التعقيد وفي غاية التنوع والتكثر. ومع غياب منهج التفريق بين المختلفات، ولاسيّما مع فقد ميزان الحق والعدل -الوحي- ومع إغراء القفز لتعميمات غير سليمة بسبب بعض المشتبهات؛ جعلوا الدين الحق -عقيدة وشريعة- مثل غيره، وألحقوه بسلم التطور، بعد تحويله لظاهرة اجتماعية تكتسب صفات أي ظاهرة بخصائصها وقت سكونها ووقت تحولها. ويعارض التصور الإِسلامي هذا التعميم، ففي التصور الإِسلامي هناك الدين الحق -عقيدة وشريعة- الذي يتسم بالثبات والكمال والمثالية مع ما فيه من يسر ومرونة لجانب المتغيرات من حياة البشر (١)، فقد بعث الله أنبياءَه ورسله بالدين منذ أن وجد البشر على هذه الأرض، ثابت في أصوله ويقع التغير في شرائع الأنبياء، حتى جاء كمالها بالنبي ﷺ ، فيكون كمال الدين بالعودة إلى تلك الصورة التي حققها الرسول، ويكون النقص والتغير والفساد بكل صورة من صور الابتعاد عنها بالتحريف أو الهجر أو التكذيب. وكما أن في الطبيعة من عناصر الثبات التي لم تتغير كل هذه القرون؛ فكذلك دين الله سبحانه هو ثابت في حقيقته كل هذه القرون، فهما من عند الله، الطبيعة من خلقه والدين من أمره وإخباره، ويتغير ما ابتدعه الناس، أما الدين الحق فلا تَغيُّر فيه، قال -تعالى-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠]. قال ابن كثير حول قوله -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: "ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من

стр. 1017

الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد، كما ثبت في صحيح البخاري، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد". يعني بذلك التوحيد، الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمّنه كل كتاب أنزله، كما قال -تعالى-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية [النحل: ٣٦]. وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وقد يكون خفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه؛ وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة. قال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة: هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله، الذي جاءت به الرسل"، إلى أن قال: "هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها. ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرْعة على حدَة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال -تعالى-: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله" (١). وقال القرطبي: "ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه". وقال أيضًا في تفسير قوله -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا

стр. 1018

تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]: "ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينما في الفروع حسبما علمه سبحانه" (١). وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: "وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد؛ الأنبياء إخوة لعلات، وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، إنه ليس بيني وبينه نبي"، فالدين واحد، وإنما تنوعت شرائعهم ومناهجهم كما قال -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. فالرسل متفقون في الدين الجامع للأصول الاعتقادية والعملية، فالاعتقادية كالإيمان بالله وبرسله وباليوم الآخر، والعملية كالأعمال العامة المذكورة في الأنعام والأعراف وسورة بني إسرائيل كقوله -تعالى-: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلي آخر الآيات الثلاث. وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلي آخر الوصايا. وقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. فهذه الأمور هي من الدين الذي اتفقت عليه الشرائع كعامة ما في السور المكية فإن السور المكية تضمنت الأصول التي اتفقت عليها رسل الله؛ إذ كان الخطاب فيها يتضمن الدعوة لمن لا يقر بأصل الرسالة" (٢). وليس في هذا التغير في الشرائع دليل لأصحاب مقولة الظواهر الاجتماعية، فإن تغيير الشرائع في دين الأنبياء يكون من رب العالمين، فينسخ الله ما شاء سبحانه ويثبت ما شاء، أما أصحاب الظواهر الاجتماعية فيصدق كلامهم على الأديان المحرفة والأديان المخترعة وعلى البدع، فالتحريف والابتداع والاختراع هو من عمل البشر، وتنسب هذه الأديان لهم، قال -تعالى-: ﴿لَكُمْ

стр. 1019

دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١] وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]. قال سيد قطب حول آية الكافرون: "إن التوحيد منهج، والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان مع الوجود كله إلى الله وحده لا شريك له. ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي الله، الله وحده بلا شريك، ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس، غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية. ." (١). وفي الجملة؛ فلا علاقة للدين وشرائعه السماوية بالدين الذي يدرسونه إن كانت عمدته هي تلك العينات، وكانت منهجيتهم تصر على تحويل الدين وشرائعه إلى ظاهرة إنسانية لتعممها على كل دين، بل حتى لو قال أحدهم: إنه سيدرس تطور الدين من جهة تطور شرائعه ثم لم يرجع للوحي لكانت دراسته ضربًا من الأوهام؛ لأن مصدر الحقيقة في هذا الباب مقتصر على الوحي بعد أن تحرفت أديان أهل الكتاب وما وقع لنصوصهم وشرائعهم من تحولات وانحرافات ضاعت معها الحقيقة أو أصبحت ملتبسة بحاجةٍ لمصدر آخر يبينها، وهو الإِسلام لا غير. الأصل الثالث: علمية وعلمنة العلوم الاجتماعية ودعوى قدرتها أن تسدّ مسدّ الدين: تأتي العلمية كمشكلة أخرى في هذا السياق؛ فبعد أن اختزلت العلمية في قوالب معينة، وكان هناك دعوى لعلمية "الظاهرة الاجتماعية والجوانب العملية من حياة الإنسان" في العلوم الاجتماعية وإدخالهم ما تختص به الشريعة ضمن هذا المفهوم؛ جاء الاختزال مع رغبة العلوم الاجتماعية في التشبه بالعلوم الطبيعية، ودعواها التزام الموضوعية، ومن ذلك التزامها في البحث عما هو واقع وليس عما ينبغي، فالعلم لا يهتم بما ينبغي، فهو مجال كان الدين يهتم به بطريقة غير علمية، وقد ذهب زمانه بذهاب الدين وضعف مكانته مع التقدم العلمي كما يزعمون، أما العلم فيهتم بما هو واقع فقط بعيدًا عن أي نظر للحلال والحرام أو

стр. 1020

الحق والباطل أو المحمود والمذموم، وكل القيم المعيارية، إلا أنها مع كل هذه الدعوى العلمية تعاني من ثمار هذه الدعوى؛ حيث إنها لم تستطع تقليد العلوم الطبيعية من جهة، ولم تنجح في معالجة بابها من جهة أخرى، فقد أُبرزت هذه الدعوى على أنها البديل العلمي لقضايا الإنسان العملية، وهي القضايا التي كانت ضمن الشريعة في الغالب، ولكن الدراسات النقدية تظهر كل وقت لتعترف بأزمة العلوم الاجتماعية حتى في الأبواب الاجتماعية المحسوسة (١)، وقد تظهر في القضية الواحدة نظريات شتى متعارضة ومتناقضة ومدارس يخطئ بعضها بعضًا، مما يبعدها عن مسمى العلم؛ لأن الأصل في العلم أن يكون ذا أصول يقبلها أغلب الناس، فكيف يصح وهم أنفسهم -أهل العلوم- يخطئ بعضهم بعضًا، ومع ذلك فيبقى المجتمع الذي لم يعرف الدين أو عرفه بصورة محرّفة مضطرًا لهذه الأبواب من العلوم النفسية والاجتماعية معتمدين في ذلك على عقولهم وتجاربهم، أما الأمة المسلمة فهي -وإن اهتمت بالإنسان والمجتمع وبكل ما يرتبط بهما بأسلوب العلوم الحديثة- تتميز بوجود مصدر تنطلق منه في البحث وترجع إليه لتصويب النتائج، وإن إسلامية المعرفة لا تعني رفض المعارف البشرية، وإنما تعني أخذ الصحيح النافع منها بصورة تختلف عن مجرد النسخ والتقليد. وقد جاءت هذه الدعوى لعلمية الأبواب العملية من حياة الإنسان من التأثر بالجانب الدنيوي المعاش العملي التطبيقي في المدنية الغربية، فقد وجد المتغرب - مثلًا- أن خلف هذه المدنية تطورًا علميًا وروحًا علمية في الجامعات والأكاديميات والمكتبات والمعامل والمختبرات و. . . .، إنه توظيف للعقل بشكل مدهش، ولكن لم ينتبه هؤلاء أنه عقل مشغول بدنياه، صنع وسائل استرقاقه من الأدوات والتقنيات، وبعد أن كان أمل العقلانية العلمانية السيطرة على الطبيعة وتسخيرها للإنسان انقلب الوضع عليهم، وأصبحت هذه الدنيا المعقلنة تسيطر عليهم بما اختُرع من أدوات وتقنيات (٢)، وقد أطلق بعض النقاد على هذا العقل
следующие страницы →