Полный текст (140 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
خلاصة الأفكار
شرح مختصر المنار
تأليف
زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي
المتوفى عام ٨٧٩هـ
حققه وعلق حواشيه
حافظ ثناء الله الزاهدي
دار ابن حزم
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد:
فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني قاسم الحنفي يقول: قد قرأ عليّ الجناب العالي الفخري عثمان بن أغلبك الحلبي الحنفي «مختصر المنار» [في أصول الفقه] للشيخ الإمام طاهر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، فأمليت عليه [أي شرحت «المختصر»] ما يحلّ ألفاظه وهو قوله:
[أصول الشرع]
(أصول الشرع) الأصول: جمع أصل، والأصل ما يبتني عليه
стр. 3
غيره، [والفرع ما يبتنى على غيره].
والمراد هنا الأدلة الشرعية لابتناء الأحكام عليها، والشرع بمعنى المشروع، والمراد به الأحكام المشروعة، والمراد من الحكم المحكوم به، وهو ما يثبت بالخطاب كالوجوب والحرمة وغيرهما.
كأنه قال: أدلة الأحكام المشروعة:
(الكتاب) قدمه؛ لأنه أصل من كل وجه
(والسنة) أخَّرها عن الكتاب؛ لتوقف حجيتها عليه،
(وإجماع الأمة) أخره عنهما لتوقف حجيته عليهما،
(والقياس) أخره؛ لأنه فرعٌ بالنسبة إلى الأدلة المتقدمة؛ لأن حكمَه مستفادٌ منها في كلِّ حادثة، بعدما ثبتَ حجَّيتُه بالكتاب والسنة، بخلاف الإجماع، فإنه لا يتوقَّف في كلِّ حادثة على ما تقدَّمه.
стр. 4
[الكتاب]
أما الكتاب الذي سبق ذكره (فالقرآن) وهو معروف عند كل أحد، فكان تعريفاً؛ لأنه بهذا أشتهر، إلا أنه يقال على الصفة القديمة، وعلى ما بين دفتي المصحف، واستدلال [أهل] الأصولي بالثاني.
فلذلك قال: (المنقول متواتراً)؛ ليخصَّ ما يستدلّ به بعد زمان الرسول ﷺ
(وهو): أي القرآن (نظم): أي ألفاظ مرتَّبةٌ بعضُها على بعض، (ومعنى) مستفادٌ من ذلك النظم، ذكرَه لرفع وهم مَن توهَّم أنه عندنا اسم للمعنى فقط؛ لقول أبي حنيفة ﵀ بجواز القراءة في الصلاة بالفارسية مع القدرة على العربية وهذا مرجوع عنه وقد علم الوجه في المطولات.
стр. 5
(وأقسامها): أي النظم والمعنى (أربعة)، وهذا باعتبار ما يتعلَّق به الأحكام، وإلا فأقسامهما أكثر من ذلك؛ لأنه بحرٌ عميقٌ فيه علم التوحيد، والقصص، والأمثال، والحكم، وغير ذلك.
واختاروا هذا التقسيم لاستغراقه الاعتبارات من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع؛ لأن أداء المعنى باللفظ الخارجي على قانون الوضع يستدعي وضع الواضع، ثم دلالته أي كونه بحيث يفهم منه المعنى، ثم استعماله، ثم فهم المعنى.
فللفظ بتلك الاعتبارات الأربع تقسيمات مربعة ـ إلا الثاني فإنه مثمن ـ تسمى أقسامهما:
وجوه النظم صيغة ولغة: أي صورة ومادة.
ووجوه البيان: أي إظهار المراد بحسب الدلالة الواضحة أو الخفية؛ لحكمة الابتلاء بأحد الوجهين.
ووجوه الاستعمال.
ووجوه الوقف: أي اطلاع السامع على مراد المتكلم ومعنى الكلام.
والمرجع في الحصر: الاستقراء.
стр. 6
[أقسام الكلمة باعتبار وضعه للمعنى]
(١) الخاص
الأول: أي القسم الأول من الأقسام الأربعة (في وجوه) أي طرق (النظم) قيل: لا يناسب المقام إذ لا معنى لطريق النظم، ولعل الوجه بمعنى الجهة التي هي بمعنى الاعتبار، فكأنه قال: في اعتبارات النظم.
(وهو): أي القسم الأول: (الخاص) وهو (ما) أي لفظ (وضع لمعنى) أي واحد، احترازاً عن المهمل، فإنه لا معنى له، وعن المشترك، فإنه وضع لأكثر من معنى.
والمَعْني: بالمعنى: المدلول، لا ما يقابل العين؛ ليتناول قسمي الخاص الحقيقي: كزيد، والاعتباري: كإنسان ورجل على ما سيأتي.
(معلوم) خرج به على المجمل؛ لأن معناه غير معلوم للسامع.
(على الانفراد):أي من حيث هو واحد، مع قطع النظر عن أن يكون أفراد أوْ لا.
واحترز به عن العام: كالمسلمين فإنه موضوع لمعنى واحد شامل لأفراد، ولا يخفى أن ترك هذا أولى بالاختصار.
(جنساً) كان الخاص كإنسان فإن معناه واحد معلوم، وهو
стр. 7
الحيوان الناطق.
(أو نوعاً) كرجل فإن معناه واحد معلوم، وهو إنسان ذكر جاوز حد الصغر.
(أو عيناً) كزيد، فإن معناه واحد معلوم، وهو ذات مشخصة.
(وحكمه) أي حكم الخاص وهو الأثر الثابت به (تناول المخصوص)، وهو مدلول الخاص (قطعاً) أي تناولاً قاطعاً إرادة غيره عنه،
стр. 8
وهذا عند مشايخ العراق خلافاً لمشايخ سمرقند، ومذهبهم مردود باتفاق العرف، حيث لا يعتبرون احتمالاً لا عن دليل أصلاً، فلا يفرون من جدار لا شق فيه ويعدون الخائف منه مجنوناً.
(بلا احتمال بيان): أي بيان التفسير، لينفي زعم مَن قال: الخاص يحتمل البيان؛ لأن بيانه إما إثبات الثابت، أو إزالة الزائل، وكلاهما فاسد.
стр. 9
[أقسام الخاص]
الأمر
(ومنه): أي من الخاص (الأمر)، وهو قول القائل لمَن دونه افعل، مراداً به الطلب.
(ويختص): أي مدلول الأمر (بصيغة) فلا يعرف بدونها (لازمة) أي مختصة به، كما هو مختص بها.
(فلا يكون الفعل موجباً)؛ لأن الوجوب بالأمر، والأمر مختص بصيغته.
стр. 10
(وموجبه): أي الذي يوجبه الأمر المطلق هو (الوجوب) أي لزوم الإتيان بالمأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وسواء كان الأمر (بعد الحظر): أي المنع نحو: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
(أو قبله)؛ لأن المقتضى للوجوب، وهو الصيغة قائم في الحالين، وما جاء للإباحة بعد الحظر فلدليل غير الصيغة.
стр. 11
(ولا يقتضي): أي لا يوجب الأمر المطلق (التكرار): أي تكرار المأمور به، وهو أن يفعله ثم يعود إليه، وهكذا (ولا يحتمله) أي لا يكون التكرار محتملاً من محتملات الأمر، يحمل عليه بالقرينة (سواء تعلق) الأمر (بشرط) نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ (أو اختص بوصف) نحو قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾؛ لأن مدلول صيغة الأمر طلب حقيقة الفعل، والمرّة والتكرار بالنسبة إلى الحقيقة أمر خارجي، والخروج عن عهدة المأمور به بالمرة بحصول الحقيقة، لا أنها من مدلول الصيغة، وما تكرر من العبادات فبتكرر أسبابها عند الجمهور، وقال بعض بتكرر المأمورات بتكرر الأوامر.
وإذا لم يقتض التكرار ولا يحتمله، (فيقع) أي يقع الأمر فيما للمأمور به أفراد (على أقل جنسه): أي أقل جنس المأمور وهو الفرد الحقيقي
стр. 12
(ويحتمل كله): أي كل الجنس باعتبار معنى الفردية، لا باعتبار معنى العدد، فصار من حيث هو جنساً واحداً، وإن كان له أفراد (على الصحيح) احترازاً من قول زفر: أنه يحتمل العدد.
وتظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لزوجته: طلِّقي نفسك، فإن لها أن تطلق نفسها واحدة، وإن نوى الزوج الثلاث، فطلَّقت نفسها ثلاثاً وقعن، وإن نوى الزوج ثنتين، فطلقت نفسها ثنتين، لم يقع شيء عندنا.
وقال زفر: يقع ثنتان.
لنا: إن العدد ليس بموجب ولا محتمل، فلا تصح نيِّته، إلا أن تكون المرأة أمة؛ لأن ذلك جنس طلاقها.
(وحكمه): أي حكم الأمر يعني الثابت به، وهو الإتيان بالمأمور به (نوعان) بالقسمة الأولية.
(أداء: وهو إقامة الواجب): أي إخراجه إلى الوجود على حسبه، واللام للعهد: أي الذي وجب بالأمر ابتداءً.
(وقضاء: وهو تسليم مثله): أي مثل الواجب (به): أي بالأمر إشارة إلى أن المراد منه أفعال الجوارح، لا ما في الذمة وهو نفس الوجوب؛ لأن ذلك بالسبب لا بالأمر.
стр. 13
(ويتبادلان): أي الأداء والقضاء فيقال: هذا مكان هذا (مجازاً) فيحتاج إلى قرينة كما يقال: أدى ما عليه من الدين، فقوله: من الدين؛ قرينة يفهم منها القضاء؛ لأن أداء حقيقة الدين محال، والجامع في ما كل منهما من التسليم.
(ويؤدّيان): أي الأداء والقضاء (بنيَّتهما)، فيؤدي القضاء بنية الأداء وبالعكس، إلا أنه يحتاج إلى القرينة كما يقال: نويت أن أؤدي ظهر الأمس، وأن أقضي ظهر اليوم (في الصحيح) احترازاً عن قول فخر الإسلام أنه يسمِّي الأداء قضاءً من غير قرينة.
(ويجبان): أي الأداء والقضاء (بسبب واحد)، وهو الأمر الذي وجب به الأداء (عند الجمهور).
وقال العراقيون من مشايخنا: يجبُ القضاء بنصّ مقصود غير الأمر الذي وجب به الأداء، ففي الصوم وجب القضاء بقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وفي الصلاة
وجب بقوله ﷺ : ((مَن نَسِيَ صلاةً فليصلها إذا ذكرها)) متفق عليه، ولمسلم ((إذا رقد أحدُكم عن الصلاة أو غَفِلَ عنها فليصلها إذا ذكرها)).
стр. 14
وللجمهور: إن المستحقَّ لا يسقط على المستحق عليه إلا بإسقاط مَن له الحقّ، أو بتسليم المستحق، ولم يوجد منهما فبقي مضموناً عليه، وسقط فضل الوقت للعجز، وهذا النصوص لطلب تفريغ الذمّة عمَّا وَجَبَ بالأمر وتعريفِ أن الواجب لم يسقط.
وفي عبارة فخر الإسلام ما يشير إلى أن ثمرة الاختلاف في المنذورات المتعيّنة من الصلاة والصوم والاعتكاف إذا فاتت عن وقتها، لكن قال أبو اليسر: لو نذر صوماً أو صلاة في يوم معيَّن ولم يفِ به يجب القضاء بالإجماع بين الفريقين، سواء كان عدم إيفاؤها بالفوات أو بالتفويت، وعلى هذا فالخلاف في إسناد وجوب القضاء بماذا؟ فالجمهور للسبب الأول في الكلّ، وعند هؤلاء للنصّ في الصوم والصلاة، وللفوات أو التفويت في المنذورات.
(وأنواع الأداء ثلاثة) أداء (كامل: وهو ما يؤدَّى كما شرع): أي مع توفير حقّه من الواجبات والسنن والآداب، كأداء الصلاة في الجماعة من المكتوبات والوتر في رمضان، وإنما ذكر الأداء وفسِّر بالمؤدى؛ لأن الفعل لا وجود له في الوجود.
(وقاصر: وهو الناقص عن صفته) التي قدمناها كصلاة المنفرد.
стр. 15
(وشبيه بالقضاء) كفعل اللاحق، وهو الذي فاته بعض الصلاة بعد إدراك بعضها بعد فراغ الإمام من الصلاة،
ففعلُهُ باعتبار الوقت أداءٌ، وباعتبار أنه يتدارك ما التزم أداؤه مع الإمام قضاءٌ، فهو أداءٌ شبيهٌ بالقضاء.
وفي حقوق العباد: رد عين المغصوبِ على الوجه الذي وقع عليه الغصب أداء كامل.
ورد العبد المغصوب بعد جناية جناها عند الغاصب أداء قاصر.
وتسليم عبدٍ كان تزوجها عليه ولم يكن في ملكه وقت التزوج ثم اشتراه، فتسليمه أداء من حيث أنه المسمّى، شبيه بالقضاء من حيث إنّ تبدَّلَ الملك يوجب تبدَّل العين حكماً.
(وأنواع القضاء ثلاثة) أيضاً كالأداء:
قضاء (بمثل معقول): كالصلاة للصلاة والصوم للصوم.
(وقضاء بمثل غير معقول): أي يقصر العقل عن إدراك المماثلة فيه؛ لأن العقل ينفيه كالفدية للصوم عند العجز المستدام، كما في حق الشيخ الفاني، فإنه لا مماثلة تدرك بين الصوم والفدية، فالصوم وصف، والفدية عين.
(وقضاء بمعنى الأداء) كتكبير مَن أدرك الإمام في العيد راكعاً في الركوع، فمن حيث إنه فات عن موضعه، وهو القيام كان قضاءً، ومن حيث إن الفرق بين القائم والقاعد انتصاب النصف الأسفل كان الركوع شبيه القيام، فالإتيان بالتكبير فيه قضاء بمعنى الأداء،
стр. 16
وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد (رحمهما الله) خلافاً لأبي يوسف.
وفي حقوق العباد: ضمان المغصوب المثلي بالمثلي قضاء كامل.
وضمانه بالقيمة عند انقطاع المثل قضاء قاصر، لفوات الصورة.
وضمان النفس والأطراف بالمال في الخطأ، قضاء بمثل غير معقول.
وتسليم قيمة عبد وسط لامرأته التي تزوجها على عبد بغير عينه، قضاء؛ لأنه خلاف المسمّى، بمعنى الأداء من حيث أن المجهولَ الوصف لا يعرف إلا بالقيمة فصارت أصلاً.
(والحسنُ لازمٌ للمأمور به)؛ لأن الآمر حكيم، فلا يأمر بشيء إلا لحسنه، والعقل آلة تدرك بها حسن بعض الأشياء وقبحها.
فحسن المأمور به (إما لمعنى) حاصل (في عينه، وهو) بالنظر إلى حكمه (نوعان:
أحدهما) حسن (لمعنى في وصفه) كالإيمان بمعنى التصديق، حسن فمعنى في وصفه، وهو شكر المنعم، وهذا حاصل في ذات التصديق، وهذا النوع لا يقبل السقوط أصلاً، لا بعذر الإكراه ولا بغيره، والصلاة حسنت للتعظيم، والتعظيم حاصل في ذاتها، إلا أنها تقبل السقوط في بعض الأحوال.
(والآخر): أي النوع الآخر (ملحق بهذا القسم) الذي حسن لمعنى في عينه (مشابه للحسن لمعنى في غيره): كالزكاة فإنها تنقيص المال، حسنت لدفع حاجة الفقير، فبهذا صارت مشابهة للذي حسن لمعنى في غيره، إلا أن حاجة الفقير لما كانت بخلق الله تعالى لا صنع للعبد فيها، صارت كلا واسطة، فألحقت بهذا القسم.
стр. 17
(وحكم النوعين واحد) وهو أن لا يسقط إلا بالأداء أو باعتراض ما يسقطه.
(وإما) أن يكون الحسن (لمعنى في غيره): أي في غير المأمور به، وهذا عطف على قوله: إما لمعنى في عينه.
(وهو) أي ذلك الغير الذي حسن المأمور به لأجله (نوعان أيضاً:
أحدهما: ما لا يؤدَّى ذلك الغير بالمأمور به.
كالوضوء، فإنه حسن للتمكن من الصلاة به، والصلاة لا تتأدّى به، وإنما تتأدّى بأركانها المعلومة.
(و) النوع (الآخر ما يؤدى) الغير الذي حسن المأمور به لأجله (به) كالجهاد حسن لإعلاء كلمة الله تعالى، وذلك يتأدَّى به.
(وحكمهما واحد أيضاً) وهو بقاء الوجوب ببقاء الغير، وسقوطه بسقوطه.
وترك المصنف النوع الجامع، وهو ما حَسُنَ لِحُسْن في شرطه وهو القدرة، وإنما سمي جامعاً لمعنى في عينه أو في غيره بأنواعهما يصير كلٌ حسناً لمعنى في شرطه وهو القدرة، فالإيمان حسن لمعنى في عينه ولشرطه وهو كونه مقدوراً، والوضوء حسن لمعنى في غيره، وحسن لشرطه وهو كونه مقدوراً أيضاً.
والقدرة نوعان: ما يتمكّن به العبد من أداء ما لزمه، والشرط توهمها، وهذه العبادات البدنية، أو ما يتسر به الأداء، والشرط تحققها حتى كانت صفة، وهذه للمالية إلا صدقة الفطر.
стр. 18
(ثم الأمر نوعان): نوع (مطلق عن الوقت) بأن لا يذكر له وقت محدود على وجه يفوت الأداء بفواته، كالأمر بالزكاة، وصدقة الفطر، (فلا يوجب الأداء على الفور)، وهو الإتيان بالمأمور به عَقِيب ورود الأمر (في الصحيح) خلافاً للكرخي (، فإن المطلق عنده على الفور.
لنا: إن الأمر لطلب الفعل فقط، والأزمنة في صلاحية حصول الفعل فيه على حد سواء.
(و) نوع (مقيّد به) أي بالوقت بحيث يفوت الأداء بفواته (وهو) أي المقيد بالوقت (أنواع) أربعة:
الأول: أن يكون الوقت ظرفاً للمؤدى، وشرطاً للأداء، وسبباً للوجوب، وهو وقت الصلاة.
ومن حكمه اشتراط نية التعيين، فلا يسقط بضيق الوقت، ولا يتعين إلا بالأداء، كالحانث.
والثاني: أن يكون الوقت معياراً له، وسبباً لوجوبه، كشهر رمضان.
(الأول) منها: (أن يكون الوقت ظرفاً للمؤدى) وهو الواجب (وشرطاً للأداء) وهو إخراج الواجب إلى الوجود، (وسبباً للوجوب) أي يثبت به، (وهو) أي الذي يكون ظرفاً وشرطاً وسبباً (وقت الصلاة).
أما إنه ظرف: فلأنه يفضل عن الأداء، وكل ما يفضل من الأوقات عن الأداء فهو ظرف، أما الأولى فلأنه إذا صلَّى فاكتفى بمقدار الفرض انقضى المؤدى قبل فراغ الوقت، وأما الثانية فلأن المراد بالظرف أن لا يكون الفعل مقدراً به.
وأما أنه شرط: فلأن الأداء يفوت بفوته، وكل ما يفوت الأداء بفوته شرط، فهذا الوقت شرط
стр. 19
أما الأولى فلأن الوقت إذا خرج كان الإتيان بها قضاء، وأما الثانية فبالقياس على سائر شروط الصلاة: كالطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والنية.
وأما إنه سبب فلأن الأداء يختلف باختلاف صفته، وكلّ ما يتغيّر الواجب بتغيره فهو سبب؛ لأن المسبب يثبت على وفق سببه.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت ظرفاً له وشرطاً وسبباً (اشتراط نيّة التعيين) يعني تعيين فرض الوقت؛ لأن الوقت لَمّا كان ظرفاً كان المشروع فيه متعدداً، فيشترط تمييز بعض الأفراد عن بعض، وذا بالنيّة، حيث لزم التعيين، (فلا يسقط بضيق الوقت): أي بأن ضاق الوقت بحيث لا يسع غير الواجب، (ولا يتعين) بعض أجزاء الوقت للسببية بشيء من القصد ولا من القول، كأن ينوي أن هذا الجزء هو السبب، أو يقول: عيّنْتُ هذا الجزء للسبب (إلا بالأداء) فيه، فإنه يتعيَّن حينئذٍ (كالحانث): أي كما أن الحانثَ في اليمين له أن يختار في الكفارة أحد الأمور: الإعتاق أو الكسوة أو الإطعام، ولو عيّن أحدَها لا يتعيّن، وله أن يفعل غيره ما لم يُكفِّر به، فإن كَفَّرَ به تعيَّن.
(و) النوع (الثاني: أن يكون الوقت معياراً): أي مقداراً (له): أي للمؤدَّى (وسبباً لوجوبه): أي يثبت الوجوب به، (كشهر رمضان).
أما إنه معيار؛ فلأن الصوم قدر بأيامه، حتى ازداد بزيادتها وانتقص بنقصانها.
стр. 20
وأما إنه سبب لوجوبه: فلأنه يضاف إليه، والإضافة تدلّ على الاختصاص، وأقوى وجوهه السببية وسيأتي.
(ومن حكمه): أي من حكم هذا النوع الذي جعل الوقت معياراً له وسبباً (نفي غيره): أي غير المؤدى (فيه): أي في الوقت ضرورة كونه معياراً، وإذا انتفى غيره، (فيصاب): أي يتأدى (بمطلق الاسم)، وهو الصوم بأن يقول: نويتُ أن أصوم، (و) يتأدّى (مع الخطأ في الوصف): أي في وصف الصوم، بأن ينوي صوم القضاء، أو النذر، أو النفل؛ لأن الوقت لا يقبل الوصف، فلغت نيّته وبقيت نية أصل الصوم، وبها يتأدّى.
(إلا في المسافر ينوي واجباً آخر) المستثنى منه محذوف، يعني يصاب فرض الوقت مع الخطأ في الوصف في حق كل أحد إلا في حق المسافر، فإن الصوم لا يصاب في حقّه مع الخطأ في وصفه، بل يقع عمَّا نوى (عند أبي حنيفة ﵀.
وقال أبو يوسف ومحمد: المسافر والمقيم سواء في هذا؛ لأن السبب وهو شهود الشهر تحقَّق في حقِّهما، إلا أن الشرع أثبت له الترخص، فإذا ترك الترخص كان المسافر والمقيم سواء، فيقع عن الفرض.
ولأبي حنيفة [﵁]: إن وجوب الأداء لَمَّا سقط عنه صار رمضان في حقِّ أدائه كشعبان، فيقع عمَّا نوى.
(وفي النفل عنه): أي عن أبي حنيفة ((روايتان):
في رواية: إذا نوى النفل يكون صائماً عن الفرض، وهذا هو الأصح.
стр. 21
وفي رواية: يكون صائماً عن النفل، وجه هذه ما تقدم.
ووجه الأولى: إن الترخص شرع نظراً له، ولا نظر له في النفل.
(ويقع صوم المريض) إذا نوى واجباً آخر أو نفلاً (عن الفرض في الصحيح)
، وهو مختار فخر الإسلام وشمس الأئمة؛ لأن رخصتَه متعلّقة بحقيقة العجز، فإذا صام فات سبب الرخصة في حقّه، فالتحق بالصحيح، بخلاف المسافر، فإن رخصتَه متعلِّقة بعجزِ مقدَّر باعتبار سبب ظاهر قائم مقام العجز، وهو السفر، فلا يظهر بفعل الصوم فوات سبب الرخصة، ومق .. الصحيح ما عليه أكثر مشايخ بخارى أن المريض كالمسافر؛ لأن رخصتَه متعلّقة بخوف زيادة المرض وصحح هذا في ((المفيد والمزيد)).
(و) النوع (الثالث: أن يكون) الوقت (معياراً) له (لا سبباً) لوجوبه (كقضاء رمضان).
أما إنه معيار فظاهر، وأما إنه ليس بسبب؛ فلأن سبب القضاء هو سبب الأداء، وهو شهود الشهر على ما علم، فلم يكن زمن القضاء سبباً.
(ويشترط فيه): أي في هذا النوع الذي يكون الوقت فيه معياراً لا سبباً فيه (التعيين)؛ لأن هذا الصوم ليس بوظيفة الوقت، ولا هو متعيّن فيه، فيصير له مزاحماً، وإذا ازدحمت العبادات في وقت واحد فلا بُدَّ لذلك من التعيين،
стр. 22
والتعيين إنما يحصل بنيّة، ويشترط أن يكون من الليل لينعقد الإمساك من أول النهار لمحتمل الوقت وهو القضاء، (ولا يحتمل) هذا النوع (الفوات)؛ لأن وقته العمر، بخلاف النوعين الأولين؛ لأن وقتهما محدود بحد يفوت الأداء بفوته.
(و) النوع (الرابع: أن يكون) الوقت (مشكلاً) يشبه المعيار ويشبه الظرف (كالحج) يشبه وقته المعيار من جهة أنه لا يصح منه في عام واحد إلا حجّة واحدة، فكان كالنهار في الصوم، ويشبه الظرف من حيث أن أركانَه لا تستغرق جميع الوقت، فكان كوقت الصلاة.
(ومن حكمه: تعيّن): أي لزوم (أدائه): أي الحج (في أشهره) من أول سني الإمكان، فإذا فعل ارتفع الإثم، وعند محمد لا يأثم إلا إذا لم يؤده مدة عمره.
ويتأدّى الحجُ بمطلق النيّة بأن يقول: اللهم إنّي أريد الحجّ، وإن كان الوقت قابلاً للنفل، لدلالة الحال، وهي أن الظاهرَ من حال المسلم أن لا يتحمّل المشاق للنفل، والفرضُ باقٍ عليه، ولو نوى النفل يقع عنه؛ لأن الصريح مقدّم على دلالة الحال.
стр. 23
فصل
والكفار مخاطبون بالإيمان): أي يتناولهم الأمر بالإيمان.
قال الله : ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعا﴾ إلى قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (بناء على العهد الماضي بإجماع الفقهاء) كذا قال، وليس مراد علمائنا رحمهم الله تعالى، وإنما مرادهم ما ذكرت.
و (لا) يخاطبون (بأداء ما يحتمل السقوط من العبادات) كالصلاة والصوم والحج؛ لأن الكفار ليسوا بأهل لأداء العبادات؛ لأن أداءَها سبب لاستحقاق الثواب، وهو ليس
بأهل للثواب؛ لأن ثوابه الجنة، وإذا لم يكن أهلاً للأداء لا يخاطب بالأداء؛ لأن الخطاب بالعمل للعمل.
فأما ما لا يحتمل السقوط كالإيمان، فإنهم مخاطبون به على ما تقدم.
стр. 24
وهذا (في الصحيح) وهو قول مشايخ ما وراء النهر.
وعند العراقيين: يخاطبون بجميع أوامر الله تعالى ونواهيه من حيث الاعتقاد والأداء في حقّ المؤاخذة في الآخرة، فيعاقبون على ترك ذلك لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ. قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾. فأخبروا أنهم استحقوا ذلك بترك الصلاة، ولم يُرَدَّ عليهم.
وأجيب: بأن الصلاة تذكر ويراد اعتقاد حقيتها لا فعلها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، حيث يخلي سبيله إذا آمن قبل فعل الصلاة، وإذا كان محتملاً لا يحتج به في موضع القطع.
стр. 25
النهي
(ومنه) أي من الخاص (النهي) وهو قول القائد لغيره: لا تفعل، وإنما كان من الخاص لما تقدَّم في الأمر.
(وينقسم) النهي (في) اقتضائه (صفة القبح كالأمر): أي كانقسام الأمر (في اقتضائه) لصفة (الحُسُن) للمأمور به.
فالقسم (الأول) من المنهي عنه (ما قبح لمعنى في عينه وضعاً) كالكفر وضع لمعنى قبيح في ذاته وهو كفران النعم، (أو شرعاً) كبيع الحرّ عُلِمَ من الشرع قبحه لا من العقل، ونصب وضعاً وشرعاً على التمييز؛ لأن قبح الشيء يكون باعتبار أمور.
وحكم هذا النوع أن المنهيَ عنه غير مشروع أصلاً.
(و) القسم (الثاني: ما قبح لمعنى في غيره) أي في غير المنهي عنه (وصفاً) قائماً بالمنهي عنه لا يقبل الانفكاك، كصوم يوم النحر، فإنه إمساك لله تعالى، فلم يقبح باعتبارها، بل باعتبار وصفه وهو الإعراض عن ضيافة الرب في هذا اليوم.
وحكمه: أن المنهي عنه بعد النهي مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، فيصح النذر به، وإذا فعله يخرج عن العهدة.
стр. 26
(ومجاوراً) أي مصاحباً ومقارناً في الجملة: كالبيع وقت النداء، قبحه للاشتغال بالبيع عن السعي، وهو مجاور للبيع قابل للانفكاك عنه، كما إذا باع في حالة السعي في الطريق فلا يكره.
(والنهي عن الأفعال الحسية) وهي التي تعرف بالحس ولا يتوقّف وجودها على الشرع، كالقتل والزنا وشرب الخمر (من) القسم (الأول) وهو القبيح لعينه وضعاً.
(و) النهي (عن) الأمور (الشرعية)، وهي التي يتوقف تحقيقها على الشرع، كالصلاة والصوم والبيع والإجارة (من) القسم (الثاني) وهو القبيح لغيره وصفاً؛ لأن النهي تصرف في المخاطب بالمنع عن الفعل، فلا بدّ أن يكون الفعل متصوّراً للمخاطب، وتصوره هذا موقوف على الشرع، فيكون مشروعاً بأصله غير مشروع بوصفه، ففي العبادات يصح التزامها، وفي المعاملات تفيد الملك عند اتصال القبض.
(وقد اختلف العلماء) [﵃] في الأمر والنهي في حقّ الضدّ، (فقال بعضهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده) من جهة اللفظ، فيكون لفظ الأمر موجباً للنهي عن ضده.
стр. 27
وقال بعضهم: من جهة الدلالة على أنه لا يجوز له فعل المنافي له في وقت وجوبه.
(وبالعكس): أي وقالوا: النهي عن شيء يكون أمراً بضده، وهذا إذا كان له ضد واحد عند قوم، ومطلقاً عند آخرين.
(والمختار: أنه) أي الأمر بالشيء (يقتضي) أي يثبت ضرورة (كراهة ضده) أي ضد المأمور به،
والمراد الضدّ الذي يفوت المأمور به بالاشتغال به؛ لأن هذا النهي لَمَّا لم يكن بالنصّ، وإنما هو بالضرورة فيثبت بقدر ما تندفع [به الضرورة، والضرورة تندفع] بالأدنى، وهو جعل الضدّ مكروهاً.
стр. 28
[فالمأمور بالقيام في الصلاة إذا قعد ثم قام، لا تبطل لكنه يكره.
(و) يقتضي أن يكون (ضد النهي) أي ضد المنهي عنه] (كسنة واجبة) أي مؤكدة قريبة من الواجب، لما قلنا في الأمر؛ [ولهذا قلنا: إن المُحْرِم لَمَّا نُهِيَ عن لُبْس المخيط كان من السنة لبس الإزار والرداء].
وهنا انتهى القسم الأول من القسم الأول ثم عطف عليه بقوله:
стр. 29
(٢) العام
(والعام): أي والقسم الثاني: العام: (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً) فخرج الخاص.
(متفقة الحدود) احترازاً عن المشترك، فإنه يتناول أفراداً ولكنها مختلفة الحدود.
وقوله: (على سبيل الشمول): أي لا على سبيل البدل، واحترز به عن اسم الجنس نحو رجل، فإنه يتناول أفراداً متفقة الحدود لكن على سبيل البدل.
(وحكمه): أي الأثر الثابت به (إيجاب الحكم): أي إثبات الحكم المستفاد ممَّا ذكر معه بمتعلقه (فيما يتناوله): أي في مدلوله (قطعاً) ـ تمييزٌ أو صفة مصدر محذوف ـ أي تناولاً قاطعاً إرادة البعض،
وهذا مذهب أكثر الأصحاب (كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا
стр. 30
الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
فالحكم هو الوجوب المستفاد من ﴿فَاقْتُلُوا﴾ يثبت في مدلول العام، وهو المشركون حكماً له.
والحقُّ أنّ حكمَه يتناول مدلوله قطعاً كالخاص، وأن المثبت للحكم الشرعي في هذا جملة الكلام، إلا أن للعام دخلاً فيه.
ثم أشار إلى بعض ثمرات هذا القول بقوله: (حتى جاز نسخ الخاصّ به): أي بالعام، ومثَّل لهذا بما في ((الصحيحين)) من حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ أمر العرنيين بشرب أبوال الإبل) وهذا خاص، وبما في ((مستدرك الحاكم)) من حديث أبي هريرة ﵁: (أن النبي ﷺ قال: استنزهوا من البول)، وهذا عامٌّ
стр. 31
فلمَّا شارك الخاص في حكمه في تناول المدلول، وكان هذا محرِّماً يقتضي التقدم على الخاص المبيح، جعل ناسخاً.
وهذا حكم العام قبل التخصيص، فأما بعده فيكون ظنيّاً في الصحيح.
(ويكون) العام عاماً (بالصيغة والمعنى) كرجال، فإنه وضع للجميع وهو يتناول أفراداً متفقة الحدود.
(وبالمعنى وحده) كقوم ورهط، فإنه يتناول أفراداً بمعناه دون صيغته.
وحصرت ألفاظ العموم في الجموع صيغة أو معنى مطلقاً، والمفرد معرفاً باللام أو الإضافة، وأسماء الشرط والاستفهام، والموصول، والنكرة في سياق النفي، وما يشبهه كالشرط والاستفهام والنهي، اسماً كانت أو فعلاً، والاسم المفرد المعرف بلام الاستغراق، والمصدر المضاف، والألفاظ المؤكدة نحو كل وأجمع وغيرهما، والنكرة الموصوفة في الإثبات، وهذه أقسام اللغوي.
وأما العرفي: فكعموم تحريم الأمهات لوجوه الاستمتاع.
وأما العقلي: فكعموم الحكم مذكوراً بعد سؤال عام، أو مقروناً به عليه، وكدليل الخطاب عند من يقول بعمومه.
стр. 32
(٣) المشترك
(والمشترك) وهو القسم الثالث (وهو ما): أي لفظ (تناول أفراداً مختلفة الحدود) كالقرء، فإنه يتناول الحيض والطهر (بالبدل).
فقوله: (مختلفة الحدود) احترازاً عن العام.
وقوله: (بالبدل) تفسير للتناول عند البعض، وعند البعض احترازاً عن (الشيء)، فإنه يتناول أفراداً مختلفة الحقيقة على سبيل الشمول، من حيث إنها مشتركة في معنى الشيئية، وهو الثبوت في الخارج.
(وحكمه): أي حكم المشترك (التأمل فيه): أي في صيغته وسياقه (ليترجح بعض وجوهه): أي طرق معناه (للعمل به): أي لأجل العمل بالمشترك.
كما تؤمل لفظ القرء، فوجد أصل التركيب دالاً على الجمع، يقال:
قرأت الشيء: أي جمعته، وعلى الانتقال يقال: قرأ النجم إذا انتقل، والاجتماع للدم، والانتقال للحيض، فترجح هو
стр. 33
(ولا عموم له): أي للمشترك عندنا، فلا يستعمل في أكثر من معنى واحد، وفاقاً لما صحَّحه الرافعي (عن الإمام الشافعي، حيث قال في باب العتق: الصحيح أن الشافعي لم يحمل المشترك على جميع معانيه. انتهى
стр. 34
لأن المتبادر إلى الفهم إرادة أحدهما حتى تبادر طلب المعين، وهو يوجب العلم بأن شرط استعماله لغة كونه في أحدهما.
وقيل: يعمّ احتياطاً للعلم بفعل المراد.
قلنا: لا يتوصل إليه إلا بشرع ما علم أنه لم يشرع وهو حرام، والتوقف إلى ظهور المراد الإجمالي واجب.
стр. 35
(٤) المؤول
(والمؤول: وهو ما ترجح من المشترك بعض وجوهه بغالب الرأي).
والأصلح أنه كلَّ لفظ ترجّح بعض محتملاته بدليل فيه شبهة؛ لأنك إذا تأملت ما وضع اللف له، وصرفته إلى وجهه معين فقد أولته إليه (أي) رجعته.
قيل: يجوز أن يكون المؤول من المجمل والمشكل، فلا يتعيّن أن يكون من المشترك.
ويجوز أن يكون الترجح بخبر الواحد، فلا يلزم أن يكون بغالب الرأي.
والجواب: أن المؤول المصطلح عليه عند صاحب أصل الأصل ليس إلا هذا، واصطلاح غيره لا يرد عليه، والمراد بغالب الرأي الظنّي.
(وحكمه: العمل به): أي وجوب العمل به؛ لأنه دليل ظنّي (على احتمال الغلط)؛ لأن تعيينه بدليل ظنّي.
стр. 36
[أقسام الكلام من حيث ظهور المعنى]
(الثاني) أي القسم الثاني من الأقسام الأربعة في (وجوه البيان): أي ظهور الدلالة (بذلك النظم) الذي تقدم تقسيمه.
(وهو): أي القسم الثاني (أربعة) أي أربعة أقسام هي:
١ - الظاهر
١ - (الظاهر: وهو ما): أي كلام (ظهر): أي وضح (المراد): أي المعنى الوضعي (منه بصيغته): أي بنفس صيغته من غير نظر إلى أمر آخر.
نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فإن المعنى الوضعي وهو الإحلال والتحريم ظاهر منه للعالم باللسان.
(وحكمه: وجوب العمل بما ظهر منه)، واختلف فيه، هل هو على سبيل الظنّ أو القطع؟
فقال أبو منصور وعامتهم: بالأول؛ لاحتمال المجاز.
стр. 37
وقال أبو زيد والعراقيون: بالثاني؛ لعدم اعتبار احتمال لا ينشأ عن دليل، حتى صح إثبات الحدود والكفارات بالظواهر.
стр. 38
٢ - النص
(والنص: وهو ما زاد) المراد به (وضوحاً على الظاهر بمعنى من المتكلم) وهو سوق الكلام له، فإن المسوق له أجلى من غيره.
كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فإنه ظاهر في التحليل والتحريم، نصّ في الفصل بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجل الفصل، فإنهم ادعوا التسوية بينهما بقولهم: إنما البيع مثل الربا على طريق المبايعة بجعل الربا شبيهاً به في الحلّ، فرد الله تعالى تسويتهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فازداد وضوحاً بمعنى من المتكلّم لا في نفس الصيغة.
(وحكمه: وجوب العمل بما اتضح على احتمال تأويل)، وهو حمل الكلام على خلاف ظاهره (مجازي): أي من قبيل المجاز، ولا ينحصر فيه بل يكون احتمال مجازٍ، أو تخصيص، أو غير ذلك،
стр. 39
وفيه إشارة إلى أن هذا الاحتمال لا يخرج النص عن كونه قطعيّاً، كما أن احتمالَ الحقيقة المجاز لا يخرجها عن كونها قطعية، فتبيَّن أنه ماشٍ على قول أبي زيد ومن تابعه في الظاهر.
стр. 40
٣ - المفسر
(والمفسر: وهو ما ازداد وضوحاً على النص من غير) احتمال (تأويل).
ويحصل الازدياد ببيان التفسير بقطعي لا شبهة فيه في المجمل، وببيان التقرير في العام: كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، فإنه نصّ لسوق الكلام لبيان سجود الملائكة، ولكنه يحتمل التخصيص بإرادة البعض، فانقطع ذلك بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾، وبقي احتمال التأويل، وهو الحمل على التفريق، فانقطع بقوله ﴿أَجْمَعُون﴾.
(وحكمه: وجوب العمل به على احتمال النسخ) في نفسه، وإن كان قد انسد بابه بوفاة صاحب الشرع ﵊.
следующие страницы →