← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 124365

خلاصة الأفكار شرح مختصر المنار

ابن قطلوبغا

Полный текст (140 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

[أقسام الكلام من حيث ظهور المعنى] (الثاني) أي القسم الثاني من الأقسام الأربعة في (وجوه البيان): أي ظهور الدلالة (بذلك النظم) الذي تقدم تقسيمه. (وهو): أي القسم الثاني (أربعة) أي أربعة أقسام هي: ١ - الظاهر ١ - (الظاهر: وهو ما): أي كلام (ظهر): أي وضح (المراد): أي المعنى الوضعي (منه بصيغته): أي بنفس صيغته من غير نظر إلى أمر آخر. نحو قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فإن المعنى الوضعي وهو الإحلال والتحريم ظاهر منه للعالم باللسان. (وحكمه: وجوب العمل بما ظهر منه)، واختلف فيه، هل هو على سبيل الظنّ أو القطع؟ فقال أبو منصور وعامتهم: بالأول؛ لاحتمال المجاز.

стр. 37

وقال أبو زيد والعراقيون: بالثاني؛ لعدم اعتبار احتمال لا ينشأ عن دليل، حتى صح إثبات الحدود والكفارات بالظواهر.

стр. 38

٢ - النص (والنص: وهو ما زاد) المراد به (وضوحاً على الظاهر بمعنى من المتكلم) وهو سوق الكلام له، فإن المسوق له أجلى من غيره. كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فإنه ظاهر في التحليل والتحريم، نصّ في الفصل بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجل الفصل، فإنهم ادعوا التسوية بينهما بقولهم: إنما البيع مثل الربا على طريق المبايعة بجعل الربا شبيهاً به في الحلّ، فرد الله تعالى تسويتهم بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾، فازداد وضوحاً بمعنى من المتكلّم لا في نفس الصيغة. (وحكمه: وجوب العمل بما اتضح على احتمال تأويل)، وهو حمل الكلام على خلاف ظاهره (مجازي): أي من قبيل المجاز، ولا ينحصر فيه بل يكون احتمال مجازٍ، أو تخصيص، أو غير ذلك،

стр. 39

وفيه إشارة إلى أن هذا الاحتمال لا يخرج النص عن كونه قطعيّاً، كما أن احتمالَ الحقيقة المجاز لا يخرجها عن كونها قطعية، فتبيَّن أنه ماشٍ على قول أبي زيد ومن تابعه في الظاهر.

стр. 40

٣ - المفسر (والمفسر: وهو ما ازداد وضوحاً على النص من غير) احتمال (تأويل). ويحصل الازدياد ببيان التفسير بقطعي لا شبهة فيه في المجمل، وببيان التقرير في العام: كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، فإنه نصّ لسوق الكلام لبيان سجود الملائكة، ولكنه يحتمل التخصيص بإرادة البعض، فانقطع ذلك بقوله: ﴿كُلُّهُمْ﴾، وبقي احتمال التأويل، وهو الحمل على التفريق، فانقطع بقوله ﴿أَجْمَعُون﴾. (وحكمه: وجوب العمل به على احتمال النسخ) في نفسه، وإن كان قد انسد بابه بوفاة صاحب الشرع ﵊.

стр. 41

٤ - المحكم (والمحكم: وهو ما أحكم المراد به عن احتمال النسخ والتبديل) من قولهم بناء محكم: أي مأمون الانتقاض، وضمَّن أحكم معنى امتنع فعداه بعن. وانقطاع احتمال النسخ قد يكون لمعنى في ذاته: كالآيات الدالّة على وجود الصانع وصفاته، فإنها لا تحتمل النسخ عقلاً، ويسمّى هذا ((محكماً لعينه)). وقد يكون لانقطاع الوحي بوفاة النبي ﵌ ويسمى ((محكماً لغيره)). (وحكمه: الوجوب): أي وجوب العمل، فاللام بدل المضاف إليه (من غير احتمال) للتأويل، ولا للنسخ، ولا للتبديل. ويظهر التفاوت بين هذه الأربعة عند التعارض؛ لأنه لا تفاوت بينها في إيجاب الحكم قطعاً، فيصير الظاهر متروكاً عند معارضة النص، والظاهر والنص عند معارضة المفسر، والمفسر عند معارضة المحكم. وقد مثل لذلك في الشروح بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ

стр. 42

ذَلِكُمْ﴾، فإنه ظاهر في الإطلاق مع قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾، فإنه نصّ في بيان العدد. وبقوله [تعالى]: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن﴾ نصّ في بيان المدّة مع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾، فإنه ظاهر فيها. وبقوله ﵊: ((المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)) فإنه نصّ، مع قوله ﵇: ((المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)) فإنه مفسّر.

стр. 43

وبقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاة﴾ فإنه مفسّر مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾، فإنه محكمٌ في التكرار.

стр. 44

[أقسام الكلام باعتبار خفاء معناه] (ولهذه) الأقسام الأربعة (أربعة تقابلها) المقابلة جعل الشيء بإزاء الشيء. ١ - الخفي (خفي) يقابل الظاهر، وعرّفه بقوله: (وهو): أي الخفي (ما): أي الكلام (خفي المراد به بعارض): أي بسببٍ عارضٍ، يعني أن صيغة الكلام ظاهرة بالنظر إلى موضوعها اللغوي، لكن خفي بالنسبة إلى المحل بسببٍ عارضٍ في ذلك المحل، وعلامة كونه خفياً أنه (يحتاج إلى الطلب): أي قليل تأمل. (وحكمه): أي حكم الخفي (النظر): أي الفكر (فيه لإظهار خفاء زيادته ونقصانه). يعني تفكر في الخفاء ليظهر سبب خفائه، هل هو خفاء لأجل

стр. 45

زيادة المعنى فيه [أو لأجل نقصان المعنى فيه؟] كآية السرقة، فإنها ظاهرةٌ في إيجاب قطع كلّ سارق لم يعرف باسم آخر. خفيةٌ في حقّ الطرّار: وهو الذي يطرّ الهمايين: أي يشقّها ويقطعها ويأخذ ما فيها سرقة، وفي حق النبّاش: وهو الذي ينبش القبور ويسلب الموتى أكفانهم، بعارضٍ في غير صيغة الآية، وهو اختصاصهما باسم آخر يعرفان به، وتغاير الأسماء يدلّ على تغاير المسميات، فتؤمل في هذا الاختصاص مع أصل السرقة، وهو أنه يسارق عين اليقظان فعدي الحدّ إليه، وفي النباش لقصور المعنى، لأنه إنما يسارق مَن عساه يهجم عليه القبر، فلم يعد الحد إليه.

стр. 46

٢ - المشكل (ومشكل) يقابل النصّ من أَشْكل إذا دخل في أشكاله، (وهو فوق الخفي) في خفاء المراد، وإنما كان كذلك (لاحتياج الطلب): أي لاحتياج المشكل إلى الطلب، وهو تحصيل المعنى (والتأمل)، وهو التكلّف والاجتهاد في الفكر بعد ذلك ليتميز المراد. (وحكمه): أي حكم المشكل (اعتقاد حقيّة المراد): أي المراد منه (إلى أن يتبين بالطلب والتأمّل) كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ طلبت معاني: ﴿أَنَّى﴾ فضبطت بأنها تستعمل بمعنى: ((أين)): كقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾: أي من أين لك هذا؟ وبمعنى ((كيف)) نحو: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾، ثم نظر هل هو يوجب الإطلاق في جميع المواضع نظراً إلى

стр. 47

الأولى أو لا، بل الإطلاق للأوصاف لا في المواضع: أي كيف شئتم سواء كانت قاعدة أو مضطجعة أو على جهة بعد أن يكون المأتي واحداً، فإذا سياق الآية سمّاهن حرثاً: أي مواضع حرثكم، لما يلقى في أرحامهنّ من النطف التي هي بمنزلة البذر للنسل، فيكون الإتيان في الموضع الذي يتعلق به هذا الغرض، وهو القبل.

стр. 48

٣ - المجمل (ومجمل) يقابل المفسر، من أجملت الحساب إذا ضممت بعضه إلى بعض (وهو ما): أي كلام (اشتبه مراده): أي المراد منه لتزاحم المعاني فيه من غير رجحان لأحدها (فاحتاج إلى الاستفسار) من المُجْمِل حيث لم يدرك من نفس العبارة، ثم إنه قد يحتاج بعد ذلك إلى الطلب والتأمل. (وحكمه: التوقف فيه إلى أن يتبيّن مراده): أي المراد منه (من المُجْمِل): أي من بيان المجمل. كالصلاة فإنها في اللغة الدعاء وذلك غير مراد، وقد بينها النبي ﷺ .

стр. 49

٤ - المتشابه (ومتشابه) يقابل المحكم (وهو ما) أي كلام (لم يُرْجَ) في الدنيا (بيان مراده) أي المراد منه (لشدة خفائه): كآيات الصفات مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. (وحكمه: التوقّف فيه أبداً مع اعتقاد حقيّة المراد به): أي اعتقاد أن مراد الله تعالى لذلك حقّ، وما يعلم تأويله إلا الله.

стр. 50

[أقسام الكلام باعتبار استعماله للمعنى] والقسم (الثالث) من أصل الأقسام (في وجوه): أي طريق (استعمال ذلك النظم) في بيان الحكم بالنظم، (وهو) أي الثالث (أربعة) أي أربعة أقسام. (١ - ٢) الحقيقة والمجاز (الحقيقة) ومعناه الثابت من حقّ الشيء إذا ثبت، أو المثبتة من حققت الشيء إذا أثبته. (وهي) في الاصطلاح (اسم لما) أي للفظ (أريد به ما) أي معنى (وضع له) ذلك اللفظ. (والمجاز) مفعل من الجواز. (وهو) في الاصطلاح (اسم لما): أي للفظ (أريد به غير ما وضع له) لعلاقة بينهما، كتسمية الشجاع أسداً. (ومن حكمهما): أي الحقيقة والمجاز (استحالة اجتماعهما مرادين بلفظ واحد) في وقت واحد بأن يكون كل منهما متعلق الحكم، نحو ((لا تقتل الأسد)) وتريد الحيوان المفترس والرجل الشجاع.

стр. 51

لأن إرادة الحقيقة إن لم تنافها إرادة المجاز لم يتحقق الصرف وهو شرط، وإن نافتها امتنع اجتماعهما. فإذا أوصى لمواليه لا يتناول مولى الموالي، وإذا كان له معتَق واحد يستحق النصف، ويكون النصف الثاني للورثة لا لموالي الموالي. (ومتى أمكن العمل بالحقيقة سقط المجاز)؛ لأن المستعار خلف، فلا يزاحم الأصل كما قلنا في الموالي. فإن كانت الحقيقة متعذرة - وهي ما لا يصاب به إلا بمشقة - تحول القول إلى المجاز، كما إذا حلف لا يأكل من هذه النخلة ولا نية له، تحولت اليمين إلى ما يخرج منها بلا صنعة كالجمار والطلع والرامخ والبسر والرطب وصفره والتمر والنبيذ والخل المتخذ منه. وكذا إذا كانت مهجورة - وهي ما يمكن الوصول إليها إلا أن الناس هجورها أي تركوها ـ كما إذا حلف لا يضع قدمه في دار فلان؛ لأن حقيقة وضع قدمه حافياً وإن لم يدخل، وهذا مهجور عرفاً، والمهجور عرفاً كالمتعذر، فانصر اليمين إلى الدخول وهو المجاز المتعارف، فيحنث إن دخلها حافياً أو منتعلاً، راكباً أو ماشياً. والمهجور شرعاً كالمهجور عادة، كالخصومة مهجورة شرعاً لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾، فإذا وكّله بها انصرف التوكيل بها إلى الجواب بنعم أو بلا.

стр. 52

ولو كان للفظ حقيقة مستعملة، ومجاز متعارف، فالعمل بالحقيقة عنده وبالمجاز عندهما، كما إذا حلف لا يأكل حنطة، فاليمين عنده على عينها، وعندهما على ما يتخذ منها. (وتترك الحقيقة بدلالة العادة) كما إذا حلف لا يأكل رأساً الحقيقة ما يسمى رأساً، وهو متروك عادة، يقع يمينه على ما يكبس في التنانير ويسلق بدلالة العادة. (و) تترك أيضاً (بدلالة في محل الكلام) أي يدلّ محلّ الكلام على أن الحقيقة تركت فلم تكن مرادة، كـ ((إنما الأعمال بالنيات)) دلّ وجود الأعمال بغير نيّة على أنه صرف عن وجودها إلى حكمها. (ومعنى): أي وتترك الحقيقة بسبب دلالة معنى أي حال (يرجع إلى المتكلم) كما في اليمين الفور، وهي كمن أرادت امرأته أن تخرج في الغضب ونحوه فقال: والله ما تخرجين أو إن خرجتِ فأنتِ طالق، فمكثت ساعة ثم خرجت لم يحنث، فالحقيقة عدم الخروج أبداً ترك هذا وحمل على الخروج المعيّن، وهو ما منعها منه بدلالة حال المتكلم، وهو إرادة المنع الخاص لا أبداً. (و) تترك بدلالة (سياق نظم) وهو قرينة لفظية التحقت بالكلام مثل قوله: طلِّق امرأتي إن كنت رجلاً، أخرج هذا الكلام عن التوكيل إلى التوبيخ.

стр. 53

(و) تترك بدلالة (اللفظ في نفسه) من اشتقاق أو إطلاق، كمن حلف لا يأكل لحماً، لا يقع على لحم السمك؛ لأن اللحم ينبي عن الشدّة بدلالة التحام الحرب والجرح والملحمة وهي بالدم، ولا دم في السمك ولذا يعيش في الماء ويحلّ بلا ذكاة، والمطلق ينصرف إلى الكامل في الحقيقة فدلالة الاشتقاق والإطلاق صرفت اليمين عن السمك.

стр. 54

٣ - الصريح (والصريح) لغة: الظاهر والخالص. (وهو) اصطلاحاً (ما) أي لفظ (ظهر مراده): أي المراد منه ظهوراً (بيِّناً) أي تاماً، احترز به عن الظاهر، فإن الظهور فيه ليس بتام لبقاء الاحتمال. وبكثرة الاستعمال يخرج النصّ والمفسّر؛ لأن ظهورَهما بالبيان والقرائن لا بكثرة الاستعمال: كقوله: أنت حرٌّ وأنت طالق. (وحكمه): أي حكم الصريح (ثبوت موجبه): أي ما يوجبه اللفظ الصريح من الحرية في المثال الأول، والطلاق في الثاني حال كونه (مستغنياً عن العزيمة): أي النية، فيقع العتق والطلاق المتقدمان نوى أو لم ينو.

стр. 55

٤ - الكناية (والكناية: وهي ما): أي لفظ (لم يظهر المراد به إلا بقرينة) كهو يفعل، فإن هذه الهاء لا يميز زيداً عن عمرو إلا بقرينة تنضمّ إلى ذلك كسبقه في الذِّكر. (وحكمها): أي حكم الكناية (عدم العمل بها بدون نية)؛ لأنه لا يثبت الحكم الشرعي بها إلا بنية المتكلم، كما في كنايات الطلاق حال الرضى (أو ما يقوم مقامها): أي مقام النية، مثل مذاكرة الطلاق فيما يصلح جواباً أو رداً، نحو: خليّة. (والأصل في الكلام هو الصريح)؛ لأن الكلام للإفهام والإفادة، والصريح هو التام في هذا المعنى (وفي الكناية قصور) عن البيان (لاشتباه المراد) فيتوقف في إفادة المقصود على قرينة. ويظهر هذا التفاوت الحاصل بين الصريح والكناية فيما يدرأ بالشبهات حيث جاز إثباتها بالصريح دون الكناية، حتى عن مَن قال لآخر: جامعتَ فلانة، لا يجب عليه حد القذف؛ لأنه لم يُصَرِّح بالزنا، ويجب إذا قال: زنيت بها.

стр. 56

[أقسام الكلام باعتبار الوقوف على المعنى المراد] (الرابع): أي القسم الرابع من أصل الأقسام (في معرفة): أي إدراك (وجوه): أي طرق (الوقوف): أي الاطلاع (على أحكام النظم): أي المراد منه، فحاصله معرفة طرق وقوف السامع على مراد المتكلّم في الأحكام الثابتة بنظم الكلام ومعناه. قيل: المعرفة صفة العارف، والتقسيم للكتاب، وتقسيم الكتاب باعتبار صفة في غيره لا يستقيم. أجيب بجعلها مصدراً بمعنى المفعول. قلت: يعكر عليه قوله الاستدلال، فإنه صفة للمستدل، لا لما يعرف من الأقسام مع نبوه في الكلام، فكان الأولى ترك هذه العبارة والتعبير بما يستدل بعبارته إلى آخره. (وهو): أي القسم الرابع (أربعة) أي أربعة أقسام باستقرائهم: (١) عبارة النص الأول: (الاستدلال بعبارة النص) الاستدلال: انتقال الذهن من المؤثر إلى الأثر، كانتقال الذهن من إدراك النار إلى الدخان.

стр. 57

وأورد أيضاً: أن الاستدلال صفة المستدل والتقسيم للكتاب. وأجيب: بأنها لما لم تفد بدونه عدَّ منها، ولا يخفى ما فيه، فالأولى تركه، كيف ولم يستمروا عليه، كما ستقف عليه في الثالث من هذه الأربعة. (وهو) أي الاستدلال بعبارة النص (العمل): أي إثبات الحكم؛ لأن المراد عمل المجتهد؛ لأنه هو المستدلّ هذا هو المراد، وظاهر التركيب يعطي أن المراد عمل الجوارح؛ لأن ما سيق الكلام له هو الثابت بالعبارة (بظاهر ما): أي شيء (سيق الكلام له): أي لذلك الشيء فالضمير لما. فعلى الأول: هو إثبات الحكم بشيء ظاهر لا يحتاج إلى مزيد تأمل، مثل الحكم بإيجاب سهم من الغنيمة للفقراء في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ ..﴾ الآية. وعلى الثاني: العمل بظاهر حكمه: أي بحكم ظاهر سيق الكلام لأجله. وعلى ما هو الأولى: النظم الدال على تمام الموضوع له أو جزئه أو لازمه المقصود بالجملة.

стр. 58

(٢) إشارة النص (وبإشارته): أي الاستدلال بإشارة النص، (وهو العمل بما): أي بحكم (ثبت بنظمه): أي بتركيبه من غير زيادة ولا نقصان، وبه يخرج دلالة النص لأنه ثابت بمعنى في النظم (لغة): أي غير مسوق له، وكان حقّ المصنف أن يذكره، وهذا ظاهر في إرادة عمل الجوارح، فإن حمل العمل على إثبات الحكم يصير تقديره: إثبات الحكم بمعنى ثبت بالنظم لغة، وفيه تكلف لا يخفى. مثاله قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُن﴾ سيق الكلام لإثبات النفقة والكسوة على الأب؛ لأنه المولود له، فهذا عبارة النص. وفيه إشارة إلى أن النسبَ إلى الآباء؛ لأن اللام للاختصاص، ولم يختصّ به الأب من حيث الملك فاختصّ بالنسب، وهو غير مسوق له. وعلى ما هو الأولى: فهو النظم الدالّ على اللازم الذاتي الذي لم يسق له أصلاً، ولم يحتج إليه لصحة الحكم.

стр. 59

(وهما): أي العبارة والإشارة (سواء في إيجاب الحكم): أي في إثباته؛ لأن كلاً منهما يفيد الحكم بظاهره (والأول) وهو العبارة (أحق عند التعارض) من الثاني، وهو الإشارة؛ لأن الأول منظوم مسوق له، والثاني غير مسوق. مثال التعارض ما أورده السادة الفقهاء الشافعية في كتبهم من حديث ((ما رأيت من ناقصات عقل ودين. قيل: ما نقصان دينهن؟ قال: تقعد إحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي))

стр. 60

سيق الكلام لبيان نقصان دينهن، وفيه إشارة إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، مع قوله ﵊: ((أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام))، وهذا عبارة فيكون أحق. (وللإشارة عموم كالعبارة)؛ لأن كلاً نظم، والعموم باعتبار الصيغة.

стр. 61

(٣) دلالة النص (والثابت بدلالته): أي بدلالة النصّ (هو ما) أي حكم (ثبت) أي استفيد (بمعناه): أي بسبب معنى النص (لغة) لا بعين النص، ولغةً. نصب على التمييز من قوله: بمعناه. والمراد المعنى الذي يعرفه كل سامع يعرف اللغة من غير استنباط. وخرج بمعناه العبارة والإشارة لأنهما بنفس النظم، وبقوله: «لغة» المقتضى والمحذوف لأن المقتضى ثابت شرعا والمحذوف عقلا واغة. مثاله قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، فالنهي عن التأفيف يعلم به حرمة الضرب من غير اجتهاد، فحرمة الضرب حكم استفيد من معنى التأفيف، الذي هو الأذى بكلمة التضجر. ويقال على هذا: الأقسام للكتاب لا للحكم. فالأولى: أنه النظم الدال على اللازم بواسطة مناط حكمه المفهوم لغةً. (والثابت بدلالته): أي بدلالة النصّ، (كالثابت بعبارته وإشارته) من حيث إن كلاً منهما يوجب الحكم

стр. 62

(إلا عند التعارض)، فإن الإشارة تقدم على الدلالة، وإذا قُدِّمت الإشارة، فالعبارة أولى؛ لأن فيها وجد النظم والمعنى اللغوي، وفي الدلالة لم يوجد إلا المعنى اللغوي، فترجَّحت الإشارة. قالوا: مثال تعارضهما ما قاله الإمام الشافعي [﵁]: تجب الكفارة في القتل العمد؛ لأنها لَمَّا وجبت في القتل الخطأ مع قيام العذر فلأن تجب في العمد أولى، ولكن هذه الدلالة عارضها إشارة قوله [تعالى]: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فإنه يشير إلى عدم وجوب الكفارة في العمد؛ لأن الجزاء اسم للكامل التام، فلو وجبت الكفارة لكان جهنم بعض الجزاء لا كله، فرجحت الإشارة. قلت: فيه نظر لا يخفى. (والثابت به) بدلالة النص (لا يحتمل التخصيص إذ لا عموم له)؛ لأن العموم من أوصاف اللفظ، ولا لفظ في الدلالة.

стр. 63

(٤) اقتضاء النص ٤ - (والثابت باقتضائه): أي باقتضاء النصّ يعني بمقتضاه، والاقتضاء الطلب (وهو ما): أي حكم (لم يعمل النص إلا بشرط تقدمه): أي تقدم ذلك الحكم (عليه): أي على النصّ. قالوا مثاله: أعتق عبدك عني بألف، فلا يصح إلا بالبيع، فالبيع مقتضى، وما ثبت به وهو الملك حكم المقتضي، فيثبت البيع مقدماً على الإعتاق؛ لأنه بمنزلة الشرط لصحته. قلت: إلا أن هذا ليس من النصوص، والكلام في اقتضاء النص، فهو من الكتاب [قوله تعالى]: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَة﴾، ومن السنة حديث ((رفع عن أمتي الخطأ)) قلت: لفظه: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) رواه ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال:

стр. 64

صحيح على شرطهما، فيقدر في الأول ((مملوكة))، وفي الثاني ((إثم)). ولا عموم للثابت بالاقتضاء لعدم اللفظ. قال شيخنا: ليس هذا بشيء؛ لأن المقدر كالملفوظ.

стр. 65

قلت: هذا في المحذوف لا في المقتضى، ولهذا كان التحقيق الفرق بين المقتضى والمحذوف. ولو قدر تعارض الثابت بالدلالة والثابت بالاقتضاء، قدم الثابت بالدلالة؛ لأنه ثابت بالمعنى اللغوي بلا ضرورة، والمقتضى بالثابت ضرورة.

стр. 66

[الأدلة الفاسدة] (والتنصيص) على الشيء باسم يدل على الذات دون الصفة، سواء كان علماً أو اسم جنس (لا يدل على التخصيص): أي تخصيص الحكم بذلك الشيء. وقال بعض العلماء (من الأشاعرة والحنابلة وأبو بكر الدقاق: يدل على التخصيص بذلك الشيء ونفي الحكم عمّا عداه.

стр. 67

لنا: إنه يلزم الكفر بقوله محمد رسول الله على قولهم؛ لاقتضائه نفي رسالة سائر الرسل. قالوا: لولا التخصيص لم يفد التنصيص. وأجيب: بأن فائدته إفهام مقصود الكلام. (والمطلق): وهو ما دل على بعض أفراد شائع لا قيد معه نحو: رقبة، (لا يحمل على المقيد): وهو الدالّ على مدلول المطلق بصفة زائدة: أي: لا يقيد بقيده عندنا، وإن كانا في حادثة واحدة، إذا كان الإطلاق والتقييد في سبب الحكم كقوله ﷺ : ((أدّوا صاعاً من قمح بين اثنين أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، عن كلّ حرٍّ وعبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ)) رواه عبد الرزاق وأبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة، وقول عبد الله بن عمر: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرِّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين) متفق عليه، إذ سبب الفطرة رأس يمونه ويلي عليه،

стр. 68

وإن كان الإطلاق والتقييد في المحكوم به في حادثتين نحو قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وفي كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فلا يحمل. وإن كان في حادثة واحدة يحمل ضرورة، نحو صوم كفارة اليمين، أطلق في القراءة المتواترة، وقيّد بالتتابع في القراءة المشهورة، وهي قراءة عبد الله بن مسعود كما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طرق. وإنما لا يحمل المطلق على المقيد في غير الصورة التي ذكرنا؛ لإمكان العمل بهما، وكل ما أمكن إعمال الدليلين وجب. (والقِران في النظم): أي الجمع بين كلامين بحرف العطف، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (لا يوجب القِران في الحكم) عندنا. وقال بعضهم: يوجب ذلك، فلا تجب الزكاة على من لا تجب عليه الصلاة بسبب ذلك؛ لأن العطف موجب الاشتراك.

стр. 69

ولنا: إن الشركة للافتقار لا للعطف بدليل قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِين مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية.

стр. 70

[فصل: في العزيمة والرخصة] (المشروعات): وهي ما جعله الله تعالى شريعة لعباده: أي طريقة يسلكونها في الدين (نوعان: أحدهما: عزيمة) من العزم، وهو القصد المؤكد، وعرف بأنه: ما ثبت ابتداء بإثبات الشارع حقاً له. (وهي): أي ما يسمّى عزيمة (أربعة أنواع هي أصول الشرع): أي المشروع (الشريف): (١) الفرض (فرض وهو: ما) أي شيء مشروع (ثبت بدليل قطعي) أي مقطوع به، فخرج خبر الواحد

стр. 71

(لا شبهة فيه) أي في دلالته، فتخرج الآية المؤولة والعام المخصوص. قيل: هذا التعريف ليس بمانع لشموله بعض المباحات والنوافل الثابتين بدليل قطعي لا شبهة فيه، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فالصواب: أنه ما قطع بلزومه. قلت: إذا أريد بالثبوت اللزوم فلا إيراد كالأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها. (وحكمه): أي حكم الفرض (اللزوم تصديقاً): أي إذعاناً (بالقلب، فيُكْفر) بسكون الكاف: أي فينسب إلى الكفر (جاحده): أي منكر لزومه (وعملاً بالبدن) عطف على تصديقاً أي: وحكمه لزوم عمل المفروض بالبدن (فيفسق): أي ينسب إلى الفسق، وهو هنا الخروج عن طاعة الله ((تاركه بغير عذر) من إكراه أو مرض ونحوهما. (٢) الواجب (وواجب) من وجب بمعنى سقط لسقوط لزومه على المكلف (وهو ما ثبت بدليل) ظنّي (فيه شبهة) كصدقة الفطر والأضحية ثبتا بخبر الواحد وهو دليل فيه شبهة،

стр. 72

والأخصر: ما ظن لزومه. (وحكمه: اللزوم عملاً بمنزلة الفرض): أي تجب إقامته بالبدن كإقامة الفرض للدلائل الدالة على وجوب اتباع الظن.

стр. 73

(٣) السنة (وسنة: وهي الطريقة المسلوكة في الدين) التي يطالب المكلف بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب، فخرج النفل؛ لأنه لا يطالب بإقامته، وخرج الواجب والفرض. وأهمل المصنف هذه القيود اعتمادا على ما ذكر في حكمها وهو قوله وحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب.

стр. 74

(٤) ... النقل (ونفل: وهو ما زاد على العبادات): أي الفرائض والسنن المشهورة. (وحكمه: إثابة فاعله ولا معاقبة على تاركه)، وتدخل السنة في هذا، فالأولى أنه ما يثاب على فعله فقط. (ويلزم) النفل (بالشروع) فيه حتى يجب المضي فيه، ويعاقب على تركه لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، فإذا وجب الإتمام لزم القضاء بالإفساد (والتطوع مثله): أي مثل النفل. قال شيخنا: ولا يظهر لي أنه غيره. (ومباح: وهو ما ليس لفعله ثواب، ولا لتركه عقاب). [الرخصة] (ورخصة): أي والثاني أو والآخر رخصة، وكان الأولى التصريح، بهذا قال شيخنا (وهي) أي الرخصة (ما) أي مشروع (تغير من عسر ليسر بعذر). قالوا: وهي أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة، ونوعان من المجاز:

стр. 75

١ - ما يستباح أي يعامل معاملة المباح مع قيام سبب الحرمة وحكمها، كالمكره على الفطر في رمضان، يرخص له في الإفطار مع قيام دليل الحكم وهو شهود الشهر وقيام حرمة الفطر. ٢ - وما يستباح مع قيام السبب الموجب وتراخي الحكم: كفطر المسافر والمريض في رمضان، الأخذ بالعزيمة في هذين أولى. ٣ - وما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا. ٤ - وما سقط عن العباد مع كونه مشروعاً في الجملة، كقصر الصلاة في السفر. فتبيّن أن التعريف غير جامع.
следующие страницы →