Полный текст (140 стр.). Показаны 106–140 · переход к 111.
стр. 106
وقسم يثبت ضرورة دفع طول الكلام فيما يكثر استعماله كـ: له علي مئة ودرهم، جعل العطف بيان أن المئة من جنس المعطوف.
(وللتبديل وهو النسخ) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾.
قالوا: التبديل النسخ.
وهو اصطلاحاً: أن يدل على خلاف حكم شرعي دليلٌ شرعيٌ متراخٍ، وهذا في حق البشر (ويجعل في حق الشارع بياناً لمدة الحكم): أي بياناً لانتهاء مدة الحكم (المطلق) عن تأبيد أو تأقيت (المعلوم عند الله تعالى) أنه ينتهي في وقت كذا.
وشرط جواز النسخ: التمكن من عقد القلب عندنا.
ومحله: حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه.
(والقياس لا يصلح ناسخاً) للكتاب والسنة؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على ترك الرأي بالكتاب والسنة؛ ولأن الرأي لا مجال له في معرة انتهاء وقت الحكم، (وكذا الإجماع) لا يصلح ناسخاً (عند الجمهور) خلافاً لبعض المشايخ؛ لأن الإجماع بعد عهد الرسول ﷺ إذ لا إجماع دون رأيه وهو منفرد، ولا نسخ بعده.
стр. 107
(ويجوز نسخُ كل من الكتاب والسنة بالآخر) نصَّ عليه؛ لأنه موضع الخلاف.
فنسخ السنة بالكتاب: التوجه إلى بيت المقدس فعَلَه ﷺ سبعة عشر شهراً بالمدينة، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
ونسخ الكتاب بالسنة: ما روت عائشة ﵂ إن النبي ﷺ أخبرها بأن الله تعالى أباح له من النساء ما يشاء، نسخ قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.
(ونسخُ الحكم والتلاوة جميعاً) كـ ((عشر رضعات يُحَرِّمنْ)).
ونسخ أحدهما:
أما التلاوة مع بقاء الحكم فكـ ((الشيخ والشيخة إذا زنيا)).
وأما الحكم مع بقاء التلاوة فكآيات المسالمة.
(ونسخ وصف الحكم) مع بقاء أصله (كالزيادة) على النص؛ لأن الزيادة تدفع إجزاء الأصل.
стр. 108
[فصل في أفعال النبي ﷺ ]
ومما يتصل بالسنن أفعالُ النبي ﷺ الاختيارية الصالحة للاقتداء (وهي أربعة) عند فخر الإسلام (مباح، ومستحب، وواجب، وفرض) وعند غيره ثلاثة؛ لأن الواجب الاصطلاحي لا يتصور في حقّه ﷺ .
ويمكن أن يقال: المراد تقسيم أفعاله بالنسبة إلينا، وقد ثبت بعضها بالظنّ فيتحقق الواجب بالنسبة إلينا.
(وقد اختلف العلماء فيها، والصحيح) عندنا (أن كل ما عُلم وقوعه منها) أي من الأفعال (على وجهٍ) أي صفة (يُقْتدى به كما وقع): أي يقتدى به في إيقاعه على تلك الصفة، حتى يقوم به دليل الخصوص (وما لا يعلم) على أي صفة فعله.
(فمباح): أي يعتقد فيه الإباحة لتيقنها، فيكون لنا اتباعه إلى أن يقوم دليل المنع.
стр. 109
[شرائع من قبلنا]
(والصحيح) عندنا خلافاً للبعض (أن شرائع من قبلنا تلزمنا) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...﴾ الآية، والإرث يصير ملكاً للوارث مخصوصاً به، لكن لَمَّا لم يبق الاعتماد على كتبهم للتحريف قلنا: إنما تلزم (إذا قصَّ الله ورسوله من غير إنكار) فيعمل به على (أنه شريعة لرسولنا) ﷺ .
стр. 110
[تقليد الصحابي]
(وتقليد الصحابي) وهو اتباعه في قوله وفعله معتقداً للحقيقة من غير تأمل في الدليل (واجب يترك به القياس) في غير ما ثبت الخلاف فيه بينهم لقوله ﷺ : ((مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم)) رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد رُوي معناه من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشدّ بعضها بعضاً.
ولقوله ﷺ : ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث حذيفة. وصححه ابن حبان، وللترمذي مثله من حديث ابن مسعود.
ولأن أكثر أقوالهم مسموعة من حضرة الرسالة، وإن اجتهدوا فرأيهم اصوب؛ لأنهم شاهدوا موارد النصوص.
стр. 111
وعند الكرخي يجب فيما لا يدرك بالقياس.
(ويجوز تقليد التابعي الذي ظهرت فتواه زمن الصحابة) للعلم بأن رأيه في القوة كرأيهم، وهذا رواية ((النوادر)) (على الأصح)، وهو اختيار فخر الإسلام خلافاً لشمس الأئمة ﵀.
стр. 112
باب الإجماع
(قال جمهور العلماء ﵃ إجماع هذه الأمة): وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ﷺ [في عصر] على حكم شرعي (حجة موجبة للعمل).
هذا خلاف ما في مصنف الشيخ أبي البركات الذي انتقى منه لأنه قال: ((وحكمه في الأصل: أن يثبت المراد به شرعاً على سبيل اليقين)).
وقوله: ((في الأصل)) احترازاً عما بالعوارض، وسيأتي في مراتبه.
وقال بعض المعتزلة: لا يكون حجة.
وهو عزيمة ورخصة:
فالعزيمة: التكلم أو العمل من الكل.
والرخصة: تكلم البعض أو عمله وسكوت الباقي بعد بلوغه ومضي مدة التأمل.
стр. 113
(وأعلى مراتبه): باعتبار المجمعين (إجماع الصحابة ﵃ تصريحاً من الكلّ،
وهذا إذا انقرض عليه عصرهم، وانتقل إلينا متواتراً، كالآية والخبر المتواتر القطعي الدلالة، يكفر جاحد حكمه، وإن نقل آحاداً كان كخبر الواحد.
ثم الإجماع الذي ثبت بنص البعض منهم وسكوت الباقين، وهذا لا يكفر جاحد حكمه، وإن كان من الأدلة القطعية؛ لأنه بمنزلة العام من النصوص.
(ثم) إجماع (مَنْ بعدهم) من أهل كل عصر (على حكم لم يظهر فيه خلاف من سبقهم)، وهذا كالخبر المشهور يضلل جاحد حكمه، ولا يُكْفر بمنزلة الإجماع السكوتي من الصحابة.
стр. 114
(ثم إجماعهم): أي الذين بعد الصحابة ﵃ (على قول سبقهم فيه مخالف)، وأنه يوجب العمل بمنزلة الآحاد من الأخبار، ويكون مقدماً على القياس.
(واختلاف الأمة على أقوال إجماعٌ على أن ما عداها): أي تباعد عنها (باطل) فلا يجوز لمَن بعدهم إحداث قول آخر، (وقيل: هذا): أي الاختلاف على أقوالٍ إجماعٌ على بطلان ما عداها (في الصحابة ﵃ خاصة) والصحيح عدم الاختصاص.
стр. 115
باب القياس
هو لغة: التقدير.
واصطلاحاً: إبانة مثل حكم أحد المعلومين بمثل علته في الآخر؛ لأن القياس مظهر ومثبت ظاهراً دليل الأصل، وحقيقةً ((هو الله تعالى))، والمثل لئلا يلزم القول بانتقال الأوصاف، ولأن المعنى الشخصي لا يقوم بمحلين، وحكم المعلومين يشمل الموجود والمعدوم.
(وشرطه): أي شرط القياس:
(أن لا يكون المقيس عليه مخصوصاً): أي منفرداً (بحكمه): أي مع حكمه (بنص): أي بسبب نص (آخر)
стр. 116
كقبول شهادة خزيمة وحده، فإنه حكم انفردت شهادته به من بين سائر الشهادات المشروطة بالعدد، فلا يقاس عليه غيره؛ لأن القياس حينئذٍ يبطل هذا الاختصاص.
(وأن لا يكون الأصل): أي المقيس عليه (معدولاً به عن القياس) كبقاء الصوم مع الأكل والشرب ناسياً، فلا يقاس عليه غيره لتعذره حينئذٍ.
(وأن يتعدى الحكم الشرعي) لا الاسم اللغوي (الثابت) لا المنسوخ (بالنص) لا بالقياس (بعينه) من غير تغيير؛
إذ لو وقع في ذلك الحكم تغيير في الفرع لا يكون الثابت في الفرع مثل الثابت في الأصل، فلا يصح القياس
(إلى فرع هو نظيره): أي نظير الأصل في العلة والحكم، إذ لو لم يكن كذلك لكان الحكم في الفرع بالرأي من غير إلحاق بالأصل وهو باطل.
(ولا نص فيه): أي في الفرع؛ لأنه إن كان فيه نص، فإن وافقه القياس فلا فائدة، وإن خالفه كان باطلاً.
стр. 117
(وأن يبقى حكم النص) في الأصل (بعد التعليل على ما كان) قبله؛ لأن القياس للتعميم لا للإبطال.
فلا يصحّ تعليل الإطعام بالتمليك كالكسوة؛ لأن حكم الأصل قبل التعليل كان يحصل بالإباحة، فيتغير بعد هذا التعليل، بحيث لا يخرج المكفِّر عن عهدة الكفارة بالإباحة.
(وركنه): أي ركن القياس، وأركان الشيء أجزاؤه الداخلية في حقيقته المحققة لهويته، والمشهور أنها للقياس أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل والجامع.
وقال فخر الإسلام، وتبعه من أخذ منه المصنف: ركنه (ما): أي وصف (جعل علماً): أي علامة (على حكم النص مما): أي من الأوصاف التي (اشتمل عليه النص) بعبارته كالكيل والجنس، والوز والجنس في نص الأشياء الستة، أو بغيرها كالعجز عن التسليم في نص النهي عن بيع الآبق
стр. 118
(وجعل الفرع نظيراً له): أي للنص (في حكمه): أي حكم النص (بوجوده): أي بسبب وجود ذلك الوصف (فيه): أي في الفرع.
ودلالة كون الوصف علةً صلاحُهُ، أي ملاءمته للعلل المنقولة عن النبي ﷺ وعن السلف.
وعدالته: بظهور تأثير ذلك الوصف في غير ذلك الحكم، أو في جنسه، أو تأثير جنس الوصف في ين الحكم أو في جنسه.
كتعليلنا ولاية نكاح الصغائر بالصغر، فإنه ملائم لتعليله ﵊ لسقوط نجاسة الهرة بالطواف، فإنه منشأة للضرورة، وهو تعذر صون الأواني، والصغر منشأ للعجز عن القيام بالمصالح، وفي ذلك ضرورة وقد ظهر أثر الصغر في إثبات الولاية في المال.
وجوه الترجيح
وقد يتصور معارضة الحجج التي ذكرناها فيتخلص عنها ببيان عدم وجود ركن المعارضة أو شرطها لعدم معادلة المعارض كما في الظاهر والنص على ما تقدم.
كما لو عارض حديث "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر" بحديث "القضاء بشاهد ويمين".
فنقول: هذا حديث صحيح مشهور فلا يعادله هذا، لأنه خبر واحد، أو لم يستكمل لشروط الصحة.
أو اختلاف الحكم بأن يكون أحدهما حم الدنيا، والآخر حكم
стр. 119
الآخرة كآيتي اليمين فالتي في (سورة البقرة) على حكم الآخرة، والتي في (المائدة) على حكم الدنيا، فلا كفارة في الغموس؛ لأنها غير منعقدة.
أو اختلاف الحال بحمل أحدهما على حال، والآخر على أخرى كقراءة التخفيف والتشديد في قوله تعالى: ﴿حتى يطهرن﴾ بحمل التخفيف على الانقطاع لأكثر الحيض، والتشديد على ما دون ذلك.
أو اختلاف الزمان صريحا كآيتي العدة: قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ نزلت بعد قوله: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾.
قال ابن مسعود: من شاء لاعنته أنزلت سورة النساء القصرى بعد (أربعة أشهر وعشرا).
رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ورواه البخاري بدون (لاعنته).
أو دلالة كما في تعارض الحاظر والمبيح، نحو ما روي: أنه ﷺ نهى عن أكل الضب، وروي أنه أقر على أكله؛ فنجعل الحاظر متأخرى تعليلا لتغيير الأمر الأصلي.
стр. 120
ولا ترجيح بكثرة الرواة ولا بالذكورة، ولا بالحرية.
واختلف في تعارض المثبت والنافي فعند الكرخي يقدم المثبت، وعند عيسى بن أبان يتعارضان إن كان النافي اعتمد دليلا، وإن كان بني على الظاهر فالمثبت مقدم.
وإن وقع التعارض بين قياسين فالترجيح بقوة أثر الوصف كالاستحسان في معارضة القياسين.
وقوة ثبات الوصف على الحكم الذي شهد الوصف بثبوته كقولنا في صوم رمضان: (إنه متعين فلا يجب تعيينه) أولى من قول غيرنا: (إنه صوم فرض فيجب تعيينه).
فوصف الفرضية قاصر على الصوم، ووصف التعيين مؤثر في عدم وجوب التعيين على الإطلاق؛ فيكون أثبت.
وبكثرة أصول الوصف كقولنا في مسح الرأس: [أنه مسح] فلا يسن
стр. 121
تكراره كمسح الخف والتيمم ومسح الجبيرة. وهذا أولى من قولهم إنه ركن فيسن تكراره كالغسل.
وبعدم الحكم عند عدم الوصف، ووجوده عند وجوده كما قلنا في المثال السابق.
وإذا تعارض ضربا ترجيح فالرجحان بما هو في الذات أولى بالاعتبار من الرجحان بما هو في الحال.
كابن ابن ابن أخ، وبنت بنت بنت أخ، الأول راجح بالذات وهو الذكورة من الآخر بالحال وهو القرب من الميت.
стр. 122
[فصل في الاجتهاد]
لما فرغ من القياس شرع في القائس وهو المجتهد، ولم يعرّف الاجتهاد: وهو بذل المجهود في استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها.
وذكر شرطه فقال: (وشرط الاجتهاد: أن يحوي المجتهد علَم الكتاب): أي ما يتعلق بالأحكام منه، وذلك مقدار خمس مائة آية (بمعانيه): أي مع معانيه لغة وشرعاً (ووجوهه)، مثل: الخاص، والعام، وسائر الأقسام.
ولا يشترط حفظها، بل يكفي أن يكون عالماً بمواقعها ويرجع إليها وقت الحاجة.
(وعلم السنة): أي ويحوي علم السنة كذلك، فيما يتعلق به الأحكام منها (بطرقها): أي مع طرقها لابتنائها عليها.
(ووجوهَ القياس): أي وأن يعرف طرائق القياس (مع شرائطه) المتقدمة.
стр. 123
(وحكمه): أي حكم الاجتهاد (الإصابة بغالب الرأي) لا القطع بها، حتى قلنا: المجتهد يخطئ ويصيب.
والحق في موضع الخلاف واحد؛ لما في السنة من قوله ﷺ لعقبة بن عامر الجهني: ((إن اجتهدتَ فأصبتَ فلك عشرة أجور، وإن اجتهدتَ فأخطأتَ فلك أجر واحد))، رواه أحمد برجال الصحيح، قوله ﷺ : ((إذا حكم الحاكم ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد)) متفق عليه من حديث عمرو بن العاص، وساقه الطبراني وأحمد بلفظ حديث عقبة.
стр. 124
فصل
[اقسام الأحكام المشروعة]
(والأحكام): أي المحكوم بها (المشروعة) في الدين بمتعلقاتها (التي ثبتت بها الحجج) التي سبق ذكرها (أربعة أقسام وهي:
حقوق الله خالصة) وأنواعها ثمانية: الإيمان وبقية الفرائض، والعقوبات المختصة كحد الزنا والشرب، والعقوبات القاصرة كحرمان الميراث بالقتل قصر؛ لأنه مالي، وهو قاصر بالنسبة إلى البدنية،
والحقوق الدائرة بين العبادة والعقوبات كالكفارات تتأدّى بالصوم ووجبت جزاء على فعل محظور، وعبادة فيها معنى المؤنة كصدقة الفطر تجب على الإنسان بسبب رأس غيره، ومؤنة فيها معنى العبادة كالعشر، يصرف لحفظه الأرض ولمصارف الزكاة، ومؤنة فيها معنى العقوبة كالخراج يتعلق بالأرض ويصرف لحفظها وسبب الزراعة يستغل عن الجهاد، وحقّ قائم بنفسه: أي ثابت بذاته من غير أن يتعلّق به بذمة العبد ومن غير أن يكون له سبب مقصود يجب على العبد أداؤه كخمس الغنائم.
(وحقوق العباد خالصة) كملك المبيع والثمن، وملك النكاح
стр. 125
والدية، وبدل المتلفات والمغصوبات، ونحو ذلك.
(وما اجتمعا فيه): أي اجتمع فيه حق الله وحق العبد (وحقُّ الله غالبٌ) كحد القذف فيه حقُّ الله؛ لأنه شُرِعَ زاجراً، وحقُّ العبد لدفع العار، ولغلة حق الله تعالى لا يجري فيه إرث ولا إسقاط ولا اعتياض.
(وما اجتمعا فيه وحقُّ العبدِ غالبُ) كالقصاص فيه حق الله تعالى وهو إخلاء العالم عن الفساد، وحق العبد لوقوع الجناية على نفسه وهو غالب، فيجري فيه الإرث والاعتياض بالمال وصحة العفو.
(وهذه الحقوق): أي حقوق الله تعالى الخالصة وحقوق العباد الخالصة وكان حقه أن يذكر هذا قبل قوله: وما اجتمعا إلى آخره، إلا أنه لعدم درايته بأصولنا أخّره (تنقسم إلى اصل وخلف):
(فالقسم الأول) الذي هو أصل (كالإيمان أصله التصديق) وهو إذعان القلب بحقيقة جميع ما جاء به محمد ﷺ عن الله تعالى، (والإقرار) كما هو مذهب الفقهاء (ثم صار الإقرار أصلاً) مبتداً (خلفاً عن التصديق): أي عن الإيمان الذي هو التصديق والإقرار (في أحكام الدنيا) بأن يقوم مقامه ويترتب عليه أحكامه، والطهارة بالماء أصل، والتيمم خلف عنه (والقسم الثاني) مما يثبت بالحجج وهذا يوهم أنه قسم خلفي، فكان
ما يتعلق به الأحكام المشروعة وهو أربعة:
١. سبب، وهو أقسام:
منها سبب حقيقي: وهو ما يكون طريقاً إلى الحكم من غير أن يضاف إليه وجوبٌ لا وجود، ولا يعقل فيه معاني العلل.
وسبب مجازي: كاليمين بالله تعالى ونحوها وهو من العلل.
٢. والعلة: وهي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم.
حقّه أن يتبع ما انتقى من كتابه فيقول كما قال: جملة ما يثبت بالحجج الأحكام وما يتعلق بالأحكام، أما الأحكام فكذا ...
стр. 126
والقسم الثاني: (ما يتعلق به الأحكام المشروعة وهي): أي ما يتعلق به الأحكام (أربعة):
(سبب: وهو) لغة ما يتوصل به إلى المقصود.
وفي الشريعة (أقسام منها:
سبب حقيقي: وهو ما يكون طريقاً إلى الحكم) وهذا غير مانع، فقد يراد أدنى الأصل (من غير أن يضاف إليه وجوب ولا وجود ولا يعقل فيه معاني العلل) ليخرج بالأول: العلة، وبالثاني: الشرط، وبالثالث: السبب الذي يشبه العلّة والسبب الذي فيه معنى العلة.
وهذا كدلالة السارق على مال إنسان، فإذا لم يضمن الدال؛ لأن الدلالة سبب محض تخلل بينه وبين المقصود ما هو علة غير مضافة إلى السبب، وهو الفعل الذي باشره المدلول باختياره.
(وسبب مجازي) باعتبار ما يؤل (كاليمين بالله تعالى) سميت سبباً للكفارة مجازاً؛ لأن اليمين إنما عقدت للبرّ، لكنها تفضي إلى الحكم عند زوال المانع، فكانت سبباً باعتبار ما يؤل، (ونحوها): أي نحو اليمين: كالطلاق المعلق بشرط.
(وهو) أي السبب المجازي (من العلل)؛ لأنه علّة العلة، إلا أن الحكم يضاف إلى العلة، فلو أضيف إلى السبب كان سبباً في معنى العلة: كسوق الدابة وقودها كل واحد منهما سبب لتلف ما يتلف بوطئها حالة السوق والقود، وقد تخلل بينه وبين التلف ما هو علّة، وهو فعل الدابة، لكن هذه العلّة مضافة إلى السوق والقود؛ لعدم صلاحية إضافة الحكم إلى العلّة.
والعلة: (وهي عبارة عما يضاف إليه وجوب الحكم) ابتداءً.
فخرج بالأول: الشرط، وبالثاني: السبب والعالمة وعلة العلة والتعليقات.
стр. 127
وتتم العلة الشرعية الحقيقية مثلا بثلاثة أشياء: الاسم والمعنى والحكم.
فالأول: أن تكون في الشرع موضوعة لموجبها.
والثاني: أن يضاف ذلك الحكم إليها بلا واسطة.
والثالث: أن يثبت الحكم عند وجودها بلا تراخ.
وهو أقسام سبعة:
الأول: علّة اسماً وحكماً ومعنى، كالبيع المطلق فإنه موضوع للملك، والملك يضاف إليه بلا واسطة، وهو مؤثر في الملك عند وجوده ويسقط به الحكم.
والثاني: علّة اسماً لا حكماً ولا معنىً، كالطلاق المعلق بالشروط؛ لأنه موضوع في الشرع لحكمه ويضاف الحكم إليه عند وجود الشرط، وليس علة حكماً؛ لأنه يتأخر عنه إلى وجود الشرط، ولا معنى؛ لأنه لا تأثير له فيه قبل وجود الشرط.
والثالث: علّة اسماً ومعنى لا حكماً، كالبيع بشرط الخيار، فإن البيع علة للملك اسماً؛ لأنه موضوع له، ومعنى، لأنه هو المؤثر في ثبوت الملك، لا حكماً وهو ثبوت الملك متراخٍ.
والرابع: علّة لها شبه بالسبب: كشراء القريب، فإنه علّة للملك، والملك في القريب علّة للعتق، فيكون العتق مضافاً إلى الشراء بواسطة، فمن حيث إنه لم يوجد إلا بواسطة العلّة كان سبباً، ومن حيث إن العلّة من أحكامه كان علّة يشبه السبب.
والخامس: وصف له شبهة العلل، كأحد وصفي علّة ذات وصفين كالجنس أو القدر لحرمة النسيئة.
стр. 128
والسادس: علّة معنى وحكماً لا اسماً، كأحد وصفي العلة، وهو علة معنى، لأنه مؤثر في الحكم، وحكماً؛ لأن الحكم يوجد عنده، لا اسماً؛ لأنه وحده ليس بموضوع للحكم.
والسابع: علّة اسماً وحكماً لا معنى: كالسفر، فإنه علّة للترخص اسماً؛ لأنها تضاف إليه، وحكماً؛ لأنها تثبت بنفس السفر متصلّة به، لا معنى؛ لأن المؤثر في ثبوتها المشقة لا نفس السفر.
(والشرط: وهو) لغة: العلامة.
وشرعاً (ما يتعلق به الوجود دون الوجوب): أي دون أن يكون مؤثراً في وجوده.
واحترز به عن العلة، قيل: ولا بُدّ أن يزيد قيداً آخر، وهو: أن يكون خارجاً عن ماهية ذلك الشيء؛ ليخرج به جزؤه، فإنه أيضاً ممّا يتوقّف عليه وجود الشيء، وليس بمؤثر فيه.
وأقسامه خمسة:
الأول: شرط محض، وهو الذي يتوقّف انعقاد العلة على وجوده، مثل دخول الدار بالنسبة إلى وقوع الطلاق المعلق به في قوله: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، فإن انعقاد قوله: أنتِ طالق علّة لوقوع الطلاق، موقوف على وجوده وليس له تأثير فيه.
الثاني: شرط هو في حكم العلة: كحفر البئر في الطريق، فإنه شرط لتلف ما تلف بالسقوط، والعلّة ثقل الساقط، والمشي سبب، لكن العلة ليست صالحة لإضافة الحكم إليها، فأضيف إلى الشرط، وكذا شق الزق الذي فيه مائع، فإنه شرط، والعلة مَيَعَانه، وهي علة غير صالحة لإضافة الحكم إليها، فأضيف إلى الشرط.
والثالث: شرط له حكم السبب، وهو الشرط الذي تخلل بينه وبين
стр. 129
مشروطه فعل فاعل مختار غير منسوب لذلك الشرط، كما إذا حل قيد عبد فأبق، فالحلّ شرط التلف، وهو متقدم صورة ومعنى، فأشبه السبب، والإباق علة، وهو غير حادث بالحلّ وانقطع عن الشرط، وكان التلف مضافاً للعلّة فلا يضمن الحالّ، ومثله مَن فتح باب قفص فطارَ الطيرَ عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وألحق محمد فعل الطير بسيلان ما في الزق.
والرابع: شرط اسماً لا حكماً، وهو ما يفتقر الحكم إلى وجوده ولا يوجد عنده، كأول الشرطين في حكم يتعلق بهما، كقوله لامرأته: إن دخلت هذه الدار وهذه الدار فأنتِ طالق، فمَن حيث إنه يتوقف الحكم عليه سمي شرطاً، ومن حيث إنه لا يوجد عنده لا يكون شرطاً حكماً.
والخامس: شرط هو كالعلامة: كالإحصان في الزنا.
ويعرف الشرط بصيغته كإن دخلت الدار، ودلالته كقوله: المرأة التي أتزوج طالق.
(والعلامة: وهي ما يعرف الوجود): أي وجود الحكم (من غير تعلق وجود ولا وجوب) كالإحصان فلا يضمن شهوده إذا رجعوا، واختار بعض أن الإحصان شرط.
стр. 130
فصل في الأهلية
وهي تثبت في الجملة بالولادة، فإذا ولد الآدمي كانت له ذمة صالحة للوجوب له وعليه في بعض الحقوق،
وتمام الأهلية الذي جعل [منه] مناط التكليف (المعتبر فيها العقل)، ولما كان هذا الفصل لبيان أحوال المكلف، ذكر فيه ما يختلف به الأحوال فقال:
(ومعترضاتها) أي العوارض على الأهلية (نوعان):
(سماوي): أي يكون (من قبل الله ) لا اختيار للعبد فيه فينسب إلى السماء بهذا الاعتبار.
(كالصغر)، وحكمه: أنه يسقط ما يحتمل السقوط عن البالغ بالعذر كالصلاة والصوم ويصح منه، وله ما لا عهدة فيه.
(والجنون)، وحكمه: أن يسقط به كل العبادات، إلا أنه إذا لم يمتد يلحق بالنوم ويجعل كأن لم يكن.
стр. 131
وامتداده في الصلوات بأن يزيد على يوم وليلة، وفي الصوم باستغراق الشهر، وفي الزكاة بالحول، وأبو يوسف أقام أكثر الحول مقام كله.
(والنسيان): وهو ما لا ينافي الوجوب في حق الله تعالى؛ لأنه لا يعدم العقل والذمة، لكنه إذا كان غالباً كما في الصوم والتسمية في الذبيحة وسلام الناسي في الصلاة يكون عفواً، ولا يجعل عذراً في حقوق العباد.
(والنوم): وهو يوجب تأخير الخطاب للأداء؛ لأنه لَمَّا لم يمتدّ لم يكن في وجوب القضاء عليه حرج، وينافي الاختيار، حتى بطلت عباراته في الطلاق والعتاق والإسلام والردة، ولم يتعلق بقراءته وكلامه وقهقهته في الصلاة حكم.
وبقي من العوارض السماوية التي لم يذكرها المصنف:
(والإغماء): وهو كالنوم في منافاة الاختيار، وهو حدث بكل حال، وإذا امتد يسقط به الأداء والقضاء في الصلوات لا النوم، وفي الصوم لا؛ لأن امتداده نادر فلا يعتبر.
(والرق): وهو ينافي أهلية الكرامة من الشهادة القضاء والولاية ومالكية المال، ولا ينافي مالكية غير المال كالنكاح والدم.
(والعته) بعد البلوغ وهو اختلاط الكلام، فالمعتوه: من اختلط كلامه وكان بعضه ككلام العقلاء وبعضه ككلام المجانين، وهو كالصبي مع العقل، حتى لا يمنع صحة القول والفعل، فإذا أسلم يصح إسلامه، ولو أتلف مال الغير يضمن، ولو توكل عن إنسان صحّ، ويتوقف بيعه وشراؤه على إجازة الولي.
(والحيض النفاس)، وهما لا يعدمان الأهلية بوجه، لكن الطهارة في
стр. 132
الصلاة شرط، وفي فوت الشرط قوت الأداء، والصلاة شرعت بصفة اليسر، ولهذا يسقط القيام إذا كان فيه حرج وكذا القعود، فلا يجب عليه القضاء، وجعلت الطهارة عنهما شرطاً لصحة الصوم بنصّ على خلاف القياس، وهو حديث عائشة ﵂: (كان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصلاة)، متفق عليه.
فلا يتعدى إلى القضاء.
(والمرض) وإنه لا ينافي أهلية الحكم والعبادة، ولكنه من أسباب العجز، فشرعت العبادة عليه بقدر المكنة، ومن أسباب تعلق حق الوارث والغريم بماله، ففي حق الوارث بالثلثين وفي حقّ الغريم بالكل.
(والموت) وإنه ينافي أحكام الدنيا مما فيه تكليف، لعدم القدرة والاختيار.
ما شرع عليه لحاجة غيره، فإن كان حقاً متعلقاً بالعين يبقى ببقائها كالأمانات، وإن كان ديناً لم يبق بمجرد الذمّة حتى ينضم إليه مال أو ذمة كفيل، وإن كان شرع عليه بطريق الصلة كنفقة المحارم بطل إلا أن يوصي به فيصحّ من الثلث، وإن كان حقاً له يبقى له ما تنقضي به الحاجة.
(ومكتسب) عطف على سماوي وهو النوع الثاني:
(وهو من جهة العبد كالجهل): وهو معنى يضاد العلم، وهو أنواع:
стр. 133
جهل الكافر بالله تعالى، وجهل صاحب الهوى بصفات الله تعالى، وجهل الباغي: وهو من خرج عن طاعة الإمام، وجهل مَن خالف في اجتهاده الكتاب والسنة المشهورة، فهذا لا يصلح عذراً لوضوح دليل ما جهل.
والجهل في موضع الاجتهاد الصحيح، كمن فاته العصر فصلى المغرب قبل قضائها ظاناً جوازها.
وجهل الشفيع ببيع دار بجنب جاره.
وجهل الأمة المنكوحة إذا أعتقت بالإعتاق أو بالخيار، وجهل البكر البالغة بإنكاح الولي، وجهل الوكيل بالوكالة أو بالعزل، وجهل المأذون بالإذن أو بالحجر يجعل عذراً.
(والسفه): وهو خفةٌ تعتري الإنسان فتبعثه على السرف والتبذير، وإنه لا يوجب خللاً في الأهلية، ولا يمنع شيئاً من أحكام الشرع، ويمنع ماله عنه في أول ما يبلغ إلى خمس وعشرين سنة عند الإمام، أو إلى أن يؤنس فيما لا يبطله الهزل كالنكاح والطلاق والعتاق، ويوجب في غير ذلك.
ثم عندهما هذا الحجر أنواع:
قد يكون بسبب السفه مطلقاً، وذلك يثبت عند محمد بنفس السفه إذا حدث بعد البلوغ أو بلغ كذلك؛ لأنه سبب
стр. 134
الحجر فلا يفتقر إلى القضاء كالجنون والصبا، وعند أبي يوسف لا بد من حكم القاضي؛ لأن حجره للنظر وباب النظر للقاضي، حتى لو باع قبل حجر القاضي جاز عند أبي يوسف، وعند محمد لا يجوز.
وقد يكون [بمنع القاضي] بأن يمتنعَ المديون عن بيع ماله لقضاء الدين، فإن القاضي يبيع عليه أمواله العروض والعقار، وذلك نوع حجر لنفاذ تصرف الغير عليه.
وقد يكون للخوف على المديون بأن يخلي أمواله ببيع الشيء بأقل من ثمن المثل أو بإقرار، فيحجر عليه إذ لا يصح تصرفه إلا مع هؤلاء الغرماء، والرجل غير سفيه.
(والسكر): وهو وإن كان مباحاً من مباح: كشرب الدواء، وشرب المكره والمضطر، وشرب ما يتخذ من الحنطة أو الشعير أو الذرة أو العسل عند أبي حنيفة ﵁، فهو كالإغماء فيمنع صحّة الطلاق والعتاق وسائر التصرفات، وإن كان من محظور وهو السكر من كل شراب محرم فلا ينافي الخطاب وتلزمه أحكام الشرع، وتصح عباراته بالطلاق والعتاق والبيع والشراء والأقارير، إلا الإقرار بالحدود الخالصة والردة.
وبقي من العوارض المكتسبة أيضاً: (الهزل) وهو أن يراد بالشيء ما لم يوضع له ولا ما صلح له اللفظ استعارة، وهذا معنى قول أبي منصور: الهزل ما لا يراد به معنى، وإنه ينافي اختيار الحكم والرضا به، ولا ينافي الرضا بالمباشرة
стр. 135
واختيارها، ولا ينافي الأهلية ووجوب الأحكام ولا يكون عذراً في موضع الخطاب بحال، ولكنه لما كان أثره في إعدام الرضا بالحكم لا في إعدام الرضا بالمباشرة وجب النظر في الأحكام، فكل حكم يتعلق بالعبارة دون الرضا بحكمها يثبت، وكل حكم يتعلق بالرضا لا يثبت.
(والسفر): وهو الخروج المديد، وأدناه ثلاثة أيام ولياليها، وتثبت أحكامه بنفس الخروج بالنية، وإن لم يقم السفر علّة بعدُ تحقيقاً للرخصة، فيؤثر في قصر ذوات الأربع وفي تأخير الصوم.
(والخطأ): وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى إذا حصل عن اجتهاد.
(والإكراه) ويتحقق بغلبة ظن وقوع ما هدد به إن خالف، وهو ملجئ: يعدم الرضا ويفسد الاختيار كالإكراه بالقتل، وغير ملجئ: وهو يعدم الرضا ولا يفسد الاختيار كالإكراه بالحبس، أو لا يعدم الرضا: وهو أن يتهم بحبس أبيه أو ابنه وما يجري مجرى ذلك.
والإكراه بجملته لا ينافي الخطاب والأهلية، وما صلح أن يكون المكره فيه آلة لغيره كإتلاف النفس والمال فالضمان على المكرِه، ومالا كالأكل والوطء فيقتصر الفعل على المكرَه.
стр. 136
[فصل في أنواع المحرمات]
(والحرمات أنواع) هذا بيان أثر الإكراه في الحرمات بالإسقاط وعدمه، ولقلة دراية المصنف بأصولنا حذف الإكراه، وذكر هذا ظناً منه أنه منقطع عما قبله.
(منها): أي من الحرمات (ما لا رخصة فيه): أي لا ترخص فيه لعذر الإكراه كالزنا وقتل المسلم؛ لأن دليل الرخصة خوف التلف، والمكره عليه في ذلك سواء، فإذا قتله فكأنه قتله بلا إكراه فيحرم.
(ومنها): أي ومن الحرمات (ما) أي حرمة (يحتمل السقوط) كحرمة الخمر والميتة فتباح بالإكراه الملجئ حتى لو امتنع المكرَه كان آثماً مضيعاً لدمه، فلو كان الإكراه غير ملجئ لا يحل له التناول لعدم الضرورة، إلا أنه إذا شرب لم يحد؛ لأن الإكراه شبهة.
(وما) أي حرمة (لا يحتمله): أي لا يحتمل السقوط بأصله كإجراء كلمة الكفر على لسان المكرَه، فإنه حرام يرخص فيه، حتى لو صبر كان مأجوراً.
стр. 137
(وما): أي حرمة (يحتمله) أي تحتمل السقوط بأصله كتناول مال الغير، فإنه حرام يحتمل السقوط بالإباحة، و (لا تسقط) الحرمة في هذين (بعذر): أي بعلة الإكراه (وتحتمل الرخصة): أي يرخص فيها مع قيام الحرمة، حتى لو صبر كان مأجوراً لأخذه بالعزيمة، وهي إعزاز الدين في الأول، والكف عن مال المسلم في الثاني.
стр. 138
فصل في المتفرقات
(الإلهام): وهو الإيقاع في الرُّوع من علم يدعوا إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة (ليس بحجة)، ولا يجوز العمل به عند الجمهور، (وقال بعض الصوفية: إنه في حق الأحكام حجة) يجوز العمل به.
وردّ عليهم بأن يقال: ألهمت بأن القول بالإلهام باطل، فإلهامي حجة أم لا؟ فإن قال: حجة، بطل قوله، وإن قال: لا، فقد قال ببطلان الإلهام في الجملة، وإذا كان الإلهام بعضه صحيحاً وبعضه باطلاً، لم يكن الحكم بصحة كل الإلهام على الإطلاق ما لم يقم دليل على صحته، فحينئذٍ يكون المرجع إلى الدليل دون الإلهام.
(والفراسة): وهي ما يقع في القلب بغير نظر في حجة)، هذا وقع دليل من قال: الإلهام حجة، لا أنه من المتفرقات، فظنّه هذا المصنف منها،
стр. 139
وقد أجيب عنه: بأنا لا ننكر كرامة الفِراسة، ولكنا لا نجعل ذلك حجّة لجهلنا أنه من الله تعالى أم من الشيطان أم من النفس.
(والحكم: ما ثبت به جبراً) هذا كلام وقع في أثناء بيان الحكم؛ لأنه المقصود فافهم.
قالوا عندنا: حكم الله صفة أزلية لله تعالى، وكون الفعل واجباً وفرضاً وسنة ونفلاً وحسناً وحلالاً وحراماً، محكوماً لله تعالى ثبت بحكمه وهو إيجاد الفعل على هذا الوصف، وإنما سمي حكم الله تعالى في عرف الفقهاء والمتكلمين بطريق المجاز، إطلاقاً لاسم الفعل على المفعول، ثم المحكوم الذي يسمّى حكماً مجازاً وهو الوجوب وكذا صفات الأفعال لا نفس الفعل؛ لأن نفس الفعل يحصل باختيار العبد وكسبه، وإن كان خالقه هو الله تعالى. والحكم ما ثبت جبراً شاء العبد أو أبى. انتهى.
(والدليل: وهو ما يتوصّل بصحّة النظر فيه إلى العلم)، هذا تصرف في عبارة المشايخ بما أفسدها؛ إذ لفظهم: هو ما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم، والنظر عبارة عن ترتيب تصديقات علمية أو ظنية ليتوصل بها إلى تصديقات أخر، فترك قيد الإمكان وجعل التوصل بالصحة وهي صفة النظر لا هو، والتوصل عندهم بنفس النظر الموصوف بالصحة، وأين هذا من ذاك؟
стр. 140
(والحجة: وهي) مأخوذة (من حج إذا غلب) سمِّيت بذلك؛ لأنها تغلب من قامت عليه وألزمته حقاً، وهي مستعملة فيما كان قطعياً أو غير قطعي.
(والبرهان نظيرها): أي نظير الحجة، لكنه يستعمل في القطعي عند قوم (وكذا البينة).
(والعرف: ما اشتهر بشهادة العقول ويتلقى طبعاً بالقبول)، هذا من تصرف هذا المصنف، وعبارة الأصل: ما استقرّ في النفوس من جهة شهادات العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
(والعادة: ما استمر الناس عليه وعاودوه مرة بعد أخرى)
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، والحمد لله العزيز الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد سيد أولى الألباب، صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم المآب آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم آمين.