Полный текст (140 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
(لا شبهة فيه) أي في دلالته، فتخرج الآية المؤولة والعام المخصوص.
قيل: هذا التعريف ليس بمانع لشموله بعض المباحات والنوافل الثابتين بدليل قطعي لا شبهة فيه، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، فالصواب: أنه ما قطع بلزومه.
قلت: إذا أريد بالثبوت اللزوم فلا إيراد كالأركان الخمسة التي بني الإسلام عليها.
(وحكمه): أي حكم الفرض (اللزوم تصديقاً): أي إذعاناً (بالقلب، فيُكْفر) بسكون الكاف: أي فينسب إلى الكفر (جاحده): أي منكر لزومه (وعملاً بالبدن) عطف على تصديقاً أي: وحكمه لزوم عمل المفروض بالبدن (فيفسق): أي ينسب إلى الفسق، وهو هنا الخروج عن طاعة الله ((تاركه بغير عذر) من إكراه أو مرض ونحوهما.
(٢) الواجب
(وواجب) من وجب بمعنى سقط لسقوط لزومه على المكلف (وهو ما ثبت بدليل) ظنّي (فيه شبهة) كصدقة الفطر والأضحية ثبتا بخبر الواحد وهو دليل فيه شبهة،
стр. 72
والأخصر: ما ظن لزومه.
(وحكمه: اللزوم عملاً بمنزلة الفرض): أي تجب إقامته بالبدن كإقامة الفرض للدلائل الدالة على وجوب اتباع الظن.
стр. 73
(٣) السنة
(وسنة: وهي الطريقة المسلوكة في الدين) التي يطالب المكلف بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب، فخرج النفل؛ لأنه لا يطالب بإقامته، وخرج الواجب والفرض.
وأهمل المصنف هذه القيود اعتمادا على ما ذكر في حكمها وهو قوله
وحكمها: المطالبة بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب.
стр. 74
(٤) ... النقل
(ونفل: وهو ما زاد على العبادات): أي الفرائض والسنن المشهورة.
(وحكمه: إثابة فاعله ولا معاقبة على تاركه)، وتدخل السنة في هذا، فالأولى أنه ما يثاب على فعله فقط.
(ويلزم) النفل (بالشروع) فيه حتى يجب المضي فيه، ويعاقب على تركه لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، فإذا وجب الإتمام لزم القضاء بالإفساد (والتطوع مثله): أي مثل النفل.
قال شيخنا: ولا يظهر لي أنه غيره.
(ومباح: وهو ما ليس لفعله ثواب، ولا لتركه عقاب).
[الرخصة]
(ورخصة): أي والثاني أو والآخر رخصة، وكان الأولى التصريح، بهذا قال شيخنا (وهي) أي الرخصة (ما) أي مشروع (تغير من عسر ليسر بعذر).
قالوا: وهي أربعة أنواع: نوعان من الحقيقة، ونوعان من المجاز:
стр. 75
١ - ما يستباح أي يعامل معاملة المباح مع قيام سبب الحرمة وحكمها، كالمكره على الفطر في رمضان، يرخص له في الإفطار مع قيام دليل الحكم وهو شهود الشهر وقيام حرمة الفطر.
٢ - وما يستباح مع قيام السبب الموجب وتراخي الحكم: كفطر المسافر والمريض في رمضان، الأخذ بالعزيمة في هذين أولى.
٣ - وما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا.
٤ - وما سقط عن العباد مع كونه مشروعاً في الجملة، كقصر الصلاة في السفر.
فتبيّن أن التعريف غير جامع.
стр. 76
[فصل في أسباب الأحكام]
(والأحكام المشروعة بالأمر)، بقوله: (والنهي): أي المنهي عنها: أي لوجوبها الخبري؛ لأنه هو الذي له السبب، المراد بالأحكام المحكوم بها من العبادات (بأقسامها) من الأمر المؤقت والمطلق ونحوهما، والنهي عن الأمور الشرعية والحسية ونحوهما (أسباب)، وهي هنا بمعنى العلل، جعلها الشرع مناطاً للأحكام تيسيراً لإدراك الحكم الغائب عن العباد.
(فسبب وجوب الإيمان): أي سبب وجوب الجبري التصديق والإقرار (حدوث العالم الذي هو) أي العالم (علم على وجود الصانع؛ لأن الحدوث يقتضي مُحْدِثاً، ولا بدّ أن يكون موجباً لذاته كما عرف في موضعه.
(وسبب الصلاة): أي وجوبها (الوقت) بإضافتها إليه، والإضافة تقتضي الاختصاص، وأقوى وجوهه بالسببية.
(والزكاة): أي وسبب وجوب الزكاة (ملك المال)، وهو النصاب
стр. 77
المغني النامي الفاضل عن الحاجة الأصلية؛ لإضافاتها إليه في قوله ﷺ : ((فأدّوا زكاة أموالكم)) رواه أبو داود، ومن حديث [ابن عمر ﵄] ومن حديث علي ﵁ ونحوه.
(والصوم) أي وسبب وجوب الصوم (أيام رمضان) للإضافة.
(وزكاة الفطر):أي وسبب وجوب زكاة الفطر (رأس يمونه): أي يقوم بكفايته (ويلي عليه)؛ لقوله ﷺ في صدقة الفطر: ((عن الصغير والكبير والحر والعبد ممن تمونون))، رواه الدارقطنيّ من حديث ابن عمر ﵁، ومن حديث علي ﵁.
(والحج): أي وسبب وجوب الحج (بيت الله تعالى) لإضافته إليه في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾.
(والعشر): أي وسبب وجوب العشر (الخراج الأرض النامية تحقيقاً أو تقديراً): أي تحقيقاً في العشر بحقيقة الخارج، وتقديراً في الخراج بالتمكن من الزراعة، بدلالة الإضافة فيقال: عشّر الأرض وخراج الأرض
стр. 78
والعشر مؤنة فيها معنى العبادة؛ لأنه يصرف إلى الفقراء ولم يجز التعجيل قبل الخارج لعدم تمام السبب، والخراج عقوبة فيها معنى المؤنة؛ ولهذا ابتدأ بالكافر.
(والطهارة): أي وسبب وجوب الطهارة (الصلاة) يقال: طهارة الصلاة.
(و) سبب مشروعية (المعاملات) توقف بقاء (العالم) إلى يوم القيامة على مباشرتها.
(و) أسباب (العقوبات ما نسبت إليه) من قتل وزنا وسرقة.
(و) سبب (الكفارات أمرٌ دائرٌ بين الحظر والإباحة) بأن يكون مباحاً من وجه ومحظوراً من وجه: كالقتل الخطأ، فإنه من حيث الصورة رمي إلى الصيد، وهو مباح، وباعتبار ترك التثبت حتى أصاب آدمياً، هو محظور. والله أعلم.
стр. 79
(باب بيان أقسام السنة)
(السُّنة: هي المروية عن رسول الله ﷺ قولاً وفعلاً).
وهذا غير جامع لخروج التقرير، وغير مانع لشمول القرآن.
وإصلاحه: بأنها المروي عن رسول الله ﷺ قولاً أو فعلاً أو تقريراً.
وهي تشترك مع الكتاب في الأقسام المتقدمة، ويختصّ هذا الباب بكيفية اتصالها بنا، وحال نقلها إلينا، ومتعلقات ذلك، فلذلك قال:
(وبيان وجوه) أي طرق (اتصالها بنا أقسام) أربعة بالاستقراء:
(منها المتواتر) وهو لغة المتتابع (وهو الكامل) لعدم الشبهة، وفي العرف: هو (الذي رواه قوم لا يحصى عددهم ولا يتوهم) عادة (تواطؤهم): أي توافقهم (على الكذب).
وفيه خلل لفوته ذكر دوام هذا في الطرفين والوسط، ولأنَّ عدم الإحصاء ليس بشرط بل الكثرة.
стр. 80
فالأولى: أنه خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه.
وموجبه: علم اليقين.
٢ - (والمشهور هو الذي في اتصاله) بنا (شبهة) صورة،
стр. 81
وهذا غير محتاج إليه في التعريف، ويكفي فيه قوله وهو الذي (انتشر من الآحاد) في القرن الثاني والثالث (حتى صار كالمتواتر).
وحكمه: أنه يوجب علم الطمأنينة، وهو دون اليقين وفوق أصل الظن.
٣ - وخبر الواحد وهو الذي في اتصاله بنا شبهة صورة ومعنى، وعرف بما لم يبلغ حد الشهرة.
وحكمه: أنه يوجب العمل، ولا يوجب العلم.
وتركه المصنف سهواً لأنه معظم السنة، وعليه مدار معظم الأحكام.
(والمنقطع) وهو القسم الثاني من الأقسام الأربعة (وهو نوعان: ظاهر وباطن): أي ظاهر انقطاعه بمعنى أنه منقطع في الصورة
стр. 82
الظاهرة، وباطن: أي انقطاعه، بمعنى أن نسبته على القائل منقطعة في باطن الأمر، وإن اتصلت في الظاهر.
(فالظاهر) انقطاعه (هو المرسل وهو المنقطع الإسناد) وهو طريق المتن، بأن سقطت الواسطة بين الراوي وبين النبي ﷺ كأن يقول لما لم يسمعه من النبي ﷺ قال رسول الله ﷺ كذا، أو لما لم يره فعله: فعل رسول الله ﷺ كذا، أو فُعل بين يديه كذا، ونحوه.
(وهو) أي المرسل على (أربعة أوجه:
أحدها: ما أرسله الصحابي، وهو مقبول بالإجماع) للإجماع على عدالتهم، فلم يضر الجهل بالساقط من الإسناد.
(والثاني: ما أرسله أهل القرن الثاني) وهم التابعون، (وهو حجة عند الحنفية)، وجميع أهل عصرهم إلى ما بعد المئتين، كما قاله أبو داود في رسالته إلى أهل مكة
стр. 83
وابن جرير الطبري.
стр. 84
وذلك لثبوت عدالة الساقط بالحديث الذي استدلّ به لقبول مرسل الصحابي، وهو حديث ((خير القرون)) كما استدلّ به الخطيب في ((الكفاية)) وغيره من أئمة الحديث، وكذا المرسل لأنه يستحيل أن يشهد على رسول الله ﷺ بشيء إلا بعد ثبوته عنده، ولا ثبوت إلا بعد عدالة الراوي.
стр. 85
(والثالث: ما أرسله العدل في كل عصر) بعد القرن الثاني والثالث (وهو حجّة عند الكرخي)؛ لأن علّة القبول في القرون الثلاثة العدالة والضبط، فمهما وجدا وجب القبول.
وقال عيسى بن أبان: لا يقبل؛ لأن الزمان زمان الفسق وفشو الكذب، فلا بُدَّ من البيان.
وقد يقال: إن كان العدل عالماً بأحوال الرواة فالقول ما قاله الكرخي لاتفاق أئمة الحديث بعد البخاري على قبول معلقاته المجزومة.
стр. 86
(والرابع ما أرسل من وجه وأسند من وجه)، مثل حديث ((لا نكاح إلا بولي)) ورواه شعبة وسفيان مرسلاً عن أبي بردة عن النبي ﷺ ورواه إسرائيل بن يونس مسنداً عن أبي بردة، عن أبي موسى عن النبي ﷺ (فلا شبهة في قَبوله عند مَن يقبل المرسل)، وعند المحققين من غيرهم أيضاً.
(والباطن) انقطاعه (على وجهين):
(أحدهما: المنقطع لنقص الناقل) بفوت شرط من شروط الرواية، وهي: عقل البالغ، وإسلامه، وعدالته - وهي رجحان جهة الدين والعقل على طريق الهوى والشهوة بعدم اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر - وضبطه بسماع الكلام كما يحقّ سماعه، ثم فهم معناه، ثم الثبات عليه إلى حين أدائه.
فلا يقبل خبر مَن فَقَدَ شيئاً من هذه الشروط.
стр. 87
وللجرح والتعديل عند أئمة الحديث مراتب، ولهم كلمات تستعمل في أهل تلك المراتب، والتي تستعمل في الجرح منها ما يرجع إلى العدالة، ومنها ما يرجع إلى الضبط.
وأنا أذكرها لك على سبيل التدلي:
فأعلى التعديل: أوثق الناس، وأثبت الناس، وإليه المنتهى في التثبت.
ثم ثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو ثبت ثبت، أو ثقة حافظ، أو عدل حافظ.
ثم ثقة، أو متقن، أو ثبت، أو حجة.
ثم صدوق، أو محلة الصدق، أو لا بأس به، أو ليس به بأس.
ثم شيخ، ثم صالح، وقيل: صالح، ثم شيخ.
وأعلى الجرح: أكذب الناس، وإليه المنتهى في الكذب أو في الوضع، أو ركن الكذب، ونحو ذلك.
ثم دجال، أو وضاع، أو كذاب.
ثم متروك، أو ساقط، أو فاحش الغلط، أو منكر الحديث.
ثم ضعيف، أو ليس بالقوي، أو فيه مقال.
ثم لين، أو سيء الحفظ، أو فيه أدنى مقال.
(والثاني المنقطع) باطناً (بدليل معارض) يقدم عليه.
ومثَّل لذلك بحديث فاطمة بنت قيس ﵂: لم يجعل لي رسول الله ﷺ نفقة ولا سكنى.
стр. 88
عارضه قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، وقراءة ابن مسعود ((وأنفقوا عليهنّ من وجدكم)).
وحديث القضاء بشاهد ويمين عارض قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا
стр. 89
شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم﴾، وعند عدم الرجلين أوجب رجلاً وامرأتين، وحيث نقل إلى ما ليس بمعهود في مجالس الحكام دلّ على عدم قبول الشاهد الواحد مع اليمين، وعارض السنة المشهورة وهو قوله ﵊: ((البينة على المدعي واليمين على من أنكر)).
وحديث المصرّاة عارض قوله تعالى:
стр. 90
﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُم﴾.
(والثالث) من الأقسام الأربعة (ما جعل الخبر فيه حجة) وهي حقوق الله تعالى، وهي العبادات والعقوبات عند أبي يوسف ﵀ وحقوق العباد.
(والرابع) من الأقسام الأربعة المختصة بالسنة (في بيان نفس الخبر وهو أربعة أقسام):
(متحتم الصدق) لإحاطة العلم بذلك، كخبر الرسول ﷺ لمن يسمعه منه؛ لأنه ثبت بالدليل القاطع عصمته.
(وحكمه: اعتقادُه): أي وجوب اعتقاده (والائتمارُ به) لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
(وقسم متحتم الكذب) قالوا: كدعوى فرعون الربوبية.
قلت: ليس هذا مما نحن فيه، والله أعلم.
(وحكمه: اعتقاد بطلانه).
(وقسم يحتملهما): أي الصدق والكذب، كخبر الفاسق يحتمل الصدق باعتبار دينه، ويحتمل الكذب باعتبار فسقه.
(وحكمه: التوقف فيه)؛ لاستواء الجانبين، وقد قال تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.
(وقسم ترجح أحد احتماليه)، وهو جانب صدقه لتمثيلهم له بخبر العدل المستجمع لشرائط الرواية.
стр. 91
(وحكمه: العمل به) للدلائل الدالة على ذلك كما تقدم (دون اعتقاد حقيته).
ولهذا النوع أطراف ثلاثة:
طرف السماع: وهو أن تقرأ على المحدث، أو يقرأ المحدث عليك، أو يقرأ بحضرته وأنت تسمع، وهذا عزيمة، والرخصة: الإجازة.
وطرف الحفظ: والعزيمة فيه: حفظ المروي من وقت السماع إلى وقت الأداء، الرخصة: الاعتماد على الكتاب المسموع.
وطرف الأداء: والعزيمة فيه: أن يؤدى بلفظه كما سمع، والرخصة: أن ينقله بمعناه، وقد منعه بعضهم.
والصحيح عندنا تفصيل: إن كان مُحكَماً يجوز للعالم باللغة.
وإن كان ظاهراً يحتمل الغير: كعام يحتمل الخصوص، وحقيقة تحتمل المجاز، يجوز للمجتهد فقط.
وما كان مشتركاً أو مجملاً أو متشابهاً أو من جوامع الكلم، فلا يجوز أصلاً.
وقد يلحق الحديثَ الطعنُ:
أما من الراوي بأن أنكر الرواية عنه إنكارَ جاحد، بأن قال: كذبتَ عليَّ أو ما رويتُ لك، وفي هذا الوجه يسقط العمل بالحديث.
стр. 92
وإن أنكر إنكاراً موقوفاً، بأن قال: لا أذكر أني رويت لك هذا ولا أعرفه، ففيه خلاف.
أو عمل بخلافه بعد الرواية مما هو خلاف بيقين، فيسقط العمل به أيضاً.
كما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: ((أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل)) ثم إن عائشة ﵂ زوجت بنت أخيها بلا إذن وليها.
وكما روى أبو هريرة ﵁ مرفوعاً: ((غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعاً)) كما في ((الصحيحين)).
стр. 93
وعمل بالثلاث كما رواه الطحاوي وغيره عنه.
ويشكل عليه أن ابن عمر روى قصّة حِبان بن مُنْقِذ في الخيار ثلاثة أيام، وقال في ((الهداية)) عن ابن عمر ﵁ أنه أجاز الخيار شهرين.
стр. 94
وكذا ترك الراوي العمل بالحديث، كما روى ابن عمر: ((أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه)) كما في الصحيحين، وترك ذلك، كما روى محمد في ((موطئه)) وغيره عن عبد العزيز بن حكيم قال: ((رأيت ابن عمر يرفع يديه بحذاء أذنيه في أول تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك))، وعن مجاهد قال: ((صليت خلف ابن عمر فلم يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة)).
стр. 95
وكذا عمل الصحابة ﵃ بخلافه إذا كان ظاهراً لا يحتمل الخفاء عليهم، كحديث حذيفة ((البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام)) وما روي ((أن عمر ﵁ نفى رجلاً
فلحق بالروم مرتداً، فحلف أن لا ينفي أحداً أبداً))، فلما ترك النفي والحديث لا يخفى عليهم؛ لأن إقامة الحد مفوض إلى الإمام، ومبنيٌّ على الشهرة، علم أنه ليس من تمام الحدّ.
قالوا: وإن كان من جنس ما يحتمل الخفاء، كحديث القهقهة في الصلاة رواه زيد بن خالد الجهني وروي عن أبي موسى الأشعري
стр. 96
أنه لم يعمل به، فلا يوجب جرحاً؛ لأنه من الحوادث الشاذة فاحتمل الخفاء على أبي موسى.
قلت: لم يخف على أبي موسى لأنه رواه كما أخرجه عنه الطبراني، بالأسانيد الصحيحة، فيكون مما رواه وعمل بخلافه. على هذا [لكن روى الطحاوي عن أبي موسى أن مذهبه إيجاب الوضوء من القهقهة والله أعلم] وأما قولهم: إن زيد بن خالد رواه، فمما لم يوجد في ((مسنده)) في شيء من الكتب التي بأيدي أهل العلم الآن، وقد رواه الأئمة عن أبي حنيفة [﵁] من غير طريق زيد؛ فرواه محمد من مرسل الحسن، ورواه غيره من طريق معبد، والله أعلم.
وتعيين الراوي بعض محتملات لفظ الحديث لا يمنع العمل بظاهر الحديث، كتعيين ابن عمر ﵁ أن التفرق بالأبدان في الحديث المتفق عليه ((البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا)) لم يمنع من حمل التفرق على الأقوال.
стр. 97
ولا يسمع الجرح في الراوي إلا مفسراً بما هو قادح متفق عليه.
ولا يجرح بالتدليس، قالوا: وهو كتمان انقطاع في الحديث، مثل أن يقول: حدثني فلان عن فلان، ولا يقول: قال حدثني فلان، أو قال: أخبرني فلان، والصحيح أن هذا ليس بجرح؛ لأنه يوهم شبهة الإرسال، وحقيقة الإرسال ليس بجرح فشبهته أولى.
قلت: التدليس عندهم إحداث الانقطاع لا كتمانه؛ لأنه إسقاط راوٍ من السند أو أكثر، ولا يختص بهذه الصورة، بل يكون بإسقاط شيخه الذي سمع منه،
стр. 98
وهذه الصورة التي ذكروها تسمى عندهم تدليس التسوية: وهي شرّ أنواع التدليس، وحينئذٍ فهو تحقق الإرسال لا أنه يوهم.
ثم إن المدلسين عندهم ما عدا سفيان بن عيينة إنما يسقطون الضعيف، فلا يصحّ أن يقال عليهم ما ذكر، من أن حقيقة الإرسال ليس بجرح؛ لأن المرسل عندنا إنما أرسل عن ثقة عنده.
ولا يجرح بالتلبيس: وهو أن يذكر الشيخ بما لا يشتهر به، ويسمّى هذا عند المحدثين تدليس الشيوخ، ومضرّته في المتقدمين نوعين طريق معرفة المحدث.
стр. 99
[فصل في التعارض]
(إذا وقع التعارض) وهو تقابل المتساويين قوة حقيقة، مع اتحاد النسبة (بين الحجج) في نظر المجتهد.
(فحكمه): أي حكم وقوع التعارض (بين الآيتين المصيرُ إلى السنة): كقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ يوجب القرآن بعمومه القراءة على المقتدي، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ينفي وجوبها؛ إذ كلاهما ورد في الصلاة كما بيَّنه الطحاوي في ((الأحكام))، فصير إلى الحديث وهو ما رواه ابن منيع بسند
стр. 100
((الصحيحين)) عن جابر أن النبي ﷺ قال: ((مَن كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة))،
ولا يعارضه قوله ﷺ : ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))؛لأنه محتمل لإرادة نفي الفضيلة.
(وبين السنتين المصير إلى أقوال [علماء] الصحابة) أي قُدِّم على القياس مطلقاً، كما قال فخر الإسلام، وفيما لم يدرك بالقياس كما قال الكرخي، ومنه إلى القياس وإن لم يقدم كما ذكره الكرخي، فهو في رتبة
стр. 101
القياس، وهو ظاهر قوله: (أو القياس) فيتحرَّى فيهما، ومَثَّلَ لهذا بما روى النعمان بن بشير (أن النبي ﷺ صلاة الكسوف كما تصلون بركعة وسجدتين) مع ما روت عائشة ﵂: أن النبي ﷺ صلاها ركعتين بأربع ركوعات وأربع سجدات) فصير إلى القياس، وهو اعتبار صلاة الكسوف بسائر الصلوات.
(وبين القياسين): أي وحكم التعارض إذا وقع بين قياسين أنه (إن أمكن ترجيح أحدهما) عمل به، (وإلا): أي وإن لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر (فيعمل المجتهد بأيهما شاء بشهادة قلبه.
المجتهد بأيهما شاء بشهادة قلبه)؛ لأن أحد القياسين حقّ، ولا يتساقطان لأنه لم يبق بعدهما دليل يصار إليه.
وعند العجز عن المصير إلى دليل يجب تقرير الأصول، وهو إبقاء ما كان على ما كان.
(وإذا كان في أحد الخبرين زيادة) لم تكن في الآخر (والراوي واحد، يؤخذ بالمثبت للزيادة) مثل ما روى ابن مسعود: ((إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا وترادّا))
стр. 102
وفي رواية لم يذكر ((والسلعة قائمة)) فأخذ بالمثبت للزيادة فلا يجري التحالف إلا عند قيام السلعة.
(وإذا اختلف الراوي جعل) الخبر (كالخبرين وعمل بهما)؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ قاله في وقتين، فيجب العمل بهما بحسب الإمكان (عملاً بأن المطلق لا يحمل على المقيد في حكمين).
ومثل له بما روي ((أنه عليه [الصلاة] والسلام نهى عن بيع الطعام قبل قبضه)) رواه ابن عباس، وروي ((أنه ﷺ نهى عن بيع ما لم يقبض)). فقلنا: لا يجوز بيع الطعام قبل القبض، ولا بيع سائر العروض قبل القبض.
стр. 103
[فصل في البيان] .
(وهذه الحجج): أي التي مر ذكرها من الكتاب والسنة بأقسامهما (تحتمل البيان): أي إظهار المراد.
(ويكون) البيان (التقرير: وهو تأكيد الكلام بما يقطع احتمال المجاز) كقوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ﴾، فبجناحيه قطع الاحتمال أن يراد المسرع ونحوه،
ومثله قوله: لها: أنت طالق، وقال: عنيت المعنى الشرعي (والخصوص) كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ فـ ﴿كُلُّهُم﴾ قطع احتمال البعض.
(ويصحّ موصولاً ومفصولاً).
(وللتفسير): أي بيان ما فيه خفاء.
(وهو بيان المجمل) كقوله تعالى: ﴿أَقَيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فالصلاة والزكاة مجمل لحقه البيان بالسنة.
стр. 104
(والمشترك) نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فالقرء مشتركٌ بين الطهر والحيض، لحقه البيان بقوله ﷺ : ((طلاق الأمة ثنتان وعدّتها حيضتان)).
وهذا القسم يصحّ موصولاً ومفصولاً.
(وللتغيير: وهو التعليق بالشرط) كأنتِ طالق إنْ دخلتِ الدار، (والاستثناء) كـ: له عليّ ألفٌ إلا مئةً.
أما إنه للتغيير؛ فلأنه أبطل الإيقاع وَصَيَّره يميناً في الشرط، وأبطل الكلام في حق المئة في الاستثناء.
ولكنه بيان مجازاً، من حيث إنه بيَّن أنه حلف لا تطليق، وأنه عليه تسع مئة لا ألف.
(ويصح موصولاً فقط) بالإجماع، إلا ما يروى عن ابن عباس
وهو أنه تكلَّم بالباقي بعد المستثنى
وإذا تعقب جملاً متعاطفة صرف إلى الأخيرة لظهور ذلك، وتأييده في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ الآية
стр. 105
فإن الأخيرة اسمية لا تعلّق لها بالحكام ولا بالحد، وما قبلها فعلية إنشائية خوطب بها الحكام للحد، إلى غير ذلك ممّا ذكر في المطولات.
وتخصيص العام ابتداء مثل هذا النوع، يصحّ موصولاً فقط، حتى عرف بأنه: قصر العام على بعض أفراده بالمستقل المتصل حقيقة، أو حكماً للجهل بالتاريخ.
(وللضرورة): أي بيان حاصل لأجل الضرورة (وهو نوع بيان يقع بما لم يوضع له): أي للبيان بالنطق وهذا بالسكوت.
وهو أقسام:
قسم يكون في حكم المنطوق: كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ صدر الكلام أوجب الشركة المطلقة، من جهة أن الميراثَ أضيف إليهما من غير بيان نصيب كلٍ منهما، ثم تخصيص الأم بالثلث صار بياناً لكون الأب يستحقّ الباقي ضرورة.
وقسم يثبت ضرورة دفع الغرور عن الناس: كسكوت المولى حين رأى عبده يبيع ويشتري، فيجعل إذناً في التجارة دفعاً للغرور عمن يعامل العبد.
стр. 106
وقسم يثبت ضرورة دفع طول الكلام فيما يكثر استعماله كـ: له علي مئة ودرهم، جعل العطف بيان أن المئة من جنس المعطوف.
(وللتبديل وهو النسخ) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾.
قالوا: التبديل النسخ.
وهو اصطلاحاً: أن يدل على خلاف حكم شرعي دليلٌ شرعيٌ متراخٍ، وهذا في حق البشر (ويجعل في حق الشارع بياناً لمدة الحكم): أي بياناً لانتهاء مدة الحكم (المطلق) عن تأبيد أو تأقيت (المعلوم عند الله تعالى) أنه ينتهي في وقت كذا.
وشرط جواز النسخ: التمكن من عقد القلب عندنا.
ومحله: حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه.
(والقياس لا يصلح ناسخاً) للكتاب والسنة؛ لأن الصحابة ﵃ أجمعوا على ترك الرأي بالكتاب والسنة؛ ولأن الرأي لا مجال له في معرة انتهاء وقت الحكم، (وكذا الإجماع) لا يصلح ناسخاً (عند الجمهور) خلافاً لبعض المشايخ؛ لأن الإجماع بعد عهد الرسول ﷺ إذ لا إجماع دون رأيه وهو منفرد، ولا نسخ بعده.
стр. 107
(ويجوز نسخُ كل من الكتاب والسنة بالآخر) نصَّ عليه؛ لأنه موضع الخلاف.
فنسخ السنة بالكتاب: التوجه إلى بيت المقدس فعَلَه ﷺ سبعة عشر شهراً بالمدينة، ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
ونسخ الكتاب بالسنة: ما روت عائشة ﵂ إن النبي ﷺ أخبرها بأن الله تعالى أباح له من النساء ما يشاء، نسخ قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾.
(ونسخُ الحكم والتلاوة جميعاً) كـ ((عشر رضعات يُحَرِّمنْ)).
ونسخ أحدهما:
أما التلاوة مع بقاء الحكم فكـ ((الشيخ والشيخة إذا زنيا)).
وأما الحكم مع بقاء التلاوة فكآيات المسالمة.
(ونسخ وصف الحكم) مع بقاء أصله (كالزيادة) على النص؛ لأن الزيادة تدفع إجزاء الأصل.
стр. 108
[فصل في أفعال النبي ﷺ ]
ومما يتصل بالسنن أفعالُ النبي ﷺ الاختيارية الصالحة للاقتداء (وهي أربعة) عند فخر الإسلام (مباح، ومستحب، وواجب، وفرض) وعند غيره ثلاثة؛ لأن الواجب الاصطلاحي لا يتصور في حقّه ﷺ .
ويمكن أن يقال: المراد تقسيم أفعاله بالنسبة إلينا، وقد ثبت بعضها بالظنّ فيتحقق الواجب بالنسبة إلينا.
(وقد اختلف العلماء فيها، والصحيح) عندنا (أن كل ما عُلم وقوعه منها) أي من الأفعال (على وجهٍ) أي صفة (يُقْتدى به كما وقع): أي يقتدى به في إيقاعه على تلك الصفة، حتى يقوم به دليل الخصوص (وما لا يعلم) على أي صفة فعله.
(فمباح): أي يعتقد فيه الإباحة لتيقنها، فيكون لنا اتباعه إلى أن يقوم دليل المنع.
стр. 109
[شرائع من قبلنا]
(والصحيح) عندنا خلافاً للبعض (أن شرائع من قبلنا تلزمنا) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ...﴾ الآية، والإرث يصير ملكاً للوارث مخصوصاً به، لكن لَمَّا لم يبق الاعتماد على كتبهم للتحريف قلنا: إنما تلزم (إذا قصَّ الله ورسوله من غير إنكار) فيعمل به على (أنه شريعة لرسولنا) ﷺ .
стр. 110
[تقليد الصحابي]
(وتقليد الصحابي) وهو اتباعه في قوله وفعله معتقداً للحقيقة من غير تأمل في الدليل (واجب يترك به القياس) في غير ما ثبت الخلاف فيه بينهم لقوله ﷺ : ((مثل أصحابي في أمتي مثل النجوم، فبأيهم اقتديتم اهتديتم)) رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد رُوي معناه من حديث عمر، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث أنس، وفي أسانيدهما مقال، لكن يشدّ بعضها بعضاً.
ولقوله ﷺ : ((اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح من حديث حذيفة. وصححه ابن حبان، وللترمذي مثله من حديث ابن مسعود.
ولأن أكثر أقوالهم مسموعة من حضرة الرسالة، وإن اجتهدوا فرأيهم اصوب؛ لأنهم شاهدوا موارد النصوص.
следующие страницы →