← Книги сунны

Книги сунны · id 12444

العرش وما روي فيه

محمد بن عثمان بن أبي شيبة

Полный текст (430 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[العرش وما رُوِي فيه]ـ المؤلف: أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة العبسي (المتوفى: ٢٩٧هـ) المحقق: محمد بن خليفة بن علي التميمي الناشر: مكتبة الرشد، الرياض، المملكة العربية السعودية الطبعة: الأولى، ١٤١٨هـ/١٩٩٨م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

العرش وما روي فيه محمد بن عثمان بن أبي شيبة دراسة وتحقيق: محمد بن خليفة التميمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، فصل اللهم وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد: فما من بناء إلا وله أصل وأساس يقوم عليه، ديان أصل بناء الإسلام وأساسه الذي يقوم عليه هو توحيد الله، الذي يشتمل على معرفة الله تعالى باسمائه وصفاته، ومعرفة ما يجب له على عباده. ومن المعلوم أن هذه المعرفة وهذا التوحيد لا يتحقق ولا يكون إلا عن طريق ما أنزله الله في كتابه، أو ما شرعه على لسان نبيه محمد ﷺ ، إذ أن هذا هو السبيل الوحيد إلى ذلك، فالله قد أتم لهذه الأمة أمر دينها وأكمله، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينا﴾ ١، كما أن نبيه ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لأمته حتى تركها على المحجة البيضاء، فقد قال

стр. 3

: " وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء"١، فما من سبيل إلى معرفة أمور هذا الدين إلا عن طريق الكتاب والسنة. ولقد كان لجانب توحيد الله الحظ الأوفر، والنصيب الأعظم، من ذلك البيان والإيضاح الذي جاءت به آيات القرآن ونصوص السنة المتواترة، ولقد عرف السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم ذلك المنهج الذي يعرف به توحيد الله حق المعرفة، فطبقوه أتم التطبيق، فلذلك كان الكتاب والسنة هما المنبع الوحيد الذي يستمدون منه ما يجب عليهم تجاه خالقهم . ولقد صنف كثير من السلف وبخاصة في القرنين الثالث والرابع الهجريين مؤلفات ورسائل كثيرة في مسائل أسماء الله وصفاته، فبينوا فيها ما يجب على المسلم تجاه هذا الأمر العظيم، وقد اعتمدوا في تصانيفهم تلك على نصوص القرآن والسنة، وقد كان من ضمن تلك المؤلفات كتاب "العرش" للحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة، وقد عالج المصنف- ﵀ في هذا الكتاب مسألة تعد من أهم مسائل الأسماء والصفات، بل ومن أهم مسائل العقيدة وأخطرها، ألا وهي: مسألة علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه. ولقد وقع اختياري على "كتاب العرش " هذا لكي يكون هو موضوع رسالتي في مرحلة الماجستير، ولعل من أهم الأسباب والدوافع التي جعلتني أقدم على تحقيق الكتاب ما يلي:

стр. 4

أولا: كونه يبحث في مسألة هي من أعظم المسائل التي ينبغي على المسلم معرفتها في باب الأسماء والصفات، وهي مسألة علو الله واستوائه على عرشه، الثابتة في الكتاب والسنة المتواترة. ثانيا: كون المؤلف قد سار على طريقة السلف ومنهجهم في تأليفه لهذا الكتاب، وذلك لاعتماده في مادة الكتاب على آيات من القرآن، وعلى الأحاديث النبوية، وأقوال الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم. ثالثا: رغبتي الشخصية في الاشتغال بتحقيق المخطوطات من تراث سلفنا الصالح، وبخاصة في مجال العقيدة، وذلك لكونها ترجع إلى الأصول الأولى المستمدة من الكتاب والسنة، ولخلوها من شوائب الفلسفة والانحراف. رابعا: تشجيع أستاذي الشيخ حماد بن محمد الأنصاري لي على تحقيق هذا الكتاب، فقد أشار- جزاه الله خيرا - علي بان أقوم بتحقيق هذا الكتاب وإخراجه من حيز المخطوطات. وبحمد من الله وفضل منه فقد قمت بتحقيق هذا الكتاب، ولم أواجه خلال عملي في إنجازه من الصعوبات التي تستحق الذكر، سوى ما واجهته في البحث عن أماكن بعض الأحاديث والآثار التي لم أقف على مكانها، وكذلك في تراجم الأعلام الواردة أسماؤهم في الكتاب، حيث لم أقف على تراجم بعضهم، بالرغم من أني بذلت من الجهد والوقت ما أستطيع.

стр. 5

المبحث الأول: أقوال نفاة الاستواء. المبحث الثاني: أقوال مثبتة الاستواء. وأما القسم الثاني من الدراسة فقد جعلته في التعريف بالمؤلف والكتاب والمخطوطة، وهو يشتمل على بابين - هما: الباب الأول: التعريف بالمؤلف - وفيه فصلان: الفصل الأول: عصر المؤلف. وقد تعرضت فيه للأمور التالية: أولا: الحالة السياسية. ثانيا: الحالة الاجتماعية. ثالثا: الحالة العلمية. الفصل الثاني: سيرته الشخصية، وحياته العلمية. وتكلمت فيه عن الجوانب التالية: أولا: اسمه، وكنيته. ثانيا: أصله. ثالثا: مولده. رابعا: أسرته. خامسا: نشأته، وطلبه للعلم. سادسا: ثقافته، وعلمه. سابعا: شيوخه. ثامنا: تلاميذه.

стр. 6

تاسعا: عقيدته. عاشرا: مؤلفا ته. الحادي عشر: وفاته. الثاني عشر: مكانته العلمية، وأقول، العلماء فيه. وأما الباب الثاني فهو في: التعريف بالكتاب والمخطوطة وفيه فصلان: الفصل الأول: التعريف بالكتاب - وتطرقت فيه لما يلي: أولا: اسم الكتاب. ثانيا: موضوع الكتاب، ومنهج المخالف فيه. ثالثا: سبب التأليف. رابعا: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف. خامسا: أهمية الكتاب. سادسا: المآخذ على الكتاب. الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطة، ويتضمن ما يلي: أولا: دراسة النسخة الخطية. ثانيا: سند الكتاب. ثالثا: السماعات الموجودة على الكتاب. وأما بالنسبة لما يتعلق بالجانب الثاني من جوانب الرسالة فهو قسم التحقيق: وقد كان عملي في الكتاب يتلخص في النقاط التالية:

стр. 7

أولا: الترجمة: فقد ترجمت لكثير من الرواة الذين وردت أسماؤهم في أسانيد الكتاب، أما من لم أقف على تراجمهم- وهم قلة- فإني أشير إلى ذلك بقولي: "لم أقف على ترجمته"، وأما إذا ترجمت لشخص ثم تكرر اسمه مرة أخرى فإني أكتفي بقولي: "تقدمت ترجمته"، وقد لا أشير إلى ذلك، فإذا أراد القارئ معرفة مكان التعريف به فليرجع إلى الفهارس الأخيرة، ليعرف مكانه من الكتاب. ثانيا: تخريج الأحاديث: اشتمل الكتاب على الكثير من الأحاديث، ولم يذكر المؤلف مخرجيها مما اضطرني إلى البحث عن أماكن وجودها، وقد وجدت أماكن جلها، وأما بعضها الآخر- وهو قليل - فلم أجد مكانه، ولكنني لم أشر في كثير من الأحيان إلى اختلاف الألفاظ، لأن ذلك سيخرجنا عن غرض التحقيق. ثالثا: درجة الحديث: لم يذكر المؤلف- ﵀ درجة الأحاديث، التي أوردها، وقد بينت صحة أو ضعف كل حديث من تلك الأحاديث معتمدا في ذلك على أسانيدها، ثم بعد ذلك أذكر أقوال العلماء فيها إن وجدت شيئا من ذلك، كما تتبعت بعض الأحاديث بالمتابعات والشواهد التي تتعلق بها. وقد أخذ مني هذا الجانب الكثير من الوقت والجهد، ولكني لم أبخل بشيء من ذلك، لعلمي أن معرفة صحة الحديث من ضعفه

стр. 8

خطة الرسالة: أما الخطة التي سلكتها في إنجاز هذه الرسالة فهي كما يلي: قسمت الرسالة إلى قسمين: القسم الأول: الدراسة. القسم الثاني: التحقيق. أما ما يتعلق بجانب الدراسة فقد جعلته على قسمين هما: القسم الأول: الدراسة الموضوعية. القسم الثاني: التعريف بالمؤلف، والكتاب، والمخطوطة. أما القسم الأول وهو الدراسة الموضوعية: فقد جاء رغبة مني في الجمع بين منهج التحقيق ومنهج البحث العلمي، وقد أحببت أن أجعل القسم الأول من أقسام الدراسة يتعلق بدراسة موضوعية لموضوع الكتاب، الذي يتحدث عن مسائل العلو، والاستواء، والعرش، والكرسي، وما يتعلق بها، وقد دفعني إلى ذلك كون الكتاب من أوله إلى آخره يبحث في هذه المسائل بذاتها، كما أن المؤلف- ﵀ لم يتطرق إلى تلك المسائل إلا من جانب واحد فقط، هو ذكر ما ورد فيها من آيات وأحاديث وآثار، ولذلك قمت بهذه الدراسة المشتملة على ثلاثة أبواب هي: الباب الأولى: تعريف العرش، والأدلة عليه- وفيه فصلان: الفصل الأول: تعريف العرش- وفيه مبحثان: المبحث الأول: المعنى اللغوي لكلمة "عرش ".

стр. 9

وقد ذكرت في هذا المبحث الاستعمالات اللغوية لكلمة "عرش" عند علماء اللغة، وذكرت في نهاية هذا المبحث أن أصل استعمال هذه الكلمة عند العرب إنما هو في سرير الملك، وأن هذا المعنى هو المقصود في عرش الرحمن، كما يشهد لذلك نصوص القرآن، والأحاديث الصحيحة. وأما المبحث الثاني: فهو في الخلاف في تعريف العرش. وقد بينت في هذا المبحث قول السلف وأدلتهم، كما بينت فيه أقوال المخالفين وما استدلوا به، ورد السلف عليهم. وأما الفصل الثاني: فهو في الأدلة على صفة العرش من الكتاب والسنة- وفيه مبحثان: المبحث الأول: الأدلة القرآنية على صفة العرش. وقد ذكرت في هذا المبحث الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر عرش الرحمن، وأشرت إلى بعض ما تضمنته تلك الآيات من الدلائل والصفات على عرش الرحمن- ﵎. وأما المبحث الثاني: فهو في الأدلة من السنة على صفة العرش. وقد أوردت فيه بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في العرش وصفته، والتي لم يذكرها صاحب كتاب العرش في كتابه. وأما الباب الثاني: فهو في صفة العرش، وذكر ما يتعلق به - وفيه فصلان هما:

стр. 10

المبحث الأول: خلق العرش وهيئته. المبحث الثاني: مكان العرش. المبحث الثالث: خصائص العرش. وأما الفصل الثاني: فهو في ذكر ما يتعلق بالعرش- وفيه مبحثان هما: المبحث الأول: الكلام على حملة العرش. المبحث الثاني: الكلام على الكرسي. وأما الباب الثالث: فهو في الكلام على صفتي العلو والاستواء - وفيه فصلان هما: الفصل الأول: الأقوال في صفة العلو- وفيه مبحثان: المبحث الأول: أقوال المخالفين في مسألة العلو. وقد تعرضت في هذا المبحث لأقوال المنكرين لعلو الله وذكر بعض شبههم العقلية والسمعية والرد عليها. وأما المبحث الثاني فهو في: قول السلف ومن وافقهم. وقد بينت في هذا المبحث مذهب السلف في إثبات علو الله - تعالى- فوق خلقه، ومن وافقهم في هذا المذهب، كما أوردت ما استدلوا به على هذا القول من القرآن والسنة والإجماع والمعقول والفطرة. أما الفصل الثاني: فهو الاستواء والأقوال فيه - وفيه مبحثان:

стр. 11

واجبة في كل مسألة، سواء كانت فرعية أو أصلية، إذ أن ما لم يصح لا يجوز التدين به. رابعا: تخريج الآثار: وقد ذكرت أماكن الكثير من هذه الآثار، وأشرت في البعض إلى درجته. خامسا: التعليق على بعض الأحاديث والآثار، وبيان ما تضمنته من مسائل في العقيدة، وتبيين الحق في تلك المسائل. سادسا: الكلمات الغريبة بينت معانيها من كتب اللغة. سابعا: الترقيم: رقمت جميع الأحاديث المرفوعة والموقوفة والآثار وذلك ليسهل معرفتها في الكتاب. ثامنا: وضعت أرقاما في داخل نص الكتاب تدل على بداية الصفحة في المخطوط، وقد كان هناك ترقيمان على صفحات المخطوطة استعملت أحدهما. تاسعا: جعلت الآيات القرآنية بين قوسين هكذا: ﴿﴾ . وأشرت في الحاشية إلى رقم تلك الآية والسورة التي وردت فيها، وكذلك جعلت الأحاديث بين قوسين هكذا: " "، وأما الآثار فهي بين قوسين هكذا " ". عاشرا: إذا أضفت حرفا أو كلمة أو جملة أو عنوانا مما يقتضيه السياق جعلت ذلك بين قوسين هكذا، ليعرف أنه ليس من الأصل. الحادي عشر: وضعت فهارس للأمور التالية:

стр. 12

أ- فهرس للآيات القرآنية حسب ترتيب سورها. ب- فهرس للأحاديث المرفوعة والموقوفة. ج- فهرس للآثار على ترتيب أصحابها. د- فهرس للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب. هـ- فهرس المفردات. وفهرس للتعريف بالفرق. ز- فهرس للأبيات الشعرية. ح- فهرس للمصادر والمراجع. ط- فهرس لموضوعات الرسالة. وفي الختام أتوجه بالشكر إلى الله تعالى الذي سهل لي أمر إعداد هذه الرسالة بفضل منه وتوفيق، وأسأله - سبحانه - أن يجعل عملنا هذا خالصا لوجهه، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه على كل شيء قدير. كما أشكر فضيلة الشيخ/ عبد الله بن محمد الغنيمان - المشرف على هذه الرسالة - على ما بذله من جهد وعون لي في إعدادها. وكذلك كل من بذل المساعدة لي في إنجازها، وعلى رأسهم فضيلة الشيخ حماد بن محمد الأنصاري- جزاه الله خيرا-، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 13

الباب الأول: تعريف العرش والأدلة عليه الفصل الأول: تعريف العرش المبحث الأول: المعنى اللغوي لكلمة العرش ... قال ابن فارس: ""عرش " العين والراء والشين أصل صحيح واحد، يدل على ارتفاع في شيء مبني، ثم يستعار في غير ذلك"١. والعرش في كلام العرب يطلق على عدة معان منها: ا- سرير الملك: قال الخليل: "العرش: السرير للملك"٢. وقال الأزهري: "والعرش في كلام العرب: سرير الملك، يدلك على ذلك سرير ملكة سبا، سماه الله- جل وعز- عرشا فقال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل، آية: ٢١] ٣. وقال ابن منظور- بعد أن نقل كلام الأزهري-: "وقد يستعار لغيره ... والجمع أعراش، وعروش، وعرشة، وفي حديث بدء الوحي: "فرفعت رأسي فإذا هو قاعد على عرش في الهواء"، وفي رواية: "بين السماء والأرض" يعني: جبريل على سرير"٤.

стр. 14

٢- سقف البيت: قال الخليل: "عرش البيت: سقفه"١. وقال الزبيدي: "والعرش من البيت سقفه ومنه الحديث: "أو كالقنديل المعلق بالعرش"، يعني: السقف، وفي حديث آخر: "كنت أسمع قراءة رسول الله ﷺ على عرشي" أي: سقف بيتي، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة، آية: ٢٥٩] ، أي: صارت على سقوفها، كما قال عز من قائل: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أراد أن حيطانها قائمة وقد تهدمت سقوفها، فصارت في قرارها، وانقعرت الحيطان من قواعدها فتساقطت على السقوف المتهدمة قبلها، ومعنى الخاوية والمنقعرة واحد، وهي: المنقلعة من أصولها"٢. ٣- ركن الشيء: قال الزبيدي: "والعرش: ركن الشيء، قاله الزجاج والكسائي، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: وخرت على أركا نها"٣. ٤- الملك: قال الأزهري: "والعرش: الملك، يقال: ثل عرشه، أي: زال ملكه وعزه".

стр. 15

قال زهير: تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها ... وذبيان إذ زلت باقدامها النعل١ قال الزبيدي: "قال ابن الأعرابي: العرش: الملك بضم الميم، وهو كناية...."٢. ٥- قوام أمر الرجل: قال ابن فارس: "استعيرت كلمة عرش هنا، فقيل لأمر الرجل وقوامه: عرش، وإذا زال ذلك عنه قيل: ثل عرشه، قال زهير: تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها وذبيان إذ زلت بأقدامها النعل"٣ قال الزبيدي: "قولهم: ثل عرشه أي: عدم ما هو عليه من قوام أمره، وقيل: وهى أمره، وقيل: ذهب عزه، ومنه حديث عمر- ﵁ أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل بك ربك، قال: لولا أن تداركني لثل عرشي"٤. ٦- عرش السماك: قال ابن فارس: "ويقال: إن عرش السماك: أربعة كواكب أسفل من العواء على صورة النعش، ويقال: هي عجز الأسد، قال ابن أحمر:

стр. 16

باتت عليه ليلة عرشية ... شربت وبات إلى نقا متهدم"١ ٧- عرش البئر: قال الأزهري: "وقال أبو عبيد: قال أبو زيد: بئر معروشة: وهي التي تطوى قدر قامة من أسفلها بالحجارة، ثم يطوى سائرها بالخشب، فذلك الخشب هو العرش، يقال: منه عرشت البئر أعرشها، فإذا كانت كلها بالحجارة فهي مطوية وليست بمعروشة. وقال غيره: المثاب: مقام الساقي فوق العروش، ومنه قول الشاعر: وما لمثابات العروش بقية ... إذا استل من تحت العروش الدعائم وقال ابن الأعرابي: العرش: بناء، فوق البئر يقوم عليه الساقي، وأنشد: أكل يوم عرشها مقيلي"٢. ٨- عرش القدم: قال الخليل: "العرش في القدم كل ما بين الحمار والأصابع من ظهر القدم، والحمار: المرتفع من ظهر القدم، وجمعه: عرشة وأعراش"٣. وقال بن الأعرابي: "ظهر القدم: العرش، وباطنه: الأخمص"٤.

стр. 17

قلت: من المعلوم أن معرفة كل معنى من تلك المعاني إنما يتحدد بحسب ما أضيف إلى الكلمة، والمعنى المقصود في عرش الرحمن من تلك المعاني السابقة، هو سرير الملك، ذلك لأن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة قد جاءت معينة لهذا المعنى وحده دون غيره من المعاني، وهذا ما سياتي بيانه. أما زعم الجهمي بان معنى العرش في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، يحتمل عدة معاني، فلا يعرف أي هذه المعاني هو المراد، فقد أجاب عنه ابن القيم بقوله: "هذا تلبيس منك على الجهال، وكذب ظاهر، فإنه ليس لعرش الرحمن الذي استوى عليه إلا معنى واحد، وإن كان للعرش من حيث الجملة عدة معاني، فاللام: للعهد، وقد صار بها العرش معينا، وهو عرش الرب- تعالى- الذي هو سرير ملكه الذي اتفقت عليه الرسل، وأقرت به الأمم، إلا من نابذ الرسل ... "٢.

стр. 18

المبحث الثاني: المذاهب في تعريف العرش أولا: مذهب السلف: قال الطبري- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ١-: يعني بالعرش: السرير. ثم ذكر بسنده عن السدي في تفسير هذه الآية قوله: "محدقين حول العرش، قال العرش: السرير"٢. وقال الطبري في موضع آخر: ﴿ذُو الْعَرْش﴾ ٣ يقول: ذو السرير المحيط بما دونه"٤. وقال البيهقي: "وأقاويل أهل التفسير على أن العرش: هو السرير، وأنه جسم مجسم خلقه الله، وأمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به، كما خلق في الأرض بيتا، وأمر بني آدم بالطواف به واستقباله في الصلاة،. وفي الآيات والأحاديث والآثار دلالة واضحة على ما ذهبوا إليه"٥.

стр. 19

وقال- أيضا-: "العرش: هو السرير المشهور فيها بين العقلاء"١. وقال ابن كثير: "هو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم، وهو سقف المخلوقات"٢. وقال الذهبي- بعد أن ذكر سرر أهل الجنة-: "فما الظن بالعرش العظيم الذي اتخذه العلي العظيم لنفسه في ارتفاعه وسعته، وقوائمه وماهيته وحملته، والكروبيين الحافين من حوله وحسنه ورونقه وقيمته: فقد ورد أنه من ياقوته حمراء"٣ قلت: وهذا الذي ذكره الطبري والبيهقي وابن كثير والذهبي في تعريف العرش، هو الذي جاءت به الآيات والأحا ديث والآثار، وهو ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها في عرش الله، فهم يعتقون أن عرش الرحمن هو: سرير: قال ابن قتيبة: "وطلبوا للعرش معنى غير السرير، والعلماء في اللغة لا يعرفون للعرش معنى إلا السرير، وما عرش من السقوف وأشباهها قال أمية بن أبي الصلت: مجدوا الله وهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النـ ... اس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا لا يناله بصر العيـ ... ن ترى دونه الملائك صورا"٤.

стр. 20

وقال ابن كثير: "العرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك، كما قال تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ١ وليس هو فلكا، ولا تفهم منه العرب ذلك، والقرآن إنما نزل بلغة العرب، فهو سرير ذو قوائم ... "٢. وأنه ذو قوائم: قال شارح "الطحاوية": "قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، كما قال ﷺ : "فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور" ٣"٤. وأنه مخلوق: قال الحافظ ابن حجر: "قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٥ إشارة إلى أن العرش مربوب، وكل مربوب مخلوق ... ، وفي إثبات القوائم للعرش دلالة على أنه جسم مركب له أبعاض وأجزاء، والجسم المؤلف محدث مخلوق"٦. وقد جاء ذكر خلق العرش في حديث أبي رزين العقيلي قال: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: "كان في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء" ٧.

стр. 21

وأن الله سبحانه قد أمر ملائكته بحمله، وتعبدهم بتعظيمه: تال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ٢. وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ٣. وهو أعلى المخلوقات وأعظمها، وسقفها، وهو كالقبة على العالم، وما تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة. قال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتاب "أصول السنة": "ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق"٤. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما العرش فإنه مقبب، لما روي في "السنن" لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: أتى رسول الله ﷺ

стр. 22

أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وجاع العيال،- وذكر الحديث- إلى أن قال رسول الله ﷺ : "إن الله على عرشه، وإن عرشه على سمواته وأرضه، كهكذا" ١ وقال بأصابعه مثل القبة ... وفي علوه قوله ﷺ : "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعالاها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" ٢. فقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات وسقفها، وأنه مقبب ... "٣. وفي حديث أبي ذر المشهور قال: قلت يا رسول الله، أي ما أنزل عليك أعظم، قال: "آية الكرسي"- ثم قال: " يا أبا ذر ما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة" ٤ وهذا القول للسلف في عرش الله هو ما جاءت به الآيات والأحاديث الصحيحة، وقد كان سلف الأمة وأئمتها- دائما- يصرحون بذلك في كتبهم عند الحديث عن هذه المسألة.

стр. 23

وقد وافقهم- في هذا القول في عرش الله- الكلابية١، والكرامية٢، ومتقدمو الأشاعرة٣، وبعض الجهمية٤،

стр. 24

والمعتزلة١،٢. ثانيا: أقوال المخالفين: القول الأول: ما زعمه طائفة من الجهمية، والمعتزلة، والماتريدية٣، وعامة متأخري الأشاعرة٤، من أن معنى العرش في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ هو الملك. قال الدارمي في كتابه "الرد على الجهمية": "باب: الإيمان بالعرش، وهو أحد ما أنكرته المعطلة. فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به، فقلت لبعضهم: ما إيمانكم به إلا كإيمان ﴿الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بافْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ

стр. 25

قُلُوبُهُمْ﴾ ١، وكالذين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَياطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢، أتقرون أن لله عرشا معلوما موصوفا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة، والله فوقه كما وصف نفسه، بائن من خلقه، فأبى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب، وخلط ولم يصرح. قال أبو سعيد: فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق يعني السموات والأرض وما فيهن، سمى ذلك كله عرشا له، واستوى على جميع ذلك كله"٣. وقال ابن تيمية- في سياق كلامه على حمله العرش-: "ثم إن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ٥ يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية"٦. وقال الزمخشري: "إنه لما كان الاستواء على العرش- وهو سرير الملك- مما يردف الملك جعلوه كناية عن الملك، فقالوا: استوى فلان

стр. 26

على العرش، يريدون ملك، وإن لم يقعد على السرير ألبتة، وقالوه – أيضا - لشهرته في ذلك المعنى، ومساواته ملك في مؤداه، وإن كان أشرح وأبسط وأدل على صورة الأمر"١. وقال البغدادي: "والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره، وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب: ثل عرش فلان، إذا ذهب ملكه، قال متمم بن نويره في هذا المعنى: عروش تفانوا بعد عز، وأمة ... هووا بعدما نالوا السلامة والبقا وأراد بالعروش ملوكا انقرضوا. وقال سعيد بن زائدة الخزاعي في النعمان بن المنذر: قد نال عرشا لم ينله حائل ... جن ولا إنس ولاديار وأراد بالعرش الملك والسلطان. وقال النابغة: بعد ابن جفنة وابن هاتك عرشه ... والحارثين يؤملون فلاحا وأراد بهاتك عرش ابن جفنة سالب ملكه، فصح بهذا تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه"٢. وقال القفال: "العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، ثم جعل العرش كناية عن نفس الملك، يقال: ثل عرشه، أي:

стр. 27

انتقض ملكه وفسد، وإذا استقام ملكه واطرد أمره وحكمه قالوا: استوى على عرشه، واستقر على سرير ملكه"١. قال الآلوسي: "واختار كثير من ال خلف أن المراد بذلك: الملك والسلطان، وذكره لبيان جلالة ملكه وسلطانه- سبحانه- بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الأجرام العظيمة"٢. الرد عليهم: ما ذهب إليه هؤلاء المخالفون من تفسير معنى العرش الوارد في الآيات بمعنى الملك، إنما هو تاويل باطل، وصرف للفظ عن معناه إلى معنى آخر لا يحتمله. والمتامل لهذا القول يرى ما فيه من التلبيس والمخالفة. فقد سبق أن ذكرنا في المبحث اللغوي لكلمة عرش، أن لهذه الكلمة عدة معاني في اللغة العربية، ومن المعلوم أن معرفة المعنى المراد من تلك المعاني لهذه الكلمة أو غيرها، إنما يتحدد بحسب سياق الكلمة، وبحسب ما أضيفت إليه، وليس في سياق الآيات ما يثبت صحة ما ذهبوا إليه، كفا أن ما استدل به هؤلاء المخالفون من الأبيات الشعرية ليس إلا دليلا على أن الملك هو من المعاني اللغوية لكلمة عرش، وهذا أمر لا خلاف عليه، وهذا الاستدلال يماثل ما لو استدللنا على أن من معاني كلمة العرش السقف بقوله: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ،

стр. 28

فليس في هذه الأبيات أي إشارة، لا من قريب ولا من بعيد على أن الملك هو المعنى المراد في الآيات الواردة في العرش، بل إن المتأمل للآيات والأحاديث الواردة في هذه المسألة، يرى أنها تدل دلالة واضحة وصريحة على أن المراد بالعرش هو ذلك المخلوق العظيم الذي خلقه الله تعالى فوق العالم كله، ثم استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وكذلك ترد على هؤلاء المخالفين زعمهم الباطل الذي هو في الحقيقة تحريف لكلام الله. فيا ترى ماذا يصنع ذلك المخالف الذي يزعم أن العرش إنما هو كناية عن الملك والسلطان بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ ١ هل يزعم أن الملك كان على الماء، وكذلك ماذا يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، أيقول: ويحمل ملكه يومئذ ثمانية، وبقوله ﷺ : "فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" ٢، أيقول: آخذ بقائمة من قوائم الملك، وكذا قوله ﷺ : "اهتز عرش الرحمن" ٣، أيقول: اهتز ملكه وسلطانه،

стр. 29

فخلاصة القول: إن هذا التأويل إنما هو تأويل باطل، ترده الآيات، والأحاديث، ولا يمكن أن يقول به من له أدنى ذوق أو فهم، بل هو في الحقيقة تحريف لكلام الله تعالى. وكذلك فإن ما استدل به المخالفون من الأبيات ليس فيه دليل لا من قريب أو بعيد على صحة ما زعموا، وذلك أنه ليس في سياق الآيات ما يؤيده، فاستدلالهم إنما هو نوع من التلبيس، وتحريف الكلم عن مواضعه. القول الثاني: زعم طائفة من أهل الكلام أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه، محيط بالعالم من كل جهة، وهو محدود الجهات، وربما سموه الفلك الأطلس، أو الفلك التاسع، أو الأثير، أو الفلك الأعلى١. وفي ذلك يقول ابن سينا في رسالتة، "إثبات النبوات وتاويل رموزهم وأمثالهم": "ومن السهل عليك أن تفهم كيف أن العرش بنص القرآن يحمله ثمانية، فهذه الثمانية هي: الثمانية أفلاك التي تحت هذا الفلك المحيط"٢.

стр. 30

الرد عليهم: إن المتامل لكلام هؤلاء المتكلمين كابن سينا وأمثاله يرى مدى تأثرهم بالفلاسفة وكلامهم، حتى أنهم وصلوا إلى درجة اعتقادهم أنه لا موجود إلا ما علموه هم والفلاسفة. ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا أخبار الأنبياء بالملائكة، والعرش، والكرسي، والجنة، والنار، صاروا حائرين ومتأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وعلى ما تعلموه، وإن كان هذا التأويل لا دليل لهم عليه سوى ظنهم الفاسد بأنه لا موجود إلا ما عرفوه هم والفلاسفة، فقالوا العرش: هو الفلك التاسع، والكرسي: هو الفلك الثامن، فنفوا ما ليس لهم به علم"١، فانطبق عليهم قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَما ياتِهِمْ تاوِيلُهُ﴾ ٢. وقد ثبت أنه ليس لهؤلاء دليل يتمسكون به لا من الشرع ولا من العقل، وأن الذي دفعهم إلى هذا القول هو أنهم نظروا في عالم الهيئة وعلوم الفلسفة فرأوا أن الأفلاك تسعة، وأن التاسع وهو: الأطلس محيط بها، ومستدير كاستدارتها، وهو الذي يحركها الحركة الشوقية، وأن لكل فلك حركة تخصه غير هذه الحركة العامة، ثم سمعوا في أخبار الأنبياء- صلوات الله وسلام عليهم- ذكر عرش الله، وذكر كرسيه، وذكر السموات السبع، فقالوا- بطريق الظن-: إن العرش: هو الفلك التاسع لاعتقادهم

стр. 31

أنه ليس وراء التاسع شيء، إما مطلقا، وإما أنه ليس وراءه مخلوق"١. وهم معترفون بانه لم يقم لديهم دليل عقلي على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أئمة الفلاسفة مصرحون بأنه لم يقم عندهم دليل على أن الأفلاك هي تسعة فقط، بل يجوز أن تكون أكثر من ذلك، ولكن دلتهم الحركات المختلفة والكسوفات ونحو ذلك على ما ذكروه، وما لم يكن لهم دليل على ثبوته فهم لا يعلمون ثبوته ولا انتفاءه. مثال ذلك: أنهم علموا أن هذا الكوكب تحت هذا بان السفلي يكسف العلوي من غير عكس، فاستدلوا بذلك على أنه من فلك فوقه، كما استدلوا بالحركات المختلفة على أن الأفلاك مختلفة حتى جعلوا في الفلك الواحد عدة أفلاك، كفلك الدوير وغيره، فأما ما كان موجودا فوق هذا ولم يكن لهم ما يستدلون به على ثبوته، فهم لا يعلمون نفيه ولا إثباته بطريقهم ... وإذا كان هؤلاء ليس عندهم ما ينفي وجود شيء آخر فوق الأفلاك التسعة، كان الجزم بان ما أخبرت به الرسل من أن العرش: هو الفلك التاسع- رجما بالغيب وقولا بلا علم"٢. ومع عدم وجود الدليل العقلي عند هؤلاء على صحة زعمهم، فكذلك الأدلة الشرعية ترد زعمهم هذا وتبطله.

стр. 32

وقد ذكر شيح الإسلام ابن تيمية في معرض رده على هؤلاء المتكلمين في رسالته "العرشية" أن الآيات والأحاديث قد دلت على أن العرش مباين لغيره من المخلوقات، وأن الله قد اختصه وميزه بأمور كثيرة، منها أن له حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، وأن الله قد أخبر بوجوده قبل خلق السموات والأرض، وقبل وجود الأفلاك، وأن الله سبحانه تمدح نفسه بانه ذو العرش، ووصف العرش بأنه مجيد وعظيم وكريم، فكل هذه الميز والخصائص تبطل قول المنازع، لأنه يقول بان نسبة الفلك الأعلى إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، ذلك، لأنه لو كان العرش من جنس الأفلاك لكان إلى ما دونه كنسبة الآخر إلى ما دونه، وهذا لا يوجب خروجه عن الجنس وتخصيصه بالذكر"١. كما أن مما يدل على فساد قولهم ما ثبت في الشرع من أن للعرش قوائم، وأنه يهتز، ومعلوم أن الأفلاك مستديرة، وليس لها قوائم، كما أنها متحركة دائما بحركة متشابهة لا تتغير، كما ثبت- أيضا- أن العرش أثقل الأوزان٢، وهم يقولون إن الفلك لا ثقيل ولا خفيف٣. فعلم مما تقدم انتفاء الدليل العقلي عند هؤلاء، كما علم مخالفتهم للأدلة الشرعية وإبطالها لأقوالهم، ويضاف إلى هذا- أيضا- مخالفتهم للغة العرب، فالعرب لا تفهم من كلمة العرش هذا المعنى، ولا هو

стр. 33

مستعمل في لغتها والقرآن إنما نزل بما يفهمون. وبعد هذا كله لا تبقى أدنى شبهة في فساد هذا القول وبطلانه. والله أعلم.

стр. 34

الفصل الثاني: الأدلة على صفة العرش من الكتاب والسنة المبحث الأول: الأدلة القرآنية على صفة العرش . ... لقد جاء ذكر عرش الرحمن في القرآن في واحد وعشرين موضعا: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٤.

стр. 35

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً﴾ ١. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلَاّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَما يَصِفُونَ﴾ ٤. وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٦. وقال تعا لى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٧. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٨.

стр. 36

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَما يَصِفُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْهَا وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ٧.

стр. 37

وقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢. من خلال هذه النصوص التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن- ﵎، نستطيع أن نرى الدلائل والصفات العظيمة التي وصف الله بها هذا المخلوق العظيم، فذكر العرش في هذه المواضع الكثيرة، وفي خلال تسع عشرة سورة من سور القرآن- أمر يشعر بعظم هذا المخلوق وعظم ما اختص به، وسنعرض في هذا المبحث دلالة تلك الآيات على ما للعرش من مكانة ومنزلة. وأما ما نبدأ به من تلك الآيات آيات الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش هو أعظم ما اختص الله به هذا المخلوق، وقد جاء ذكر الاستواء في سبع آيات، وهذه الآيات السبع التي جاء فيه ذكر الاستواء على العرش قد جاءت مصحوبة بما يبهر العقول من صفات الله وجلاله وكماله٣، وسنذكر تلك الآيات وما اقترن بها. ا- فأول سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا

стр. 38

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال٢. ٢- والموضع الثاني في سورة يونس قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إلَاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِما كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَاّ بالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٣. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الكمال والجلال. ٣- الموضع الثالث في سورة الرعد في قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي

стр. 39

مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِماءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال. ٤- الموضع الرابع في سوره طه قال تعالى: ﴿طه ما أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إلَاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ ما فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ لَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال. ٥- الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٣.

стр. 40

فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الكمال والجلال. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "إنه ينبغي للمؤلين أن يتاملوا هذه الآية من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ويتاملوا معها قوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١، فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه، ولا تخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير، نعم هو والله ليس بخبير"٢. ٦- الموضع السادس: في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْما ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِما تَعُدُّونَ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ ٣.
следующие страницы →