← Книги сунны

Книги сунны · id 12444

العرش وما روي فيه

محمد بن عثمان بن أبي شيبة

Полный текст (430 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَما يَصِفُونَ﴾ ٥. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْهَا وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٦. وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ٧.

стр. 37

وقال تعالى: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٢. من خلال هذه النصوص التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن- ﵎، نستطيع أن نرى الدلائل والصفات العظيمة التي وصف الله بها هذا المخلوق العظيم، فذكر العرش في هذه المواضع الكثيرة، وفي خلال تسع عشرة سورة من سور القرآن- أمر يشعر بعظم هذا المخلوق وعظم ما اختص به، وسنعرض في هذا المبحث دلالة تلك الآيات على ما للعرش من مكانة ومنزلة. وأما ما نبدأ به من تلك الآيات آيات الاستواء على العرش، فالاستواء على العرش هو أعظم ما اختص الله به هذا المخلوق، وقد جاء ذكر الاستواء في سبع آيات، وهذه الآيات السبع التي جاء فيه ذكر الاستواء على العرش قد جاءت مصحوبة بما يبهر العقول من صفات الله وجلاله وكماله٣، وسنذكر تلك الآيات وما اقترن بها. ا- فأول سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا

стр. 38

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال٢. ٢- والموضع الثاني في سورة يونس قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إلَاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِما كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَاّ بالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ ٣. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الكمال والجلال. ٣- الموضع الثالث في سورة الرعد في قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي

стр. 39

مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِماءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ١. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال. ٤- الموضع الرابع في سوره طه قال تعالى: ﴿طه ما أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إلَاّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ ما فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ لَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال. ٥- الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ٣.

стр. 40

فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الكمال والجلال. وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: "إنه ينبغي للمؤلين أن يتاملوا هذه الآية من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ ويتاملوا معها قوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١، فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه، ولا تخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير، نعم هو والله ليس بخبير"٢. ٦- الموضع السادس: في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْما ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِما تَعُدُّونَ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ ٣.

стр. 41

فهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال وا لكمال.. ٧- الموضع السابع: في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْهَا وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ١. فالله مع استوائه على عرشه لا يخفى عنه شيء من أمور مخلوقاته، فهو يعلم جميع ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وجميع ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فسبحان من لا يعزب عن علمه مثقال حبة من خردل لا في السماء ولا في الأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. فالشاهد من ذكر آيات الاستواء على العرش وذكر ما اقترن بها من صفات العظمة والجلال بيان أن هذه الصفة التي ظن الجاهلون أنها صفة نقص، ويتهجمون على رب السموات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص، ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها، مع أن الله- جل وعلا- تمدح بها، وجعلها من صفات الجلال والكمال مقرونة بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال، وهذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل٢.

стр. 42

وبعد ذكر آيات الاستواء وما اقترن بها من صفات الجلال والكمال، نتامل المواضع الأخر ى التي جاء فيها ذكر العرش فقوله تعالى: ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَما يَصِفُونَ﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، وقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ، وقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَما يَصِفُونَ﴾ . ففي هذه الآيات نرى أن الله أخبر عن العرش بما يدل على أنه مخلوق من مخلوقات الله، وذلك بوصفه له بأنه مربوب، ومعلوم أن كل مربوب مخلوق، وهذه الآيات تؤكد لنا وجود العرش، وتبطل زعم القائلين بان المراد منه الملك، فالإخبار عنه بهذه الصيغة يؤكد استقلاله وتميزه، ومما يزيدنا يقينا وصف العرش بتلك الصفات الجليلة، فقد وصفه الله بأنه كريم، ومجيد، وعظيم١. كما أن مما يدلنا على منزلة العرش ومكانته عند الله تعالى من خلال هذه الآيات هو أنه سبحانه قد تمدح نفسه في بعضها بأنه ذو العرش قال تعالى: ﴿إِذاً لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً﴾ ، وقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْش﴾ ، وقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ، وقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ . وأما ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ .

стр. 43

فإن هذه الآيات توجب أن لله عرشا يحمل، وتوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك مجموع الخلق، فهنا دلت الآيات على أن لله ملائكة من جملة خلقه يحملون عرشه، وآخرين يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية، إما ثمانية صفوف أو ثمانية أملاك، أو ثمانية أصناف١، فهذه الآيات أعظم إثبات على وجود العرش حقيقة، ومن أعظم الردود على زعم النافين له.

стр. 44

المبحث الثاني: الأدلة من السنة على صفة العرش أورد ابن أبي شيبة في كتاب "العرش" الكثير من الأحاديث والآثار الواردة في العرش وصفته، وفي هذا المبحث لن نذكر تلك الأحاديث والآثار التي أوردها لأنها ستأتي، وإنما سنورد ههنا بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في العرش وصفته، والتي لم يذكرها ابن أبي شيبة في كتابه، وهذه الأحاديث كثيرا ما يوردها السلف في كتبهم ويستدلون بها، لما فيها من الصحة والقوة، ولما فيها من الصفات الدالة على عرش الخالق . ا- فقد جاء في "الصحيحين " عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: "بينا رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم، ضرب وجهي رجل من أصحابك. فقال: "من"، قال: رجل من الأنصار، قال: "ادعوه"، فقال: "أضربته" فقال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال النبي ﷺ : "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم

стр. 45

العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى ... " ١. والشاهد لنا من هذا الحديث قوله: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" حيث إن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع. ٢- وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" ٢. وفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقا على الماء قبل خلق السموات والأرض. ٣- وفي "الصحيحين" عن ابن عباس- ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عند الكرب: "لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم" ٣.

стр. 46

٤- وعن ابن عباس، عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: "مازلت على الحال التي فارقتك عليها"، قالت: نعم، قال النبي ﷺ : "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته" ١. قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان"٢. ٥- وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش: إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ٣. ٦- وعن أبي هريرة- ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول الله: أفلا ننبئ الناس بذلك، قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين

стр. 47

ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" ١. ٧- وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" ٢. ٨- وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب"، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ " ٣. ٩- وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق

стр. 48

العرش: إن رحمتي غلبت غضبي" ١. ١٠- وعن معاذ بن جبل- ﵁ قال: سمعت رسول الله كله يقول: "المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله" ٢.

стр. 49

الباب الثاني: صفات العرش وذكر ما يتعلق به الفصل الأول: صفة العرش وخصائصه المبحث الأول: خلق العرش وهيئته ... إن أول صفة نذكرها لعرش البارئ- كونه مخلوقا من مخلوقات الله- تعالى-، ذلك لأن كل ما على الوجود هو مخلوق خلقه الله- تعالى- وأوجده، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١، فكل شيء في هذا الكون مخلوق، والعرش من ضمن هذا الكون، فهو مخلوق أيضا. وسلف الأمة وأئمتها يقولون: إن القرآن والسنة قد دلا على أن العرش مخلوق من مخلوقات الله تعالى خلقه وأوجده، قال تعالى: ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، فالعرش موصوف بأنه مربوب، وكل مربوب مخلوق، فالعرش مخلوق من مخلوقات الله. وقد دلت الآيات والأحاديث على أن خلق العرش متقدم على خلق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ ، فالآية تدل على أن العرش كان موجودا على الماء قبل خلق السموات والأرض، ويؤيد تفسير الآية بهذا المعنى حديث عمران بن حصين- ﵁ الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب

стр. 50

في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض" ١. وأما مسألة خلق العرش فقد-جاء ذكرها في حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء" ٢. وهذه الأدلة التي استدل بها السلف على إثبات خلق العرش فيها أبلغ الرد على من زعم من الفلاسفة أن العرش هو الخالق الصانع، أو أنه: لم يزل مع الله تعالى. ولقد خالف السلف في قولهم هذا بعض أهل الكلام، الذين زعموا أن السموات والأرض كانتا مخلوقتين قبل العرش، وهم بزعمهم هذا الذي لا دليل لهم عليه إنما يحاولون به إخراج الاستواء عن حقيقته في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ، ليكون معنى الاستواء في الآية على زعمهم بمعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه، ذلك لأنهم لو سلموا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض لقيل لهم: إنكم تزعمون أن "استوى" بمعنى: استولى، فلماذا تأخر الاستيلاء إلى ما بعد خلق السموات مع أنه كان موجودا قبل ذلك، فهم- فرارا من هذا الأمر- ادعوا أن العرش مخلوق بعد السموات والأرض.

стр. 51

وقد رد ابن القيم- ﵀ على زعمهم هذا بقوله: "إن هذا لم يقله أحد من أهل العلم أصلا، وهو مناقض لما دل عليه القرآن والسنة وإجماع المسلمين أظهر مناقضة، فإنه تعالى أخبر أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وعرشه حينئذ على الماء، وهذه واو الحال، أي: خلقها في هذه الحال، فدل على سبق العرش والماء للسموات والأرض، وفي "الصحيح" عنه ﷺ : "قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" ١"٢. وكذلك فيما ذكرناه من أدلة على سبق خلق العرش للسموات والأرض فيه رد على زعم هؤلاء، وبيان مدى مخالفة قولهم للكتاب والسنة. وبعد أن علمنا أسبقية خلق العرش على خلق السموات والأرض، وإجماع سلف الأمة على ذلك، نود أن نتطرق في هذا المبحث- أيضا- إلى ترتيب خلق العرش مع غيره من المخلوقات من حيث الأولوية في الخلق. وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على عدة أقوال:

стр. 52

القول الأول: أن القلم أول المخلوقات، وأنه أسبق في الخلق من العرش، وهذا القول هو اختيار ابن جرير الطبري١ وابن الجوزي٢، وهو ما يفهم في الظاهر من قول من صنف في الأوائل، كابن أبي عروبة الحراني، وأبي القاسم الطبراني٣. والدليل على هذا القول حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، قال: رب وماذا أكتب، قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ... " الحديث٤. قال ابن جرير عند ترجيح هذا القول: "وقول رسول الله ﷺ الذي رويناه عنه أولى قول في ذلك بالصواب، لأنه كان أعلم قائل في ذلك قولا بحقيقته وصحته ... من غير استثناء منه شيئا من الأشياء أنه تقدم خلق الله إياه خلق القلم، بل عم بقوله ﷺ : "إن أول شيء خلقه الله القلم" كل شيء، وإن القلم مخلوق قبله من غير استثنائه من ذلك عرشا ولا ماء ولا شيئا غير ذلك"٥.

стр. 53

القول الثاني: أن الماء أول المخلوقات، وأنه مخلوق قبل العرش. وهذا القول ذكره ابن جرير ونقله عنه ابن كثير١. وذكره أيضا ابن حجر٢، واستدل له بما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا: "أن الماء خلق قبل العرش". وقال ابن حجر: "وروى السدي في "تفسيره" بأسانيد متعددة "أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء". القول الثالث: أن أول شيء خلقه الله من خلقه النور والظلمة. وهذا القول ذكره ابن جرير، وعزاه إلى ابن إسحاق٣. القول الرابع: أن العرش هو أول المخلوقات. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وابن القيم٥،

стр. 54

وابن كثير١، وشارح "العقيدة الطحاوية"٢، ونسبه ابن كثير وابن حجر- نقلا عن أبي العلاء الهمداني- إلى الجمهور، ومال إليه ابن حجر- أيضا٣. واستدلوا على قولهم هذا بما رواه مسلم في "صحيحه" بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء" ٤. ففي هذا الحديث تصريح بان التقدير وقع بعد خلق العرش، وحديث عبادة صريح بان التقدير وقع عند أول خلق القلم، فدل ذلك على أن العرش سابق على القلم. ومما يؤيد هذا القول- أيضا- حديث عمران بن حصين: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض"٥. فالحديث يدل على أن العرش كان موجودا قبل كتابه المقادير. وهذا هو الراجح من الأقوال، وأما القول الثاني "أن الماء أول

стр. 55

المخلوقات" واستدلال ابن حجر بحديث، أبي رزين "أن الماء خلق قبل العرش" فغير صحيح، لأنه لم يرد في حديث أبي رزين هذا اللفظ، وإنما ورد فيه: "ثم خلق عرشه على الماء"، وليس في هذا ما يدل على أولية الماء. وأما ما رواه السدي فهو- أيضا- لا يصلح للاحتجاج، لكونه أثرا لم يثبت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك. وأما القول الثالث: وهو قول ابن إسحاق فهو- أيضا- غير صحيح، ولعله أخذه من الإسرائيليات كما أخذ غيره من الأمور، وقد قال ابن جرير في هذا القول: "وأما ابن. إسحاق فإنه لم يسند قوله الذي قاله في ذلك إلى أحد، وذلك من الأمور التي لا يدرك علمها إلا بخبر من الله أو خبر من رسول الله ﷺ "١. أما القول الأول فقد أجاب الجمهور على استدلالهم بحديث عبادة بن الصامت بقولهم: لا يخلو قوله "أول ما خلق الله القلم ... " إلخ من أن يكون جملة أو جملتين، فإن كان جملة- وهو الصحيح- كان معناه أنه عند أول خلقه قال له: "اكتب" كما في اللفظ، "أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب" بنصب "أول" و"القلم "، فعلى هذا تكون الأولية راجعة إلى الكتابة لا إلى الخلق. وإن كانت جملتين وهو مروي برفع "أول" و"القلم " فيتعين حمله على أنه أول المخلوقات من هذا العالم، فيتفق بهذا الحديثان، إذ

стр. 56

حديث عبد الله بن عمرو صريح في أن العرش سابق على التقدير، والتقدير مقارن لخلق القلم"١. أما هيئة العرش: فقد دلت الأحاديث على أنه مقبب الشكل، وأنه على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيهما كهيئة القبة، وهذا ما يدل عليه حديث الأعرابي الذي جاء فيه أن النبي ﷺ قال: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" ٢، وأشار بأصابعه مثل القبة، ويؤيد وصف هيئة العرش بهذه الصفة ما جاء في الحديث الآخر: "إذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن" فالحديث يبين أن الفردوس أوسط الجنة، وأعلاها، والجنة كما جاء في الحديث الآخر مائة درجة، وما بين كل درجة ودرجة كما بين السموات والأرض، فكون العرش سقفا للفردوس- الذي هو أوسط الجنة وأعلاها- يدل على أنه مقبب لأن هذه الصفة لا تكون إلا في المستدير. والعرش له قوائم كما جاء في الحديث الصحيح: "لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" الحديث. وفي إثبات كون العرش مقببا، وأن له قوائم تحمله، رد على من

стр. 57

زعم من الفلاسفة أن العرش فلك من الأفلاك، أو أنه الفلك التاسع. وقد تقدم الرد على زعم هؤلاء، وكذلك فيه رد على من زعم أن العرش بمعنى الملك، لأنه لا يعقل أن يكون ماسكا بقائمة من قوائم الملك، وقد ذكر ابن كثير، والذهبي: أن العرش من ياقوتة حمراء١، وقد استدلوا لهذا القول بما رواه إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت سعدا الطائي يقول: "العرش ياقوتة حمراء"٢.

стр. 58

المبحث الثاني: مكان العرش إن الآيات والأحاديث التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎ لتدل دلالة واضحة على أن لعرش الرحمن مكانا قبل وجود السموات والأرض وبعد خلقهما، فأما مكانه قبل خلق السموات والأرض فالآيات والأحاديث تبين لنا أن مكانه على الماء، فالله سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماء﴾ . قال الطبري في تفسير هذه الآية: "وقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماء﴾ ، يقول وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض وما فيهن، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماء﴾ قبل أن يخلق شيئا"١. وأما الأدلة من السنة على ذلك فكثيرة، منها حديث عمران بن حصين الذي جاء فيه: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض". وكذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: "كتب الله

стр. 59

مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال: وعرشه على الماء". وكذلك حديث أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه، قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء". فكل من الآية والأحاديث تدل دلالة قاطعة على أن مكان العرش منذ خلقه على الماء، وليس المراد بالماء هنا ماء البحر، لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا ماء آخر تحت العرش على ما شاء الله تعالى١. وقد سئل حبر الأمة عبد الله بن عباس- ﵄ عن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماء﴾ على أي شيء كان الماء، قال: على متن الريح٢. وعن سليمان التيمي أنه قال: "لو سألت أين الله، لقلت: في السماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل السماء، لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل الماء، لقلت: لا أعلم، قال أبو عبد الله وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَاّ بِما شَاءَ﴾ ٣"٤.

стр. 60

هذا مكان العرش قبل خلق هذا الكون الذي هو عبارة عن السموات والأرض، أما مكانه بعد خلق السموات والأرض فالحديث عنه من جانبين: الجانب الأول: مكانه بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات. الجانب الثاني: مكانه بالنسبة إلى السموات والأرض بعد خلقهما. أما مكان العرش بالنسبة إلى الله تعالى مع غيره من المخلوقات فهو أقربها إليه سبحانه، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر أنه مستو على عرشه في أكثر من موضع في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ففي إثبات الاستواء على العرش دليل على قربه إليه، لأنه- سبحانه- مستو على أعلى مخلوقاته وأقربها إليه، وهذه ميزة امتاز بها العرش على ما سواه، ومما يؤيد كون العرش أقرب المخلوقات إلى الله ما جاء في حديث ابن عباس- ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ولكن ربنا- ﵎ اسمه- إذا قضى أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم، فيخبرونهم ماذا قال"١. فالحديث يدل على أن حملة العرش هم أول من يتلقى أمر الله، ثم يبلغونه للذين يلونهم من أهل السموات، فكونهم أقرب الخلق إلى الله

стр. 61

دليل على أن العرش أقرب منهم إليه – سبحانه - لأنهم إنما يحملونه. أما مكان العرش بالنسبة للسموات والأرض بعد خلقهما وهل مازال على الماء، فالجواب ما يلي: إن العرش ما يزال على الماء المذكور في الآية والأحاديث، بدليل ما جاء في حديث الأوعال، في قوله ﷺ : "ثم فوق السماء السابعة بحر، بين أعلاه وأسفله، مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك كله ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش". فالحديث يشير كما أسلفنا إلى وجود ذلك الماء الذي تحت العرش، وإلى أنه مازال موجودا إلى ما بعد خلق السموات والأرض. أما مكان العرش بالنسبة إلى السموات والأرض فهو أعلى منها، وفوقها، وهو كالقبة عليها، كما جاء في الحديث: "إن عرشه على سمواته وأراضيه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، وكذلك ما جاء في حديث العباس بن عبد المطلب الذي يسمى حديث الأوعال، فكلا الحديثين يدلان على أن العرش فوق السموات والأرض، وأعلى منهما، وهو كالسقف عليهما، بل هو سقف الجنة، كما في الحديث: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن" ١.

стр. 62

فمكان العرش فوق السموات والأرض، وفوق الجنة، وهو أعلى المخلوقات، وأرفعها، وجميع المخلوقات دونه في العلو والارتفاع والله أعلم.

стр. 63

المبحث الثالث: خصائص العرش خص الخالق عرشه الكريم بخصائص عديدة، ميزته على كثير من المخلوقات الأخرى، وذلك لما للعرش من المكانة الرفيعة عند البارئ- ، فقد جاء ذكر عرش الرحمن في واحد وعشرين موضعا من القرآن الكريم، ومجيء ذكر العرش بهذا العدد يدل على ما له من مكانة ومنزلة عالية عند الخالق- ، فالله قد مدح نفسه في أكثر من موضع من كتابه الكريم بانه صاحب العرش العظيم، والكريم، والمجيد، قال تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ . فالله سبحانه يصف لنا في هذه الآيات وغيرها العرش بانه عظيم، وكريم، ومجيد، فهو عظيم لكونه أكبر المخلوقات، وأعظمها، وأعلاها، وذلك لما خص الله به هذا العرش من الاستواء عليه، ومجيد وكريم لما له من منزلة تميز بها عما سواه من المخلوقات، فهو إنما اتصف بهذه الصفات لجلالته وعظيم قدره، كما أن في قوله تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْش﴾ إخبار منه تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع خلقه، ومما يدل- أيضا- على

стр. 64

عظمة هذا العرش اقترانه باسم "الرحمن" كثيرا في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ . ففي هذا الاقتران بين اسم الرحمن والعرش حكمة، وهي إخباره- بأنه قد استوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات، ذلك لأن العرش محيط بالمخلوقات وقد وسعها، والرحمة بالخلق واسعة لهم١، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٢. وسنذكر في هذا المبحث بعض الخصائص التي اختص بها العرش وكرم بها، والتي جعلته يوصف بهذا الوصف في القرآن الكريم ويجعل له تلك المنزلة الرفيعة. أولا: الاستواء عليه: يعتبر استواء الله- على العرش أعظم الخصائص التي اختص بها العرش، بل إن ما سواها من الخصائص الأخرى التي تميز بها العرش إنما جعلت له لأجل استواء الله- عليه، وذلك أن الله - تعالى- لما اختصه بهذا الأمر جعل له من الخصائص والصفات، كارتفاعه، وعظم خلقه، وكبره، وثقل وزنه، لكي يتناسب مع ما ميز وشرف به من الاستواء عليه. ومسألة الاستواء على العرش ثابتة في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر

стр. 65

الاستواء في القرآن الكريم في سبعة مواضع، ومجيء ذكر الاستواء في القرآن بهذا العدد إنما هو ليؤكد عظم هذا الأمر وأهميته، وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار التي تثبت الاستواء وتؤكده. وإن مذهب السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم- رضوان الله عليهم أجمعين- أنهم يقولون: إن الله على عرشه بلا تكييف، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تعطيل، فهو سبحانه مستو على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، واستواؤه حقيقة لا مجاز، كما يزعم الجهمية وأتباعهم الذين ينكرون العرش، وأن يكون الله فوقه. وأما كيفية ذلك الاستواء فهي مجهولة لدينا، والسؤال عن كيفية ذلك الاستواء بدعة، لأن الله- سبحانه- لم يطلعنا على كيفية ذاته، فكيف يكون لنا أن نعرف كيفية استوائه وهو- يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَاّ بِما شَاءَ﴾ . ثانيا: العرش أعلى المخلوقات، وأرفعها، وسقفها إن مما خص به الخالق- العرش مع استوائه عليه كونه أعلى المخلوقات، وأرفعها، وأقربها إلى الله تعالى، فقد ثبت أن العرش أعلى من السموات والأرض والجنة، وأنه كالسقف عليها، والأدلة على هذا الأمر كثيرة، وقد سبق أن أوردنا جزءا منها خلال حديثنا عن مكان العرش. والقول بان العرش أعلى المخلوقات هو قول السلف الذي قالوا به وذهبوا إليه، قال محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه "أصول

стр. 66

السنة": "ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء"١. وكون العرش أعلى المخلوقات يدل على أنه أقربها إلى الله- تعالى- وهذه ميزة أخرى تضاف إلى الخصائص التي انفرد بها العرش، ويدل على هذا الأمر ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ظهورهم العرش، بين أعلاه وأسفله مثل ما بين السماء إلى سماء، والله- تعالى- فوق ذلك "٢. وكذلك ما جاء. ابن مسعود: "بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي إلى الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه "٣. ثالثا: العرش أكبر المخلوقات، وأعظمها، وأثقلها: إن عرش الرحمن- ﵎ يعتبر أكبر مخلوقات الله، وأوسعها، وأعظمها على الإطلاق، فقد خص الله العرش بهذه الميزة العظيمة، وشرفه بها مع غيرها من الميزات، لكي يتناسب مع ذلك الشرف العظيم ألا وهو استواء البارئ- عليه.

стр. 67

وعظم العرش وسعة خلقه قد دل عليهما القرآن والسنة، فالله يقول في محكم التنزيل: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ فالله- سبحانه- وصف العرش في هذه الآية وغيرها بكونه عظيما في خلقه وسعته، قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "أي هو مالك كل شيء، وخالقه، لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما تحت العرش مقهورين بقدرة الله تعالى"١. ومما يشهد لعظم العرش وسعة خلقه الأحاديث والآثار التي تتحدث عن كبر حجمه وسعته، فقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: "إن عرشه على سمواته وأرضه هكذا" وأشار بأصابعه مثل القبة، فالنبي ﷺ يشبه العرش بأنه كالقبة على هذا العالم المكون من السموات والأرض وما فيها، وكالسقف عليهما، وفي هذا بيان واضح على عظم العرش، وكبر مساحته، وفي حديث آخر يبين لنا مدى عظم العرش، وكبر ومساحته، فليس العرش باكبر من السموات والأرض فقط، بل هو من الكبر وسعة الحجم بحيث لا تعدل السموات والأرض على سعة حجمهما بجانبه شيئا يذكر، فعن أبي ذر- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة"، وفي رواية: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن

стр. 68

في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" ١. فالحديث كما أسلفنا دليل واضح على سعة العرش وعظم خلقه. وأما مقدار ذلك وتلك السعة لا يعلمها إلا الله- تعالى-. قال عبد الله بن عباس- رضي، الله عنهما-: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدره إلا الله- تعالى- "٢. والعرش يمتاز مع كبر حجمه وسعته، بكونه أثقل المخلوقات، وزنته أثقل الأوزان،. جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لجويرية: "لقد قلت بعدك أربع كلمات مرات، لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته "٣. قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان"٤. رابعا: العرش داخلا فيما يقبض ويطوى: لقد خص الله- العرش بخصائص منها ما انفرد بها العرش عن غيره من المخلوقات، ومنها ما اشترك بها العرش مع بعض المخلوقات الأخرى، ولقد سبق الحديث عن بعض الخصائص التي

стр. 69

انفرد بها العرش، وأود ههنا أن أبين بعض ما اشترك فيه العرش مع غيره من المخلوقات من الخصائص. فقد سبق أن علمنا أن العرش مخلوق قبل السموات والأرض، فهو بهذا ليس داخلا فيما خلق في الأيام الستة، ومعلوم أن الله- سبحانه- قد أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه محمد ﷺ أنه يقبض يوم القيامة السموات والأرض ويطويها ويبدلها قال تعالى: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِه﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّماوَاتُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ٥. وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول ﷺ : "يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض " ٦، وفي "صحيح مسلم" عن

стр. 70

عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله لجم: "يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم ياخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون، أين المتكبرون" ١. فالآيات والأحاديث السابقة تدل على أن السموات والأرض وما فيهما تقبض، وتطوى، وتبدل. وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى، كالجنة، والنار، والعرش٢. فعلى هذا يكون العرش ليس داخلا فيما يقبض، ويطوى، ويبدل، والأدلة على بقاء العرش كثيرة في الكتاب والسنة، فالله يقول مخبرا عن بقاء عرشه يوم القيامة: ﴿وَحُمِلَتِ الأرض وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً وَاحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ٣، وكذلك ما جاء في سورة الزمر من إخباره- تعالى- بقبضه للأرض، وطيه للسموات بيمينه، وذكر نفخ الصور، وصعق من في السموات والأرض، إلا من شاء الله، ثم ذكر النفخة الثانية التي يقومون بها، وأن الأرض تشرق بنور ربها، وأن الكتاب يوضع، ويجاء بالنبيين والشهداء، وأنه توفى كل نفس بما عملت، وذكر سوق الكفار إلى النار، وسوق المؤمنين إلى الجنة، إلى

стр. 71

أن قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. فالآيات فيها إخبار عن الموقف يوم القيامة، والشاهد أن العرش باق حتى بعد انتهاء الحساب. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما العرش فلم يكن داخلا فيما خلقه في الأيام الستة، ولا فيما يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على ما دل عليه القرآن من بقاء العرش، فقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن، قال ﷺ : "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن"٢.

стр. 72

الفصل الثاني: ذكر ما يتعلق بالعرش المبحث الأول: الكلام على حملة العرش ... إن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ . فالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ : يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك هو مجموع الخلق، فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه، يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية"١. وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه:

стр. 73

فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله سكت: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ١. وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش". والقول بان حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف، الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم، وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة، وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم. وأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى: استولى، وأن المراد بالعرش: الملك، فإنهم أنكروا- أيضا- كون حملة العرش هم من الملائكة فقالوا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، ﴿وَيَحْمِلُ﴾ بالجذب ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ ملك ربك للأرض والسموات، ﴿فَوْقَهُمْ﴾ ، أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ ، أي: السموات السبع والأرض٢، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي٣.

стр. 74

فقد أولوا هذه الآية، كما أولوا آيات الاستواء التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن- ﵎. وأما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به: الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط، أو ما يسمونه الفلك التاسع١، وقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش. فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله- تعالى- أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء الثمانية هل هم ثمانية أملاك، أم ثمانية أصناف، أم صفوف، وهل هم اليوم ثمانية، أم أقل، على عدة أقوال: القول الأول: أن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله، وهذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، قال: "ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله "٢، وهو- أيضا- مروي عن سعيد بن جبير٣،

стр. 75

والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وابن جريج١. القول الثاني: أن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس٢، وقال به مقاتل٣، والكلبي٤. القول الثالث: أن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة. ويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش". فالحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية. وروي عن العباس بن عبد المطلب- ﵁ في قوله تعالى:: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، قال: "ثمانية أملاك في صورة الأوعال، بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة"٥.
следующие страницы →