← Книги сунны

Книги сунны · id 12444

العرش وما روي فيه

محمد بن عثمان بن أبي شيبة

Полный текст (430 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أن قال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١. فالآيات فيها إخبار عن الموقف يوم القيامة، والشاهد أن العرش باق حتى بعد انتهاء الحساب. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما العرش فلم يكن داخلا فيما خلقه في الأيام الستة، ولا فيما يشقه ويفطره، بل الأحاديث المشهورة دلت على ما دل عليه القرآن من بقاء العرش، فقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن، قال ﷺ : "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وفوقه عرش الرحمن"٢.

стр. 72

الفصل الثاني: ذكر ما يتعلق بالعرش المبحث الأول: الكلام على حملة العرش ... إن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْما فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ . فالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ ، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ : يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهمية، فإن الملك هو مجموع الخلق، فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه، يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله ثمانية"١. وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه:

стр. 73

فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله سكت: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام" ١. وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش". والقول بان حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف، الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم، وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة، وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم. وأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى: استولى، وأن المراد بالعرش: الملك، فإنهم أنكروا- أيضا- كون حملة العرش هم من الملائكة فقالوا: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، ﴿وَيَحْمِلُ﴾ بالجذب ﴿عَرْشَ رَبِّكَ﴾ ملك ربك للأرض والسموات، ﴿فَوْقَهُمْ﴾ ، أي: فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، ﴿ثَمانِيَةٌ﴾ ، أي: السموات السبع والأرض٢، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي٣.

стр. 74

فقد أولوا هذه الآية، كما أولوا آيات الاستواء التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن- ﵎. وأما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به: الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط، أو ما يسمونه الفلك التاسع١، وقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش. فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله- تعالى- أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء الثمانية هل هم ثمانية أملاك، أم ثمانية أصناف، أم صفوف، وهل هم اليوم ثمانية، أم أقل، على عدة أقوال: القول الأول: أن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله، وهذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، قال: "ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله "٢، وهو- أيضا- مروي عن سعيد بن جبير٣،

стр. 75

والشعبي، وعكرمة، والضحاك، وابن جريج١. القول الثاني: أن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس٢، وقال به مقاتل٣، والكلبي٤. القول الثالث: أن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة. ويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش". فالحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية. وروي عن العباس بن عبد المطلب- ﵁ في قوله تعالى:: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، قال: "ثمانية أملاك في صورة الأوعال، بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة"٥.

стр. 76

وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنه قال: "حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينه مسيرة مائة عام"١. وعن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، قال: ثمانية من الملائكة٢. وعن شهر بن حوشب قال: "حملة العرش ثمانية: أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك"٣. القول الرابع: أن حملة العرش اليوم أربعة من الملائكة، ويوم القيامة ثمانية، وهذا القول رجحه ابن كثير٤، وابن الجوزي٥، وقال: هو قول الجمهور"٦. ويستدل لهذا القول بعدة أدلة منها: ما رواه الطبري بسنده عن

стр. 77

عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "يحمله اليوم أربعة، ويوم القيامة ثمانية" ١. وروى الطبري- أيضا- بسنده عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: "هم اليوم أربعة"، يعني: حملة العرش، "وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية" ٢. واستدلوا- أيضا- بما جاء عن ابن عباس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره فقال: رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد فقال النبي ﷺ : "صدق" ٣. واستدلوا- أيضا- بما جاء في حديث الصور المشهور، فقد جاء فيه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ ، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حجزهم، والعرش على مناكبهم...."٤.

стр. 78

ولعل هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، ولكن ليس هناك نص صريح ثابت عن النبي ﷺ في المسألة. و. الله أعلم.

стр. 79

المبحث الثاني: الكلام على الكرسي لما كان موضع البحث في الكلام. على العرش وما يتعلق به كان لزاما علي أن أتحدث عن الكرسي، وذلك لما بين الاثنين من علاقة، فالكرسي بالنسبة إلى العرش كالمرقاة إليه. وقد جاء ذكر الكرسي في موضع واحد في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إلَاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تأخذه سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَاّ بإذنه يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَاّ بِما شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ١. وهذه الآية هي أفضل الآيات، وقد سميت باية الكرسي، وقد تضمنت العديد من المعاني، قال ابن القيم في شرحها: "ففي آية الكرسي ذكر الحياة التي هي أصل جميع الصفات، وذكر معها قيوميته المقتضية لدوامه وبقائه وانتفاء الآفات جميعها عنه، ومنها النوم والسنة والعجز وغيرها، ثم ذكر كمال ملكه، ثم عقبه بذكر وحدانيته في ملكه، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، ثم عقبه بأنه لا سبيل للخلق إلى علم شيء من الأشياء إلا بعد مشيئته لهم أن يعلموه،

стр. 80

ثم ذكر سعة كرسيه منبها به على سعته - سبحانه- وعظمته وعلوه، وذلك توطئة بين يدي علوه وعظمته، ثم أخبر عن كمال اقتداره وحفظه للعالم العلوي والسفلي من غير اكتراث، ولا مشقة، ولا تعب"١. وأما الأحاديث والآثار الواردة في الكرسي فهي كثيرة جدا، وقد أورد ابن أبي شيبة بعضا منها، فنكتفي بما أورده٢. وقد تعددت الأقوال واختلفت في الكرسي كما تعددت واختلفت من قبل في العرش. والأقوال في الكرسي هي: القول الأول: أن المراد بالكرسي: العلم. وهذا القول هو قول الجهمية٣، فقد أولوا الكرسي بمعنى العلم، كما أولوا العرش بمعنى الملك، وكل ذلك فرارا منهم عن إثبات علو الله واستوائه على عرشه، وقد استدلوا بما روي عن ابن عباس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ قال: كرسيه علمه٤.

стр. 81

وهدا القول قد رجحه الطبري بقوله:"وأما الذي يدل على صحته ظاهر القرآن فقول ابن عباس الذي رواه جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه أنه قال: هو علمه"١. القول الثاني: أن المراد بالكرسي هو: العرش نفسه. وهذا القول مروي عن الحسن البصري، فقد روى ابن جرير بسنده عن جويبر عن الضحاك قال: كان الحسن يقول: "الكرسي هو العرش"، وقد مال ابن جرير إلى هذا القول٢، واعتمد في ذاك على حديث عبد الله بن خليفة قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنة، فعظم

стр. 82

الرب - تعالى ذكره -، ثم قال: "إن كرسيه وسع السموات والأرض، وإنه ليقعد عليه، فما يفضل منه مقدار أربع أصابع، ثم قال باصابعه فجمعها: وإن له أطيطا كأطيط الرحل التجديد إذا ركب من ثقله "١. القول الثالث: أن المراد بالكرسي: قدرته التي يمسك بها السموات والأرض٢،

стр. 83

ويقول هؤلاء: إن العرب تسمي أصل كل شيء الكرسي، كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيا، أي: اجعل له ما يعمده ويمسكه١. القول الرابع: أن الكرسي هو: الفلك الثامن، أو ما يسمونه فلك البروج، أو فلك الكواكب الثوابت٢. وقد قال بهذا القول بعض المتكلمين، في علم الهيئة من فلاسفة المسلمين، كابن سينا وغيره، وهؤلاء هم الذين قالوا: إن العرش هو: الفلك التاسع. القول الخامس: أن الكرسي جسم عظيم، مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه، وهو موضع القدمين للبارئ- ٣. وهذا القول هو مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، ومن سار على نهجهم، واقتدى بسنتهم، وهذا هو ما دل عليه القرآن، والسنة، والإجماع، ولغة العرب التي نزل القرآن بها.

стр. 84

فالأحاديث والآثار الثابتة دلت على هذا وبينته بيانا واضحا لا يدعو إلى الشك أو الارتياب، ومن تلك الأحاديث والآثار: حديث أبي ذر الغفاري- ﵁ قال: دخلت المسجد الحرام، فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه، فقلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أفضل، قال: "آية الكرسي، وما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة" ١. وقال الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (رقم ١٠٩) - بعد أن سرد الطرق لهذا الحديث-: "وجملة القول أن الحديث بهذه الطرق صحيح، والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ، وهو صريح في أن الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جرم قائم بنفسه، وليس شيئا معنويا، وفيه رد على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان". وأيضا ما جاء عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ، قال: "الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر قدره أحد"٢. وهذا ثابت عن ابن عباس في تفسير معنى الكرسي الوارد في الآية، وهذا القول في الكرسي نقل عن كثير من الصحابة والتابعين، منهم ابن

стр. 85

مسعود١، وأبو موسى الأشعري٢، ومجاهد٣ وغيرهم. ولذلك فقد ذكر كثير من العلماء أن هذا القول في الكرسي قد حصل عليه إجماع السلف: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الكرسي ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع جمهور السلف"٤، قال شارح "العقيدة الطحاوية": "وإنما هو: الكرسي- كما قال غير واحد من السلف- بين يدي العرش كالمرقاة إليه"٥. وقال محمد بن عبد الله زمنين: "ومن قول أهل السنة: أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين"٦. وقال القرطبي: "والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"٧. كما أن أهل اللغة لا يعرفون معنى للكرسي غير هذا المعنى. قال الزجاج: "والذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد

стр. 86

ويجلس عليه، فهذا يدل على أن الكرسي عظيم، دونه السموات والأرض"١. وقال ثعلب: "الكرسي: ما تعرفه العرب من كراسي الملوك"٢. ومن هذا كله يتبين لنا مدى صحة هذا القول، وموافقته للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، ومطابقته لما جاء في لغة العرب، وأما الأقوال الأخرى فهي أقوال باطلة، ومخالفة لما عليه جمهور أهل السنة من سلف الأمة وخلفها. وأما ما استدل به أهل القول الأول من قول ابن عباس فهو غير صحيح، كما بيناه في تخريجه، والصحيح عن ابن عباس هو قوله: "الكرسي موضع القدمين ... "، وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها. وأما القول الثاني أن الكرسي هو العرش نفسه، فلم يثبت عن الحسن البصري، لأن في إسناده جويبر وهو متفق على ضعفه، وقال فيه الحافظ ابن حجر: "ضعيف جدا". وقال ابن كثير: "رواه ابن جرير من طريق جويبر، وهو ضعيف، وهذا لا يصح عن الحسن، بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره"٣.

стр. 87

وقال البيهقي عند الكلام على هذا القول: "هذا ليس بمرضي، والذي تقتضيه الأحاديث أن الكرسي مخلوق بين يدي العرش، والعرش أعظم منه"١. ومساندة ابن جرير الطبري لهذا القول غير صحيحة، لأن حديث عبد الله بن خليفة ضعيف كما تقدم. وأما القول الثالث: فهو قول مخالف لما دلت عليه الأحاديث والآثار، ومخالف لما عليه الجمهور من أهل السنة والجماعة ومخالف للغة العربية، وهو تأويل باطل ترده الأحاديث، وهو- أيضا- تكذيب بالكرسي، وتكذيب للأحاديث الصحيحة التي دلت على وجود الكرسي. وأما القول الرابع: فيكفي في إثبات بطلانه أن جماعة من أنفسهم ردوا عليهم هذا القول- كما ذكره ابن كثير- وبالإضافة إلى ذلك فإن أصحاب هذا القول ليس لديهم أي دليل على قولهم هذا، كما سبق وأن بيناه في قولهم في العرش.

стр. 88

الباب الثالث: الكلام على صفتي العلو والاستواء الفصل الأول: الأقوال في صفة العلو المبحث الأول: أقوال المخالفين ... القول الأول: قول المعطلة من الفلاسفة١، والجهمية٢، والمعتزلة٣، ومتأخري الأشاعرة٤، والقرامطة الباطنية٥. وهؤلاء جميعا ينفون علو الله وارتفاعه فوق خلقه، وكل ذلك تحت دعوى التوحيد، والتنزيه، ونفي التشبيه، فهم يزعمون أن إثبات العلو لله - تعالى- فيه إثبات للجهة، والمحايثة، والحد، والحركة، والانتقال، وهذه الأمور- على زعمهم- تستلزم الجسمية، والأجسام حادثة والله منزه عن الحوادث، فمن أجل ذلك نفوا العلو، وأولوا النصوص الثابتة

стр. 89

فيه بان المراد بها علو القهر والغلبة. وقد انقسم الجهمية المعطلة النافون لعلو الله إلى فريقين في هذه المسألة: الفريق الأول: وهم الذين يقولون: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا هو كل مباين له ولا محايث له. وهذا القول هو ما يذهب إليها النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة١، وهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما، وبالغوا في نفي التشبيه، حتى أدى بهم ذلك إلى نفي وجوده بالكلية، وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هربا منهم- على حد زعمهم - من إثبات الجهة، والمكان، والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيما، وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات، فنحن نسد الباب بالكلية. وقد استند أصحاب هذا القول في قولهم هذا على حجج، زعموا أنها عقلية، أسسوها وابتدعوها وجعلوها مقدمة على كل نص، وليس لهؤلاء أي دليل من القرآن أو السنة على صحة قولهم هذا، وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: "وجميع أهل البدع قد

стр. 90

يتمسكون بنصوص، كالخوارج، والشيعة، والقدرية، والمرجئة، وغيرهم، إلا الجهمية، فإنهم ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه في النفي"١. وسنأتي بعد ذكر القول الثاني إلى ذكر بعض تلك الحجج التي زعمها هؤلاء. الفريق الثاني: وهم الذين يقولون بان الله بذاته في كل مكان. وهذا القول هو ما يذهب إليه النجارية٢، وكثير من الجهمية وبخاصة عبادهم، وصوفيتهم، وعوامهم، وأهل المعرفة والتحقيق منهم٣. ويحتج هؤلاء ببعض الحجج العقلية المزعومة بالإضافة إلى بعض الآيات القرآنية الدالة على المعية والقرب. وقد يجمع كثير من هؤلاء المعطلة بين القولين، فهو في حالة نظره وبحثه يقول بسلب الوصفين المتقابلين كليهما، فيقول: لا هو داخل العالم ولا خارجه.

стр. 91

وفي حالة تعبده وتألهه يقول: بأنه في كل مكان، ولا يخلو منه شيء١. أولا: شبه المعطلة العقلية: إن جل ما اعتمد عليه هؤلاء المعطلة من أدلة على نفي صفة العلو وغيرها من الصفات إنما هو عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة، بناها هؤلاء المعطلة على أصول فلسفية كانوا قد تاثروا بها، وليس لهؤلاء المعطلة في نفيهم هذا أساس من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ . وقد جعل هؤلاء المعطلة لتلك الحجج حكم الأمر المحكم، الذي يجب اتباعه واعتقاد موجبه والتسليم به، وقد بلغ من تقديسهم لها أنهم جعلوها مقدمة على الكتاب والسنة، فإذا ورد النص من الكتاب أو السنة عرضوه على تلك الأسس العقلية، فإن وافقها احتجوا به اعتضادا لا اعتمادا، وإن خالفها فهم يحرفون العلم عن مواضعه، فيؤولون نصوص القرآن، ويطعنون في نصوص السنة، وكل ذلك تحت دعوى التنزيه، والتوحيد، ونفي التشبيه. وقد أفرط هؤلاء المعطلة في هذا الجانب- أي جانب نفي التشبيه- فجعلوا من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء﴾ ٢ جنة يتترسون بها لنفي علو الله- سبحانه- فوق عرشه، وتكليمه لرسله، وإثبات صفات كماله، وغير ذلك مما أخبر الله به عن نفسه، أو أخبر به رسوله ﷺ عنه،

стр. 92

حتى أنه قد آل ببعضه هؤلاء المعطلة إلى نفي ذاته خشية التشبيه، فقالوا: هو وجود محض لا ماهية له، ونفى آخرون وجوده بالكلية، خشية التشبيه- على حد زعمهم- حيث قالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات والكلام والعلو، فنحن نسد الباب بالكلية١. وسوف نتعرض في هذا المبحث لبعض أسس تلك الشبه العقلية المزعومة، التي جعلها هؤلاء المعطلة مستندا لهم في نفي صفة العلو وغيرها من الصفات، ونبين ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، مع بيان ما في تلك الأسس من تناقض، وبخاصة من الناحية العقلية. ونظرا لتعدد مذاهب المعطلة واختلاف بعضها عن بعض في القول والرأي، فسوف نعرض شبهة كل فرقة من الفرق السابقة الذكر على حدة فنبدأ: أولا: شبهة الفلاسفة٢: الفلاسفة ينفون صفة العلو، وباقي صفات البارئ- كما سبق وأن ذكرنا، تحت دعوى التوحيد، والتنزيه عن مشابهة المخلوقين، فابن سينا يقول: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، فهو ليس بجسم، ولا صورة جسم، ولا مادة معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمة في

стр. 93

الكلام، ولا في المبادئ المقومة له، ولا في قول الشارح، ولا غير ذلك مما ينافي وحدة واجب الوجود وبساطته المطلقة"١. والمتامل لهذه العبارات التي أوردها ابن سينا يعرف أنها إنما هي مجرد اصطلاحات اصطلحها هو وأمثاله من الفلاسفة، الذين تأثروا بفلسفة اليونان، فجعلوا من تلك العبارات المبتدعة ما أسموه بالتوحيد، وادعوا أن ما تضمنته هو التنزيه، مع أننا في الحقيقة متضمنة لنفي جميع الصفات، بما فيها العلو والاستواء لقوله: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه" يعني به: أنه ليس لله تعالى صفة ولا قدر، لأن ذلك على رأيه يستلزم التجسيم، والتجزئة، والتركيب، فيلزم نفيه. لأنه يلزم من ذلك الحدوث، والافتقار، وذلك ينافي واجب الوجود. فابن سينا وأمثاله من الفلاسفة يعودون في نفي الصفات على حجة التركيب، والتي هي: "أنه لو كان له صفة لكان مركبا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزءاه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه" وهم بهذا الكلام تجدهم قد نفوا صفات البارئ جميعها. ولو توقفنا عند العبارة السابقة وهي قوله: "إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط ... " من أجل بيان أن ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ بل وحتى مخالفتها للعقل الذي يقدمه هؤلاء على كل شيء

стр. 94

لوجدنا أن هذه العبارة هي تفسير للواحد بما لا أصل له في الكتاب أو السنة، بل هو تفسير باطل شرعا، وعقلا، ولغة. أما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن هذا القول ليس هو معنى الواحد في اللغة، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات، أنهم يصفون كثيرا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسما، إذ المخلوقات إما أجسام وإما أعراض- عند من يجعله غيرها أو زائدة عليها. وإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدا، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم، إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم، وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، ولا يوجد في اللغة اسم الواحد إلا على ذي صفة ومقدار، لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ١، ومعلوم أن النفس الواحدة المراد بها هنا آدم ﵇، وحواء خلقت من ضلع آدم، فمن جسده خلقت، ولم تخلق من روحه، حتى لا يقول القائل: الواحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها، وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام التي سماها الله نفسا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة، وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ ٢، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف

стр. 95

البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد من باب أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام. وأما في العقل: فإن الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة أنه أمر لا ينقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، فليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات، ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن يرى ولا يدرك ولا يحاط به، وإن سماه المسمى جسما. وأما في الشرع: فنقول: إن مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم، تعرف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد لما في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات، وسلب إدراكه بالحواس، ولا نفي الحد والقدر، ونحو ذلك من المعاني التي ابتدعها هؤلاء١. وأما حجة التركيب التي اعتمد عليها هؤلاء الفلاسفة في نفي الصفات وهي قولهم: "إنه لو كان صفة لكان مركبا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزءاه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبا بنفسه"، فهي تتكون من ألفاظ مجملة، بمعنى أن كل لفظة منها تحتمل عدة معان، فلابد من توضيح المراد من كل لفظ- أولا- حتى يتكلم فيه.

стр. 96

فلفظ المركب- مثلا-: قد يراد به ما ركبه غيره، أو ما كان متفرقا فاجتمع، أو ما يقبل التفريق، والله منزه عن هذه المعاني باتفاق. وأما الذات الموصوفة بصفاتها اللازمة لها فإذا سميتم هذا تركيبا كان ذلك اصطلاحا لكم، وليس هو المفهوم من لفظ المركب، ولن تستطيعوا- أيها الفلاسفة- إقامة الدليل على نفيه. وأما قولهم "لكان مركبا": فإن أرادوا لكان غيره ركبه، أو لكان مجتمعا بعد افتراقه، أو لكان قابلا للتفريق، فاللازم باطل. فإن الكلام إنما هو في الصفات اللازمة للموصوف الذي يمتنع وجوده بدونها. وإن أرادوا بالمركب الموصوف، أو ما يشبه ذلك، قيما قالوا إن ذلك يمتنع، وأما قولهم: "والمركب مفتقر إلى غيره"، فالجواب عنه: أما المركب بالتفسير الأول فهو مفتقر إلى ما يباينه، وهذا ممتنع على الله - تعالى-. وأما الموصوف بصفات الكمال اللازمة لذاته، الذي سميتموه أنتم مركبا، فليس في اتصافه هذا ما يوجب كونه مفتقرا إلى مباين له. وإن قالوا: هو غيره، وهو لا يوجد إلا بها، وهذا افتقار إليها، قيل لهم: إن أرادوا بقولهم هي غيره أنها مباينة له فذلك باطل. وإن أرادوا أنها ليست إياه، قيل لهم: إذا لم تكن الصفة هي الموصوف فأي محذور في هذا.

стр. 97

واذا قالوا هو مفتقر إليها، قيل: أتريدون بالافتقار أنه مفتقر إلى فاعل يفعله، أو محل يقبله، أم تريدون أنه مستلزم لها فلا يكون موجودا ألا وهو متصف بها. أما الثاني فأي محذور فيه، وأما الأول فباطل إذ الصفة اللازمة للموصوف لا يكون فاعلا لها١. وأما قولهم: "إنه لو كان صفة لاإ ن مركبا، والمركب مفتقر إلى جزأيه"، فهذا القول لا يتم إلا عند من يثبت الجوهر الفرد، وأما نفاته فعندهم أن الجسم في نفسه واحد بسيط ليس مركبا من الجواهر المنفردة، وهذه المسألة خلافية، قد "توقف فيها أذكى المتأخرين من الأشعرية، وإمامهم أبو المعالي الجويني٢، وكذلك أذكى متأخري المعتزلة أبو الحسين البصري٣، وكذلك الرازي٤، فهي مقدمة

стр. 98

ممنوعة، لا تصلح دليلا لوجود، والنزاع فيها حتى بين الفلاسفة أنفسهم١. ثانيا: شبهة المعتزلة: وأما شبهة المعتزلة التي اعتمدوا عليها في نفي صفات البارئ- بما فيها صفة العلو، فهي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: أنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره٢، ولكان جسما، إذ إن ثبوت الصفات

стр. 99

تقتضي كثرة، وتعددا في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد. فهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال-، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على- حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث. ويزعمون- أيضا- أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين، فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها. ويزعمون- أيضا- أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثا مخلوقا، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب، والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها١. والمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسما وإمكان المعاد. الرد عليهم: مما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن

стр. 100

القديم لا يكون محلا للصفات والحركات، فلا يكون جسما، ولا متحيزا، لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. فهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يمكن القول بموجبه. والمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية: أولا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ ما في هذه الألفاظ من معاني، وما تدل عليه من عبارات١، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات البارئ- ، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن

стр. 101

استعمال هذه الألفاظ نفيا وإثباتا لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم. ومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو- سبحانه- محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء١. ثانيا: إن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعا ليس بعالم ولا قادر ولا حي٢. كما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه٣.

стр. 102

ثالثا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم١، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام، وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالة إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم٢، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة، لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلا عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة٣.

стр. 103

ثالثا: شبهة متأخري الأشاعرة: وهم- أيضا- ينفون صفة العلو، لأنها من الصفات الخبرية١. ومعلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات فقط، وهي ما يسمونها بصفات المعاني، وهي: العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي: ا- أن هذه الصفات ليست هي الذات، بل زائدة عليها، فصانع العالم عندهم عالم بعلم، وحي بحياة، وقادر بقدرة، وهكذا. ٢- أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله- تعالى-، ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته، لأن الدليل دل على أنه متصف بها، ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم، كان هو بعينه مفهوم قولنا: قام بذاته علم، فلا تكون الصفة صفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره. ٣- أن هذه الصفات كلها قديمة، لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلا للحوادث، وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به، وذلك أظهر استحالة.

стр. 104

٤- أن الأسماء المشتقة لله- تعالى- من هذه الصفات السبعة صادقة عليه أزلا وأبدا، فهو في القدم كان حيا، قادرا، عليما، سميعا، بصيرا، متكلما١. فهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع- فقط-، لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعا، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث. ومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كان يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول، فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث، فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها: إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات٢. ويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو: إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة، وإثبات الجهة يقتضي كونه جسما، وكونه جسما يقتضي كونه مركبا، والمركب مفتقر إلى جزئيه والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا، والله- سبحانه- منزه عن الحوادث٣.

стр. 105

فعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق وأن ذكرنا الرد على المعتزلة، فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيما وقولا باطلا فهذا كذلك. وإن قالوا: إنا نثبتها على الوجه الذي يليق بالرب. قيل لهم: وكذلك هذا. فإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم. قيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين١. رابعا: شبه النفاة السمعية في نفي صفة العلو: لقد سبق وأن ذكرنا أن المعطلة قد انقسموا في هذه المسألة إلى فريقين: فأما الفريق الأول: وهم القائلون بأن الله لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، وهؤلاء- كما سبق وأن ذكرنا- ليس لهم دليل واحد من الكتاب أو السنة. وأما الفريق الثاني: وهم القائلون بأن الله بذاته في كل مكان، فقد احتجوا لقولهم هذا بنصوص "المعية" و"القرب" الواردة في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إلَاّ هُوَ

стр. 106

مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُم﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٥، وقوله تعا لى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٦ وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٧ وقد زعم حلولية الجهمية أن المراد بهذه النصوص: معية الذات، وقرب الذات، فلذلك قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. الرد عليهم: قد أبطل علماء السلف زعم هؤلاء الجهمية واستدلالهم بهذه الآيات، وبينوا أن كل نص يحتجون به هو في الحقيقة حجة عليهم، فنصوص المعية التي استدلوا بها لا تدل بأي حال من الأحوال على ما زعمه هؤلاء،

стр. 107

وذلك لأن كلمة "مع" في لغة العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر، وهي إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة، أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. ولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع، واقتضت في كل موضع أمورا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع، وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما: المعنى الأول: المعية العامة والمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه، شهيد عليهم، ومهيمن، وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . فالله- قد افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم، ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر١، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية٢، وابن القيم٣.

стр. 108

وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية. وكذلك- أيضا- ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . فظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله- ﵎، واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله- تعالى- في هذه الآية بأنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع- تعالى- في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض ألبتة، وهو كقوله عليهم في حديث الأوعال: "والله فوق العرش، يعلم ما أنتم عليه". المعنى الثاني: المعية الخاصة وهي معية الاطلاع، والنصرة، والتأييد، وسميت "خاصة" لأنها تخص أنبياء الله وأولياءه مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١. فهذه المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد. ولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل

стр. 109

مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعمى. أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك١. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن هذه الآية لا تخلو إما أن يراد بها قربه- سبحانه-، أو قرب ملائكته، كما قد اختلف الناس في ذلك. فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ، ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله- سبحانه- قد أخبر بعلمه هو- سبحانه- بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ، وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٢. أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه- سبحانه-، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا: قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ "٣. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ ،

стр. 110

فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات، وإله من في الأرض، قال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير"١. وقال الآجري: "وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ : فمعناه أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله، يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء"٢. وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض"٣. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ فقد فسرها أئمة العلم، كالإمام أحمد، وغيره، أنه: المعبود في السموات والأرض٤. وقال الآجري: "وعند أهل العلم أن أهل الحق: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ هو كما قال أهل
следующие страницы →