Полный текст (386 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
إهداء
* إلى فاروق الأمة وعبقريها ... إلى عِزِّها وضميرها النابض في عروقنا ...
إلى مُلهِم الأحرار عبر الأزمان والأقطار ...
إلى السيف البتّار على أهل الشنار ...
إلى عمر بن الخطاب ...
* إلى أبي الذي افتقدته صغيراً ولم تمتلئ عيناي منه ... فهذه الثمرة التي كنت ترجوها في أبنائك ... وهذه الصلوات المتتاليات التي أذكرك بها حيناً بعد حين.
стр. 2
* إلى التي أظلتني برعايتها ... واكتنَفَتْني بعطفها وحنانها ... وأسهرت على راحتي عينيها ...
إلى أمي الحبيبة ... بكل المشاعر الإنسانية المتدفقة التي لا يحجزها عن التعبير عن عظيم حقك عليَّ حاجز ... وبكل صلواتي المتتاليات التي أذكرك فيها كل حين.
* إلى أهلي وقرابتي ...
* إلى ابني ((عمر)) سَمِيِّ الفاروق الأكبر ...
* إلى أشقائه: ((الحسين)) و ((بدرية)) و ((آلاء)) ...
هذا عِزكم ففاخروا به، وانهضوا بحقه، واعملوا بأحسنه ...
المؤلف
стр. 3
عَلَى سَاحِلِ عُمَر ...
((إِيهٍ يَا ابْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ)). النبي ﷺ
((مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁)).
عبد الله بن مسعود ﵁
((مَا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَوَّلِنَا إِسْلامًا، وَلا أَقْدَمِنَا هِجْرَةً، وَلَكِنَّهُ كَانَ أَزْهَدَنَا فِي الدُّنْيَا، وَأَرْغَبَنَا فِي الآخِرَةِ)).
طلحة بن عبيد الله ﵁
((وَمَنْ رَأَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ غَنَاءً لِلْإِسْلَامِ، كَانَ وَاللهِ أَحْوَزِيًّا، نَسِيجَ وَحْدِهِ، قَدْ أَعَدَّ لِلْأُمُورِ أَقْرَانَهَا)). أم المؤمنين عائشة ﵂ -
стр. 4
أَبَعْدَ قَتِيلٍ بِالْمَدِينَةِ أَشْرَقَتْ ... لَهُ الْأَرْضُ وَاهْتَزَّ الْعِضَاةُ بِأَسْوُقِ
جَزَى اللهُ خَيْرًا مِنْ إِمَامٍ وَبَارَكَتْ ... يَدُ اللهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ
قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا ... بَوَائِجَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفَتَّقِ
وَكُنْتَ نَشَرْتَ الْعَدْلَ بِالْبِرِّ وَالتُّقَى ... وَحُكْمُ صَلِيبِ الدِّينِ غَيْرُ مُزَوَّقِ
فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ ... لَيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالْأَمْسِ يُسْبَقِ
أَمِينُ النَّبِيِّ حِبُّهُ وَصَفِيُّهُ ... كَسَاهُ الْمَلِيكُ جُبَّةً لَمْ تَمَزَّقِ
مِنَ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَدْلِ وَالتُّقَى ... وَبَابُكَ عَنْ كُلِّ الْفَوَاحِشِ مُغْلَقُ
تَرَى الْفُقَرَاءَ حَوْلَهُ فِي مَفَازَةٍ ... شِبَاعًا رُوَاءً لَيْلُهُمْ لَمْ يُؤَرَّقِ
جزء بن ضرار
стр. 5
مقدمة
الحمد لله الأوّل بلا ابتداء، الآخر بلا انتهاء؛ المنفرد بقدرته، المتعالي في سلطانه؛ البادئ بالإحسان، العائد بالامتنان؛ الدالّ على بقائه بفناء خلقه، وعلى قدرته بعجز كلّ شيء سواه؛ المغتفر إساءة المذنب بعفوه، وجهل المسيء بحلمه؛ الذي جعل معرفته اضطراراً، وعبادته اختياراً؛ وخلق الخلق من بين ناطق معترف بوحدانيّته، وصامت متخشّع لربوبيّته؛ لا يخرج شيء عن قدرته، ولا يعزب عن رؤيته؛ الذي قرن بالفضل رحمته، وبالعدل عذابه؛ فالناس مدينون بين فضله وعدله، آذنون بالزّوال، آخذون في الانتقال؛ من دار بلاء إلى دار جزاء.
أحمده على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته؛ فإنّه رضي الحمد ثمناً لجزيل نعمائه، وجليل آلائه؛ وجعله مفتاح رحمته، وكفاء نعمته، وآخر دعوى أهل جنّته، بقوله جلّ وعزّ: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وصلّى الله على سيّدنا محمّد النبيّ المكرّم، الشافع المقرّب، الذي
стр. 6
بعث آخراً واصطفي أولاً، وجعلنا من أهل طاعته، وعتقاء شفاعته.
أما بعد؛ فهذا كتاب فريد في بابه، مُسْتَوْعِب لأَطْرَافِ الْفَنِّ، جَامِع لِشَتِيت الْفَوَائِد، وَمَنْثُور الْمَسَائِل، وَمُتَشَعِّب الأَغْرَاضِ، تخيّرت فيه من جواهر كلام الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ ما حفلت به كتب الآثار.
وصنعت فيه صَنْعَة الشريف الرضي في سِفره (نهج البلاغة)، إذ جمع من كلام أبي السبطين علي ﵁ ما صح سنده وما لم يصح، غير أني جانبت طريقته في نِسبة كثير من الحكم والخطب إليه مما ثبت أنها لغيره أو نُحِلت على لسانه، فخلّفت ورائي من الفرائد الكثير، حين لاح لي زيف نِسبتها.
وقد أعرضت عن التعرض للحُكْمِ على أغلبِ رواياتِ هذا السِفر عن عمد، رغم وقوفي على رُتَبِها، لمَّا كانت الغاية من كتابة هذا السِفر، جمع ما تناثر في الكتب من خُطب الفاروق عمر وكتبه وحِكمه، ليسوغ لمِثلي أن يتمَثَّل بعد هذا قول الفرزدق لجرير مفتخراً:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعَتْنا يا جرير المجامعُ
والبلاغة كما فسَّرها أهل الفن: هي موافقة الكلام مقتضى الحال، مع الفصاحة والإيجاز.
وما أبلغ تعبير القدماء من أعلام الأمة إذ قالوا أنها: بلوغ دقيق المعاني بجليل الكلام.
стр. 7
فقد سأل رَجُلٌ الشَّافِعِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، مَا الْبَلَاغَةُ؟، فقال: ((الْبَلَاغَةُ أَنْ تَبْلُغَ إِلَى دَقِيقِ الْمَعَانِي بِجَلِيلِ الْقَوْلِ))، فسأله: فَمَا الْإِطْنَابُ؟، فقال: ((الْبَسْطُ لِيَسِيرِ الْمَعَانِي، فِي فُنُونِ الْخِطَابِ))، فسأله: فَأَيُّمَا أَحْسَنُ عِنْدَكَ الْإِيجَازُ أَمْ الْإِسْهَابُ؟، فقال: ((لِكُلٍّ مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ مَنْزِلَةٌ، فَمَنْزِلَةُ الْإِيجَازِ عِنْدَ التَّفَهُّمِ فِي مَنْزِلَةِ الْإِسْهَابِ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا احْتَجَّ فِي كَلَامِهِ كَيْفَ يُوجِزُ، وَإِذَا وَعَظَ يُطْنِبُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ مُحْتَجًّا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وَإِذَا جَاءَتِ الْمَوْعِظَةُ، جَاءَ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ، وَضَرَبَ الْأَمْثَالَ بِالسَّلَفِ الْمَاضِينَ)) (١) .
ومن تأمل كلام الماضين، تفتقت له ينابيع الحِكمة، وفَصل الخِطاب، وتجلَّت له بلاغة المنطق، وتفتحت له أبوابها.
وأما كلام الفاروق عمر ﵁ فهو البحر الذي لا يُساجَل (٢) ، والجمّ الذي لا يحافَل (٣) ، وهو دائرٌ على أقطاب (٤) ثلاثة؛ كنحو تلك الأقطاب التي دارت عليها بلاغة أبي السبطين علي ﵁. الحواشي
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي: ٢/ ٦٦(٢) لا يُساجَل: لا يغالب في الامتلاء وكثرة الماء.(٣) لا يحُافَل: لا يغالب في الكثرة، من قولهم: ضرع حافل: ممتلئ كثير اللبن، والمراد أنّ كلامه لا يقابل بكلام غيره لكثرة فضائله.(٤) أقطاب: أصول.стр. 8
* فأول هذه الأقطاب: الخطب والأوامر.
* وثانيها: الكتب والرسائل.
* وثالثها: الحكم والمواعظ.
فأجمعتُ (١) بتوفيق الله ﷻ على الابتداء باختيار محاسن الخطب، ثم محاسن الكتب، ثم محاسن الحِكَم والأدب، مفرداً لكلّ صنف من ذلك باباً، ومفصَّلاً فيه أوراقاً، لتكون مقدمة لاستدراك ما عساه يشذّ عنّي عاجلاً، ويقع إليّ آجلاً.
ولا أدَّعي - مع ذلك - أنّي أحيط بأقطار جميع كلامه ﵁ (٢) حتّى لا يشذَّ عني منه شاذّ، ولا يَنِدَّ نادّ (٣) ، بل لا أبعد أن يكون القاصر عني فوق الواقع إليّ، والحاصل في رِبْقتي (٤) دون الخارج من يديّ، وما عليّ إلا بذل الجهد، وبلاغ الوسع، وعلى الله سبحانه نهج السبيل (٥) ، وإرشاد الدليل، إن شاء الله تعالى.
ورأيتُ من بعد تسمية هذا الكتاب بـ ((البلاغة العُمرية)) إذ كان يفتح للناظر فيه أبوابها، ويقرّب عليه طِلابها، وفيه حاجة العالم الحواشي
(١) أجمع عليه: عزم.(٢) أقطار الكلام: جوانبه.(٣) الناد: المنفرد الشاذ.(٤) الربقة: عروة حبل يجعل فيها رأس البهيمة.(٥) نهج السبيل: إبانته وإيضاحه.стр. 9
والمتعلّم، وبغية البليغ والزاهد، ويمضي في أثنائه من عجيب الكلام، ما هو بِلال كلّ غلّة (١) ، وشفاء كلّ علّة، وجِلاء كلّ شبهة.
ثمَّ إني بعد هذا كله، عزوت كل أثر عنه ﵁ بحسب الوُسع والطاقة - إلى مصدره، فما كان منه في الكتب التسعة قدَّمته على غيره، وأخَّرت ما سواه ولو كان ذا علو في الإسناد، بادئًا بالبخاري ثمَّ مسلم ثمَّ أصحاب السنن ثمَّ الموطأ ثمَّ مسند أحمد ثمَّ الدارمي ثمَّ سائر الكتب.
وما كان منه خِلواً مما ذكرت، قَدَّمت فيه الأقدم تصنيفاً فالأحدث.
فإن كان الأثر مُسنداً في كتب أهل الفن، عبَّرت عن ذلك بقولي (رواه)، وإن كان مذكوراً بلا إسناد يُعرف، عبَّرت عن ذلك بقولي (ذكره).
وإني قبل هذا وبعده؛ أستمد من الله تعالى التوفيق والعصمة، وأتنجّزُ التسديد والمعونة، وأستعيذه من خطأ الجنان، قبل خطأ اللسان، ومن زلّة الكَلِم، قبل زلّة القَدَمْ، وهو حسبي ونعم الوكيل. стр. 10
الباب الأول: في المُختار من خُطب أمير المؤمنين ﵁ وأوامره
стр. 11
[١] وَمِنْ كَلامٍ لَهُ ﵁ يذكر وقوع الإسلام في قلبه قبل إسلامه
((خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَالِيفِ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، فَقَرَأَ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، قُلْتُ: كَاهِنٌ، قَالَ: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٤٢ - ٥٢]، فَوَقَعَ الْإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ)) (١) .
[٢] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ يذكر إسلامه وفضل الله تعالى عليه
((أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعْلِمَكُمْ بُدُوَّ إِسْلَامِي؟ قالوا: نَعَمْ، قَالَ: كُنْتُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَبَيْنَا أَنَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فِي الحواشي
(١) رواه أحمد في المسند(١٠٨) وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٤/ ٢٨.стр. 12
بَعْضِ طُرُقِ مَكَّةَ إِذْ لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ هَذَا الَّذِي الَّذِي الَّذِي، قَالَ: عَجَبًا لَكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ هَكَذَا، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ هَذَا الْأَمْرُ بَيْتَكَ، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ قَدْ صَبَتْ، فَرَجَعْتُ مُغْضَبًا، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْمَعُ الرَّجُلَ وَالرِّجْلَيْنِ إِذَا أَسْلَمَا عِنْدَ الرَّجُلِ بِهِ قُوَّةٌ يُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ، وَقَدْ كَانَ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِي رَجُلَيْنِ، فَجِئْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانُوا يَقْرَءُونَ صَحِيفَةً مَعَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتِي اخْتَفَوْا وَنَسُوا الصَّحِيفَةَ، فَقَامَتِ الْمَرْأَةُ فَفَتَحَتْ لِي، فَقُلْتُ: يَا عَدُوَّةَ نَفْسِهَا، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكِ صَبَوْتِ، وَأَرْفَعُ شَيْئًا فِي يَدِي فَأَضْرِبَهَا، فَسَالَ الدَّمُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ بَكَتْ وَقَالَتْ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، مَا كُنْتَ فَاعِلًا فَافْعَلْ، فَقَدْ أَسْلَمْتُ.
فَجَلَسْتُ عَلَى السَّرِيرِ فَنَظَرْتُ، فَإِذَا بِكِتَابٍ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ أَعْطِينِيهِ، قَالَتْ: لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ، إِنَّكَ لَا تَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَلَا تَطْهُرُ، وَهَذَا لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَلَمْ أَزَلْ بِهَا حَتَّى أَعْطِنِيهِ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذُعِرْتُ وَرَمَيْتُ بِالصَّحِيفَةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَإِذَا فِيهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، كُلَّمَا مَرَرْتُ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ ذُعِرْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، حَتَّى بَلَغْتُ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
стр. 13
وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الحديد: ٧ - ٨]، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ يَتَنَادَوْنَ بِالتَّكْبِيرِ اسْتِبْشَارًا بِمَا سَمِعُوا مِنِّي، وَحَمِدُوا اللهَ، وَقَالُوا: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَبْشِرْ، فَلَمَّا أَنْ عَرَفُوا مِنِّي الصِّدْقَ قُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي بِمَكَانِ رَسُولِ اللهِ، قَالُوا: هُوَ فِي بَيْتٍ فِي أَسْفَلِ الصَّفَا، فَخَرَجْتُ حَتَّى قَرَعْتُ الْبَابَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، وَقَدْ عَرَفُوا شِدَّتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا إِسْلَامِي.
فَمَا اجْتَرَأَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِفَتْحِ الْبَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ((افْتَحُوا لَهُ، فَإِنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يَهْدِهِ))، فَفَتَحُوا لِي، وَأَخَذَ رَجُلٌ بِعَضُدِي، حَتَّى دَنَوْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ((أَرْسِلُوهُ))، فَأَرْسَلُونِي فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَخَذَ بِمَجْمَعِ قَمِيصِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ وَقَالَ: ((أَسْلِمْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ))، قُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِطُرُقِ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ اسْتَخْفَى، وَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى رَجُلًا إِذَا أَسْلَمَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: مَا أُحِبُّ إِلَّا أَنْ يُصِيبَنِي مِمَّا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ.
فَذَهَبْتُ إِلَى خَالِي، وَكَانَ شَرِيفًا فِيهِمْ، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ،
стр. 14
فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي، قُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ، فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَجُلًا مِنْ عُظَمَاءِ قُرَيْشٍ، فَقَرَعْتُ الْبَابَ، فَخَرَجَ، فَقُلْتُ: أَشَعَرْتَ أَنِّي قَدْ صَبَوْتُ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ، قُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَدَخَلَ فَأَجَابَ الْبَابَ، قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ: أَتُحِبُّ أَنْ يُعْلَمَ بِإِسْلَامِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا جَلَسَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ فَائْتِ فُلَانًا، رَجُلًا لَمْ يَكُنْ يَكْتُمُ السِّرَّ، فَأَصْغِ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَإِنَّهُ سَوْفَ يَظْهَرُ عَلَيْكَ وَيَصِيحُ وَيُعْلِنُهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْحِجْرِ جِئْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَدَنَوْتُ فَأَصْغَيْتُ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ: إِنِّي قَدْ صَبَوْتُ، فَقَالَ: قَدْ صَبَوْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَفَعَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَقَالَ: أَلَا إِنَّ ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَا، فَثَابَ إِلَيَّ النَّاسُ فَضَرَبُونِي وَضَرَبْتُهُمْ، فَقَالَ خَالِي: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ابْنُ الْخَطَّابِ، فَقَامَ عَلَى الْحِجْرِ فَأَشَارَ بِكُمِّهِ: أَلَا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ ابْنَ أُخْتِي، فَانْكَشَفَ النَّاسُ عَنِّي، وَكُنْتُ لَا أَشَاءُ أَنْ أَرَى أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَأَنَا لَا أُضْرَبُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا بِشَيْءٍ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمْهَلْتُ حَتَّى إِذَا جَلَسَ فِي الْحِجْرِ، دَخَلْتُ إِلَى خَالِي قُلْتُ:
اسْمَعْ، قَالَ: مَا أَسْمَعُ؟ قُلْتُ: جِوَارُكَ عَلَيْكَ رَدٌّ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا ابْنَ أُخْتِي، قُلْتُ: بَلَى هُوَ ذَاكَ،
стр. 15
قَالَ: مَا شِئْتَ، قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَضْرِبُ وَأُضْرَبُ حَتَّى أَعَزَّ اللهُ الْإِسْلَامَ)) (١) .
[٣] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ لرسول الله ﷺ بعد إسلامه
((يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا أَدَعُ مَجْلِسًا جَلَسْتُهُ فِي الْكُفْرِ إِلَّا أَعْلَنْتُ فِيهِ الْإِسْلَامَ)) (٢) .
[٤] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ في هجرته إلى المدينة
((اتعَدْتُّ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وعَيَّاش بن أبي ربيعة (٣) ، وهشام بن العاص بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ (٤) التَّناضِبَ مِنْ أَضَاةِ الحواشي
(١) رواه أحمد في فضائل الصحابة(٣٧٦) والبيهقي في دلائل النبوة: ٢/ ٢١٦.(٢) رواه الطبراني في المعجم الأوسط(١٢٩٣) .(٣) عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، من المهاجرين الأولين، ذو الهجرتين، ولد له بالحبشة ابنه عبد الله، ثم هاجر هو وعمر بن الخطاب إلى المدينة، كان أخاً لأبي جهل بن هشام لأمه، خرج أبو جهل، والحارث ابنا هشام إلى المدينة فتلطفا له، حتى رجعا به إلى مكة، فكان ممن يعذب في الله مع المستضعفين الذين قنت فيهم النبي ﷺ ، فقال: ((اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة)). (معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٤/ ٢٢٢٦).(٤) هشام بن العاص بن وائل السهمي. كان قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية، ثم قدم مكة حين بلغه مهاجر النبي ﷺ إلى المدينة يريد اللحاق به، فحبسه أبوه وقومه بمكة حتى قدم بعد الخندق على النبي ﷺ المدينة، فشهد ما بعد =стр. 16
بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِف وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبس فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّناضِب، وحُبسَ عنَّا هشامٌ، وفُتن فافتتن.
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمرو بْنِ عَوْفٍ بقُباء، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيَّاش بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَاهُ وَقَالَا: إنَّ أمَّك قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمس رأسَها مُشط حَتَّى تَرَاكَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ مِنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فرقَّ لَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَيَّاشُ، إنَّهُ وَاَللهِ إنْ يُرِيدَكَ الْقَوْمُ إلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دِينِكَ فاحذرْهم، فَوَاَللهِ لَوْ قَدْ آذَى أمَّك القملُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ. قَالَ: فَقَالَ: أَبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا؛ فَلَمَّا أَبَى إلَّا ذَلِكَ؛ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَمَّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ، فَالْزَمْ ظهرَها، فَإِنْ رَابَكَ مِنْ الْقَوْمِ ريْب، فانجُ عَلَيْهَا.
الحواشي
(١) = ذلك من المشاهد، وكان أصغر سناً من أخيه عمرو بن العاص وليس له عقب. (الطبقات الكبرى: ٤/ ١٩١).стр. 17
فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يا ابن أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ استغلظتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبني عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: فَأَنَاخَ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا استَوَوْا بِالْأَرْضِ عدَوَا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ ثُمَّ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ، وَفَتَنَاهُ فافتُتن)) (١) .
[٥] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ في أمر أزواج النبي ﷺ -
((إِنِّي كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَاخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ، فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ ليُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ، الحواشي
(١) رواه ابن إسحاق كما في السيرة النبوية لابن هشام: ١/ ٤٧٤ وابن سعد في الطبقات الكبرى: ٣/ ٢٧١ والبزار في البحر الزخار(١٥٥) وابن شبة في تاريخ المدينة: ٢/ ٦٦٣ والنجاد في مسند عمر بن الخطاب: ص٩٦ والبيهقي في السنن الكبرى(١٧٧٥٦) وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٧/ ٢٤٢ و٧٤/ ١٧.стр. 18
فَأَفْزَعَنِي، فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ أَفَتَامَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ ، فَتَهْلِكِينَ لاَ تَسْتَكْثِرِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلاَ تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ، وَلاَ تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ - وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا،
وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ، فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلاَةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ، فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ، أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، قَالَتْ: لاَ أَدْرِي هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَقُلْتُ لِغُلاَمٍ لَهُ أَسْوَدَ:
стр. 19
اسْتَاذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ، حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ الغُلاَمَ فَقُلْتُ: اسْتَاذِنْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ، فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلاَمُ يَدْعُونِي قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ،
فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ، فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: ((لاَ))، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَسْتَانِسُ يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لاَ يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ عَائِشَةَ -، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلاَثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لاَ يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: ((أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا))، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ
стр. 20
اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي، فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: ((مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا)) مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ الله، فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لاَ تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ))، وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)) (١) .
[٦] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ في موافقاته لربه
((وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلَاثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ الْمَقَامَ مُصَلًّى، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وَقُلْتُ: لَوْ حَجَبْتَ عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَبَلَغَنِي عَنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شَيْءٌ فَاسْتَقْرَيْتُهُنَّ أَقُولُ لَهُنَّ: لَتَكُفُّنَّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَوْ لَيُبْدِلَنَّهُ اللهُ بِكُنَّ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه(٢٤٦٨) ومسلم في صحيحه(١٤٧٩) والترمذي في السنن(٣٣١٨) وأحمد في المسند(٢٢٢) وابن حبان في صحيحه(٤١٨٧) وстр. 21
فِي رَسُولِ اللهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَكَفَفْتُ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥])) (١) .
[٧] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ لرسول الله ﷺ -
وقد ذكر له النبي ﷺ أنه رأى في الجنة قصراً له وصرفه عن دخوله ما عَلِمَه من غيرته.
((بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ عَلَيْكَ أَغَارُ)) (٢) .
[٨] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ للعباس بن عبد المطلب ﵁ -
((مَهْلًا يَا عبّاس، فوالله لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ، وَمَا بِي إلَّا أَنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ إسْلَامَكَ كَانَ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ إسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ)) (٣) . الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه(٤٠٢) و(٤٤٨٣) ومسلم في صحيحه(٢٣٩٩) مختصراً وأحمد في المسند(١٦٠) واللفظ له، والدارمي في السنن(١٨٩١) وابن حبان في صحيحه(٦٨٩٦) .(٢) رواه البخاري في صحيحه(٣٦٧٩) ومسلم في صحيحه(٢٣٩٤) والترمذي في السنن(٣٦٨٨) وأحمد في المسند(١٥٠٠٢) و(١٥١٨٩) وابن الجعد في المسند(٢٩٠٤) وابن حبان في صحيحه(٥٤) .(٣) رواه ابن إسحاق في السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ٤٠٣ والطحاوي في شرح معاني الآثار =стр. 22
[٩] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
عن عطاء النبي ﷺ لمن سأله بفُحش وغِلظة
((قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسْمًا، فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كَانَ أَحَقَّ بِهِ مِنْهُمْ (١) ، قَالَ: ((إِنَّهُمْ خَيَّرُونِي أَنْ يَسْأَلُونِي بِالْفُحْشِ أَوْ يُبَخِّلُونِي، فَلَسْتُ بِبَاخِلٍ (٢) )) (٣) .
[١٠] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
يذكر فيه النبي ﷺ -
((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ شَيْءٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لِنَفْسِي: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، نَزَرْتَ (٤) رَسُولَ اللهِ ﷺ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْكَ، فَرَكِبْتُ الحواشي
(٥٤٥٠) والطبراني في المعجم الكبير(٧٢٦٤) والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة(١٤٤) والبيهقي في دلائل النبوة: ٥/ ٣٤ وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٢٣/ ٤٤٩.(١) في مسند أحمد: (لَغَيْرُ هَؤُلاءِ أَحَقُّ مِنْهُمْ: أَهْلُ الصُّفَّةِ).(٢) قال القاضي عياض في (إكمال المعلم: ٣/ ٥٩٤): (معناه: أنه اشتطوا عليه في المسألة، التي تقتضي إن أجابهم إليها حابهم، وإن منعهم آذوه وبخَّلوه، فاختار ﵇ إعطاءهم، إذ ليس البُخل من طباعه، ومداراةً لهم وتآلفاً كما قال ﵇: (إنَّ شر الناس من اتقاه الناس لشره)، كما أُمر بإعطائه المؤلفة قلوبهم).(٣) رواه مسلم في صحيحه(١٠٥٦) وأحمد في المسند(١٢٧) والخطيب البغدادي في البخلاء(١١) .(٤) نزرت فلاناً: إذا ألححت عليه في السؤال. (جامع الأصول لابن الأثير -(٨٠٦) ).стр. 23
رَاحِلَتِي فَتَقَدَّمْتُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، فَإِذَا أَنَا بِمُنَادٍ يُنَادِي: يَا عُمَرُ، أَيْنَ عُمَرُ؟، فَرَجَعْتُ وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : نَزَلَتْ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ سُورَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢])) (١) .
[١١] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
يذكر العُسرة في تبوك
((خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ شَدِيدٌ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى أَنْ كَانَ أَحَدُنَا يَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الْخَلَا فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَظُنَّ أَنَّ رَقَبَتَهُ تَنْقَطِعُ، وَحَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ وَيَضَعُهُ عَلَى بَطْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا فَادْعُ لَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ((أَتُحِبُّ ذَاكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟)) قَالَ: نَعَمْ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهَا حَتَّى الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه(٤١٧٧) والترمذي في السنن(٣٢٦٢) ومالك في الموطأ(٦٩٣) مرسلاً، وموصولاً في الموطأ - برواية أبي مصعب الزهري -(٢٧٢) وأحمد في المسند(٢٠٩) واللفظ له، وابن حبان في صحيحه(٦٤٠٩) والبيهقي في شعب الإيمان(٢٢٥٤) ودلائل النبوة: ٤/ ١٥٤стр. 24
مَالَتِ السَّمَاءُ فَأَطَلَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ)) (١) .
[١٢] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
في صلاة النبي ﷺ على عَبْدِ اللهِ بنِ أُبَيِّ بن سلول
((لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: ((أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ)) فَلَمَّا أَكْثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: ((إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْهَا)) قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا، حَتَّى نَزَلَتِ الآيَتَانِ مِنْ بَرَاءَةٌ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤]، فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)) (٢) . الحواشي
(١) رواه البزَّار في البحر الزخار(٢١٤) والفريابي في دلائل النبوة(٤٢) وابن خزيمة في صحيحه(١٠١) والطبراني في المعجم الأوسط(٣٢٩٢) والحاكم في المستدرك(٥٦٦) والبيهقي في السنن الكبرى(١٩٦٤١) ودلائل النبوة: ٥/ ٢٣١(٢) رواه البخاري في صحيحه(١٣٦٦) والنسائي في السنن(١٩٦٦) وابن حبان في صحيحه =стр. 25
[١٣] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
وقد رأى النبي ﷺ مسجّى في بيته بعد وفاته
((وَاغَشْيَاهْ مَا أَشَدُّ غَشْيَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ))، فقال له المغيرة بن شعبة: يَا عُمَرُ! مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فقال عمر: ((كَذَبْتَ بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوسُكَ فِتْنَةٌ (١) . إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ)) (٢) .
[١٤] وَمِنْ خطْبَةٍ لَهُ ﵁
بعد وفاة النبي ﷺ -
((إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ رَبَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ كَمَا أَرْسَلَ إِلَى مُوسَى، فَمَكَثَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِي رِجَالٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَلْسِنَتَهُمْ يَزْعُمُونَ، الحواشي
(٣١٧٦) بزيادة (فَعَجَبًا لِجُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ مَشَى مَعَهُ، فَقَامَ عَلَى حُفْرَتِهِ حَتَّى دُفِنَ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَاللهِ مَا لَبِثَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَمَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى مُنَافِقٍ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا قَامَ عَلَى قَبْرِهِ).(١) أَي: تُخالِطُك وتَحُثك عَلَى ركُوبها. وَكُلُّ مَوضع خالَطْتَه ووطِئْته فَقَدْ حُسْتَهُ وجُسْتَه. (النهاية لابن الأثير - (حَوَسَ)).(٢) رواه أحمد في المسند(٢٥٨٤١) وإسحاق بن راهويه في المسند(١٣٣٣) .стр. 26
أَوْ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ مَاتَ)) (١) .
وكان عمر يقول بعدها ذاكراً تلك الخطبة: وَاللهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ (٢) .
فجاء أبو بكر - وقد كان حين وفاة النبي ﷺ بِالسُّنْحِ - فكشف عن وجه رسول الله ﷺ فَقَبَّلَهُ، وقال: (بأبي أنتَ وأُمِّي، طِبت حيَّاً ومَيِّتاً، والذي نفسي بيده، لا يُذيقك اللهُ الموتَتَين أبداً).
ثُمَّ خرج وقال لعمر وقد سَمِعه يَحلِفُ بالله أنَّ النبي ﷺ لم يمت، فقال: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ.
ثمَّ وقف في الناس خطيباً فقال في خطبته المسدَّدة: (أَمَّا بَعْدُ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، قَالَ اللهُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]). الحواشي
(١) رواه ابن ماجه في السنن(١٦٢٧) وأحمد في المسند(١٣٠٢٨) واللفظ له، وابن أبي شيبة في المصنف(٣٨١٩١) وعبد بن حميد كما في المنتخب من مسنده(١١٦١) وابن حبان في صحيحه(٦٦٢٠) .(٢) رواه البخاري في صحيحه(٣٦٦٧) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد(٢٤٣٨) والبيهقي في السنن الكبرى(١٦٥٣٦) والاعتقاد: ص٣٤٦.стр. 27
فقال عمر: ((وَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلاَهَا فَعَقِرْتُ (١) ، حَتَّى مَا تُقِلُّنِي (٢) رِجْلَايَ، وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلاَهَا، عَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ (٣) )) (٤) .
[١٥] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
في بيعة السقيفة
((كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى يَدْبُرَنَا - يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ - فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ نُورًا تَهْتَدُونَ بِهِ، بِمَا هَدَى اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثَانِيَ اثْنَيْنِ، فَإِنَّهُ أَوْلَى المُسْلِمِينَ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ)) (٥) . الحواشي
(١) العَقَر بفَتْحتين: أَنْ تُسْلِمَ الرجُلَ قوائمُه مِنَ الخَوف. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يفْجَأه الرَّوعُ فَيدْهشَ وَلَا يستطيعَ أَنْ يتقدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ. (النهاية لابن الأثير - (عَقَرَ)).(٢) أي تحملني.(٣) قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ كما في حديث البخاري(٣٦٦٧) - في التعليق على خطبتي أبي بكر وعمر ﵄ رغم اختلافهما: (فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمُ اللهُ بِذَلِكَ).(٤) رواه البخاري في صحيحه(٤٤٥٤) وابن سعد في الطبقات الكبرى: ٢/ ٢٧٠ وأبو نعيم في حلية الأولياء: ١/ ٢٩.(٥) رواه البخاري في صحيحه(٧٢١٩) وابن سعد في الطبقات الكبرى: ٢/ ٢٧٠ وعبد الرزاق في المصنف(٩٧٥٦) وابن حبان في صحيحه(٦٨٧٥) والبغوي في شرح السنة(٢٤٨٩) والبيهقي في دلائل النبوة: ٧/ ٢١٦ - ٢١٧.стр. 28
[١٦] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
لأبي بكر ﵁ -
((أَنْتَ سَيِّدُنَا، وَخَيْرُنَا، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ )) (١) .
[١٧] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ -
لمَّا اخْتَلَفَ الناسُ فِي لَّحْدِ أو شَّقِّ قبر النبي ﷺ حتى عَلَت أصواتهم:
((لَا تَصْخَبُوا (٢) عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا)) (٣) .
[١٨] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
لأبي بكر الصدّيق ﵁ وقد عزم على قتال مانعي الزكاة
((كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا الله، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى الله، فَقَالَ أبو بكر: وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللهِ لَوْ الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه(٣٦٦٧) والترمذي في سننه(٣٦٥٦) وابن أبي عاصم في السنة(١١٦٦) والحاكم في المستدرك(٤٤٢١) واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد(٢٤٣٧) وأبو نعيم في فضائل الخلفاء الراشدين(١٨٥) .(٢) وفي نُسخة للسنن كما في حاشية السندي: ١/ ٤٧٢: ((لَا تَضِجُّوا) بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ لَا تَصِيحُوا).(٣) رواه ابن ماجه في السنن(١٥٥٨) .стр. 29
مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللهَ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: ((فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ)) (١) .
[١٩] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
وهي أول خطبة له حين تولى الخلافة
((أَمَّا بَعْدُ، فَقَدِ ابْتُلِيتُ بِكُمْ وَابْتُلِيتُمْ بِي، وَخَلَفْتُ فِيكُمْ بَعْدَ صَاحِبِي، فَمَنْ كَانَ بِحَضْرَتِنَا بَاشَرْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا، وَمَهْمَا غَابَ عَنَّا وَلَّيْنَا أَهْلَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ، فَمَنْ يُحْسِنْ نَزِدْهُ حُسْنًا، وَمَنْ يُسِئْ نُعَاقِبْهُ، وَيَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَكُم)) (٢) .
[٢٠] وَفي أَوَّلِ خطْبَةٍ لَهُ ﵁
الليلة التي دفن فيها أبو بكر ﵁ -
((إنَّ اللهَ نَهَجَ سَبيلَهُ، وَكَفانا برسُولِهِ، فلَمْ يَبْقَ إلا الدُّعَاءُ والاقْتِدَاءُ، فالحَمْدُ للهِ الذي ابْتَلانِي بِكُمْ وابتَلاكُمْ بِي، والحمْدُ للهِ الذَي أَبقاني فِيكُمْ بَعْدَ صَاحِبيَّ كَنَفَرٍ ثَلاثةٍ اغْتَرَبُوا الطِيَّةَ (٣) ؛ فَأَخَذَ أحدُهُمْ مُهْلَةً إلى دارِهِ وَقَرارَهِ، فسلَكَ أَرضاً مُضِلَّةً، فَتَشَابَهَتِ الأَسبابُ الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه(٧٢٨٤) ومسلم في صحيحه(٢٠) وأبو داود في السنن(١٥٥٦) والترمذي في السنن(٢٦٠٧) والنسائي في السنن(٢٤٤٣) وأحمد في المسند(١١٧) و(٢٣٩) و(٣٣٥) .(٢) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٣/ ٢٧٤ والبلاذري في أنساب الأشراف: ١٠/ ٣٠٦ وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٤/ ٢٦٣.(٣) الطيَّة: النيّة، قال الخليل: ((الطيَّةُ تكون منزلاً وتكون منتأى. تقول منه: مضى لطيَّته أي لنيته التي انتواها (الصحاح ٦/ ٢٤١٥).стр. 30
والأَعلامُ، فلَمْ يَزِلَّ عن السَّبيلِ، ولمْ يَخْرِم (١) عنه حتَّى أَسْلَمَهُ إلى أهْلِهِ، فأَفْضَى إليهم سَالماً، ثمَّ تَلاهُ الآخَرُ فَسَلَكَ سبيلَهُ واتَّبَعَ أَثَرَهُ فأَفْضَى إليه سَالماً ولَقِيَ صَاحِبَهُ، ثمَّ تَلَاهُ الثالِثُ فإِنْ سَلَكَ سَبيلهُما، واتَّبَعَ أَثَرَهُما، أَفْضَى إليهما سَالِماً ولاقاهُما، وإنْ هُوَ زَلَّ يَميناً أو شِمالاً لَمْ يُجامِعْهُما أَبَداً، ألا إنَّ العَرَبَ جُمُلٌ أُنُفٌ (٢) فلا أَعَطَيْتُ بِخِطَامِهِ، ألا وِإنِّي حَامِلُهُ على المَحَجَّةِ، مُسْتعِينٌ باللهِ، ألا وإِنِّي دَاعٍ فَأَمِنُّوا، اللهُمَّ إنِّي شَحِيحٌ فَسَخِّنِي، اللُهمَّ إنِّي غَلِيظٌ فَلَيِّنِّي، اللهُمَّ إني ضَعِيفٌ فَقَوِّنِي، اللهُمَّ أَوْجِبْ لي بِمُوَالاتِكَ ومُوالاةِ أَولِيائِكَ، وَلايَتَكَ وَمَعُونَتَكَ، وأَبْرِرنِي بمُعَادَاةِ عَدُوِّكَ مِنَ الآفاتِ)) (٣) .
[٢١] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
وَقَفَ بَيْنَ الْخَرِبَيْنِ - وَهُمَا دَارَانِ لِفُلاَنٍ -
((شَوَى أَخُوكَ حَتَّى إِذَا أَنْضَجَ رَمَّدَ (٤) )) (٥) . الحواشي
(١) لم يخرم: أي ما عدل (الصحاح ٥/ ١٩١١).(٢) الجميل الأنف: أي المأنوف وهو الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائدة للوجع الذي به (النهاية ١/ ٧٥).(٣) ذكره ابن الجوزي في مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ص١٩٠(٤) قال أبو عبيد في (غريب الحديث: ٣/ ٣٦٧): (يَقُول: إِنَّه لما أنضج شواه وجوّده أَلْقَاهُ فِي الرماد فأفسده. وَهُوَ مَثل يُضرب للرجل يصطنع الْمَعْرُوف إِلَى الرجل ثمَّ يُفْسِدهُ عَلَيْهِ بالامتنان أَو أَن يقطعهَا عَنهُ لَا يُتمهَا لَهُ).
وقال في (الأمثال: ص٦٦): (وقد يُقال هذا أيضًا للذي يبتدئ بالإحسان ثم يعود عليه بالإفساد. وقال بعضهم في مثله: المنَّة تهدم الصنيعة).(٥) رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق(٧٨٦) وابن أبي الدنيا في قصر الأمل(٢٦٧) .стр. 31
[٢٢] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
حين تولى الخلافة
((يا أيها النَّاسُ، إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ، وَلَوْلا رَجَاءُ أَنْ أَكُونَ خَيْرَكُمْ لَكُمْ، وَأَقْوَاكُمْ عَلَيْكُمْ، وَأَشَدَّكُمُ اسْتِضْلاعًا بِمَا يَنُوبُ مِنْ مُهِمِّ أُمُورِكُمْ، مَا تَوَلَّيْتُ ذَلِكَ مِنْكُمْ، وَلَكَفَى عُمَرَ مُهَّماً مُحْزَنًا انْتِظَارُ مُوَافَقَةِ الْحِسَابِ بِأَخْذِ حُقُوقِكُمْ كَيْفَ آخُذُهَا، وَوَضْعِهَا أَيْنَ أَضَعُهَا، وَبِالسَّيْرِ فِيكُمْ كَيْفَ أَسِيرُ! فَرَبِّي الْمُسْتَعَانُ، فَإِنَّ عُمَرَ أَصْبَحَ لا يَثِقُ بِقُوَّةٍ وَلا حِيلَةٍ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ وَعَوْنِهِ وَتَايِيدِهِ.
إِنَّ اللهَ قَدْ وَلانِي أَمْرَكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنْفَعَ مَا بِحَضْرَتِكُمْ لَكُمْ، وَإِنِّي أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُعِينَنِي عَلَيْهِ، وَأَنْ يَحْرُسَنِي عِنْدَهُ، كَمَا حَرَسَنِي عِنْدَ غَيْرِهِ، وَأَنْ يُلْهِمَنِي الْعَدْلَ فِي قَسْمِكُمْ كَالَّذِي أَمَرَ بِهِ، وَإِنِّي امْرُؤٌ مُسْلِمٌ وَعَبْدٌ ضَعِيفٌ، إِلا مَا أَعَانَ اللهُ ، وَلَنْ يُغَيِّرَ الَّذِي وُلِّيتُ مِنْ خِلافَتِكُمْ مِنْ خُلُقِي شَيْئًا إِنْ شَاءَ اللهُ، إِنَّمَا الْعَظَمَةُ للهِ ، وَلَيْسَ لِلْعِبَادِ مِنْهَا شَيْءٌ، فَلا يَقُولَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ: إِنَّ عُمَرَ تَغَيَّرَ مُنْذُ وُلِّيَ، أَعْقِلُ الْحَقَّ مِنْ نَفْسِي وَأَتَقَدَّمُ، وَأُبَيِّنُ لَكُمْ أَمْرِي، فَأَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَوْ ظُلِمَ مَظْلَمَةً، أَوْ عَتَبَ عَلَيْنَا فِي خُلُقٍ، فَلْيُؤْذِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ فِي سِرِّكُمْ وَعَلانِيَتِكُمْ، وَحُرُمَاتِكُمْ وَأَعْرَاضِكُمْ، وَأَعْطُوا الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِكُمْ،
стр. 32
وَلا يَحْمِلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى أَنْ تَحَاكَمُوا إِلَيَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ هَوَادَةٌ، وَأَنَا حَبِيبٌ إِلَيَّ صَلاحُكُمْ، عَزِيزٌ عَلَيَّ عَتْبُكُمْ، وَأَنْتُمْ أُنَاسٌ عَامَّتُكُمْ حَضَرٌ فِي بِلادِ اللهِ، وَأَهْلُ بَلَدٍ لا زَرْعَ فِيهِ وَلا ضَرْعَ إِلا مَا جَاءَ اللهُ بِهِ إِلَيْهِ.
وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَكُمْ كَرَامَةً كَثِيرَةً، وَأَنَا مَسْئُولٌ عَنْ أَمَانَتِي وَمَا أَنَا فِيهِ، وَمُطَّلِعٌ عَلَى مَا بِحَضْرَتِي بِنَفْسِي إِنْ شَاءَ اللهُ، لا أَكِلُهُ إِلَى أَحَدٍ، وَلا أَسْتَطِيعُ مَا بَعُدَ مِنْهُ إِلا بِالأُمَنَاءِ وَأَهْلِ النُّصْحِ مِنْكُمْ لِلْعَامَّةِ، وَلَسْتُ أَجْعَلُ أَمَانَتِي إِلَى أَحَدٍ سِوَاهُمْ إِنْ شاء الله)) (١) .
[٢٣] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
عند استخلافه بعد وفاة الصديق ﵁ -
((إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَاخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا، أَمِنَّاهُ، وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَامَنْهُ، وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ)) (٢) . الحواشي
(١) رواه الطبري في تاريخه: ٤/ ٢١٤ - ٢١٥ والبلاذري في أنساب الأشراف: ١٠/ ٣٦٣ مختصراً.(٢) رواه البخاري في صحيحه(٢٦٤١) .стр. 33
[٢٤] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
لمّا تولى الخلافة
((ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ إِذَا قُلْتُهَا فَهَيْمِنُوا عَلَيْهَا: اللَّهُمَّ إِنِّي ضَعِيفٌ فَقَوِّنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي غَلِيظٌ فَلَيِّنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي بَخِيلٌ فَسَخِّنِي)) (١) .
[٢٥] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
حين تولى الخلافة
((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ تُؤْنِسُونَ مِنِّي شِدَّةً وَغِلْظَةً، وَذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنْتُ عَبْدَهُ وَخَادِمَهُ، وَكَانَ كَمَا قَالَ اللهُ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، فَكُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ إِلَّا أَنْ يَغْمِدَنِي أَوْ يَنْهَانِي عَنْ أَمْرٍ فَأَكُفَّ، وَإِلَّا أَقْدَمْتُ عَلَى النَّاسِ لِمَكَانِ لِينِهِ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرًا، وَأَنَا بِهِ أَسْعَدُ، ثُمَّ قُمْتُ ذَلِكَ الْمَقَامَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَهُ، وَكَانَ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فِي كَرَمِهِ وَدَعَتِهِ وَلِينِهِ، فَكُنْتُ خَادِمَهُ، وَكُنْتُ كَالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخْلِطُ شِدَّتِي بِلِينِهِ، إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَيَّ فَأَكُفَّ وَإِلَّا أَقْدَمْتُ، فَلَمْ أَزَلْ الحواشي
(١) روه ابن سعد في الطبقات الكبرى: ٣/ ٢٧٤ والدولابي في الكنى والأسماء(١١٧٧) والخلال في السنة(٤٠٠) وأبو نعيم في حلية الأولياء: ١/ ٥٣стр. 34
عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ كَثِيرًا، وَأَنَا بِهِ أَسْعَدُ، ثُمَّ صَارَ أَمْرُكُمُ الْيَوْمَ إِلَيَّ، وَأَنَا أَعْلَمُ، فَسَيَقُولُ قَائِلٌ: كَانَ لَيَشْتَدُّ عَلَيْنَا وَالْأَمْرُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَيْفَ إِذَا صَارَ إِلَيْهِ؟ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَا تَسْأَلُونَ عَنِّي أَحَدًا، قَدْ عَرَفْتُمُونِي وَجَرَّبْتُمُونِي، وَعَرَفْتُ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ مَا عَرَفْتُ، وَمَا أَصْبَحْتُ نَادِمًا عَلَى شَيْءٍ أَكُونُ أُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْهُ إِلَّا وَسَأَلْتُهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شِدَّتِي الَّتِي كُنْتُمْ تَرَوْنَ قَدِ ازْدَادَتْ أَضْعَافًا
إِذْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَيَّ عَلَى الظَّالِمِ وَالْمُتَعَدِّي، وَالْأَخْذِ لِلْمُسْلِمِينَ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ قَوِيِّهِمْ، وَإِنِّي بَعْدَ شِدَّتِي تِلْكَ وَاضِعٌ خَدِّي بِالْأَرْضِ لِأَهْلِ الْعَفَافِ وَالْكَفِّ مِنْكُمْ وَالتَّسْلِيمِ، وَإِنِّي لَا آبَى إِنْ كَانَ مِنِّي وَمِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِكُمْ أَنْ أَمْشِيَ مَعَهُ إِلَى مَنْ أَحْبَبْتُمْ مِنْكُمْ، فَلْيَنْظُرْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ، فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَعِينُونِي عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِكَفِّهَا عَنِّي، وَأَعِينُونِي عَلَى نَفْسِي بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِحْضَارِي النَّصِيحَةَ فِيمَا وَلَّانِي اللهُ مِنْ أَمْرِكُمْ)) (١) . الحواشي
(١) رواه الحاكم في المستدرك(٤٣٤) مختصراً، واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد(٢٥٢٦) واللفظ له، والبيهقي في الاعتقاد: ص٣٦٠ وابن عساكر في تاريخ دمشق: ٤٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥.стр. 35
[٢٦] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
حين تولى الخلافة
((مَا كَانَ اللهُ لِيَرَانِي أَنْ أَرَى نَفْسِي أَهْلًا لِمَجْلِسِ أَبِي بَكْرٍ ﵁)) فَنَزَلَ مَرْقَاةً، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثم قال: ((اقرؤوا الْقُرْآنَ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ تُعْرَضُونَ عَلَى اللهِ ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨]، إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ حَقُّ ذِي حَقٍّ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، أَلا وَإِنِّي أَنْزَلْتُ نَفْسِي مِنْ مَالِ اللهِ بِمَنْزِلَةِ وَلِيِّ الْيَتِيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيْتُ عَفِفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ)) (١) .
[٢٧] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ للعباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ﵄ في شأن صدُقات النبي ﷺ -
((أَنْشُدُكُمَا بِاللهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالاَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ فِي هَذَا الفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ الحواشي
(١) رواه الدينوري في المجالسة وجواهر العلم(١٢٩١) .стр. 36
مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وَاللهِ مَا احْتَازَهَا دُونَكُمْ، وَلاَ اسْتَاثَرَهَا عَلَيْكُمْ، لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَقَسَمَهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ هَذَا المَالُ مِنْهَا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا المَالِ، ثُمَّ يَاخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللهِ، فَعَمِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَيَاتَهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَبَضَهُ أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ))، فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ، وَعَبَّاسٍ وَقَالَ: ((تَذْكُرَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهِ كَمَا تَقُولاَنِ، وَاللهُ يَعْلَمُ: إِنَّهُ فِيهِ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ؟ ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهُ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ
ﷺ ، وَأَبُو بَكْرٍ، واللهُ يَعْلَمُ: أَنِّي فِيهِ صَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ؟ ثُمَّ جِئْتُمَانِي كِلاَكُمَا، وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، فَجِئْتَنِي - يَعْنِي عَبَّاسًا - فَقُلْتُ لَكُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: ((لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) فَلَمَّا بَدَا لِي أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا، قُلْتُ: إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ: لَتَعْمَلاَنِ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ
стр. 37
وَمَا عَمِلْتُ فِيهِ مُنْذُ وَلِيتُ، وَإِلا فَلاَ تُكَلِّمَانِي، فَقُلْتُمَا ادْفَعْهُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا، أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لاَ أَقْضِي فِيهِ بِقَضَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهُ فَادْفَعَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهُ)) (١) .
[٢٨] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ -
((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، لَا تَدْخُلُوا عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا مَسْخَطَةٌ لِلرِّزْقِ)) (٢) .
[٢٩] وَمِنْ وَصِيَّةٍ لَهُ ﵁
لأبي موسى الأشعري ﵁ حين وجهه إلى البصرة
((أَبْعَثُكَ إلى أَخْبَثِ حَيَّيْنِ نَصَبَ لهُمَا إِبْلِيسُ لِواءَهُ، ورَفَعَ لهما عَسْكَرَهُ: إلى بني تَمِيمٍ، أَفَظِّهِ، وأَغْلَظِهِ، وأَبْخَلِهِ، وأَكْذَبِهِ؛ وإِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أَرْوَعِهِ (٣) ، وأَخَفِّهِ، وأَطْيَشِهِ، فَلَا تَسْتَعِينُ بِأَحَدٍ منهُمَا في شيءٍ من أَمْرِ المُسْلمِينَ)) (٤) . الحواشي
(١) رواه البخاري في صحيحه(٤٠٣٣) وأحمد في المسند(٤٢٥) والبيهقي في السنن الكبرى(١٢٧٣٠) .(٢) رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق(٧٦٠) وابن أبي الدنيا في الجوع(٨٠) .(٣) أي: أخوفهم.(٤) رواه وكيع البغدادي في أخبار القضاة: ١/ ٢٨٥.стр. 38
[٣٠] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ -
((أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلاَ أَنْ أَتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا (١) لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إِلَّا قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ (٢)
وَلَكِنِّي أَتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا)) (٣) .
[٣١] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁ -
((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ ذُو حَقٍّ فِي حَقِّهِ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَإِنِّي لَا أَجِدُ هَذَا الْمَالَ يُصْلِحُهُ إِلا خِلالٌ ثَلاثٌ: أَنْ يُؤْخَذَ بِالْحَقِّ، الحواشي
(١) أي: أتركُهم شَيْئًا وَاحِدًا، لِأَنَّهُ إِذَا قَسم الْبِلَادَ الْمَفْتُوحَةَ عَلَى الْغَانِمِينَ بَقِيَ مَنْ لَمْ يحضر الغنيمة ومن يجئ بعدُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ تركها لتكون بينهم جميعتهم. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَلَا أحسبْه عَرَبِيًّا. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الضَّرِيرُ: لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بَبَّان. وَالصَّحِيحُ عِنْدَنَا بَيَّاناً وَاحِدًا، وَالْعَرَبُ إِذَا ذَكَرَتْ مَنْ لَا يُعرف قَالُوا هَيَّان بْنُ بَيَّان، الْمَعْنَى لأُسَوِّيَنَّ بَيْنَهُمْ فِي الْعَطَاءِ حَتَّى يَكُونُوا شَيْئًا وَاحِدًا لَا فَضْل لِأَحَدٍ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: لَيْسَ كَمَا ظَن. وَهَذَا حَدِيثٌ مَشْهُورٌ رَواه أَهْلُ الإِتْقان. وَكَأَنَّهَا لُغَةٌ يمانِيَّة وَلَمْ تَفْشُ فِي كَلَامِ مَعَدّ. وَهُوَ والبَاج بِمَعْنًى وَاحِدٍ. (النهاية لابن الأثير - (بَبَّانٌ)).(٢) خيبر: بلد كثير الماء والزرع والأهل، وكان يسمى ريف الحجاز، وأكثر محصولاته التمر لكثرة نخله الذي يقدر بالملايين، وقديماً قال حسان:
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا
ولخيبر أودية فحول تجعل مياهه ثرارة تسيل على وجه الأرض. (معجم المعالم الجغرافية لعاتق الحربي: ١/ ١١٨).(٣) رواه البخاري في صحيحه(٤٢٣٥) ويحيى بن آدم في الخراج(١٠٦) وابن زنجويه في الأموال(٢٢٢) بلفظ: ((وَلَمْ أَتْرُكْهَا خِزَانَةً لَهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا))، وأبو يعلى في المسند(٢٢٤) والبيهقي في السنن الكبرى(١٢٨٢٢) و(١٢٨٣٠) .стр. 39
وَيُعْطَى فِي الْحق، وَيمْنَع الْبَاطِل؛ وَإِنَّمَا أَنَا وَمَالُكُمْ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ إِنِ اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ، وَإِنِ افْتَقَرْتُ أَكَلْتُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَسْتُ أَدَعُ أَحَدًا يَظْلِمَ أَحَدًا وَلا يَعْتَدِي عَلَيْهِ حَتَّى أَضَعَ خَدَّهُ عَلَى الأَرْضِ، وَأَضَعُ قَدَمِي عَلَى الْخَدِّ الآخَرِ حَتَّى يُذْعِنَ لِلْحَقِّ، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ خِصَالٌ أَذْكُرُهَا لَكُمْ فَخُذُونِي بِهَا: لَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أَجْتَبِي شَيْئًا مِنْ خَرَاجِكُمْ وَلا مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ إِلا مِنْ وَجْهِهِ، وَلَكُمْ عَلَيَّ إِذَا وَقَعَ فِي يَدِي أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنِّي إِلا فِي حَقه، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ أَزِيدَ أُعْطِيَاتِكُمْ وَأَرْزَاقَكُمْ إِنْ شَاءَ اللهُ وَأَسُدَّ ثُغُورَكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ أَنْ لَا أُلْقِيكُمْ فِي الْمَهَالِكِ وَلا أَجَمِّرَكُمْ فِي ثُغُورِكُمْ (١) ، وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ زَمَانٌ قَلِيلُ الأُمَنَاءِ كَثِيرُ الْقُرَّاءِ، قَلِيل الْفُقَهَاء، كثير الْأكل، يَعْمَلُ فِيهِ أَقْوَامٌ لِلآخِرَةِ يَطْلُبُونَ بِهِ دُنْيَا عَرِيضَةً تَاكُلُ دِينَ صَاحِبِهَا كَمَا تَاكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ؛ أَلا كُلُّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلْيَصْبِرْ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ اللهَ عَظَّمَ حَقَّهُ فَوْقَ حَقِّ خَلْقِهِ فَقَالَ فِيمَا عَظَّمَ مِنْ حَقِّهِ ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ، أَلا وَإِنِّي لَمْ أَبْعَثْكُمْ أُمَرَاءً وَلا جَبَّارِينَ؛ وَلَكِنْ الحواشي
(١) تَجْمِير الْجَيْشِ: جَمْعهم فِي الثُّغُور وحَبْسهم عَنِ الْعَوْد إِلَى أهْلهم. (النهاية لابن الأثير - (جَمَرَ)).(٢) سورة آل عمران آية ٨٠.стр. 40
بَعَثْتُكُمْ أَئِمَّةَ الْهُدَى يُهْتَدَى بِكُمْ؛ فَأَدِرُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُقُوقَهُمْ، وَلا تَضْرِبُوهُمْ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلا تُغْلِقُوا الأَبْوَابَ دُونَهُمْ فَيَاكُلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ، وَلا تَسْتَاثِرُوا عَلَيْهِمْ فَتَظْلِمُوهُمْ، وَلا تَجْهَلُوا عَلَيْهِمْ، وَقَاتِلُوا بِهِمُ الْكفَّار طاقتهم؛ فَإِذا رَأَيْتُم بِهِمْ كَلالَةً فَكُفُّوا عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي جِهَادِ عَدُوِّكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ أَنِّي لَمْ أَبْعَثْهُمْ إِلا لِيُفَقِّهُوا النَّاسَ فِي دينهم ويَقْسِمُوا عَلَيْهِم فَيْأَهُم وَيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ؛ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ رَفَعُوهُ إِلَيَّ)) (١) .
[٣٢] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
لرجل تعوَّذ بالله من الفتن
((اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضَّفَاطَةِ (٢) ، أَتُحِبُّ أَنْ لاَ يَرْزُقَك اللهُ مَالاً وَوَلَدًا، أَيُّكُمَ اسْتَعَاذَ مِنَ الْفِتَنِ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاتِهَا)) (٣) .
[٣٣] وَمِنْ كَلاَمٍ لَهُ ﵁
وَقد ذَكَرَ مَا فَتَحَ اللهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ
((لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَلْتَوِي، مَا يَجِدُ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ مِنَ الحواشي
(١) رواه أبو يوسف في الخراج: ص١٣٠ والبلاذري في أنساب الأشراف: ١٠/ ٣٦٤ مختصراً.(٢) أي: ضَعْفُ الرَّأي والجهلُ. وَقَدْ ضَفُطَ يَضْفُطُ ضَفَاطَةً فَهُوَ ضَفِيط. (النهاية لابن الأثير - (ضَفَطَ)).(٣) رواه ابن أبي شيبة في المصنف(٣٨٣٧٣) .следующие страницы →