كقوله للمسلمين: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض اه [خ ١٢١/ م ٢٣٢]. فهذا الإطلاق له فائدته، لا تتم لمن جعل يفصله في مقام العِظَة (١). فمن فعل خالف السنة، وما خَلَّفه خير مما حصله كما قال النبي ﷺ في حديث أبي فراس.
وكثير من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) سببها تفريط الناس في دينهم كما قيل: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، مثل تضمين الصناع وإيقاع اللفظ بطلاق الثلاث، فإن تلك الأقضية ليست سنة دائمة وعزيمة مطردة، ولكنها من جنس الرخص العارضة والتصرف الموقوت للحاجة .. إذا لم تنزل منزلتها كانت بدعة، ولا ينبغي إجراؤها في كل قرن مع كل نفس كالعزائم المحكمة إذ ليست مقصودة لذاتها (٢).
стр. 387
وقد كان من سنة العلم عند الصحابة قول لا أدري، حتى قال ابن مسعود: فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم اه [خ ٤٤٩٦] فالعلم هو الذي ينبهك إلى مواطن التوقف، ويعلمك بقدرك أنك لا تدري، ويسهل عليك قولها، ومن فعل ذلك تعلم ما لم يعلم.
وروى الفسوي [الفقيه والمتفقه ١١٠٦] نا إبراهيم بن المنذر نا عمر بن عصام نا مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: العلم ثلاثة كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري (١) اه لذلك كان من علم الراسخين أن قالوا في ما لا يعلمون تأويله (آمنا به).
وقال الفسوي [المعرفة ١/ ٣٦٧] حدثنا زيد بن بشر أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أنس أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه إذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري اه
فهذه سنة وهي نصف العلم، كما روى الدارمي [١٨٠] حدثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم اه
فلما استشرى الرأي واستُعذِب ضاعت هذه السنة حتى أُنكِرت! قال المروزي [تعظيم قدر الصلاة ٤٤١] قال إسحاق قال يحيى بن آدم ذكر لأبي حنيفة قول من قال: "لا أدري نصف العلم" قال: فليقل مرتين: لا أدري حتى يستكمل العلم! قال يحيى: وتفسير قوله لا أدري نصف العلم أن العلم إنما هو أدري ولا أدري، فأحدهما نصف الآخر اه
وقد كان العلم عند الأولين الأثر دون الرأي كما في حديث عبد الله بن عمرو: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون اه [خ ٦٨٧٧]. فجعل الرأي مقابلا للعلم.
ومن كان متكلما في كل شيء برأيه وبقواعد الرأي متى يقول: لا أدري؟!
فلما ظهر الرأي ضاعت هذه السنة، فظهرت مخالفة السنن، ونقص الاتباع، وكثر
стр. 388
الاختلاف! ولو سكت مَنْ لا يدري لقل الخلاف!
وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٠٨] من حديث أحمد بن حنبل نا محمد بن إدريس الشافعي نا مالك بن أنس قال: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله اه
ولما حدثت بدعة "المنطق" و"الكلام" تسللت إلى بعض أهل الإسلام باسم البدعة الحسنة، والفتنة إذا شبت أشكلت، حتى لُقبت "علما" وتنكر ناس للعلم لما فرحوا بها! حتى زعموا أنه لا يوثق بعلم من لم يحط بها خُبرا! وقد كان العلماء قبل يحذَرونها على علم بسمومها، ويحذرون منها أصحابهم ويدعونها جهلا. قال ابن عبد البر [الجامع ٢/ ١٩٤]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم (١) اه
فلم يزل الأمر إلى سفل حتى التُمس العلم عند الأصاغر، فانقلب العلم جهلا والجهل علما (٢)، ورأوا أن المتأخر أتقن لفنون العلم من الأول!! وقد مضى بعض ما فيها.
стр. 389
وقد كان من منهاج السابقين الأولين في التعلم تلقي الإيمان قبل العلم، كما قال البيهقي [٥٠٧٣] أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني بها ثنا أبو سهل بشر بن أحمد بن بشر أنبأ أبو محمد الحسن بن علي القطان ثنا عبيد بن جناد الحلبي ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن. ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل اه [ك ١٠١]
وفي الصحيحين عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها. فذكر الحديث [خ ٦١٣٢] وله نظائر كثر، وهو في القرآن كثير كقول الله تعالى (هدى للمتقين) [البقرة ١] وقوله سبحانه (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) [يونس ٥٧] فبين أنه هدى للمؤمنين خاصة، وقال تعالى (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [يوسف ٢٢] فمن جاء محسنا رزق حسن الفهم بخلاف المنافقين فإنهم لما حرموا الإيمان حرموا الفقه (فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) [المنافقون ٣]
فرُبي الصحابة على هذا المنهاج، يستقبل القرآن والسنة قلوب زكية تفهم إذا خوطبت، وتجد للوم والعتاب وقعه. فلما ترك هذا المنهج نُسيت كثير من الصيغ الدالة على الأحكام، مثل (فهل أنتم منتهون) [المائدة ٩١] ونحوها، رآها بعض الناس غير صريحة في التحريم! وهي أوقع في القلوب من لفظ حرمت ونحوها ..
ومن ذلك أسماء الله الحسنى دالة على الأحكام، وهي تذكر في سياقها مثل قول الله تعالى في آية الحرابة (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) [المائدة ٣٤]، ومنه ما روى أحمد [١٢٦١٣] ثنا سريج ويونس بن محمد قالا ثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت البناني عن أنس بن مالك قال: غلا السعر على
стр. 390
عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لو سعرت فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال اه [صحيح]
وفي صحيح مسلم [٢٧٥] عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة! قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس اه
فكان النبي ﷺ ربما بين الحكم بذكر أسماء الله الحسنى، فهي من جوامع الكلم، بل هي أصلها وزينتها، وذكرها في السياق يدل على تعلق الحكم بها.
وروى عبد الرزاق [٩٨٠٠] أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر يستحب أن ينصرف على طوافه على وتر ويقول: إن الله وتر يحب الوتر اه [صحيح] فبين أن هذه السنة لها تعلق بصفة من صفات الله وأن الحديث فيها من جوامع الكلم والقواعد المحكمة.
فلما فُصل الإيمان عن العلم والأصول ونسي كثير حظا مما ذكروا به، لم تكد تجد أسماء الله الحسنى مسالك لمعرفة الأحكام في الأصول .. ولم ير كثير من المتأخرين تعلقا لحكم في الفقه بها!! وإنما هو التفريط في منهاج النبوة وترك للسنة في أول الأمر! وغفلة عن السياق.
ومن ذلك أن "المناسبة" في الأصول ما تضمنت مصلحة معتبرة في الشرع، والمصلحة إما دنيوية أو مصلحة في الآخرة. فترى كثيرا من الناس لا يكاد يراعي في المعنى المناسب إلا المصلحة الدنيوية كالإسكار والغرر دون مصلحة الآخرة كالغفلة عن ذكر الله.
وقد روى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد [٢١٣] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حفص عن عبيد الله عن القاسم قال: كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو مَيسر اه [صحيح] فعلل بالحكمة المذكورة في آية المائدة وهي مفسدة قلب، وقد تقدم كلام ابن رشد في المزهر.
ولم ير كثير من الناس أن ما ذكر الله من المعاني في الآية علل للتحريم .. ورآها
стр. 391
القاسم علة للحكم، والحكمة إذا كانت منصوصة كانت علة ولو لم تكن منضبطة، تضبط بالقرائن الظاهرة كحال العمد والخطأ في القتل، فإن ما اعتبره الشرع ينبغي اعتباره وملاحظته.
فاطرد هذا حتى جُعلت كتب الفقه وأصوله في عدوة دنيا وكتب الرقاق في عدوة قصوى .. وصارت قطيعة بين العلم والإيمان .. وأشكل على الناس أن يكون الفقهاء هم أولياء الله (١) لما رأوا يُبساً في من ينتحل العلم. وصار الفقيه بين الناس من يستحسن ويتتبع الرخص! ومن أفتى بما سن نبي الله ﷺ عد جامدا غير فقيه!!
وأراد قوم أن يتنسكوا فلم يجدوا بغيتهم عند كثير من الموسومين بالعلم فاتخذوا رؤوسا جهالا شرعوا لهم بالأذواق والمواجيد والمنامات من الدين ما لم يأذن به الله!
وطريقة القرآن والسنة في تدريس الفقه ربطه بغايته العليا .. والله المستعان على القيام بأمره.
لكن لما قل العلم ولم يؤخذ عن الأكابر أصحاب النبي ﷺ ، ضاعت هذه المعاني، وعشيت أبصارُ كثيرٍ عن وجوه المخالفة في البدعة، وظنوا أن في الدين فراغا تُرك للاستحسان .. !
وزعم أمة منهم أن الدين بمعزل عن أمور الدنيا .. فكذبوا على الله ورسوله! وأزروا على السابقين الأولين!
ولربما تمسكوا لتسهيل دعواهم بما لم يحيطوا بعلمه مثل قول النبي ﷺ : إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق اه فقالوا: هذا نص في أن مقاصد بعثة النبي ﷺ منحصرة لدلالة لفظ إنما في مكارم الأخلاق!! وهم بعد ذلك يمرون على المحكمات وهم عنها معرضون!
لكن معنى الحديث أن الدين الكامل إذ نظم للناس أمورهم في بيوعهم وأقضيتهم .. إنما هو لتتم لهم مكارم الأخلاق (ويزكيهم). وهذه نكتة تدل على ما
стр. 392
وراءها فتأملها:
في عقود المعاملات صور اختلف حكمها في الشرع على تشابهها في الظاهر: فقد أباح دراهم بدراهم إلى أجل في القرض، ومنعها في البيع مع أن كلا منهما مبادلة بنقدين نسيئة.
ومنع الزيادة في القرض إذا اشترطت، وأباحها عند القضاء إذ لم تشترط بل استحبها في قول النبي ﷺ : إن خيركم أحسنكم قضاء [خ ٢١٨٣] مع أن كلا منهما زيادة على الدَّين.
وأوجب - من حيث الجملة - تعيين أجرة الأجير قبل العمل درءا للجهالة، ولم يوجبه في الجِعالة مع أن كلا منهما عمل بمقابل.
وأباح لرب المال أن يربح مع شريكه العامل في القراض، وأسقط الضمان عن العامل من جهة، ومنع الربح في القرض وأوجب الضمان على المدين، مع أن كلا منهما إقراض لمال يعود لصاحبه بدلالة الاشتقاق بين القرض والقراض.
ومنع بيع الدَّين بالدين، وأباح الحوالة مع أنه في البيع إنما يحيل مبايعه على مدينه الأول فاشتركا في كونهما حوالة على دَين في ذمة طرف ثالث، إلا أن هذا بيع وذاك قرض.
وأوجب في السَلَم قبض الثمن في المجلس كاملا، وتعيينَ الأجل وغيرها من الشروط الرافعة للغرر. وأسقط هذه الشروط إذا كان جلب السلعة إحسانا بغير قصد ربح. مع أن كلا منهما جلب سلعة موصوفة. ونظائر هذا كثيرة جدا.
والنكتة أن ما قصد به المعروف والإحسان من العقود خفت شروطه كالقرض والهبة والجِعالة والنكاح وما شاكلها من مظان مكارم الأخلاق. وما كان مقصودا به المكايسة والربح شدد فيه الشروط كالبيع ومنه الصرف، والإجارة والشركة وما كان فيه قصد الربح والمشاحة بين المتعاقدين حفظا لمكارم الأخلاق (١).
فقصد الشرع الحكيم إن شاء الله الحفاظ على سلامة الصدور والأخوة في الدين
стр. 393
وهي مكارم الأخلاق (١). فما كان مؤكِّدا لهذا المقصد حافظا وسعه الشرع وسهل إليه الطريق، وما كان مزاحما له أو خارما مناقضا منعه أو ضيقه بشروط تحفظه.
فلما كان القرض إحسانا يحقق الأخوة ويوجب المحبة والتعاون .. سهله الشرع ووضع قيودا ترفع الخصومة عند المظنة كالكتابة والإشهاد .. لكن إن دخله معنى المشاحة وخلا من الإحسان وهو الصرف (ربا الفضل) امتنع الأجل سدا للذريعة إلى الربا (ربا النَّساء) الموجبة للشحناء والتباغض.
وأباح الزيادة - إذا لم تشترط بوجه - عند قضاء الدين لأنها تزيد الإحسان إحسانا وتؤكد الأخوة، لكن إن اشترطها الدائن دخلها معنى المشاحة الموجبة للتباغض المنافية لمقصد تتميم مكارم الأخلاق فامتنع.
وأباح الجِعالة (الجائزة) لأنها تفضُّلٌ يوجب التواد ولو بجهالة، إذ هي بهذا المعنى أبلغ في التشويق، كما شوق الله تعالى عباده بقوله (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) [السجدة ١٧] وهو تفضل منه سبحانه وله المثل الأعلى. لكن إن دخلها معنى المشاحة بأن يكون كلاهما قاصدا للربح مشترطا لنفسه صارت إجارة فضبطها الشرع بما يمنع فساد ذات البين الناتج عن الغرر.
وهكذا كان التفريق بين "الضمان الاجتماعي" و"التأمين" سنة، أبيح الغرر في الأول لأنه إحسان ومعروف لا ينتظر المحسن على المال عائدة، وامتنع في التأمين لأنه معاوضة مبنية على المشاحة أفسدها الغرر.
وفرقت السنة في الضمان بين الوديعة والعارية، فالأمين من حيث الجملة لا يضمن، ولو ضُمِّن لانقطع باب الودائع وهو من مكارم الأخلاق، فوسع الشرع فسحته. ومن ضمَّن الصناع ونحوهم فلمعنى العارية لا الأمانة، أي لما ظهر في
стр. 394
الصناع التفريط نُزلوا منزلة المستعير الراغب في المتاع، والمستعير ضامن لأنه كالمدين لصاحب المال، بخلاف الأمين فهو المحسن إلى صاحبه. ولو ضُمِّن صاحب المتاع في العارية لانقطع باب الإحسان. فلما ضَمَّنَ الصحابةُ الصناعَ كان لحفظ دِين الناس وإصلاح ذات بينهم .. قبل حفظ أموالهم.
ومتى اجتمع ما بابه الإحسان مع ما أصله المكايسة ودخل المعروفَ قصدُ الربح بطل العقد كما قال النبي ﷺ : لا يحل سلف وبيع. [د ٣٥٠٦] ومتى غلب الإحسان وسع .. فقصد الشرع بقاء الإحسان واتساعه، وهو مقصد من المقاصد لا علة مفردة. فمن أدرك هذا فهم معنى قول النبي ﷺ : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " أي في كل سنن المعاملات، فهذا الكلام كله بيان لمعنى في هذا الجامع من جوامع الكلم الكاملة.
لكن كثير من الناس يظن أن الشرع لما حرم الربا والغرر والغبن .. في البيوع وما أشبهها أن ذلك كان لقصد حفظ المال، وإنه لَقصدٌ أصيل، ولكنه ثان، تابع لحفظ دين العباد وأخلاقهم. وقد عاب الله تعالى على قوم كل معارفهم دنيا فقال (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) [الروم ٧] والآخرة عند الله تعالى أعظم وأكبر .. فكذاك ينبغي أن تكون عند عباده.
ولما كثر الخلاف في الناس نشأ من الأصاغر من يقول: كل مجتهد مصيب! ثم قال قائلهم: أتخير لكم من اختلافهم أيسره عليكم! وما كان التابعون من أصحاب النبي ﷺ كابن عباس ومن دونهم يقولون إذا سئل أحدهم عن أمر: اختلف فيه ابن مسعود وأبي بن كعب وأختار لك الأسهل؟!
فلم يبرح أولئك يتَّبَّعون الرخص حتى ألفتها النفوس وشق فطامها، فنبتت أمة ضعيفة الدِّين. فتحوا لهم باب الربا يقترضون من البنوك، فانتعشت بفتاواهم المصارف الربوية وتغلغلت الربا في الأمة، بل وانتعش بها اقتصاد اليهود والنصارى في بلاد الكفر. فصارت أمة مثقوبة الجراب مغلولة بالديون، والله المستعان.
وأباحوا الاختلاط، والغناء والمعازف، ومصافحة الأجنبيات، ورخصوا في الاستمناء .. فاستولى على القلوب الشهوات، فأعظِم بها من بلية!!
стр. 395
بل صار الناس متفلتين من اتباع الكتاب والسنة إلا ما وافق الأسهل على النفوس، وصار الاتباع وطاعة الله ورسوله عندهم تشددا! فإذا بُهت أحدُهم بأمر الله ورسوله، ذهب يبحث في الأرض هل يجد رخصة من "عالم"! فالله المستعان (١). وعباد الرحمن الذين يرجون لقاءه يأخذون حكم الله مأخذ الافتقار إليه والمحبة، وهم به فرحون (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد ٣٧]
فكان من شأنهم ما قال ابن سعد [الطبقات ٩١٨٦] أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي قال حدثني أبو سلمة عن مسلم الأعور عن إبراهيم قال: تركوا هذا الدين أرق من الثوب السابري اه يريد المرجئة.
وإنما جاء النبي ﷺ كما وصفه ربه مربيا ومزكيا أي منميا إيمان أصحابه إلى الأكمل لا سائرا مع النفوس في أغراضها (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [الجمعة ٢] ومن المقاصد العامة التي شرعت لها العزائم أن يكون العبد مترقيا في معارج العبودية ويزداد قوة في الدين وبصيرة في الأمر .. وحيث كانت مظنة المشقة المفضية إلى خلاف القصد فطرةً شُرعت الرخص لحفظ الدين من الضعف أو الزوال .. لذلك فالرخص إنما شرعت لتتميم القصد من العزائم.
وقد روى أبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد [١٣١٩] عن سليمان التيمي قوله: لو أخذتَ برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. ورواه ابن عبد البر في الجامع [١٠٨٨] ثم قال: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا والحمد لله اه
وقد كانت كتب العلم أول الأمر تذكر أحاديث رسول الله ﷺ مقرونة بآثار الصحابة كالموطأ والمصنف وكتب وكيع وسفيان وابن المبارك .. وكان الناس قبل انتشار التدوين يحفظون عن النبي ﷺ وأهل العلم من أصحابه (٢)، يجمعون ما أمر
стр. 396
الرسول بجمعه في مثل حديث العرباض " عضوا عليها " ولا يفرقون .. لكن لما فصلت أحاديث النبي ﷺ في كتب مجردة عن سنة الخلفاء الراشدين المهديين، سبق إلى أفهام ناس بعدُ أن رواية الحديث تغني عن النظر في فقه الصحابة، واستثقلوا الأدلة الآمرة باتباعهم، وخفوا إلى ما أحدثته الخوارج من قبل أن "هم رجال ونحن رجال" ثم تنكروا لهم! (١) فأحدثوا وتوسعوا .. وما من محدثة إلا هي آخذة بيد أختها، وما تُركت سنة إلا سَبَقت إلى مستقرها بدعةٌ. وما حدثت بدعة إلا ازدادت مضيا ولا تركت سنة إلا ازدادت هويا كما قال عبد الله بن عمرو، وإن ذهب سوادهم فقد بقيت أهواؤهم، كمحدثة الخوارج أن هم رجال والصحابة رجال ما ازدادت إلا مضيا حتى دخلت في كتب الأصول وقالوا: أقوال الصحابة ليست حجة!
ولما ظهر تقليد الرجال مع نهيهم عنه! ذهب من الناس تعظيم كلام الله ورسوله ﷺ والاحتكام إليه واعتقاد كماله ونفعه وشفائه .. وعدلوا عن اتباع أصحاب رسول الله والبحث عن فتاواهم .. وزهدهم الشيطان في ذلك حتى رأوا جرما النظر في السنن، ورأوا أن الانشغال بالآثار غرر بالدين (٢)!! وإنما التقليد رخصة عارضة لا عزيمة
стр. 397
مطردة (١)!
فكيف ينتفع الناس بعد كل هذه البدع التي عطلت سبيل الفهم بما في أيديهم من كتاب الله، وما يتلون من حديث نبي الله تبركا؟! إنها والله السنن كما أخبر النبي ﷺ في حديث لبيد بن زياد عن ضلال اليهود والنصارى على ما في أيديهم من كتاب الله، وفي لفظ للترمذي [٢٦٥٣] قال له: هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟! اه
فصار الذي ورث الكتاب من بعدهم يرى الشيء ونقيضه، يقول إن النبي بيَّن كل شيء وأن الدين محجة بيضاء للنصوص التي يقرؤها، ثم يدخل بالتأويل في الدين كله! ويقول بالبدعة الحسنة! والفراغ التشريعي!
ويُسَلم أن النبي أوتي جوامع الكلم للأحاديث البينة، ثم يزعم أن قواعد الملة إنما حررها وأتقنها المتأخرون!
ويقول إن البدعة لا تجري في العادات لأنها للعبادة خاصة، ثم يقول بكفر من حكّم القوانين الوضعية لأن من أطاعهم فيها عبدهم دون الله!
ويسلم بقلبه أن القرآن كما وصفه الله محكم والسنة هدى ونور وشفاء وفرقان وبرهان، ثم يرى أن أكثر الأدلة ظني الثبوت ظني الدلالة!
ويقول أن الصحابة أفضل الأمة علما وعملا للأدلة التي يقرؤها، ثم لا يرى آثارهم كافية! ويرى أن الآخر فالآخر أعلم! وأن العلم لم يزل منذ الصحابة في تطور
стр. 398
حتى اكتمل مع المتأخرين!!
فلا يزال حيران بين إيمانه المصدق أن ما أخبر به القرآن والسنة حق، وبين البدع التي تؤزه للتكذيب أزًّا .. فهوى يكذب، وقلب يصدق، وظلمات بعضها فوق بعض! ولن يُرزق الاطمئنان بالإيمان حتى يزَّكَّى من البدع بالسنن الأولى ..
وقد فصل الله تعالى كتابه إلى سور مباركة ميسرة للذكر، ثم جاء ناس فقسموه إلى أجزاء وأثمان بعدد الحروف (١)! وقالوا: هذا تقسيم أجود وبدعة حسنة! فقطع الآيات بعضها عن بعض واضطرب فهم الناشئة للقرآن .. والله المستعان.
ولو تكلم أحد اليوم في هذا لقال العالَم: غيرت السنة! وقد قيل لأحدهم يوما وبدأ التلاوة بقول الله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) [الأنبياء ١٠١] وهو رأس الثمن: عمَّ أُبعِدوا؟ عن الحسنى؟ فلم يدر حتى قرأ ما قبلها (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) فلا بارك الله في البدع التي تعسر الانتفاع بعد أن يسر الله القرآن للذكر!
ولما ظهر التأليف انصرف الناس عن كتاب ربهم، وقرئت المثناة وهي ما استكتب دون كتاب الله من أقوام أرادوا نصح العباد، وترقيق القلوب (٢)، فصدوا عن السبيل، والقرآن والعمل العتيق خير لهم لو كانوا يعلمون!
ولما أحدث الناس - باسم البدعة الحسنة - في وقوت صلاتهم حساب الفلك كسَنَن اليونان قدموا وأخروا عن ميقات الله سنة رسوله .. أخروا الفطر وعجلوا السحور .. فشددوا على الخلق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!
فكان ما قال النبي ﷺ أنه لم يحدث الناس بدعة إلا أضاعوا ما هو خير منها من السنن! والله المستعان.
ثم ترى أصحاب "البدعة الحسنة" يزعمون في كل هذا أنه ليس نقصا، ولكنها بدع حسنة تزيد الإيمان والخير!! وصدقوا في فرحهم بها، لأن الذي يحيى مع الأعوام
стр. 399
سُنَنُهم، وتموت سنة النبي ﷺ ، فعَلَامَ يحزنون؟!
فيا لها من بدع! كم ضيعت من أديان، وأنصبت من أبدان، أبعدت الشقة، وأحدثت الفُرقة. شعَّبت المسالك، وأوردت المهالك، إلا أن يتدارك المخلصين الرحمنُ الرحيم، وذلك الظن به سبحانه.
فكأني بيوم القيامة قد نزل نبأه، وانكشفت حقائقه، وحضر الموزونون وزنهم (هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت) [يونس ٣٠] فيرى العبد الذي أرهق نفسه بالبدع أن ما كان يفرح به كسراب بقيعة، وأن خبر الصادق المصدوق حقيقة لا مجاز! ففيم المخاطرة؟
وهكذا كانت المحكمات في زمان الأولين كثيرا، والمتشابهات قليلة يسيرا. فما زال علماء الصحابة يموتون، وينقص العلم، ويحدث الخلاف، وتقع من الحكيم الزيغة، ويتشبه بالعلماء الأصاغرُ، ويحدث الكذب في الحديث، والوهم في ثقات من الرواة، وتنقص السنن كالبيان بالعمل .. حتى كثرت المتشابهات ولم يعد يلوح من الدين الأول إلا الوميض .. وصدق الله ورسوله.
وليس عجبا أن يعجب النبي ﷺ من إيمان من آمن في زمان قلة العلم وكثرة الشبهات كما قال لأصحابه يوما: أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة كيف لا يؤمنون؟ قالوا: النبيون. قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟ قالوا: الصحابة قال: الصحابة مع الأنبياء فكيف لا يؤمنون؟ ولكن أعجب الناس إيمانا قوم يجيئون من بعدكم فيجدون كتابا من الوحي فيؤمنون به ويتبعونه، فهم أعجب الناس إيمانا، أو الخلق إيمانا اه [الصحيحة ٣٢١٥].
ولما كان عهد التابعين ترخص الناس، فأحدث بنو أمية في الأعمال ما لا يحصيه إلا الله من الأذان للعيد، والخطبة قبل الصلاة، والدراسة جماعة، والدعاء للخلفاء في المنابر، ورفع الأيدي في الجمعة .. وفُتِح باب الابتداع!
ثم جاء بنو العباس فأحدثوا في العقائد، ونجمت البدع في الظاهر والباطن، وتوالت الحوادث يرقق بعضها بعضا، كلما حدثت محدثة قيل: التي قبلها أرق منها وأهون! حتى ضعف ما كان يجده الناس من إنكار بدع العمل، وضعف اليقين بأن كل بدعة ضلالة! وهي سنة وعُبودَة باطنة، والمخالطة حجاب، تورث إلفَ
стр. 400
العادات .. حتى اندرست السنن. ورحم الله حسان بن عطية قال: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة.
اللهم بلى لا تزال طائفة من هذه الأمة المرحومة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خالفهم وإن كثر المخالف، وإن قيل لهم إذا أنكروا الحوادث جملة: غيرت السنة! فإنما السنة سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين. وإنما الجماعة الحق وإن كنت وحدك.
وكثير من أمور الدين الأول تناساها الناس، حتى ظن المتأخر أنه من الخلاف الذي انعقد الإجماع بعده! والأقوال لا تموت بموت قائليها! فعدوا من أحياها شاذا خارجا عن الجماعة، وإنما نسيانها من نقصان الدين. فكان الأمر كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ : أنه من يعش فسيرى اختلافا كثيرا، وكما بلَّغ أصحابُه أن ستحدثون ويُحدَث لكم، فأمرنا بسنته وسنة الخلفاء الراشدين، وقال أصحابه: فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول. فنظر النبي ﷺ في كل هذه الحوادث بما أطلعه الله تعالى من الغيب، فأنذرنا وأوصانا، وسد الذريعة دون كل بدعة، ليحفظ على الناس دينهم. فيا عباد الله لا تكونوا عونا للشيطان على دينكم! ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها! والسمتَ الأول السمتَ الأول!! ألا هل أسمعت؟!!
يا عاملا للقاء الله يرقبه … أخلص لربك و الآثارَ فاتبعِ
العمر أقصر من آمال ذي عمل … فاشغله بالسُنن المقصودة الشِرَع
واغضب لربك وانصر سنةً كَمُلَت … ما غَيَّرَ الدينَ غير الجهل والبدع
كلٌ لحوض نبي الله وارده … وسوف يحجر عنه كل مبتدعِ
كان الفراغ منه بحمد الله منسلخ شهر صفر عام أربع وثلاثين وأربعمائة وألف لهجرة النبي ﷺ بأرض زُعَير بالمغرب الأقصى
كتبه أبو أسماء محمد بن المبارك بن محمد حكيمي