بالزيادة والنقص وهذا واقع مع كل بدعة. وهل البدعة المستحسنة إلا ما زاد أصحابها قيدا أو هيئة .. !؟ فلا يصح استثناء شيء إذاً، والاستحسان غير جار على المقاصد.
- الخامس والثلاثون: أنهم لم يختلفوا في أن ما احتج به مَنْ اتفقوا على إنكار بدعته شبهات لا حجة فيها، وإن ظنها ظاهرا محكما. فلزم من اتفاقهم أن المطلق وحده لا يكفي في إثبات عبادة، ولازم المذهب لازم. وذلك أن كل بدعة لا بد لصاحبها من شبهة دليل (١). وبالتتبع ترى أن ما استدلوا به لفظه ظاهر في الظاهر، لكن مع جمع النصوص تنصرف دلالته إلى خصوص أو تقييد أو نحو ذلك. فلا يحتج من الظواهر إلا بما رجح في الأدلة وكان عليه العمل الأول. إذ ليس المتشابه ما احتمل بذاته فحسب، ولكن ما يعدل عن ظاهره لأرجح منه أيضا على لسان الأصوليين. فتضمن هذا أن حديث «كل بدعة ضلالة» أصل محكم، وما عارضه مما يظن دليلا على استحسان البدع متشابه.
- السادس والثلاثون: أن استدلال المستحسِن بالعموم يعني أن الأمر المبتدع مقصود للشرع أراده الله وعَلِمه النبي ﷺ ، وهذه عظيمة! إذ كيف يقصده ثم لا يفعله ساعة من دهره، أو يأمر به أحدا من أصحابه، أو يبين ثوابه ليحض الناس عليه؟ وقد جاء ﷺ بالبلاغ المبين وهو الغاية في الايضاح. قال تعالى (بلغ ما أنزل إليك) [المائدة ٦٩] وقال سبحانه (لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل ٤٤] والموصول "ما " يفيد العموم، فيتناول كل ما نُزِّل ومنه ما نحن فيه لو كان مشروعا، كذلك قوله ﷺ : ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النَّار إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكم اه والبيان يعني أن يُظْهَر في الوجود ليَبِين للناس كما عرفت في البيان بالعمل. وقد علم أن المستحب للأمة واجب على النبي ﷺ لوجوب البيان، فكيف ينسب النبي ﷺ إلى التقصير في البلاغ؟!! وكيف يَترك اللطيف الخبير سبحانه نبيَّه ﷺ وخيرَ الأمة بعده ينصرم قرنهم دون فعل قربة يحبها ويثيب عليها، مع قيام الداعي إلى فعلها وهو حب الزيادة في
стр. 352
الطاعة!؟ وهل هذا إلا نسبة الصحابة إلى التقصير ومخالفة القول العمل إذ يروون آية أو حديثا فيه الأمر بطاعة لا يفعلونها وهم يقرؤون قول الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) [البقرة ٤٣]؟ وقد أخبر النبي ﷺ أن من أصحابه من يُدْعى يوم القيامة من أبواب الجنة كلها لإحصائه أبوابَ الخير عملا [خ ١٧٩٨]. كما أمر الله المؤمنين بالدخول في السَلم كافة - على قراءة الفتح - وهو الإسلام بكافة شرائعه. لذلك كان ﷺ يقرأ عليهم القرآن على مكث ليتعلموه حرفا حرفا ويعملوا به. فقد تقدم قول أبي عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه وقال ابن سعد [٥١٨٨] أخبرنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح عن ميمون أن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين [صحيح].
فمن عرف سيرتهم لم يخطر في ذهنه أن ينسبهم إلى تقصير في فهم أو عمل. ومن تجنب هذا التقدير بقوله: لم يتسع وقتهم لانشغالهم بطاعات أُخَر كالجهاد! وقع في أشد منه إذ نسب القدوس السلام سبحانه إلى تكليفهم ما ليس في وسعهم، فطلب منهم عملا فوق ما يتسع له جهدهم، إلى ما لا يُقْدر عليه من اللوازم المنكرة .. ! مما تنزه عنه شريعةُ الحكيم الرحيم السمحةُ.
وقد جمع الله لنبيه زمن الوحي أسباب التشريع قدرا ليسن لأمته، كما قدَّر خسف الشمس ليسن للناس سنته، وقدر سبب الاستسقاء ليسن، وقدر وقوع السهو في صلاة النبي ليسن، وقدر اجتماع العيد والجمعة ليسن، وقدر حيض عائشة ونفاس أسماء في الإحرام وحيض صفية بعد الإفاضة ليسن .. فكان المقتضي لكل عبادة مقصودة قائما زمنه، فحصلت الكفاية وتم البيان. ثم حذر أمته من الحوادث بعد. فما لم يجر عليه العمل غير مقصود للشرع من خطاب عام أو مطلق وكل بدعة ضلالة مطلقا.
- السابع والثلاثون: أن الشرع نهى عن صور من التعبد التي يَستحسن جنسَها القائلون بالبدعة الحسنة، كقراءة القرآن في الركوع والسجود وتخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام .. ولولا النهي الخاص لاستحسنوها وإن لم يكن عليها العمل.
стр. 353
فكما عدلوا عن الاستحسان وعن قولِهم: " لا شيء فيه " لأجل النهي الخاص موافِقِ العام، فليعدلوا عن جنسه للنهي العام والقاعدة المحكمة التي هي من جوامع الكلم. وما يُظَن من المصلحة في ذلك العمل الخاص أهدره الدليل الخاص، وتوقَفَ النظرُ عن التخرص لمعرفة السر في ذلك. فما يقال في الجزء المنصوص عليه يقال في الكل المؤصل له. أي كما لم نعرف وجه النهي الخاص وقابلناه بالتسليم فكذلك الأمر في العامّ. عصمنا الله بِمَنِّه من الهوى و الحُجُب. وهذا الوجه واللهِ كافٍ للمخلصين.
- الثامن والثلاثون: أن النبي ﷺ أخبر أن الدين لا يزال والسنةَ في نقصان مع الزمان، وأن البدع لا تزال تكثر، وحذر من ذلك. والناظر يرى أن البدع التي تزداد مع الزمان هي التي يدعي أهلها أنها بدع حسنة! فإنما أنذر ﷺ استشراء البدع التي يقال لها " بدع حسنة " وحذر منها.
- التاسع والثلاثون: أن العمل المحدث الذي لم يعمله النبي ﷺ لا يخلو إما أنه لم يعلمه، أو أنه علمه ثم تركه. والأول باطل باتفاق، فلم يبق إلا أنه تركه على علم. ولا يخلو بعدُ إما أنه تركه وهو يعلم أنه يقرب إلى الله، أو أنه لا يقرب. ولا يجوز الاحتمال الأول إذ ما ترك النبي ﷺ شيئا يقرب إلى الله إلا وقد أعلمنا به وعمل به أصحابه رضوان الله عليهم. فلم يبق إلا أنه عمل لا خير فيه، ولا يقرب إلى الله ، وحسبك به ضلالا .. !!
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يعمله ولا أصحابه؟ قلنا: أوجدونا أنتم أنه عُمل به نَقُلْ به، فإن السؤال لكم لازم، إذ العلم قبل القول والعمل. وليس الشأن في أنه لم يفعل كل ما يُظَن قربة، ولكن الشأن في كون ما لم يفعله ولا أصحابه مشروعا مقصودا!
- الأربعون: أن الحظر أقوى من الإذن كما قالوا، ذلك أن الفرع المختلف فيه إذا تردد بين القبول والرد - على فرض الإمكان - كان الرد أرجح، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة عند استوائهما كما قالوا، فكيف والبدع محرمة بأشد صيغ التحريم. وغاية ما اختلفنا فيه أنه مستحب، والمندوب لا يقدم على المحظور. فيترجح جانب المنع، فلا بدعة حسنة.
стр. 354
- الحادي والأربعون: إبطال الأدلة التي تمسكوا بها في إثبات الدعوى، وقد تقدم في التمهيد طرف منها، فلتكن هنا وجها آخر، وإبطال دليل المخالف دليل. ومنه أيضا:
- الثاني والأربعون: استدلالهم بما ظنوه دليل الخطاب في قول النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه قالوا: مفهومه من أحدث في أمرنا ما هو منه فليس برد، فخصصوا به العمومات المطردة في رد كل بدعة! وهذا رد من وجوه:
- أحدها: أن شرط اعتبار المفهوم ألا يبطل نصا، فكيف وهو يلغي - على فرض صحته - كل العمومات المحكمة التي تظاهرت على العموم حتى صارت نصا على اصطلاح الأصوليين.
- الثاني: أن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والمخالف مقر بأن أغلب المحدثات منكرات أي ليست من أمرنا، لأنه لا يجوز أن يكون الباقي من العموم "كل بدعة" هو الأقل على فرض التخصيص. فيكون قوله: ما ليس منه وصفا أغلبيا لا مفهوم له، هذا على لازم مذهبهم وعلى فرض صحة المفهوم.
- الثالث: أن قوله "ليس منه" صلة الموصول "ما" لا محل لها من الإعراب، وإنما سيقت لبيان الإسم الموصول لأنه مبهم لا لتقييده، لذلك لا يصح في أنواع المفاهيم "مفهوم الصلة"، إنما ثَم مفهوم الصفة ومفهوم الشرط وما هو مشهور .. و"ما ليس منه" ليس قيدا للمحدث، بل هو المحدث نفسه، إذ لم يقل: من أحدث في أمرنا هذا محدثا ليس منه فهو رد فيكون نعتا ويعطى مفهوم الصفة، وإذن لَوَرَدَ الكلام السابق في شرط اعتبار المفهوم. وجملة الصلة مع اسمها في محل نصب مفعول به تقديره "محدثا"، فكأنه قال: من أحدث في أمرنا هذا محدثا فهو رد. ولو حذفنا الروابط من الجملة وجردنا المسند والمسند إليه، كان تقدير الكلام: المحدث رد، مفهومه: غير المحدث ليس برد، وهو السنة، وهذا هو نقيض المنطوق، والمفهوم إنما يتناول النقيض لا الضد (١). فالمنطوق يثبت الرد بوصف الإحداث، والمفهوم
стр. 355
ينفي الرد لانتفاء الإحداث، فأين الإذن في الابتداع؟! بل الحديث مؤكَّد في رد كل محدثة، أفاد ذلك بالمفهوم وبالعلة وهي الإحداث طردا وعكسا. لذلك اعتبره العلماء قاعدة محكمة في رد كل محدث. وفي معناه الحرف الآخر: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، مفهومه من عمل عملا عليه أمرنا فليس برد. كذلك رواية إسحاق بن إبراهيم: من عمل بغير عملنا فهو رد، مفهومه من عمل بعملنا فليس برد، وهو حديث واحد مخرجه واحد روي بالمعنى، تفسر الرواية أختها. فالحديث مثل سائر الأدلة المحكمة في رد البدع. وقد تقدم ذلك بحمد الله تعالى.
- الثالث والأربعون: "تنقيح المناط" إذ أن العلة التي استخرجوها (المخالفة) منقوضة من وجوه:
* الأول: أن علة المنع (الإحداث) منصوصة ومراعاة في تصرفات الشرع، فلا حاجة إلى استنباط مناط للحكم غيرها. والعلة المنصوصة مقدمة على الأوصاف المستخرجة، ولا اجتهاد مع وجود النص كما يقولون.
* الثاني: أنه لا دليل على صحة التعليل بهذا الوصف (المخالفة)، ولم يثبت أن الشرع استحسن شيئا من البدع. بل أطلق الذم والتزم العموم. وإن قيل: الدليل هو الاستقراء، قلنا: الاستقراء أوجب عكس ذلك كما تقدم في الآثار ..
* الثالث: من زعم أن المخالفة هي العلة أراد أن النبي ﷺ قصد النهي عما يخالف سنته فعبر بعبارة تدل على ذلك، وكان الابتداع مظنة المخالفة فعبر به عن المنع، هذا معنى تصرفهم. وهذه وهلة! لأنه لا يعدل المتكلم عن التعليل بالحكمة المقصودة أصالة إلى التعليل بالمظنة إلا لتعذر ضبط الحكم بحكمته تعذرا بعيدا، لأن عادة الشرع في ما يقرب ضبطه أن يعلل به ويصار لضبطه إلى القرائن، كالتعليل بالعمد والخطأ في القتل وهو وصف خفي - تخلف فيه شرط الظهور - يصار لضبطه إلى القرائن الظاهرة، فهذا يدل على أن التعليل بالمخالفة هنا أبعد من ذلك. ومعلوم أن الابتداع والإحداث هو المنضبط عكس المخالفة. فلما عدل النبي ﷺ عن التعليل بالمخالفة دل على أحد أمور: إما أنها لا تصلح علة. أو أن التعليق بالابتداع كان لقطع أسبابها حتى لا تقع المخالفة، فيدل هذا على أن التعليل بالإحداث مقصود. وما سُد
стр. 356
الباب دونه لم يحل لأحد أن يفتحه .. فيتقدم بين يدي الله ورسوله. أو أن المخالفة لازمة للابتداع ومطردة في كل بدعة وإن لم يتبينها كل أحد. وكان الابتداع أظهر منها فجعله النبي ﷺ علة المنع. أو أن الابتداع نفسه مخالفة، أي أنهما في الشرع واحد. أو أن للمنع حِكما أخرى غير المخالفة يجمعها وصف الابتداع.
فالحق العدول عن التعليل بما عدل عنه النبي ﷺ وهو من اتباع سنة التَّرك. فهذا دليل آخر على أن التعليل بالإحداث هو الحق، وألا بدعة حسنة.
- الرابع والأربعون: رد استدلالهم بقول الله تعالى (وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون) [الحديد ٢٤] ظنوا أن الله أثنى عليهم لابتداعهم الرهبانية!! كيف والسورة كلها جاءت بذم الانقطاع والأمر بالجهاد، وأن الحديد أنزل لذلك والأمر بالكسب لتحقيق عبودية الانفاق في سبيل الله؟! وفي آخرها ينبهنا الله ألا نكون مثل أولئك الذين ابتدعوا رهبانية التزموها، فضيعوا بها حقوقا ثم ما رعوها حق رعايتها. فإن قيل أثنى عليهم بقوله (فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم) نقول: نعم أثنى عليهم بالإيمان لا بالبدعة، أي الذين آمنوا بعيسى ﵇ وتركوا شرك النصارى وإن وقعوا في بدعة العمل. ثم هم مطالبون بترك بدعتهم لماَّ جاءت سنة خاتم الرسل ﷺ . فأي ذم بعد هذا؟
ثم يتمسكون بروايات أعرضتُ عن ذكرها للضعف! وأصح من ذلك ما أخرج أبو داود [٤٩٠٤] وأبو يعلى وهذا لفظه [٣٦٩٤] عن عبد الله بن وهب حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمن عمر بن عبد العزيز وهو أمير، فصلى صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريب منها، فلما سلم قال: يرحمك الله أرأيت هذه الصلاة المكتوبة؟ أم شيء تنفلته؟! قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئا سهوت عنه. إن رسول الله ﷺ كان يقول: لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات (رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) الحديث. فلم يمدحهم للبدعة. وقال أبو نعيم
стр. 357
[الحلية ٩/ ٨] حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا عبد الرحمن بن محمد ثنا عبد الرحمن بن عمر قال ذكر عند عبد الرحمن بن مهدي قوم من أهل البدع واجتهادهم في العبادة فقال: لا يقبل الله إلا ما كان على الأمر والسنة ثم قرأ (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم) فلم يقبل ذلك منهم ووبخهم عليه. ثم قال: الزم الطريق والسنة. وسمعت عبد الرحمن يكره الجلوس إلى أصحاب الرأي وأصحاب الأهواء اه سند صحيح، عبد الرحمن بن عمر هو المعروف برُستة، وعبد الرحمن بن محمد هو ابن سلم الرازي، وأحمد بن إسحاق هو أحمد بن بندار بن إسحاق الشعار.
وعهدنا بالقوم إذا استدل عليهم مخالفهم بشيء من أخبار بني إسرائيل قالوا: شرع من قبلنا ليس شرعا لنا. فكذلك نقول هنا - إن سلمنا أن ابتداعهم كان محمودا ولم يصح ذلك - قد جعل الله لكل منا شرعة ومنهاجا. سواء على قول من أطلق أنه ليس شرعا لنا، أو من استصحبه ما لم يثبت دليل على نسخه، وقد ثبتت الأدلة القواعد على أن كل بدعة ضلالة.
- الخامس والأربعون: ما تقدم من رد الاستدلال بحديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة ". وهنا وجه آخر: هو أن الحُسن والقبح في السنن لا يُعلمان إلا من دليل شرعي، فتوقفت معرفة المقصود بالسنة الحسنة والسنة السيئة في الحديث على دليل. ولا يجوز أن يكون منفصلا متأخرا، إذاً يكون مجملا وليس هو كذلك، بل هو ظاهر للصحابة اتفاقا. فهنا نكت:
- الأولى: أن هذا الخبر جاء في خطبة خطبها النبي ﷺ ، وسُنَّتُه الجارية في خطبه أنه يُصَدِّرها بقوله: " كل بدعة ضلالة " كما حكى جابر ﵀. فهذه قرينة في السياق دالة على أن رسول الله ﷺ لم يرد بالسنة في الحديث البدعةَ.
- الثانية: أنه متأخر لأن جريرا البجلي متأخر الإسلام، أي أن الخبر جاء بعدما تمهدت المعاني الشرعية وظهر الفرق بين السنة والبدعة. فصاروا إذا سمعوا لفظ "سنة" يضاف إلى الشرع يتبادر إلى أذهانهم أنها هدي النبي ﷺ ، ككل المسميات الشرعية. لا يفهمون منه معنى البدعة شرعا. فأعلمهم في هذا الحديث أن من عمل في الدين عملا عليه أمرنا فاتبعه الناس كان له الأجر أضعافا كما في سبب الورود، فإن
стр. 358
الرجل سن لهم ذلك الخير، أي سبقهم إليه وسهله لهم، من غير أن يكون ابتدع شيئا لا يُعرف، وإنما ابتدأ الطاعة وسن الامتثال في ذلك إذ هو أول من عمل. وهذا النظر أظهر عند من يقول بعموم اللفظ المشترك وهو الذي يرويه عن الشافعي رحمة الله عليه أصحابُه، أي يحمل على الحقيقة الشرعية في العبادة وعلى اللغوية في العادة معا على طريقتهم.
- الثالثة: أن الحديث متشابه مشكل على الأدلة والأصول على فرض الإشكال، فالمنهج المهيع أن يرد المتشابه إلى المحكم يفسر به. وقد عرفت أن من المتشابه ما ظُن أنه محكم كبعض العمومات أو الإطلاقات التي يراد منها غير ما فهم منها الآخِرون، فكذلك نقول في حديث جرير: " من سن في الإسلام سنة حسنة " يفسَّر بالمحكمات، فيكون معناه: من سن العمل امتثالا لا اختراعا، وإنما يمتثل ما أمر باتباعه كالصدقة، لا ما أمر باجتنابه كالبدع، وإنما تنسب إليه لأجل تعلق التبع بعمله أي تأسي الناس به فصار فيه متبوعا.
- الرابعة: أن عادة كثير من الأصوليين إذا تعارض في الظاهر عمومان وكان لأحدهما سبب ورود فإنهم يحملونه على خصوص سببه، والشأن نفسه هنا على فرض التعارض.
- الخامسة: أن قوله ﷺ بعده "ومن سن في الإسلام سنة سيئة " عموم يشمل البدع، فإن زعموا في الشطر الأول أنه عام يشمل إحداث بدعة في الدين، فإنا نزعم أن الثاني عام في ذم كل بدعة! فبأي العمومين يأخذون؟ لكن الحق ألا تعارض في كلام نبي الله ﷺ ، إذ ندب الصحابة إلى سن السنن الحسنة فعملوا بها على الوجه المراد وهو تعليم السنن، والقضاء في النوازل. وبالله التوفيق.
- السادس والأربعون: أن من جعل الحديث: " كل بدعة ضلالة " مرادا به الخصوص أراد أن النبي ﷺ قصد أن يقول: كل بدعة نهيتكم عنها ضلالة، أو كل بدعة مخالِفة ضلالة على تقديرين لهم! وهذا خطأ بيِّن من وجوه، تقدم بعضها في وجه تنقيح المناط وهذه وجوه مشتركة:
* أن تلك الدعوى لا تتم إلا بتقدير محذوف، والأصل عدم التقدير.
стр. 359
* أن الحديث يصير مجملا غير محكم، إذ لا يدل على معنى بذاته، والعمل به موقوف على غيره وهذا هو المتشابه، وقد اتفق أهل القبلة على أن الحديث قاعدة، والقواعد لا يدخلها الاشتباه.
* أن تقدير من قدره بما نهيتكم عنه يعني أنه أحالهم لضبط النهي ولمعرفة الضلالة على ما لا يكاد ينضبط، والحديث قاعدة، والقواعد جاءت لضبط الجزئيات التي يعسر ضبطها، وليست عنوانا فارغ المحتوى، فالحديث إذاً محكم ضابط لفروعه من جوامع الكلم.
* يلزم من ذلك التأويل أنه تكليف بالشاق وبما لا يحيط بعلمه أكثر الخلق، ونسبة ذلك إلى النبي ﷺ من جنس الكذب عليه والقول عليه ما لم يقل. بل الحديث قاعدة من جوامع الكلم التي أوتيها نبينا. ولمَّا لاحظ هذا بعض المستأخرين نفض يده من الأصول المحكمة! فاضطربت أصوله وفروعه، وحسابه على الله.
- السابع والأربعون: استدلالهم بالعفو - أن ما استحسنوا مسكوت عنه - لتصحيح البدع، ثم هم يضطربون فيه، يقولون هو مما سكت عنه، ثم يستدلون لاستحسانه بالعموم! وما دام مقصودا في العموم فليس هو بمسكوت عنه بل منصوص عليه. وإنما التبس أمره عند من تعلم القرآن والسنة بطريقة المناطقة. والحق أن العفو ما كان بيانه بالسكوت عنه لأنه من أمور الحلال والحرام التي تُبَيَّن بالقول. أما السنة المقصودة للتدين فبيانها بالعمل والنبي أول العاملين، والبدعة بيانها بالترك، والنبي أول الزاهدين، ومأخذ حكمهما من القول الآمر بالسنة والناهي عن البدعة. وليس العفو من السنة إنما السنة سنة النبي ﷺ وأصحابه ما تدينوا به، والعفو شيء يترك ولا يخاض فيه ولا يتدين به ولا يثاب عليه كما تقدم. فكيف يقال هو مما طُلب الاجتهاد في استخراجه من عموم أو قياس، بل الحديث الذي استدلوا به ينهى عن ذلك قال: وسكت عن أشياء من غير نسيان لها رحمة لكم فلا تبحثوا عنها. ثم راحوا يبحثون عنها!
- الثامن والأربعون: أنه ثبتت كراهة فعل ما ترك النبي ﷺ ، لأن الترك فعل له حكمه، هذا فعل وجودي والترك فعل عدمي. فكما أن الفعل مكروه تركه، كذلك
стр. 360
الترك مكروه فعله، فهو إذاً غير مستحب، بل المستحب تركه، إذ كيف يستحب تركه ويستحب فعله؟! هذا خُلْفٌ. فلا بدعة حسنة، ولا تعبد بمتروك في السنة. وسواء علينا قيدنا الترك بالقصد أم لا، أي قلنا: أن المعتبر ما قُصد تركه وهو الكف أم لا فإنه في الوجهين لم يُقصد فعله، إذ لو قُصد مع وجود الداعي وانتفاء المانع لَفُعل كما تقدم.
- التاسع والأربعون: أن القربات المختلف في ردها إما مستحبة - على قول المستحسنين - أو منع على قول المانعين. والترك يدل على استحباب تركها، فيسقط القول باستحباب فعلها، ويبقى القول بالمنع.
- الخمسون: أن الترك من جنس النهي لأنه ثمرته والمقصود من الخطاب به، كما أن الفعل من الأمر لأنه ثمرته والمقصود منه، ومعلوم أن النبي ﷺ كان أكثر بيانه بالعمل، ولأجله بعث، فكما أن عمله بيان للأمر، كذلك الترك بيان للنهي وعمل بمقتضاه. ومتى رأيت تركا مطردا عندهم فاعلم أنه امتثال لنهي، فثبت بهذا أن ما تركه النبي ﷺ وأصحابه منهي عنه لا مأمور به، فلا بدعة حسنة.
- الحادي والخمسون: لو سلمنا أن القياس يجري في القربات كما توهم بعض المتأخرين منهم فليس قياس الإثبات أولى من قياس النفي، فإنا نعمد إلى ما نهى عنه النبي ﷺ خاصة فنقيس عليه ما سواه فيمنع، والجامع هو الابتداع والترك .. فأي القياسين أحق بالاعتبار إذًا؟! تأمل مثلا قول النبي ﷺ [أحمد ٦٦٨٤/ س ١٤٠] للأعرابي الذي سأله عن الوضوء فأراه ثلاثاً ثلاثا ثم قال: هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم اه فجعل الزيادة في التطهر على الحد الذي وقف عنده النبي ﷺ اعتداء وظلما. وأن ما فعله هو الوضوء الذي خوطب به في الآية وإن كان لفظها مطلقا. وهكذا السنة كلها، ما وقف عنده النبي ﷺ فهو حد لا يجوز الزيادة عليه، فمن زاد شيئا فقد أساء وتعدى وظلم .. ولولا هذا الحديث لاستحسن أقوام تلك الزيادة بدعوى حب التطهر وأنه زيادة خير وأسبغ للوضوء .. ولربما استظهروا على ذلك بمثل قول الله تعالى (والله يحب المطهرين) [التوبة ١٠٩] وأن آية الوضوء مطلقة ليس فيها ذكر العدد. ولكن الصواب الاستدلال بقول الله تعالى: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) [البقرة ٢٢٧] فمن تعدى حدود السنة جملة فهو ظالم متعدٍّ حدودَ
стр. 361
الله الذي تفرد بالتشريع، متجاوز حده ومقداره وهو الامتثال اللائق بالعبد.
والحق أن القياس لا يثبت به تعبد، وإنما هو في النوازل لا ما كان زمن التشريع. وإنما ضل من ضل من المشركين بسبب القياس، كما قال ابن سيرين: " أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس "، فمن استغاث بالأولياء قاس الميت على الحي الحاضر. ومن طاف بالقبر والوثن قاس بيت "الولي" على الكعبة بيت الرب. ومن قبَّل الأوثان رموز الأولياء تبركا قاسه على تقبيل الحجر الأسود. واستَقبَل القبرَ بالصلاة من أشربه بالقياس على اتخاذ السترة فيها. وحجوا إلى المشاهد قياسا على حج البيت وشد الرحال إلى المساجد الثلاث .. لذلك نهى علماء الملة الأولون عما يضاهي الطريقة الشرعية، إذ المضاهاة ضرب من القياس كما رأيت في باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة الراتبة.
- الثاني والخمسون: ثبت أن البدعة أشد من المعصية لأن فسادها في الدين أعظم، لذلك كانت أحب إلى إبليس منها. فكما لا تقسم المعصية إلى حسن وقبيح، كذلك لا تقسم البدعة إلى حسن وقبيح بالأولى. وحاصل البدعة أنها معصية شدد الشرع في تحريمها، فبابهما من هذه الجهة واحد.
- الثالث والخمسون: الاحتجاج بالإجماع، فإنا استقرينا تصرفات الصحابة، فوجدناهم اجتمعوا على ترك كل المحدثات التي استحسنها المخالفون، وانصرم قرنهم على تركها، والإجماع حجة على ترك كل ذلك، دعك من الإجماع الصريح فإنه بالمحال أشبه، ولكن ألا يعلم مخالف إلى الفعل كما كان مالك يسميه إجماعا في مثل كلامه في سجدة الشكر وقد تقدم. وقد عرفت أن أدلة الإجماع وفائدته هي أدلة البدعة وفائدتها .. وإذا ثبتت أدلة التمسك بالإجماع فإن الخطاب ينصرف إلى المعهود في مجاري العادات لا إلى الإمكان العقلي، والجاري في العادة من حصول الإجماع هو السكوتي لا الصريح، فإنه وإن أمكن في الجواز العقلي لا يقع صريحا عادة، وما مثلوا به للإجماع الصريح من المعلوم من الدين بالضرورة كوجوب الصلاة لم يثبتوه عن كل عالم من السلف بالأسانيد الصحيحة قولا، ولكن قالوا: لا يمكن أن يختلفوا فيه، فعاد الأمر إلى عدم الاحتجاج بالصريح وعدم وقوعه على
стр. 362
الشروط التي أحدثوها .. والرب سبحانه إذ أمرنا بالتمسك بالإجماع إنما كلفنا بما يقع في العمل لا ما لا يقع إلا في الخيال، وهذا من شؤم بدعة الكلام.
- الرابع والخمسون: ما تقدم من منهاج السابقين كتمييز الأحكام في الاعتقاد والعمل، وما وقت مما لم يوقت .. فإن تقريره كاف لرد الاستحسان. إذ محال أن يكون من هدي الذين يحتاطون في المستحب بتركه حتى لا يظن أنه واجب، أو السنة المباحة حتى لا يظن أنها سنة مستحبة .. أن يتساهلوا في استحسان البدع التي تعد سنة مستحبة تضاهي السنة الشرعية! فبهذا تعلم أن استحسان البدع ليس من أصولهم.
- الخامس والخمسون: ما ثبت من الفرق بين السنة والحديث فمن فهم من حديث ما ليس عليه العمل أخطأ السنة إذ السنة العمل. والسنة هي الحكمة في القرآن (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) [النساء ١١٣] (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) [الأحزاب ٣٤] أي السنة المبينة وجوه العمل بالقرآن، فدل هذا على أن السنة في القربات حقيقةً هي العمل، فهو الحكمة لذلك قال في الحديث [خ ٧٣]: ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها اه والحكمة والحُكم في القرآن واحد وهو ما نزل على الواقع للعمل، بل العمل الصحيح نفسه. وقد رُزِقها أصحابه رضوان الله عليهم كما في حديث ابن عباس دعا له: "اللهم علمه الحكمة" [خ ٣٥٤٦] والحكمة حسن التصرف بالعلم بوضعه في الموضع المطلوب وهو حسن العمل به. فالحكمة إذاً العمل الصالح، فما لم يكن من عملهم فليس من الحكمة، ومن استدل بمعنى من حديث ليس عليه العمل لم يتبع السنة ولا أصاب الحكمة. فلا بدعة حسنة.
- السادس والخمسون: ما ثبت أن العمومات في صفات التعبد متشابهة إنما يراد بها ما وقع عليه العمل الأول هو بيانها، فيسقط الاستدلال بمطلق العموم على ما لم يقع في العمل. فلا يبقى وجه لاستحسان بدعة.
- السابع والخمسون: أن الإيمان في دين رب العالمين يزيد عند العبد مع الطاعات، وأن كماله بالأعمال. قال ابن أبي شيبة [٣١٠٨٤] ثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم ثني عيسى بن عاصم ثنا عدي بن عدي قال: كتب إلي عمر بن عبد العزيز: أما
стр. 363
بعد فإن الإيمان فرائض وشرائع وحدود وسنن، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت قبل ذلك فما أنا على صحبتكم بحريص اه [صحيح] ومن زعم أن شيئا من الأعمال التي لم يَعْمَلها رسول الله ﷺ وأصحابه مسنونة تزيد الإيمان فقد زعم أن النبي ﷺ وصحبه لم يكونوا على الكمال .. فلم يبق إلا أن ذلك ليس من الإيمان، فلا بدعة حسنة.
- الثامن والخمسون: قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) [النور ٢١] وقول النبي ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه من جوامع الكلم الذي يعبر عن معناه المتأخرون بقاعدة سد الذريعة دليل آخر على خطأ القول بالتقسيم، فمنعُ كل بدعة أحوط في الدين، وفتح باب الابتداع مظنة الفساد. والاحتياط عريق في العبودية، لا تجد عابدا إلا محتاطا لدينه، آخذا بالعزائم، عاملا بالأفضل. وهذا الوصف مُنافٍ للمخاطرة بابتداع بدعة والزعمِ أن الله استحبها. وهل عبدت الأوثان والكواكب .. وغيرت الملل إلا باستحسان البدع؟!! فكيف ينسب إلى الشرع الذي قد عُلم أنه إذا حرم شيئا حرم ما حوله وما يؤدي إليه، أنه دعا إلى استحسان البدع؟! وهو أمر فيه مخاطرة قد توقع صاحبها في الضلال!
وهل من عادة الشرع في المناهي أن يجعل دون المحرم فاصلا دقيقا من تجاوزه هلك وكانت منه البراءة، وأن من حام حوله لم يكن عليه بأس بل كان مصيبا مأجورا؟!! بل الشرع يحمي الحمى ويسد الذرائع نصحا للعباد. ومما قالوا أن ما قارب الشيء أخذ حكمه. وهذا في ما بين المباح والحرام مسَلم فكيف فيما بين المطلوب والمذموم؟ أي كيف يُظن أنه لم يجعل بين البدعة الضلالة التي لا يحبها والمستحب المطلوب الذي ترفع به الدرجات حجابا بل حجبا من المناهي؟! فمن عمد إلى شيء سد الشرع الذريعة دونه ففتحه على مصراعيه ناقض منهاج الشريعة، وحسابه عند ربه!
- التاسع والخمسون: أن الشرع لما تعبدنا في القربات بالتوقف، ولم يُظهر لنا
стр. 364
العلل كما في العادات، عُلم أن قصده الامتثال، وأن الاجتهاد باختراع شيء والقياسَ غير جار على القصد. فالابتداع القائم على الاجتهاد دون الاتباع المحض غير مقصود.
- الستون: أن النبي ﷺ لما أكثر التحذير من البدع دل على أنها واقعة في الأمة بكثرة، إذ علم أنه لم يكن ليشغل الناس بما ليس تحته عمل، لذلك ترك الاستخلاف لعلمه أن الأمة تجتمع بعده على أبي بكر وقال: ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اه [م ٦٣٣٢] فيدل ذلك على أنه لِما علم أن من الأمة من سيحدث في الدين ويتوسع بدعوى "البدعة الحسنة" أكد العموم نصحا للأمة ﷺ . وهذا الوجه غير الوجه السابع والثلاثين، فتأمله.
- الحادي والستون: ما ثبت في الحكمة سنةِ النبي ﷺ من صون الألفاظ الشرعية وحفظ معانيها وأثرها، فمن زعم التخصيص وادعى الاستحسان خالف قصد الشرع إلى بقاء اللفظ عَلَما على المذموم، فأضعف دلالته على العموم وَوَقْعَهُ في النفوس، فزال من قلوب الناس الانزعاج من لفظ بدعة!! خلافا للقصد والمنهاج. أفيليق بمؤمن أن يقوم بخلاف مقام النبي ﷺ الذي لم يزل قائما يُحَذر من البدع بإطلاق ثم ينادي في الخلق بدعوى الاستحسان والحض عليها والتأصيل لها؟! أفليس هذا من مشاقة النبي ﷺ ؟
- الثاني الستون: أن هذه الدعوى وهي أن قول نبي الله "كل بدعة ضلالة" عموم مخصوص انبنت على بدعة أصولية وهي إمكان التخصيص بالمنفصل، وهي بدعة يونانية منافية لبيان العرب ذلك أن العموم الذي يزعمون أن الدليل المنفصل خصصه إما أن ما خُص منه كان داخلا في العموم أو لم يكن داخلا، فإن كان داخلا فيه ثم خص فهو النسخ كما سماه السلف العالِمون، فيلزم حينها معرفة المتقدم من المتأخر لمعرفة المحكم منهما. وإن لم يكن مرادا من العموم الصورةُ التي خُصت فالدليل المنفصل إنشاءٌ لحكم جديد، وفيه زيادة بيان أن ذلك الجزء لم يكن داخلا في العام، وهذا من العام المراد به الخصوص.
стр. 365
فتقدير وقوع التخصيص بالمنفصل في الشريعة هو من عجمة الروم أصحاب الألغاز، أما العرب فلا تتكلم في جادة لسانها إلا بالبيان والفصاحة، فإذا نطق العربي بكلمة عامة يريد معنى خاصا لا بد أن يبين في المقام نفسه مراده إما باللفظ أو بالحال وإلا كان تلبيسا وعجمة تأباها العرب (١).
لذلك تراهم يضطربون في الفرق بين العام المخصوص والمراد به الخصوص، ويخرجون لإثبات الفروق عن موطن النزاع .. ثم لم يأتوا بشفاء! وكذلك البدع المحدثات ..
والحق ألا وجود للعام المخصوص، ولا تخصيصَ بالمنفصل، إنما هو النسخ، لذلك كان الصحابة يتَّبَّعون من حديث رسول الله الأحدث فالأحدث ويرونه الناسخ المحكم كما حكى الزهري ولا يخصصونه به بعد تناول. ولكن المتأخرين لأجل ما أصلوا من القواعد المحدثة في الأصول غلَّطوا الصحابة فقالوا: لا سبيل إلى القول بالنسخ ما أمكن الجمع، وإنما هي العجمة.
وما ذكروه مثلا إنما هو بيانٌ كقول ابن عمر: أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال اه [أحمد ٥٧٢٣] فهذا ليس
стр. 366
تخصيصا لعموم الميتة في الآية، ولكنه إخبار عن هذه الأشياء أنها ليست من الميتة المحرمة ولا الدم المحرم، وليس مراده الحصر بمفهوم العدد حتى يكون بمنزلة الاستثناء، فابن عمر نفسه ممن يقول أن ذكاة الجنين ذكاة أمه ولا يراه من الميتة وإن كان ميتا كما روى عبد الرزاق [٨٦٤٢] قال أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال في الجنين إذا خرج ميتا وقد أشعر أو وبر فذكاته ذكاة أمه اه [صحيح] والعلة هي خروج الدم المسفوح بالذكاة (١)، وهذا لا يوجد في الحوت والجراد بل هو ذكي. فالميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع حرام إلا ما ذكيتم، فالسياق دال على أن ما حرم من ذلك هو ما يقبل الذكاة، وهو الذي يقول الفقهاء ما له نفس سائلة، وليس كذلك الحوت والجراد فغير داخل في اللفظ. لذلك من حرم الحلزون البري نظر إلى اللفظ وغفل عن السياق الذي هو الكلمة وتوهم أن العموم يشمله، وإنما هو عفو.
ومثله ما قالوا في قول الله تعالى شأنه (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) [البقرة ٢٢٨] زعموا أنه مخصوص بقول الله سبحانه (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) [الطلاق ٤] فتوهموا أن الآية الأولى عامة في كل مُطَلقة لأجل النظر في اللفظ وحده، وليست كذلك وإنما هي في ذوات القروء أي الحيضات، فلا تتناول الحوامل ولا الآيسات ولا اللائي لم يحضن، وقد أخرج الحاكم في صحيحه [٣٨٢١] عن أبي بن كعب ﵁ قال: لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد من عدد النساء قالوا: قد بقي عَدَدٌ من عِدَدِ النساء لم يذكرن الصغار والكبار ولا من انقطعت عنهن الحيض وذوات الأحمال فأنزل الله الآية التي في سورة النساء (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) اه فلم يكن اللفظ عندهم محتملا غير ذوات الأقراء.
стр. 367
وأيضا لا تتناول التي لم يدخل بها، قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) [الأحزاب ٤٩] إذ السياق في سورة البقرة دليل على أن الكلام في التي دخل بها زوجها (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) ما خلق الله في أرحامهن الحمل إن كانت حبلى أو الحيض.
ومثله ما ذُكر في قول الله تعالى (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) [التوبة ٥] قالوا خصصته آية الجزية فاستثنت أهل الكتاب، والسياق من أوله إنما هو في المشركين المعاهدين لا يتناول هنا أهل الكتاب، والله أعلم بتأويل كتابه سبحانه، ثم ذكر أمر أهل الكتاب بعده بآيات. وقد فرقت آيات بين المشركين وأهل الكتاب، منها قول الله تعالى (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة) وقوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد) [الحج ١٧] وقال سبحانه (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) [آل عمران ١٨٦] فالآية محكمة العموم، وآية الجزية تنشئ حكما جديدا (١)، والله أعلم.
ومثله ما ذُكر في قول الله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) [النساء ١١] قالوا خرج منه قول النبي ﷺ : "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" [خ ٦٧٦٤/ م ٤٢٢٥] والسياق إنما هو في المؤمنين، لا يتناول الكافر لقرائن لمن تأملها إن شاء الله. والعجب أن كثيرا ممن احتج بهذه الآية على إثبات التخصيص بالمنفصل لا يرى الكافر مخاطبا بفروع الشريعة، ثم يزعم أنه وارد في هذا العموم!
стр. 368
وكل ما مثلوا به للتخصيص هو من هذا الضرب، فتتبعه تجده يشبه ما قال الشافعي ﵀.
وما يقولون فيه تخصيص بالمتصل كالاستثناء فإنما هو بيان، لأن الاستثناء طرف من السياق، إذ لا يستقيم في اللسان أن يبدأ الكلام بالاستثناء، كما لا يستقيم أن ينتهي الكلام وهو محتاج إلى استثناء، لأن مجموع ذلك هو الكلام. والعرب تسمي الجملة التامة كلمة، لأن المجموع هو الدال على المعنى لا بعضه، قال الله تعالى (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها) [المؤمنون ١٠٠] وقال النبي ﵊: كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم اه [خ ٧٥٦٣]. ومن سنة العرب في لسانها أنها تَكَلَّمُ بالكلام يدل أوله على آخره كما في قول الله تعالى (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى) [إبراهيم ٣١] أي لكان هذا القرآن، فكان أوله دالا على آخره، ومثله قوله سبحانه (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) الآية [يوسف ١٥] أي وفعلوا ذلك. وتَكَلَّمُ بالكلام يدل آخره على أوله كما في قول الله تعالى (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا) [الجن ١] أي استمع نفر من الجن إلى القرآن دل عليه آخره، وقوله سبحانه (فأشارت إليه) [مريم ٢٩] أي أشارت إليه أن كلموه دل عليه آخره (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا).
إذا تبين هذا عرفنا ألا وجود للتخصيص بالمتصل ولا بالمنفصل، إنما ثَمَّ البيان والنسخ (١) كما نطق العلماء الأولون العالمِون بحدود ما أنزل الله على رسوله. فما من عموم إلا وهو من جوامع الكلم والقواعد المحكمة، والكليات المطردة. فمن اعتقد بدعة التخصيص ضعف فهمه للبيان، واتهم النبي وصحبه بالتقصير.
ومن زعم التخصيص الذي هو نسخ وإخراج بعد دخول في العموم، كان شيئا
стр. 369
كُبَّارا! لأن النسخ في الأخبار محال شرعا، وقوله كل بدعة ضلالة خبر، فمعنى قول من زعم ذلك أن يكون النبي عنده قد أخبر عن أمور أنها ضلال وفي النار، ثم نسخ هذا الخبر، وأخرج منه ما استُحسن!! وهم يقولون أن النسخ لا يرد في الأخبار ..
ودعوى إرادته للخصوص بعدُ من افتراء الكذب عليه ما لم يقل، وغفر الله للمتأولين وصلى الله على نبيه وسلم تسليما كثيرا.
فهذه الشريعة بمسائلها وجوامعها ومقاصدها تنادي بأن كل بدعة ضلالة بلا استثناء. فكيف يقال بعدُ بالتخصيص أو إرادة الخصوص، هدانا الله وإياهم.
ولقد أثبت الناس أصولا للفقه وقواعد بأدلة هي أقل من هذه أو مثلها كأدلة القياس والاستحسان في الأصول وكثير من قواعد الفقه في الأشباه والنظائر .. ومن نظر في أدلة القواعد عرف ذلك، وعرف أن ما ههنا محكم الثبوت لأنها معان متواترة، وحديث النبي ﷺ عند من فهمه غني بنفسه عن شهادة العالَمين، وجوامع الكلم المنزلة تغني عما أحدث بعد.
وإذا كانت آية تحريم الخمر والميسر بسياقها " قطعية الدلالة " كما أنهم ينطقون، فما ههنا أولى، قال ربنا تعالى جده (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) [المائدة ٩٠/ ٩٢] هذه الآية محكمة في تحريم الخمر والميسر، نص قطعي الدلالة كما يقول الأصوليون، تتابعت "الظواهر" في سياقه على تأكيد المعنى.
فعلى طريقتهم يكون قوله (رجس) ظاهرا في التحريم و (من عمل الشيطان) ظاهر (فاجتنبوه) ظاهر (لعلكم تفلحون) ظاهر (يوقع بينكم العداوة والبغضاء) ظاهر (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) ظاهر (فهل أنتم منتهون) ظاهر (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) ظاهر (واحذروا) ظاهر (فإن توليتم) الآية ظاهر. فهذا البيان الذي يسميه الأصوليون ظواهر يشهد "بالقطع" على أنه نص قطعي الدلالة لا يمتري فيه سليم الفطرة والفهم.
فإذا كان هذا شأن آية في حكم عملي فكيف بجامع من جوامع الكلم وشهد له
стр. 370
جمهور الشريعة؟!
ومن تدبر القرآن وجد الكلام عن البدعة والتحذير منها وعيب منتحليها متواترا. فحيث ذكر الافتراء على الله في مثل قول الله (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) [الأعراف ١٥٢] هو كلام عن البدعة المحدثة لأنه أمر يضاف إلى دين الله وليس منه. والآيات المحذرة من القول على الله بغير علم كقول الله (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف ٣٣] وذكر الكذب عليه، وابتغاء سبيل الله عوجا، والذين يشترون الضلالة بالهدى، وما اتخذوا في دينهم من العِجل واللهو واللعب والسوائب والسحر وأنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا .. وأنهم فرقوا دينهم، وذكر السبل والأهواء، وما نهوا عنه من الغلو كقول الله (لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق) [النساء ١٧١] وما ذكر من تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله، ونظائر هذا المعنى هو حديث عن البدعة عينها. وإنما الشرك الذي جاء النبي لرده بدعة حدثت بعد الأنبياء، فجاء بتصحيح الأعمال وتصحيح النيات، وكلاهما آفته الانحراف عن اتباع السنن وركوب البدع. فكانت معرفة البدعة من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، بل من أول ما يتقى ويحاذر، لذلك ذكره الله ﷻ في أم القرآن. فهو سنة في الأولين والآخرين وأصل من أصول الدين، تتابعت عليه الأنبياء في الغابرين، واتبعتهم ورثتهم في الآخرين، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وما بدلوا تبديلا .. وهو مما أخذ عدو الله على نفسه أول الأمر (لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا) [النساء ١١٨/ ١٢٠] فأضل بنحو ذلك جِبِلاًّ كثيرا.
فحقيق على من أحب ربه، وعظم أمره أن يجعل هذا من أكبر شُغُله، ولا يكون من الذين جعلوا الدنيا أعظم شيء في أنفسهم، يغضبون للدماء والأموال والأوطان ..
стр. 371
والغيرة لدين الله خير لهم لو كانوا يعلمون. ولقد رأوا من سياق التاريخ غب ما يسلكون لم يزالوا يدعون إلى "التقارب" مع الروافض وهم لا يقدُرون خطرهم على الدين، حتى مكنوا لدولتهم في بلاد المسلمين، وما نالوا هم أدنى حظ مما كانوا يُمَنّون .. هداهم الله وأصلح بالهم.
ولما حرض الله عباده على قتال مجرمي أهل الكتاب ذكر لهم علة الإذن أن يقاتلوهم لأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون في أنفسهم ما حرم الله ورسوله ليعبدوا الله وحده لا شريك له ويطيعوا رسوله. قال سبحانه (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة ٢٩] فهذا الأمر وعلته، ثم حرض عباده بقوله (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله) حتى يغضبوا لله أن يقال فيه ما ليس بحق (ذلك قولهم بأفواههم يضاهؤون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون. يريدون أن يطفؤوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) كل هذا سياق واحد لعباد كان الله ورسول أحب إليهم مما سواهما. يقرؤون في الكتاب (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون) [يونس ١٧] فيجدون في صدورهم أن أعظم الإجرام في الأرض أن يفترى على الله سبحانه الكذب وأن يُرد أمرُه.
والخلوف حملهم الجهل بالأمر العتيق وتأويل ما لا يعلمون على الاستهانة بالبدع، ثم استحسانها، على خلاف هدي النبي ﷺ الذي كان يُبْغِضُها ويُبَغِّضها إلى قلوب أصحابه. فاسبعَد هؤلاء أن يكون شيء من "التعبد" ضلالة وحراما! حتى اختلج في صدورٍ نهيُ النبي ﷺ عن أعمال رأوها قرباتٍ حسنةً كقراءة القرآن في
стр. 372
الركوع والسجود، واتخاذ القبور مساجد ونحو ذلك. وتجدهم يغضبون لبعض المعاصي التي يغفرها الله إذا شاء، ولا يكادون يغضبون للشرك الذي تأذن الله أنه لا يغفره! وهذا من تشويه البدعة للفطرة، فمن ذا الذي يُسْلِمُ لها بعد هذا سمعه وقلبه؟!
فانظر كيف أنهم لما خالفوا الهدي الباطن خالفوا الهدي الظاهر! وصدق رسول الله ﷺ قوله: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب اه [خ ٥٢/ م ١٥٩٩] وقال أنس بن مالك ﵀: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشَعر إن كنا لنعدها على عهد النبي ﷺ من الموبقات. [خ ٦١٢٧].
ولكن القوم من جرأتهم على الله استحسنوا وأدخلوا في مراد الله ورسوله ما لم يعرفه النبي وأصحابه، ثم يزعمون أن لهم الحسنى وأنهم العُباد المجتهدون، وقد قال الله عن أهل الجنة (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم) [الطور ٢٧] فإنما أهل الجنة المشفقون، وحذف المتعلق يدل على العموم فكانوا يشفقون من كل محذور ومنه أن يَنسُب أحدهم إلى الله ورسوله ما لم يرده الله ورسوله، وإنما سبيل العصمة منه اتباع العمل العتيق.
فحذار من أن تدخل في جملة المفترين، إذا كنت ممن يستحسنون البدعة في الدين، عافاني الله وإياك. ولا يصدنك خطأ عالم قال بخلاف ذلك، فإنه عسى أن يغفر الله له، وإنما ابتليتم ..
فصل في بيان دلالة الفاتحة على جملة هذه الأصول
قال أبو خيثمة [العلم ٥٠] حدثنا وكيع عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا علمه في القرآن إلا أن علمنا يقصر عنه اه ورواه أبو عبيد [فضائل القرآن ٨٠] حدثني أبو نعيم عن الأعمش عن مسلم بن صُبيح أبي الضحى بمثله. [سند صحيح]
стр. 373
هذه السورة الجليلة اشتملت على أمور الدين جملة لأنها أم القرآن. وما سواها من السور والأحاديث تفصيل لذلك إن شاء الله. فدلت على أمهات الجوامع بالمطابقة والتضمن، ثم اندرج باقي الأمور بالالتزام. ومعلوم أن ما دل عليه اللفظ بالمطابقة والتضمن آكد مما دل عليه باللزوم. والسورة مكية، وقد عُلم أن السور المكية نزلت بالقواعد الأهم ثم جاءت المدنية مكملة لها (١).
فالصراط المستقيم دل على السنة بالمطابقة، وهو الطريق المسلوكة، فالصراط والسراط في اللغة هو الطريق المطروقة، وإذا أضيفت إلى قوم كانت طريقهم التي سلكوها ومروا بها. فما لم يكن من العمل في السنة فليس من صراط النبي ﷺ وأصحابه، وإنما صراطهم وطريقهم ما طرقته أقدامهم وكان من عملهم، كما عرفت في بيان معنى السنة.
والضالون هم النصارى وكل الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومنهم أهل البدع، فإن كل بدعة ضلالة، وما اليهودية والنصرانية إلا بدع في دين أنبيائهم. فلفظ (الضالين) عام في كل ضال من أهل القبلة ومن غيرهم لأن لام الاستغراق من صيغ العموم. وقد بين لنا النبي ﷺ أن هذه الأمة ستأخذ مأخذ القرون قبلها، فما كان في أهل الكتاب يكون في هذه الأمة، فالضالون المشركون والمبتدعة. واللفظ "الضالين" مطلق في كل ضلالة لأن اسم الفاعل مثل الفعل في الدلالة على الإطلاق. فأفادت الآية الحذر من البدعة بالتضمن، إذ تشتمل على التحذير من الشرك والبدعة. ويصح أن يقال: أنها دلالة بالمطابقة لأن الشرك بدعة، إذ البدعة إما مكفرة أو مفسقة. فأنت ترى أنها تدل على الحذر من جملة البدع بصريح المنطوق (المطابقة أو التضمن) لا بالالتزام وهو المنطوق غير الصريح.
وقوله (اهدنا) طلب للهدى، والهدى والهدي هو العمل. قال ابن فارس في المقاييس [هـ د ى] أنه بمعنى "التقدم للإرشاد .. هديته الطريق هداية أي تقدمته لأرشده، وكل متقدم لذلك هاد " الخ فالهدى شرعا ما تقدمَنا من عمل النبي ﷺ وأصحابه. فلا يكون العبد على هدى حتى يتبع العمل .. وهو وصية النبي " فعليكم
стр. 374
بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين " فأمر بسنتهم وشهد أنهم مهديون أي على هدي محمد ﷺ . وهذا معنى قول ابن مسعود: "فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول" أي العمل الأول .. فالهداية المطلوبة في الآية معرفة هدي المنعم عليهم والتوفيق إليه ومحبته .. فالمسؤول هو العمل الذي به اهتدى المنعم عليهم.
قال الطبراني [ك ١٠٤٥٤] حدثنا محمد بن الفضل السقطي ثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم الذي تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه و سلم اه إسناد جيد.
وأيضا قوله (اهدنا الصراط) مثل قول الخليل ﵊ (أرنا مناسكنا) لا نهتدي إلى وجوه العبادة حتى تبينها لنا. والصراط الذي هو عملُ النبي ﷺ سبيلٌ لا يُعلم بالنظر ولكن بالاتباع. فدل على ألا اجتهاد في معرفة وجوه التعبد. بخلاف الضالين الذين وُكلوا إلى أنفسهم إذ اختاروا فضلوا. فدلت على أن الدين توقيف. إذ لا يُهتدى إلى معرفة محاب الله إلا بدلالة منه سبحانه. ويدخل في الصراط بالتضمن الترك لأنه فعل، وهو من تمام الاتباع.
ودل قوله سبحانه (إياك نعبد) على الإخلاص، وقوله (اهدنا الصراط المستقيم) على الاتِّباع. وهذان الأصلان هما عنوان الفلاح في الآخرة، شهادة ألا إله إلا الله بتوحيده، وأن محمدا رسول الله باتباعه. وفساد المغضوب عليهم من الباطن إذ عرفوا الحق فاستنكفوا عنه .. وفساد الضالين من جهة العمل كما قال ابن مسعود: "وكم من مريد للخير لن يصيبه" .. فعلمنا ربنا أن نسأله صلاح القلب وصلاح العمل ..
ودل قوله (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) على اجتناب سبل اليهود والنصارى، ومن شأنهم استحسان البدع.
إذا تأملت السورة الكريمة عرفت أن معانيها جوامع محكمة أو كليات على لسان الأصوليين لا تقبل التخصيص ولا النسخ ولا التأويل .. فقد ذكر الله ﷻ أن له الحمد، وهذا شامل للدنيا والآخرة، والشريعة والقدر .. من غير تخصيص. وأنه رب العالمين جميعا من غير تخصيص. وأنه رحمن رحيم لكل الخلق لذلك أرسل الرسل وأمهل الكافر .. وأنه ملك يوم الدين لا يخرج من ملكه وحسابه شيء .. وأنه الإله
стр. 375
الذي ينبغي أن تصرف له كل عبادة في كل حين .. إذ قوله (نعبد) مطلق في كل عبادة ظاهرة أو باطنة لأنه فعل والفعل يفيد الإطلاق، وعام في كل وقت بحذف المتعلق وحذف المتعلق من مسالك العموم. كذلك (نستعين) في كل الأمور عند اتخاذ الأسباب أو عند تعذرها، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله في كل شيء وعلى كل حال .. وأمرنا سبحانه أن نسأله الهداية التامة المطلقة التي تشمل هداية التوفيق وهداية البيان. والصراط المستقيم اتباع النبي ﷺ في كل هديه فعله وتركه وقصده من غير استثناء شيء، إذ الاستثناء في الدعاء إعراض .. كذلك الأمر في الضلالة عموم يستغرق كل ما ليس من الصراط. فميزت الآية الطريق المسلوكة وهي العمل العتيق، وما سواه ضلالة مطلقا. فكل عمل لم يطرقه أحد منهم فهو من الضلالة من غير استثناء.
فبان لك أن هذه السورة محكمة العموم وأنها أم القرآن وقواعد كلية. فهي من أقوى الأدلة على ألا بدعة حسنة. ومعنى كونها جوامع - أو "كليات" - أنها ليست مما يتغير على حسب الزمان والأعراف .. وأنها أول ما ينبغي أن يدعى الناس إليه ويربى عليه، وبالله التوفيق.
فتأمل كيف فرض الله علينا ما ينفعنا، وكرره علينا لأهميته، تزدد محبة لربك، ويقينا بأن ذم البدع والتحذير منها من آكد الأمور وأصل من الأصول، وأن التحذير والحذر منها من اتباع الصراط المستقيم. وأن ذلك كله من تمام الحمد لله رب العالمين الذي هو الثناء عليه بصفات الكمال والجلال. فله الحمد أن بين لنا الصراط المستقيم، وحذرنا من طريق المغضوب عليهم والضالين، وأن لم يحوجنا إلى الابتداع والمغامرة بالنفس والدين. فالحمد في أول السورة كالقاعدة التي يرجع إليها كل ما بعدها في السورة والقرآن كله، فله الحمد على ربوبيته ومن ربوبيته أن ربى الخلق برسله الذين أنعم عليهم. وله الحمد على رحمته وملكه وشريعته وتيسيره وجزائه وهدايته وإضلاله .. فله في ذلك كله من الحكم الشريفة والمقاصد العظيمة ما ليس يعلمها إلا هو سبحانه. وهو العليم بما في الاتباع من المصالح وما في الابتداع من المفاسد. فاستحسان البدع مناف لحمد العبد لله رب العالمين، أو منتقص من اعتقاد كماله بحسبه. والله المستعان على القيام بشكره.
стр. 376
فصل في التمثيل للكمال الذي انتقصته البدع
لو تأملت حديث أبي فراس البليغ الذي قام فيه الناصح الأمين ﷺ بقوله: إياي والبدع! والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلَّف خير مما ابتدع. إن أملك الأعمال خواتمها، إنكم ترجعون إلى ما في قلوبكم، من شاق شق الله عليه، فدعوني ما ودعتكم فإنما هلكت الأمم باختلافهم على أنبيائهم. ثم علمهم جبريل ما الذي ينبغي أن يسألوا عنه، وأن تكلف البحث في ما لم يؤمروا من البدع.
فانظر كيف علمنا النبي ﷺ أن ما وَدَعَه لا ينبغي التفتيش عنه، فإن السنة والحكمة والحق ألا يشتغل به، وأن السكوت منه مقصود لا غفلة. فالدين قد كمل، ومن زاد بدعة فقد انتقص سنة خيرا مما أحدث، أبصر ذلك أو عشي عنه. وإنما الدين مثل الجدار المتماسك المرصوص، من أراد أن يزيد لبنة لا بد أن ينتقص لبنة. ولكن من أشرب البدع لم يجد طعم قوله: خير الهدي هدي محمد ﷺ .
وأنت لو تأملت تاريخ العلم والعمل وجدت ذلك حقا، وسأذكرك بأطراف تدلك على ما وراءها فتدبر:
كان النبي ﷺ يبين عن الله حدود ما أنزل في ثلاث وعشرين سنة بقوله وحاله وفعله وتركه وتقريره، وأقصد بالحال ما يصاحب الكلام من قرائن وإشارات بالوجه أو اليد .. تبين القصد، ومتى أهمِلت زاغ الفهم وضل عن معرفة المقصود. وكان ﷺ أبعد الخلق عن اللغو، فما بينه بالقول فالقصد والحكمة بيانه كذلك لا عبثا، وما بينه بالفعل والترك كذلك مقصود، وما وكله إلى الإقرار يدل على تأخر مرتبته ..
فكان له منهج في التعليم وتربية أصحابه، ورثها عنه الراسخون في العلم منهم كما في الحديث الصحيح "إن العلماء ورثة الأنبياء" [د ٣٦٤٣] ورثوا عنهم العلم بمنهجه، فكانوا يبينون للتابعين بالقول والحال والفعل والترك والتقرير كما تقدم. كذلك أهل البيان أبدا وهم العلماء (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب) [آل عمران ٧٩] فيربي العالِمُ الناسَ على نحو ما رُبي على مكث كما كان النبي ﷺ يعلم أصحابه، وهذا يكون بالصحبة، وهو أقرب إلى الحفظ وحسن الفهم، وأقوى على العمل،
стр. 377
وأحصن من تسور الذين يستعجلون. فإذا بقي العلم في صدر العالم ينزله على ما تعلم من الحكمة لم يثبت معه إلا من اصطفي ليكون في الناس أمة بعده، وينقشع دونهم من كان صاحب حاجة (١) ..
فلما فتح المصحف مع موت العلماء قرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير والمؤمن والمنافق كما أخبر معاذ، فظهر الاستعجال على حفظ القرآن (٢)، وتُركت سنة تعلمه على مكث عند أهله، فنشأ سوء الفهم وضرب أقوام كتاب الله بعضه ببعض .. وكان أول من سن ذلك الحرورية لما خرجوا على أهل العلم في التأويل، ثم خرجوا عليهم بالسيف.
ولما ظهرت كثرة التحديث وسرد الآثار جملة - وكان في العراق سنة جارية - نقص الفقهُ والعملُ والاقتداءُ بالأفعال وسنةُ البيان بها. واتفق أن ذهب الذين علموا فيم أنزلت الآيات والسنن، وصارت تروى الأحاديث منفكة عن سياقها الذي علمه الراسخون من أصحاب النبي ﷺ (٣)، فاضطرب الفهم، وظهر الرأي، ونقص اليقين، ونجم الاختلاف في الدين ..
стр. 378
ثم رأوا أنهم أعلم من أصحاب رسول الله ﷺ لما لم يروا أنهم على علم وقفوا! قال البخاري [رفع اليدين ٣٨] قال معمر: أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم! اه وقالوا: اجتمع لهم من العلم ما لم يكن مجموعا عند الأولين!!
و يا ليت شعري على ألسنة من بلغهم العلم (١)؟!
ولما ترجمت أسفار اليونان - باسم البدعة الحسنة - طم الوادي على القرى، ودخلت الفلسفة و"المنطق" في الدين كله، في الشريعة والمنهاج، ودخل "التأويل" التوحيد والأحكام، فعسر الدين وذهب من النفوس اليقين ورأى الناس أن أغلب الأدلة الشرعية ظنية لا تفيد القطع! وهم يقرؤون في الكتاب أنه شفاء لما في الصدور وفرقان وهدى ونور وتبيان لكل شيء (٢) ..
وخذ للعبرة مثلا في أصول الفقه:
قَسَّم الذين قرؤوا الوحي بطريقة اليونان الأدلة المحكمة إلى ظاهر ونص. وقالوا: الظاهر ما احتمل معنى ثانيا غير المتبادر، فاستصحبوا الاحتمال وقالوا في الدليل المعين: الظاهر منه كذا ويحتمل غيره! فأورثهم ضعف اليقين، وظنوا أن كلام الله ورسوله لا يوجب العلم فقالوا: أغلب الأدلة ظني الدلالة!! لإمكان الاحتمال
стр. 379
فحاروا في المحكم والمتشابه.
وغفلوا عن أن العرب لا تفرق بين النص والظاهر، فإن العربي إذا تكلم أفهم مراده بكلمة فصيحة تفصح عن مراده، بليغة تُبلغ المعنى إلى المخاطب وإلا كان عييا لا يكاد يبين، كما تقدم.
لكن كان من بيانهم البيان بقرائن الحال إشارة اليد والوجه ولحن الصوت .. يتمم المعنى ويوضحه بها، لذلك كانوا ربما سموها قولا، وهي إشارة دالة على معنى مثل القول (١)، وهي من السياق الذي غفل الناس عنه. وكانت من البيان المستحسن عندهم المستهجن غيره، هم كانوا أصحاب أرض يقل فيها الماء، ويكثرون السفر في التجارة والمغازي .. فكانوا إذا تكلموا كثيرا عطشوا كثيرا، والماء قليل، وللأرض أثر في النفوس والأخلاق، وكان يحتاج أحدهم أن يبين مقاصده بأوجز لفظ وأدله على المراد، فكانوا يتممون المعنى بإشاراتهم، جيلا بعد جيل حتى صارت لهم سليقة، ودخلت في البيان العربي.
بخلاف الروم كانوا أهل ترف وكثرة كلام، والقلم فيهم ظاهر، لا يحتاجون إلى بيان بالإشارة في ما يكتبون. فإذا رآها العربي وسمع الكلام قطع بالمعنى المراد وإن كان اللفظ منفردا "ظاهرا". وهذه منحة من الله خص بها أصحاب نبيه ﷺ ، لأن بعض ذلك يستحيل نقله، لكن حُفظ معناه المقصود في تصرفات الصحابة وفهمهم، لذلك أمرنا باتباعهم، فليس الشأن إذاً في أن فهمهم معصوم أم لا، ولكن في كون النبي ﷺ أفهمهم وبين لهم.
وهذا ما أشار إليه النبي ﷺ بقوله: " ليس الخبر كالمعاينة " .. لذلك كانت أعمال القلوب عند الصحابة والعلمُ واليقين لأجل المعاينة أعظم مما عند التابعين، وقد
стр. 380
مضى بعضه.
والنكتة فيها أن الروم لهم ولع بتفكيك الألفاظ، كل لفظ ما يفهم منه وحده في وضعه مفردا، لذلك قالوا بالمجاز، بخلاف العرب لا عهد لها بهذا التشقيق، ولكن كل لفظ في سياقه، لذلك تسمي الجملة التامة كلمة كما قال تعالى (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) [آل عمران ٦٤] وقوله سبحانه (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا) [الزخرف ٢٨] فكل هذا كلمة واحدة، لأن اللفظ لا يدل وحده حتى يكون في سياقه، ويدخل في السياق إشارات اليد والوجه (١) ..
ولما سلك الأصوليون مسلك اليونان ونظروا في اللفظ مفردا صار "ظاهرا" غير "نص" فشكوا وحاروا، كما حارت الفلاسفة من قبل، وإنما هم مبتدعة في دين أنبيائهم، وإنها السُّنن! ولئن سميناه ظاهرا فهو الذي لا خفاء به ولا لَبس فيه، فالله تعالى ظاهر سبحانه، لا تحتاج إلى دليل.
ولما أحدث القياس العقلي في اللغة صار يفهم "العموم" في القرآن والسنة على ما يعطيه العقل في ذوق اليونان لا ما جرى في استعمال العرب أهل البيان، فخاضوا في التخصيص بالعادة والعقل والحس .. حتى زعموا "بالاستقراء"! أن كل عموم مخصوص أو يحتمل أن يدخل عليه ما جوزوا من التخصيص (٢)، واختلفوا هل العموم بعد ثبوت تخصيصه مجاز في الباقي؟!
وهذا مثل لفظ الخنزير جعلوه شاملا في الآية لخنزير البحر (٣)، ثم اختلفوا في
стр. 381
تخصيصه ومخصصه!! والعرب لا تعرف خنزير الماء (١)، وليس تطلق اللفظ إلا على البري المعروف، فالعموم على لسانها محكم. وإنما طرأ هذا الفهم زمان المولدين أبناء سبايا الأمم، لما دخل في العلم من كان لهم عهد بأنواع حيتان البحر ويسمون بعضها في لغتهم بالخنزير والكلب للشبه (٢)، فلما دخلوا في العربية دخلوا بمعارفهم (ثقافتهم) فسموه خنزيرا على ما جرى في لسانهم .. ثم قالوا: الآية عامة في تحريم كل خنزير (ولحمُ الخنزير) [المائدة ٣]، وآية البحر عامة في كل صيد البحر وطعامه (أحل لكم صيد البحر وطعامه) [المائدة ٩٦] فرأوا العمومين متعارضين، وترددوا في التخصيص والترجيح (٣) .. وإنما هي العجمة كما قال عمر: هلاك العرب إذا بلغ أبناء بنات فارس اه
فصار ورثة فارس والروم إذا احتج أحدهم بالعموم فإنما يأخذه على إغماض لضعف دلالته عنده! وهو أكثر لسان العرب، وبه نزل القرآن وكان الحديث. فضعف اليقين في معاني كلام الله ورسوله! وهم يقرؤون أنه منزل بلسان عربي مبين، وأن النبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، وما علموا أن ما انتحلوا كان عند العرب عجمة وفهاهة .. فلما طلبوا الحكمة عند اليونان خالفوا الحكمة حكمة القرآن، وأُورثوا شكا واختلافا كثيرا!
فصاروا بذلك على سَنن أُمِّيِّي أهلِ الكتاب الذين لا يعلمون من الكتاب إلا تلاوة لحروفه وظنا، قال ربنا تعالى شأنه (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم
стр. 382
إلا يظنون) [البقرة ٧٨] ولئن كان علماؤهم شهد الله لهم أنهم (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) [البقرة ١٤٦] لما عاينوا النبي، وليس لهم سند متصل إلى نبي من أنبيائهم إلا البلاغات المظلمة والوجادات، فكيف لا يفيد العلمَ الأسانيدُ الصحيحة إلى علماء الصحابة وصريح البيان العربي وهو الدين المحفوظ!
وتالله لو خالفهم أحد إلى كلماتهم في كتب الأصول والكلام فحكَّم فيها طرائق نظرهم، لما استقام لهم فيها شيء، فكل كلمة لأحدهم في كتابه، يجري عليها ما أجروه في كلام الله ورسوله من الاحتمال. فأكثر ألفاظهم ومصطلحاتهم ظواهر، والنص عزيز .. وأكثر زُبُرهم برواية الآحاد لم تبلغ حد التواتر .. ويجوز أن يكون مصنِّفه تراجع عن بعض ما كتب فيها، ويكون له قول جديد ناسخ وقديم منسوخ .. أو يجوز أن يكون من روى كتاب الشيخ من أصحابه لم يقف على المتأخر من تعليقاته وشرحه لمصنَّفه في مجالسه .. أو أن من شرح كلامه من أصحابه بعده لم يصب الفهم عنه ففسر كلامه على غير قصده .. فلو طردت ما أدخلوه من الاحتمال على كلام الله ورسوله في كلامهم أنفسهم لم يستقم لهم شيء .. وما من مُصَنِّف إلا وقد فرغ من كتابه وهو يُرى أنه بين مقاصده بيانا لا يترك لذي شبهة يعرفها وليجة .. فكيف يجيزون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ ! أم أنهم يرون اليقين وحسن البيان في عباراتهم دون كلام الله ورسوله ﷺ ! اللهم غَفرا (١).
وقد كان من سنة النبي ﷺ في بيان صفات ربه للناس أن يذكر ما أوحي إليه بأفصح لفظ وأدله على المعنى، ثم يثبته بالإشارة دون خوض في التفاصيل، يمرها كما جاءت، ولا يجمعها في سياق واحد على طريقة القرآن في البيان ..
كما روى مسلم [٧٢٢٩] عن عبيد الله بن مِقسَم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ قال: يأخذ الله سمواته وأرضيه بيديه فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك. حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ﷺ ؟!
стр. 383
وروى أبو داود [٤٧٣٠] عن سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) إلى قوله تعالى (سميعا بصيرا) قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، قال أبو هريرة: رأيت رسول الله ﷺ يقرؤها ويضع إصبعيه اه [صحيح] وقال عبد الله بن عمر: ذكر الدجال عند النبي صلى الله عليه و سلم فقال: إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اه [خ ٦٩٧٢] ونظائره كثر. فهذا بيان نبوي بمنهاج عربي لمعاني صفات الرب تعالى (١).
فلما أحدث الخوض في صفات الله، ممن جهل طريقة النبي ﷺ في دلالة الخلق على الله، حتى زعموا أنه كان يفوض المعاني!! ترخص بعض أهل العلم بأخرة ليبينوا للناس منهاج الإثبات فجمع أحدهم ما انتهى إليه من الروايات الصحيحة في أبواب أوهمت من جاء بعد من الأصاغر بالتجسيم، وأشكلت على الغافلين، وأورثت نقصا في تعظيم رب العالمين، على غير قصد العلماء المصنفين، وقاتل الله الحرورية كانوا أول من شغب فيها.
والحكمة كلها في طريقة القرآن والسنة تفريق دلائل الصفات على حسب السياق عند ذكر الأمر أو النهي أو الوعد أو الوعيد لا جمعه .. (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)؟
ولما أحدث الناس ما سموه " الوحدة الموضوعية " في الخطب والكتب،
стр. 384
استحسنتها النفوس باسم البدعة الحسنة، ودكت حتى عابوا على من لم يلازمها، لاعتقادهم الكمال فيها! فاضطرهم ذلك إلى تمطيط الكلام في نكتة واحدة على سنة الروم الأعاجم! فخرجوا عن اللسان، وأزروا بما كان معهود خير الناس في البيان. ثم تكلف ناس تتبع الآيات ومناسباتها طلبا "للوحدة الموضوعية" في السور، يريدون دفع الشك عن كلام الله لماَّ اعتقدوا الكمال في ما أحدثوا، لكنهم في الريب أسقطوا جِبِلاًّ كثيرا!! كذلك لا تجد في بدعة إلا ظَلْعاً، وإن ظنها راكبها جيادا مسومة (١) ..
وهذه خطب النبي ﷺ وأصحابه (٢)، وقبلها أشعار العرب سنتهم الجارية فيها ألا يتقيدوا بنكتة واحدة يطيلون الكلام فيها، بل الفصاحة والبيان العربي التلفظ بما قل ودل، والاغتباط بجوامع الكلم. ولعمرُ الله إن التمام والحكمة والبركة في كلام الله الذي نزل بلسان عربي مبين صالح للناس إلى يوم الدين.
ولو قلنا إنا لا يسعنا مع الناس لتبلد أذهاننا وعجمة ألسنتنا إلا توحيد الموضوع والحشو في كلامنا لكان أعذر لنا من أن ننكر السنة واللسان!!
стр. 385
وايم الله لا يَسلم للعبد من شوب الشك دينُه، ولا تثبت في العلم قدمه حتى ينشرح صدره على بصر أن ما كان عليه النبي ﷺ وصحبه هو الدين والحكمة والكمال، وأن ما يحدث بعد فأحسن أحواله أن يعتذر له.
لكن ترى كثيرا من الخلق يرون التأليف ونحوه من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) التي إنما يستنقذ بها المسلمون ضعفهم أنها الكمال والمقصود أصالة، فيعتذرون: لماذا لم تكن على عهد النبي والخلفاء؟ لِمَ لم يقرر أصولا للفقه وقواعد .. على نحو ما "أتقنه" المتأخرون! ولِمَ لم تكن محررة! فينطوي على ريب في صدره، وشبهات في قلبه! لو حققها لكان بها منافقا ..
فانظر إلى سلامة ما كان عليه السابقون الأولون في الظاهر والباطن، وما حوته البدع من سموم! لترى عين اليقين أن خير الهدى هدى النبي ﷺ ، وأن البدع ضلالة وجهالة، وأنه ما حدثت بدعة إلا رفعت سنة خير منها ..
ويا ليت شعري ماذا جاء النبي ﷺ مبينا؟! أما التوحيد فاجتهدوا في التأويل! وأما الفقه فقاسوا واجتهدوا مع الدليل! وأما القربات فاستحسنوا وظنوا العمل الأول لا يشفي الغليل! فأي شيء بعث له الذي جاء بالبلاغ المبين؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. لكنا نشهد لله أن رسوله قد بلغ ووفى. فمن طلب الاتباع فقد علم أن ما بيَّنه فالحكمة بيانه، وما أجمله فالحكمة إجماله، وما سكت عنه فالحكمة السكوت عنه، وما فعله فالحكمة فعله، وما تركه فالحكمة تركه، وما أظهره فالحكمة إظهاره، وما أخفاه فالحكمة إخفاؤه .. فمن خالف في شيء من ذلك، فقد انتقص من السنة الحكمة بحسب ذلك.
ولما نشأت الوعيدية - وأولهم الحرورية - الذين يكفرون بالكبيرة اضطر الناس إلى تفصيل ما أجمله النبي ﷺ ، فنقصت عند ناسٍ سنةُ الإجمال وفائدته. فمن نصوص الوعيد ما أطلق النبي ﷺ لفظه على التغليظ، لتكون أبلغ في الزجر وأبعد عن المنكر (١)،
стр. 386
كقوله للمسلمين: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض اه [خ ١٢١/ م ٢٣٢]. فهذا الإطلاق له فائدته، لا تتم لمن جعل يفصله في مقام العِظَة (١). فمن فعل خالف السنة، وما خَلَّفه خير مما حصله كما قال النبي ﷺ في حديث أبي فراس.
وكثير من أقضية النوازل (المصالح المرسلة) سببها تفريط الناس في دينهم كما قيل: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، مثل تضمين الصناع وإيقاع اللفظ بطلاق الثلاث، فإن تلك الأقضية ليست سنة دائمة وعزيمة مطردة، ولكنها من جنس الرخص العارضة والتصرف الموقوت للحاجة .. إذا لم تنزل منزلتها كانت بدعة، ولا ينبغي إجراؤها في كل قرن مع كل نفس كالعزائم المحكمة إذ ليست مقصودة لذاتها (٢).
стр. 387
وقد كان من سنة العلم عند الصحابة قول لا أدري، حتى قال ابن مسعود: فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم اه [خ ٤٤٩٦] فالعلم هو الذي ينبهك إلى مواطن التوقف، ويعلمك بقدرك أنك لا تدري، ويسهل عليك قولها، ومن فعل ذلك تعلم ما لم يعلم.
وروى الفسوي [الفقيه والمتفقه ١١٠٦] نا إبراهيم بن المنذر نا عمر بن عصام نا مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: العلم ثلاثة كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري (١) اه لذلك كان من علم الراسخين أن قالوا في ما لا يعلمون تأويله (آمنا به).
وقال الفسوي [المعرفة ١/ ٣٦٧] حدثنا زيد بن بشر أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أنس أنه سمع عبد الله بن يزيد بن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري، حتى يكون ذلك أصلاً في أيديهم يفزعون إليه إذا سئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري اه
فهذه سنة وهي نصف العلم، كما روى الدارمي [١٨٠] حدثنا يحيى بن حماد ثنا أبو عوانة عن مغيرة عن الشعبي قال: لا أدري نصف العلم اه
فلما استشرى الرأي واستُعذِب ضاعت هذه السنة حتى أُنكِرت! قال المروزي [تعظيم قدر الصلاة ٤٤١] قال إسحاق قال يحيى بن آدم ذكر لأبي حنيفة قول من قال: "لا أدري نصف العلم" قال: فليقل مرتين: لا أدري حتى يستكمل العلم! قال يحيى: وتفسير قوله لا أدري نصف العلم أن العلم إنما هو أدري ولا أدري، فأحدهما نصف الآخر اه
وقد كان العلم عند الأولين الأثر دون الرأي كما في حديث عبد الله بن عمرو: إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه انتزاعا ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يُستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون اه [خ ٦٨٧٧]. فجعل الرأي مقابلا للعلم.
ومن كان متكلما في كل شيء برأيه وبقواعد الرأي متى يقول: لا أدري؟!
فلما ظهر الرأي ضاعت هذه السنة، فظهرت مخالفة السنن، ونقص الاتباع، وكثر
стр. 388
الاختلاف! ولو سكت مَنْ لا يدري لقل الخلاف!
وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٠٨] من حديث أحمد بن حنبل نا محمد بن إدريس الشافعي نا مالك بن أنس قال: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله اه
ولما حدثت بدعة "المنطق" و"الكلام" تسللت إلى بعض أهل الإسلام باسم البدعة الحسنة، والفتنة إذا شبت أشكلت، حتى لُقبت "علما" وتنكر ناس للعلم لما فرحوا بها! حتى زعموا أنه لا يوثق بعلم من لم يحط بها خُبرا! وقد كان العلماء قبل يحذَرونها على علم بسمومها، ويحذرون منها أصحابهم ويدعونها جهلا. قال ابن عبد البر [الجامع ٢/ ١٩٤]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم (١) اه
فلم يزل الأمر إلى سفل حتى التُمس العلم عند الأصاغر، فانقلب العلم جهلا والجهل علما (٢)، ورأوا أن المتأخر أتقن لفنون العلم من الأول!! وقد مضى بعض ما فيها.
стр. 389
وقد كان من منهاج السابقين الأولين في التعلم تلقي الإيمان قبل العلم، كما قال البيهقي [٥٠٧٣] أخبرنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني بها ثنا أبو سهل بشر بن أحمد بن بشر أنبأ أبو محمد الحسن بن علي القطان ثنا عبيد بن جناد الحلبي ثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن عوف قال سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وآمرها وزاجرها وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآن. ثم لقد رأيت اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل اه [ك ١٠١]
وفي الصحيحين عن حذيفة قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم علموا من القرآن ثم علموا من السنة وحدثنا عن رفعها. فذكر الحديث [خ ٦١٣٢] وله نظائر كثر، وهو في القرآن كثير كقول الله تعالى (هدى للمتقين) [البقرة ١] وقوله سبحانه (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين) [يونس ٥٧] فبين أنه هدى للمؤمنين خاصة، وقال تعالى (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين) [يوسف ٢٢] فمن جاء محسنا رزق حسن الفهم بخلاف المنافقين فإنهم لما حرموا الإيمان حرموا الفقه (فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) [المنافقون ٣]
فرُبي الصحابة على هذا المنهاج، يستقبل القرآن والسنة قلوب زكية تفهم إذا خوطبت، وتجد للوم والعتاب وقعه. فلما ترك هذا المنهج نُسيت كثير من الصيغ الدالة على الأحكام، مثل (فهل أنتم منتهون) [المائدة ٩١] ونحوها، رآها بعض الناس غير صريحة في التحريم! وهي أوقع في القلوب من لفظ حرمت ونحوها ..
ومن ذلك أسماء الله الحسنى دالة على الأحكام، وهي تذكر في سياقها مثل قول الله تعالى في آية الحرابة (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) [المائدة ٣٤]، ومنه ما روى أحمد [١٢٦١٣] ثنا سريج ويونس بن محمد قالا ثنا حماد بن سلمة عن قتادة وثابت البناني عن أنس بن مالك قال: غلا السعر على
стр. 390
عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لو سعرت فقال: إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال اه [صحيح]
وفي صحيح مسلم [٢٧٥] عن النبي ﷺ قال: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة! قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس اه
فكان النبي ﷺ ربما بين الحكم بذكر أسماء الله الحسنى، فهي من جوامع الكلم، بل هي أصلها وزينتها، وذكرها في السياق يدل على تعلق الحكم بها.
وروى عبد الرزاق [٩٨٠٠] أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر يستحب أن ينصرف على طوافه على وتر ويقول: إن الله وتر يحب الوتر اه [صحيح] فبين أن هذه السنة لها تعلق بصفة من صفات الله وأن الحديث فيها من جوامع الكلم والقواعد المحكمة.
فلما فُصل الإيمان عن العلم والأصول ونسي كثير حظا مما ذكروا به، لم تكد تجد أسماء الله الحسنى مسالك لمعرفة الأحكام في الأصول .. ولم ير كثير من المتأخرين تعلقا لحكم في الفقه بها!! وإنما هو التفريط في منهاج النبوة وترك للسنة في أول الأمر! وغفلة عن السياق.
ومن ذلك أن "المناسبة" في الأصول ما تضمنت مصلحة معتبرة في الشرع، والمصلحة إما دنيوية أو مصلحة في الآخرة. فترى كثيرا من الناس لا يكاد يراعي في المعنى المناسب إلا المصلحة الدنيوية كالإسكار والغرر دون مصلحة الآخرة كالغفلة عن ذكر الله.
وقد روى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد [٢١٣] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا حفص عن عبيد الله عن القاسم قال: كل شيء ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو مَيسر اه [صحيح] فعلل بالحكمة المذكورة في آية المائدة وهي مفسدة قلب، وقد تقدم كلام ابن رشد في المزهر.
ولم ير كثير من الناس أن ما ذكر الله من المعاني في الآية علل للتحريم .. ورآها