كتاب
أمالي بن الحاجب
لأبي عمرو عثمان بن الحاجب
دراسة وتحقيق
الدكتور فخر صالح سليمان قدارة
دار الجيل ... دار عمار
بيروت ... عَمّان
стр. 2
كتاب
أمالي ابن الحاجب
لأبي عمرو عثمان بن الحاجب
(٥٧٠ - ٦٤٦هـ)
دراسة وتحقيق
الدكتور فخر صالح سليمان قداره
الأستاذ المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
فرع القصيم
الجزء الأول
Printed in Lebanaon
دار عمار ... دار الجيل
عمّان - الأردن ... بيروت - لبنان
стр. 3
جميع الحقوق محفوظة
١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩م.
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد: فإن صعوبة الدراسات اللغوية وما تتطلبه من عناء وتعب وصبر جعلت الطلاب والباحثين يتجهون إلى دراسات أقل صعوبة منها. ولكن رغبتي في دراسة النحو جعلتني أفضلها على غيرها من الدراسات.
ولقد يسر الله لي اجتياز التجربة الأولى في هذه الدراسات عندما حصلت على درجة (الماجستير) في النحو من كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر. وكان عنوان البحث (التوكيد في القرآن الكريم). ولقد رأيت لزاماً عليَّ السير في طريق التحصيل العلمي لعلي أستفيد وأفيد. عند ذلك بدأت أفكر في اختيار موضوع البحث للحصول على درجة العالمية (الدكتوراه). وبعد تفكير دقيق وبحث متواصل رأيت من المفيد إحياء نص قديم. فعزمت على اختيار إحدى المخطوطات للقيام بتحقيقها. ولا شك أن إخراج كتاب من ظلمات جدران المكتبات ووضعه بين أيدي الطلاب والباحثين يعد عملاً عظيماً ونافعاً. كما أنه لا سبيل إلى التجديد في الدراسات النحوية والصرفية إلا باطلاع على آثار القدماء ودراستها دراسة واعية، وذلك من أجل الوقوف على الأصول التي أقاموا عليها عملهم العلمي وبنوا عليها مناهجهم التي ساروا عليها في دراسة المسائل النحوية والصرفية واللغوية.
стр. 5
وبعد بحث طويل هداني الله إلى مخطوطة لعالم مشهور عاش خلال القرنين السادس والسابع الهجريين متنقلاً بين مصر والشام هو الإمام أبو عمرو عثمان بن الحاجب، وهذه المخطوطة هي كتابه: (الأمالي).
إن مصر والشام شهدا خلال هذين القرنين نشاطاً ثقافياً واسعاً نظراً لهجرة العلماء من الشرق والغرب إليهما. وابن الحاجب عاش في هذا الجو الثقافي واكتسب من العقول المهاجرة والمستقرة علوماً مختلفة جعلت منه قارئاً وأصولياً ونحويا. وقد طبقت شهرته الأفاق بما ألفه من كتب عظيمة في علوم شتى كالكافية والشافية والأمالي، ومختصر الفروع، وغيرها.
وكتاب الأمالي الذي اخترته موضوعاً للتحقيق هو مجلد ضخم. ذكره وأطراه بالمدح كلٌّ من ترجم لابن الحاجب. ولقد تجلت في هذا الكتاب براعة ابن الحاجب في النحو والفقه والقراءات والأصول. ومما يدل على أهميته وقيمته أن كثيراً من العلماء قد اطلعوا عليه وأفادوا منه، ومن هؤلاء السيوطي والبغدادي وابن هشام وغيرهم.
وقبل أن أقرر نهائياً تسجيل هذا الموضوع للقيام بتحقيقه ذهبت إلى مكتبة دار الكتب المصرية، حيث توجد نسخة قيمة من هذا الكتاب. وبعد أن اطلعت عليها زادت رغبتي في في تحقيقه، حيث وجدته سفراً عظيماً يحتوي على مسائل نافعة وفوائد جمة.
وبعون الله وتوفيقه فقد ذللت جميع الصعوبات التي واجهتني في التحقيق، ومنها حجم المخطوطة الكبير، وكثرة النسخ وتفرقها في مكتبات العالم.
ولقد أعطيت الموضوع كل ما في وسعي، وبذلت قصارى جهدي، كي يأتي البحث محققاً للهدف المطلوب.
стр. 6
وقسمت الموضوع إلى قسمين: الدراسة والتحقيق. أما القسم الأول وهو الدراسة فقد جعلته ثلاثة فصول، خصصت الأول منها للحديث عن صاحب الكتاب، تحدثت فيه عن عصره، نسبه ونشأته، أخلاقه وشخصيته، عقيدته وثقافته، مذهبه النحوي، شعره، شيوخه، تلاميذه، آثاره. وجعلت الفصل الثاني للحديث عن كتاب (الأمالي)، صدَّرته بتمهيد، تكلمت بعده عن نسبة الكتاب وعنوانه، زمن تأليفه ومكانه، مصادره، أسلوبه، أقسامه، أهميته وقيمته، وصف النسخ. أما الفصل الثالث فقد خصصته للحديث عن ابن الحاجب في كتابه الأمالي، تحدثت فيه عن أهم القضايا النحوية التي اشتمل عليها هذا الكتاب، وموقف ابن الحاجب من النحاة، وموقفه من الشواهد، والآراء التي خالف فيها جمهور النحاة، ومآخذ عليه في كتابه الأمالي. وأنهيت الدراسة بالمنهج الذي سرت عليه في التحقيق.
وأما القسم الثاني من البحث فقد اشتمل على تحقيق الكتاب وخراجه بصورة واضحة صحيحة. وقد حاولت جهدي المحافظة على صورة النص كما وضعها المؤلف ولم أتدخل فيه إلا بتصحيح خطأ نحوي أو إملائي، أو زيادة كلمة مني أو من النسخ الأخرى بعد التأكد أنها ساقطة من الأصل، والإشارة إليها في الهامش بعد حصرها بين قوسين معقوفين. وأنهيت هذا القسم بخاتمة تحدثت فيها عن أهم النتائج التي توصلت إليها وفهارس فنية للآيات والأحاديث والأشعار والأمثال والأعلام والمصادر والموضوعات.
وبعد: فإني أحمد الله الذي أمدني بالعون والصبر، وأسأله أن يغفر لي أخطائي وأن يوفقني إلى ما يحبه ويرضاه إنه نعم المولى ونعم النصير.
المحقق
فخر صالح سليمان قداره
عصره
ولد عثمان بن عمر بن أبي بكر المعروف بابن الحاجب في العام الذي أحكم فيه صلاح الدين الأيوبي سيطرته على الديار المصري بعد قضائه على الفتن التي أشعلها جماعة من السودان والأعراب في مدينتي أسوان وطود بزعامة رجل يدعى الكنز (١).
وقد توجه صلاح الدين بعد ذلك إلى دمشق فانتزعها من أيدي الزنكيين. وبعدها صار سيد الموقف في مصر والشام. ولذا فإن عام (٥٧٠ هـ) الذي ولد فيه ابن الحاجب يعدّ عام إقامة دولة الأيوبيين. وقد استطاع صلاح الدين الأيوبي أن يقهر الصليبيين في عدة مواقع وأن يحرر أجزاء كثيرة من فلسطين كانت خاضعة لهم. وقد استمرت الحرب بينه وبينهم حتى وفاته سنة (٥٨٩ هـ). وبعد وفاته اضطربت الأمور إذ تنازع أبناؤه الأقاليم واختلفوا فيما بينهم، فكان صراعهم هذا نكبة على البلاد حيث انتشرت الأوبئة والمجاعات (٢).
وبالرغم من ذلك فإننا نجد أن الحكام كانوا يكثرون من إنشاء المدارس
стр. 10
التي تدرس فيها مختلف علوم الدين والعربية، لكن المذهبية كانت الطابع المميز لهذه المدارس.
كذلك نجد العناية الواسعة بالقرآن الكريم. وكان كثير من القراء لا يكتفي بتلقي القرآن عن شيخه ثم إقرائه تلاميذه، وإنما كان يضيف إليه مواد أخرى كان أكثرها في الفقه والنحون أو يتجه بها اتجاهاً أدبياً (١). وربما تعددت جوانب ثقافة القارئ في فروع العلوم المختلفة. ولهذا كان في مصر والشام علماء مشهورون في النحو واللغة والقراءات والتفسير والحديث والأدب والبلاغة، ولكن نرى الناس قد شغلوا بالقراءات زمناً طويلاً لصلتها القوية بالقرآن الكريم، وكانت هذه القراءات مفتاح الدرس النحوي في العصر الأيوبي في مصر والشام.
وعلماء النحو في مصر والشام في تلك الفترة لم تكن لهم مذاهب جديدة في النحو، إنما انكبوا على دراسة آراء المتقدمين وإحياء تراثهم وترجيح بعض الآراء. لذا فإننا نرى أن الدراسات النحوية في مصر والشام كان يغشاها الأسلوب التعليمي في الدرس النحوي، الأسلوب الذي كان من مظاهره أن أقدم النحاة على وضع المتون المختصرة والمنظومات ثم شرحها والتعليق عليها. وقد ظهرت عناية النحويين بوجه خاص بكتاب المفصل للزمخشري فشرحه ابن يعيش والسخاوي وابن الحاجب وغيرهم.
وكانت اتجاهات النحو في مصر والشام تتجه إلى وجهتين (٢):
стр. 11
الأولى:
وجهة متأثرة بالنحو البصري بمقاييسه وأصوله وعلله وفروعه، وهذه يمثلها ابن الحاجب وأبو حيان الأندلسي.
الثانية:
وجهة لا تنكر النحو البصري، ولا تنكر النحو الكوفي لكنها مع ذلك لا تنكر نفسها ولا تنكر أن لها رأياً في هذه المشكلات، ويمثل هذه الوجهة ابن مالك وابن هشام.
إلى جانب هذا فإن المنطقة شهدت حركة من التأليف والنشر لم تكن في أية منطقة أخرى من العالم الإسلامي. وقد شملت هذه الحركة مختلفة العلوم كالهندسة والطب والجغرافية والفقه والتفسير والنحو والأصول، وألفت فيها مؤلفات قيمة أفادت المكتبة العربية (١).
في هذه البيئة العلمية الواسعة المملوءة بمختلف العلوم نشأ ابن الحاجب وأخذ مختلف العلوم من علمائها مثل النحو والفقه والأصول والقراءات والمنطق. وألف كتباً كثيرة نالت إعجاب المتأخرين وعكفوا عليها بالشرح والدراسة، وتخرج عليه طلاب أصبحوا بعد ذلك من العلماء المبرزين.
نسبه ونشأته
هو عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الدّويني (٢) أبو عمرو جمال
стр. 12
الدين بن الحاجب (١). كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي، ومن هنا جاءت كنيته. وهو كردي الأصل.
ولد بإسنا من صعيد مصر أواخر عام (٥٧٠ هـ) ن ثم انتقل به أبوه إلى القاهرة وهو لا يزال صغيراً، وفيها حفظ القرآن ودرس العلوم المتصلة به. فقرأ القراءات على الغزنوي والشاطئ وسمع الحديث من البوصيري وغيره، وأخذ الفقه عن أبي منصور الأبياري وسواه.
ودخل دمشق فسمع من القاسم بن عساكر، ولازم الاشتغال حتى ضرب
стр. 13
به المثل. وقد برع فيما درسه وأتقنه غاية الإتقان ولاسيما الأصول والعربية. وكان الأغلب عليه علم العربية فإنه برز في النحو حتى صار من كبار رجاله.
وتكرر دخول ابن الحاجب دمشق للاستفادة حيناً وللتدريس بها أحياناً. وآخر ما دخلها سنة (٦١٧ هـ)، إذ أقم بها مدرساً لجمهور من الدارسين في علمي القراءات والعربية، وقد انتفع به كثير من الناس.
ثم إن ابن الحاجب دافع عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام في إنكاره على الصالح إسماعيل صاحب دمشق سوء سيرته وتقاعسه ن قتال الصليبيين وصلحه معهم، فأمرهما بأن يخرجا من دمشق، فخرجا سنة (٦٣٨ هـ) وعادا معاً إلى مصر. وهناك تصدر بالمدرسة الفاضلية وجلس في موضع شيخه الشاطئ، وقصده الطلبة وأكبوا على الأخذ عنه.
ثم غادر القاهرة قاصداً الإسكندرية للإقامة فيها، إلا أن مدته هناك لم تطل حيث توفي يوم الخميس السادس والعشرين من شوال سنة (٦٤٦ هـ) ودفن في خارج الإسكندرية في المقبرة التي بين المنارة والبلد.
وقد رثاه ابن المنّير بهذه الأبيات:
ألا أيها المختال في مطرف العمر ... هلم إلى قبر الإمام أبي عمرو
ترى العلم والآداب والفضل والتقى ... ونيل المنى والعز غيبن في قبر
فتدعو له الرحمن دعوة رحمة ... يكافأ بها في مثل منزلة القفر
...
стр. 14
أخلاقه وشخصيته
كانت أخلاق ابن الحاجب نسيجا فذا بين أخلاق العلماء. وقد انتزعت هذه الأخلاق ثناء الناس حتى أولئك الذين كانوا يخالفونه في الرأي. فقد كان الرجل ثقة حجة متواضعا عفيفا، كثير الحياء، منصفا , محبا للعلم وأهله، محتملا للأذى صبورا على البلوى (١). وكان صدوقا مخلصا. وقصة وقوف صاحب دمشق الصالح إسماعيل تأييدا لصديقه العز بن عبد السلام ودخوله السجن معه مما يثير الإعجاب.
ولقد استكمل ابن الحاجب مقومات الشخصية العلمية بما اشتملت نفسه من العزم والتواضع، وما أدركه عقله من مختلف صنوف المعرفة العلم وما استقام به لسانه من الفصاحة والبلاغة، كل ذلك جعل منه عظيماً. جاء في الديباج المذهب (٢): "وقد بالغ الشيخ تقي الدين بن العيد وهو أحد أثمة الشافية في مدح كتابه (جامع الأمهات) ثم قال: الدين كان وحيد عصره علماً وفضلاً وإطلاعاً".
وتتضح شخصية ابن الحاجب فيما نقله ابن خلكان عنه حيث قال (٣): "وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات وإلزامات تبعد الإجابة وكان من أحسن خلق الله ذهناً. وجاءني مراراً بسبب أداء شهادات وسألته عن مواضع في العربية مشكلة فأجاب أبلغ إجابة بسكون كثير وتثبت تام".
عقيدته وثقافته
كان ابن الحاجب من أبرز فقهاء مصر والشام في العصر الأيوبي
стр. 15
على مذهب الإمام مالك، وتعمق فيه وفهمه واستوعبه حتى نبغ وبلغ فيه مبلغاً عظيماً، وصار رأساً عند المالكية، بل شيخ المالكية في عصره (١)، وصنف في مذهبه تصانيف جليلة لا تزال تعد من أمهات المراجع الفقهية المعتمدة وخصوصاً كتابه (جامع الأمهات).
وقد ألف كتابين في الأصول حازا شهرة كبيرة وهما: منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصره الذي كان موضع عناية الدارسين من طلاب الفقه، قال ابن كثير (٢): "مختصره في الفقه من أحسن المختصرات، انتظم فيه فوائد ابن شاش، ومختصره في الأصول استوعب فيه عامة فوائد الأحكام لسيف الدين الأمدي".
وكان ابن الحاجب معنياً بالقراءات عناية خاصة تلقاها عن شيوخ القراء في عصره كالشاطبي وأبي الجود اللخمي والغزنوي وغيرهم.
وكانت هذه الدراسات العلمية في الفقه والقراءات مقدمة للدراسات العربية في النحو والصرف. وقد وصل في ذلك إلى مرتبة عالية بما وضعه من مصنفات مختلفة في علم العربية ولاسيما مقدمتاه: الكافية والشافية، وأماليه. وقد أثنى ابن الجزري على تصانيفه فقال (٣): "ومؤلفاته تنبئ عن فضله كمختصري الأصول والفقه، ومقدمتي النحو والتصريف ولاسيما أماليه التي يظهر فيها ما أتاه الله من عظم الذهن وحسن التصور. إلا أنه أعضل فيما ذكره في مختصر الأصول حين تعرض للقراءات وأتى بما لم يتقدم فيه غيره". وقال النعيمي (٤): " واشتغل بالعلم فقرأ القراءات وحرر النحو تحريرا بليغا، وتفقه
стр. 16
وساد أهل عصره، وكان رأسا في علوم كثيرة منها: الأصول والفروع والنحو والتصريف والعروض والتفسير وغير ذلك"
مذهبه النحوي
إن الناظر في مصنفات ابن الحجب يقف على ثقافة واسعة منوعة، وعقلية ناضجة, وفكر عميق. ولكن غلب عليه العم العربية , وصنف في ذلك عددا من الكتب القيمة التي تدل على سعة الاطلاع وعمق التحليل.
وهو يبدو متأثرا بمذهب البصريين إلى حد كبير. فهو في الغالب يتبنى آراءهم, ويسوق حججهم , ويأخذ بادلتهم دون تعصب, وقد قام بشرح عدد من مصنفاتهم. ومما يدل على اتجاهه نحو هذا المذهب تأثره بسيبويه وأبي علي الفارسي والزمخشري.
فسيبويه إمام نحاة البصرة, وقد عد كتابه أول كتاب نحوي رسم صورة المنهاج البصري في دراسة العربية. وقد ظهرت عناية ابن الحاجب بكتاب سيبويه في مصنفاته المختلفة، فقد كان كثير النقل عنه. هذا إلى ترجيحه لكثير من آرائه، ووقوفه منه موقف المؤيد الذي يتابعه في كثير من أقواله وتعليلاته. ويقال: إنه شرح كتابه. ومن هنا فإن ابن الحاجب كان على صلة قوية بأثر بصري ضخم، وإن هذه الصلة دليل ميله البصري.
... وأبو علي الفارسي يغلب عليه المذهب البصري (١). وأية مراجعة لكتبه تدل على التمسك الظاهر بالمذهب البصري، والذي ينظر في كتب ابن الحب فإنه يجد فيها الكثير من آراء الفارسي. ويقال: إنه شرح كتابه (الإيضاح) في كتاب سماه (المكتفي للمبتدي).
стр. 17
أما الزمخشري فهو في جمهرة آرائه يتفق ونحاة البصرة (١). يدل على ذلك (مفصله) الذي كان متأثرا فيه بكتاب سيبويه. تشهد بذلك عباراته وأمثلته، فهو كان يقول بآراء البصريين، وستعمل مصطلحاتهم. وقد تأثر ابن الحاجب به، وأورد كثيرا من آرائه، وجعل قسما من أماليه لمواضع من (المفصل). ويدل على اهتمام ابن الحجب بالزمخشري وتأثره به أنه قام بشرح كتابه (المفصل) في كتاب سماه (الإيضاح في شرح المفصل).
فهذه الأمثلة وغيرها تظهر لنا أن ابن الحجب كان يميل إلى المذهب البصري وهذا واضح في أماليه؛ فهو يحكم بأن مجيء كلمة (ذلك) بمعنى (الذي) في قوله تعالى: (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ذلك هو الضلال البعيد) (٢) رأي ليس بالقوي، لأن اسم الإشارة لا يقع عند البصريين بمعنى الذي (٣). فالرأي ضعيف عنده لعجم وروده عند البصريين، مما يدل على ميله لمذهبهم. ويقف بجانبهم في أن المصدر أصل الاشتقاق (٤)، وأيدهم في أن (لات) بمعنى ليس، وليست نافية للجنس (٥). وغير هذه الأمثلة كثير. ويستطيع المطلع أن يقرر عن يقين ووضوح هذا الميل إلى جانب البصريين. وفوق هذا كله فابن الحاجب نفسه كان يصرح ببصريته بحيث لا يشك باحث منصف بأنه كان يذهب مذهبهم ويقف إلى جانبهم، قال في الإملاء (٧٧) من الأمالي على المفصل، على قول الزمخشري: "وما نقله الكوفيون من قولهم: الثلاثة الأثواب فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء". قال: "أما القياس فلما ذكرناه وأما استعمال الفصحاء فنحو ما أنشده وما تمسك به
стр. 18
الكوفيون لغة ضعيفة، فلا تقوى لمعارضة ما ذكره البصريون من القياس واستعمال الفصحاء ". فهو قد ضعف المذهب الكوفي في هذه المسألة وهذا دليل واضح لميله إلى المذهب البصري.
وهناك دليل آخر لميله للمذهب البصري أن كثيرا من مصطلحاته مصطلحات بصرية. كاستعمال النعت بذلا من الصفة، وفعل ما لم يسم فاعله بدلا من الفعل المبني للمجهول.
ومع هذا فإننا نجد ابن الحاجب يخالف البصريين إذا لم يقتنع برأيهم ويستخدم في مناقشته لهم الأدله العقلية المنطقية، غير متأثر بشهرة عالم أو منزلته. فهو بذلك يسير على المنهج العلمي الصحيح. فسيبويه مع علو منزلته لم يسلم من مخالفة ابن الحاجب لآرائه. فقد خالفه في الضمير الواقع بعد لولا وعسى حيث إن سيبويه قال: الضمير بعد لولا في محل جر، والضمير بعد عسى في محل نصب. وقال الأخفش: الضمير في البابين في محل رفع. وقال ابن الحجب: فثبت لذلك أن مذهب الأخفش في ذلك أظهر (١). وأحيانا نراه يسوي بين البصريين والكوفيين من غير ترجيح كما فعل في الإملاء (٨٥) من الأمالي القرآنية على قوله تعالى: (لا جرم أن لهم النار) (٢) فإنه ذكر قول البصريين في (لا جرم) وذكر قول الكوفيين، ولم يرجح أحدهما. وربما أجاز مسألة على مذهب الكوفيين دون أن يكون فيها مخالفة للبصريين، كما فعل في الإملاء (٣٧) من الأمالي القرآنية على قوله تعالى: (لابثين فيها أحقابا) (٣) قال: ويجوز أن يكون خبرا بعد خبر لكان على مذهب الكوفيين.
стр. 19
إلى جانب ذلك فإننا نرى ابن الحاجب قد جاء بآراء خالف فيها جمهور النحاة وسأتحدث عنها إن شاء الله في الفصل الثالث.
شعره
لم يكن ابن الحاجب شاعرا، وما صدر عنه لا يعدو أبياتا قليلة تفتقر إلى المقومات الشعرية، وهي بذلك تصدر عن عقل فقيه وتصوره لا عن قلب شاعر وعاطفته.
ومع هذا فإنه قد نظم مقدمته النحوية (الكافية) في منظومته (الوافية).
ونظم في العروض (المقصد الجليل إلى علم الخليل). ونظم في المؤنثات السماعية (القصيدة الموشحة بالأسماء المؤنثة).
ومن شعره هذان البيتان (١):
أي غد مع يد دَدٍ ذي حروف ... طاوعت في الرويّ وهي عيون
ودواة والحوت والنون نونا ... ت عصتهم وأمرها مستبين
...
وهما جواب عن البيتين المشهورين:
ربما عالج القوافي رجال ... في القوافي فتلتوي وتلين
طاوعتهم عين وعين وعين ... وعصتهم نون ونون ونون
...
وهذان بيتان له في الإخوانيات تبدو فيهما عقلية الفقيه (٢):
إن غبتم صورة عن ناظريَّ فما ... زلتم حضوراً على التحقيق في خلدي
مثل الحقائق في الأذهان حاضرة ... وإن ترد صورة في خارج تجد
...
стр. 20
وله بيتان في معناهما لكنه قبلهما في قافية أخرى فقال (١):
إنْ تغيبوا عن العيون فأنتم ... في قلوبٍ حضوركم مستمر
مثل ما تثبت الحقائق في الذهن ... وفي خارج لها مستقر
...
ومن أبياته أيضاً (٢):
قد كان ظني بأن الشيب يرشدني ... إذ أتى فإذا غيّي به كثرا
ولست أقنط من عفو الكريم وإنْ ... أسرفت جهلاً فكم عافى وكم غفرا
إنْ خصَّ عفو إلهي المحسنين فمن ... يرجو المسيء ويدعو كلما عثرا
...
وله في أسماء قداح الميسر (٣):
هي قدّ وتوأم ورقيب ... ثم حِلْسٌ ونافِسٌ ثم مُسْبِل
والمعلّى والوعْدُ ثم سَفِيحٌ ... وَمِنيحٌ وذي الثلاثة تهمل
ولكل مما عداها نصيب ... مثله أن تعد أول أول
...
شيوخه
درس ابن الحاجب العلوم العربية والدينية بمختلف فنونها من نحو وفقه وقراءات وأصول على كبار أستاذة عصره وأثمة العلم. وليس بالمستطاع حصر هؤلاء الشيوخ الذين أخذ عنهم، لذا فإنني سوف اقتصر على ذكر الكبار منهم مع ترجمة موجزة لكل واحد.
١ - الشاطبي:
هو أبو القاسم بن فيرة بن أبي القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي
стр. 21
الضرير مصنف الشاطبية في القراءات السبع. ولد سنة (٥٣٨ هـ). خرج إلى الحج فقدم الإسكندرية سنة (٥٧٢ هـ). وولاه القاضي الفاضل مشيخة الإقراء بمدرسته. وزار القدس وصام به شهر رمضان، ثم رجع إلى القاهرة، فكانت وفاته بها في هذه السنة. وكان ديناً خاشعاً ناسكاً كثير الوقار (١).
٢ - البوصيري:
هبة الله بن علي بن مسعود الأنصاري الكاتب الأديب مسند الديار المصرية. ولد سنة (٥٠٦ هـ) وسمع من أبي صادق المديني ومحمد بن بركات السعيد وطائفة، وتفرد في زمانه، ورحل إليه. توفي في ثاني صفر سنة (٥٩٨ هـ) (٢).
٣ - أبو الفضل الغزنوي:
محمد بن يوسف بن علي بن شهاب الدين أبو الفضل الغزنوي المقرئ الفقيه النحوي. ولد سنة (٥٢٢ هـ)، وقرأ علي أبي محمد سبط الخياط، وسمع من أبي بكر قباضي الممارستان، وتصدر للإقراء، فأخذ عنه العلم السخاوي وروى عنه ابن خليل والضياء المقدسي والرشيد العطار. ودرس المذهب بمسجد الغزنوي المعروف به. مات بالقاهرة سنة (٥٩٩ هـ) (٣).
٤ - القاسم بن عساكر:
هو القاسم بن الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن المحدث أبو محمد بن عساكر الدمشقي الشافعي. ولد سنة (٥٢٧ هـ). وكان محدثاً حسن المعرفة شديد الورع، ومع ذلك كان كثير المزاح. تولى مشيخة دار الحديث
стр. 22
النورية بعد والده، فلم يتناول من معلومها شيئاً، بل كان يرصده للواردين من الطبة (١).
٥ - أبو الجود:
هو غياث بن فارس بن سكن أبو الجود اللخمي المنذري المصري المقرئ النحوي الضرير شيخ القراء بديار مصر، قرأ علي الشريف ناصر وسمع من عبد الله بن رفاعة السعدي، وقرأ عليه خلق، ورحل إليه، وكان ديناً فاضلاً بارعاً في الأدب متواضعاً كثير المروءة، ولد سنة (٥١٨ هـ) وتوفي سنة (٦٠٥ هـ) (٢).
٦ - الأبياري:
أبو الحسن الأبياري علي بن إسماعيل بن علي. أحمد العلماء الأعلام وأثمة الإسلام برع في علوم شتى: الفقه والأصول والكلام. وكان بعض الأثمة يفضله على الإمام فخر الدين في الأصول. تفقه بأبي طاهر بن عوف، ودرس بالإسكندرية وانتفع به الناس، وتخرج به ابن الحاجب. ولد سنة (٥٥٧ هـ) وتوفي سنة (٦١٨ هـ) (٣).
٧ - أبو الحسن الشاذلي:
هو الشريف تقي الدين علي بن عبد الله بن عبد الجبار شيخ الطائفة الشاذلية. وهو رجل كبير القدر كثير الكلام عالي المقام. له نظم ونشر فيه متشابهات وعبارات. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحضر مجلسه ويسمع كلامه. وكان الشاذلي ضريراً (٤). وقد انتسب في بعض مصنفاته إلى
стр. 23
علي بن أبي طالب. حج عدة مرات. ومات سنة (٦٥٦ هـ) بصحراء عيذاب وهو متوجه إلى مكة المكرمة (١).
تلاميذه
ذكرت كتب التراجم الكثير منهم. فمن هؤلاء من هؤلاء من أخذ عنه العربية، ومنهم من قرأ عليه القراءات، ومنهم من روى عنه الحديث. وسوف أذكر بعض هؤلاء التلاميذ مع ترجمة موجزة لكل واحد.
١ - المنذري:
الحافظ الكبير الإمام شيخ الإسلام زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المصري الشافعي. ولد بمصر سنة (٥٨١هـ). وتفقه وطلب هذا الشأن فبرع فيه. وتخرج بالحافظ أبي الحسن بن المفضل، وولى مشيخة الكاملية، وانقطع بها عشرين سنة. وكان عديم النظر في معرفة علم الحديث على اختلاف فنونه، متبحراً في معرفة أحكامه ومعانيه ومشكلة، إماماً حجة بارعاً في القه والعربية والقراءات. توفي سنة (٦٥٦ هـ) (٢).
٢ - ابن مالك:
محمد بن علي بن مالك الإمام العلامة جمال الدين الطائي الجياني الشافعي النحوي. ولد سنة (٦٠٠ هت) وسمع بدمشق، وتصدر بحلب لإقراء العربية. كان إماماً في القراءات وعللها. أما اللغة فكان إليه المنتهى فيه. وإطلاعه على أشعار العرب التي يستشهد بها على النحو كان أمراً عجيباً. وكان أكثر ما يستشهد بالقرآن، فن كان ليس فيه شاهد عدل إلى الحديث. من
стр. 24
تصانيفه: تسهيل الفوائد، والكافية الشافعية، والخلاصة، ومختصر الشافية. توفي سنة (٦٧٢ هـ) (١).
٣ - ابن المئّينر:
هو العلامة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور الإسكندراني. أحد الأئمة المتبحرين في العلوم من التفسير والفقه والعربية والبلاغة والأنساب. أخذ عن جماعة منهم ابن الحاجب. من تصانيفه: تفسير القرآن، والانتصاف من الكشاف، وأسرار الإسراء، ومناسبات تراجم البخاري، ومختصر التهذيب في الفقه. كان مولده سنة (٦٢٠ هـ)، وتوفي سنة (٦٨٣ هـ) (٢).
٤ - القسطيني:
أبو بكر بن عمر بن علي بن سالم الإمام رضي الدين القسنطيني النحوي الشافعي. ولد سنة (٦٠٧ هـ) ونشأ بالقدس، وأخذ العربية علي ابن معط وابن الحاجب. وكان من كبار أثمة العربية. سمع الحديث من ابن عوف الزهري وجماعة. وكان له معرفة تامة بالفقه ومشاركة في الحديث، صالحاً خبراً ديناً متواضعاً ساكناً ناسكاً. سمع من جماعة كثيرة. أخذ عنه أبو حيان، ومدحه بقصيدة طويلة. ومات سنة ٦٩٥ هـ (٣).
٥ - ابن ملي:
الشيخ نجم الدين أحمد بن محسِّن المعروف بابن ملّي. كان متوقد الذهن. سمع من البهاء المقدسي والحسن الزيدي. وحدث بحلب ودمشق،
стр. 25
وقرأ بها النحو علي ابن الحاجب، وتفقه علي العز بن عبد السلام، وأحكم الأصول والكلام والفلسفة. دخل مصر غير مرة، وعرف عنه علم غزير. ولد ببعلبك سنة (٦١٧ هت) وتوفي سنة (٦٩٩ هـ) (١).
٦ - الدمياطي:
الإمام العلامة الحافظة الحجة الفقيه النسابة شيخ المحدثين شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف التوني الشافعي. ولد سنة (٦١٣ هـ). تفقه وبرع وطلب الحديث، فرحل وجمع فأوعى وتخرج بالمنذري وألف. كان واسع الفقه، رأساً في النسب، جيد العربية. توفي سنة (٧٠٥ هـ) (٢).
٧ - الملك الناصر داود:
داود بن عبد الملك المعظم عيسى بن العادل. ملك دمشق بعد أبيه ثم انتزعت من يده وأخذها عمه الأشرف، واقتصر على الكرك ونابلس. ثم تنقلت به الأحوال وجرت له خطوب طوال. كان له فصاحة وشعر جيد، وقد عرف علوم الأوائل جداً، وقرأ الكافية علي ابن الحاجب الذي نظمها بطلب منه (٣).
آثاره
ألف ابن الحاجب في علوم شتى. فقد ألف في النحو والصرف والفقه والأصول والعروض والقراءات والتاريخ والأدب. ومصنفاته في غاية الحسنن رزقت قبولاً تاماً لحسنها وجزالتها (٤). وقد انتفع الناس بها لما فيها من كثرة النقل مع صغر الحجم وترير اللفظ (٥). وهذه مؤلفاته مقسمة حسب العلوم:
стр. 26
أولاً: في النحو والصرف:
١ - الكافية: وهي مقدمة وجيزة في النحو. سار فيها ابن الحاجب على نهج الزمخشري في مفصه. وقد قصر ابن الحاجب كافيته على مسائل النحو، وفصلها عن مسائل الصرف. ولقد طبقت شهرتها الآفاق، وأخذ العلماء يشرحونها ويعربونها ويختصرونها. ومن أهم شروحها شرح ابن الحاجب نفسه وشرح جمال الدين بن مالك وشرح رضي الدين الاستراباذي وهو أعظم الشروح وأدقها. وقد طبعت الكاية عدة طبعات، منها طبعة بولاق سنة ١٢٤١ هـ (١).
٢ - الشافية: أجمل فيها ابن الحاجب مسائل الصرف والخط. وذهب في الإيجاز مذهبه في الكافية. ولقد بلغت من الشهرة ما بلغته أختها الكافية. وقد توالت شروحها، ومن أهمها شرح ابن الحاجب نفسه، وشرح رضي الدين الاستراباذي، وشرح فخر الدين الجاربردي. وقد طبعت عدة مرات مع شروحها، منها طبعة الاستانة سنة ١٨٥٠م، وطبعة كلكتا سنة ١٨٠٥م، وعدة طبعات في القاهرة (٢).
٣ - شرح الكافية: الف ابن الحاجب شرحه هذا بعد أن وضع الكافية. وفي شرحه هذا حاول أن يشرح ويوضح المسائل النحوية التي كانت موجزة أو غامضة، وقد طبع هذا الشرح في استنبول عام ١٣١١ هـ، ونسخه المخطوطة كثيرة (٣).
٤ - شرح الشافية: ذكره السيوطي في البغية (٤)، وبروكلمان (٥)، وقال: إنه
стр. 27
توجد نسخة منه في (بولون) رقم ٣١٦.
٥ - الوافية في نظم الكافية: وذلك تلبية لرغبة الملك الناصر داود بن الملك المعظم عيسى. وهي عبارة عن ثمانين وتسعمائة بيت، ضمنها موضوعات الكافية جميعاً. توجد منها نسخة مخطوطة في مكتبة الأسكريال رقم (١٤٦)(١).
٦ - شرح الوافية: توجد منه نسخة مخطوطة في مكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة رقم (١١٤/ ٤١٥) كتبت في أوائل القرن الثامن الهجري. وقام الدكتور موسى بناي العليلي بتحقيقه، وطبع في العراق سنة ١٩٨٠م.
٧ - الإيضاح في شرح المفصل: لقد واكب ابن الحاجب عبارة الزمخشري في المفصل، شارحاً الكتاب فقرة، بادئاً بأوائل الموضوعات مكتفياً بها. وقد خالف الزمخشري في مواضع كثيرة، ورد عليه بعض أقواله. توجد منه عدة نسخ مخطوطة في مصر وإيران وتونس وألمانيا (٢).
وقد قام بتحقيقه موسى بناي العليلي وحصل به على درجة الدكتوراه من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة ١٩٧٥م. وطبع في بغداد سنة ١٩٨٢م.
٨ - الأمالي: وهو موضوع هذه الدراسة. وسوف يأتي الحديث عنها بالفصل الثاني إن شاء الله.
٩ - القصيدة المبوشحة بالأسماء المؤنثة: وهي قصيدة جمع فيها الأسماء المؤنثة بدون علامة تأنيث. وقسم هذه الأسماء إلى قسمين: قسم يجب تأنيثه وقسم يجوز تأنيثه. وجمع في القسم الأول ستين لفظاً وفي الثاني سبة عشر لفظاً. وعدد أبياتها ثلاثة وعشرون بيتاً. توجد منها عدة نسخ
стр. 28
مخطوطة في دار الكتب المصرية. وقد طبعت في هران سنة ١٨٥٩ م وفي بيروت سنة ١٨٧٢ م (١).
١٠ - رسالة في العشر: وهي بحث صغير في استعمال كلمة (عشر) في الصفتين: أول وآخر. توجد منها نسخة مخطوطة في برلين رقم (٦٨٩٤)(٢). وهذه الرسالة موجودة أيضاً في آخر نسخة الأمالي الموجودة في مكتبة شهيد على باستنبول رقم (٢٣٣٧) وهي عبارة عن ورقتين ونصف تقريباً.
١١ - شرح كتاب سيبويه: ذكره صاحب كشف الظنون (٣) وصاحب هدية العارفين (٤).
١٢ - المكتفي للمبتدي - شرح الإيضاح لأبي علي الفارسي. ذكره صاحب هدية العارفين (٥). ولم يذكره أحد سواه.
١٣ - شرح المقدمة الجزولية: ذكره بروكلمان (٦) وقال إنه توجد منه نسخة مخطوطة في جامع القروبين بفاس رقم (١١٩٨). والمقدمة الجزولية هي مقدمة صنفها أبو موسى عيسى بن عبد العزيز بللبخت (المتوفي سنة ٦٠٧ هـ).
١٤ - إعراب بعض آيات من القرآن العظيم: ذكره بروكلمان (٧) وفي مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (١٢/ ٤١٧) ذكر أنه توجد نسخة
стр. 29
مخطوطة منه في المدرسة العثمانية بحلب ترجع كتابتها إلى القرن الثامن.
ثانياً: في الفقه والأصول:
١ - منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل: وهو من كتب الفقه المالكي. وقد اختصر به كتاب الأحكام في أصول الفقه للأمدي. توجد عدة نسخ مخطوطة منه في مكتبات العالم، وقد طبع في استنبول سنة ١٣٢٦ هـ (١).
٢ - عيون الأدلة: وهو اختصار لكتابه (منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل). توجد منه نسخة مخطوطة في باريس رقم (٥٣١٨)(٢).
٣ - مختصر المنتهي في الأصول: وهو أيضاً اختصار لكتابه (منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل). توجد منه عدة نسخ مخطوطة. وقد طبع في بولاق سنة ١٣١٦ هـ، ١٣١٩ هـ، والقاهرة سنة ١٣٢٦ هـ (٣).
٤ - جامع الأمهات أو مختصر الفروع: ألفه بالاعتماد على جواهر ابن شاش. توجد منه عدة نسخ مخطوطة في الجزائر (١٠٧٤) وفاس رقم (٩٨٢) وتونس رقم (٧٦١)(٤).
ثالثاً: في العروض:
ألف ابن الحاجب في العروض منظومة من البحر البسيط سماها (المقصد الجليل إلى علم الخليل). عدد أبياتها (١٧١) بيتاً. توجد منها عدة نسخ مخطوطة بدار الكتب المصرية، وتوجد منها نسخة في مكتبة (لاله لي) في
стр. 30
تركياً كتبت في القرن السابع (١).
رابعاً: في مباحث أخرى:
١ - في القراءات: قال ابن فرحون (٢): "وصنف ابن الحاجب في القراءات".
٢ - في التاريخ: جاء في كشف الظنون (٣) أن له ذيلاً على تاريخ دمشق لابن عساكر. وجاء في هدية العارفين (٤) أن له (معجم الشيوخ).
٣ - في الأدب: جاء في هدية العارفين (٥) أن من مصنفاته كتاب (جمال العرب في علم الأدب).
٤ - المسائل الدمشقية: ذكره ابن الحاجب نفس في الإملاء رقم (٤) من الأمالي القرآنية.
٥ - عقيدة ابن الحاجب (٦).
٦ - المفضل: ذكره بروكلمان (٧).
...
стр. 31
الفصل الثاني: كتاب الأمالي
١ - تمهيد.
٢ - نسبة الكتاب وعنوانه وزمن تأليفه ومكانه.
٣ - مصادر الكتاب.
٤ - أسلوب الكتاب.
٥ - أقسام الكتاب.
٦ - أهمية الكتاب وقيمته.
٧ - نسخ الكتاب.
стр. 32
تمهيد
الأمالي جمع الإملاء، وهو أن يقعد عالم وحوله تلاميذه بالمحابر والقراطيس يتكلم العالم بما فتح الله سبحانة وتعالى عليه من العلم، ويكتبه التلاميذ، فيصير كتاباً، ويسمونه الإملاء والأمالي. وكذلك كان السلف من الفقهاء والمحدثين وأهل العربية وغيرها في علومهم. وعلماء الشافية يسمون مثله التعليق (١).
جاء في المصباح المنير (٢): "أملك الكتاب علي الكاتب إملالاً، ألقيته عليه، وأمليته عليه إملاء، والأولى لغة الحجاز وبني أسد والثانية لغة بني تميم وقيس. وجاء الكتاب العزيز بهما: (وليملل الذي عليه الحق) (٣). (فهي تملي عليه بكرة وأصيلاً) (٤) ".
وقد ذكر حاجي خليفة أسماء الكتب التي سميت الأمالي، وبلغت عنده ٦٧ كتاباً (٥). أما أشهر الأمالي فهي:
١ - مجالس ثعب أو أماليه. طبعت بدار المعارف سنة ١٩٤٨من ١٩٦٠م.
стр. 33
٢ - أمالي الزجاجي. طبعت في القاهرة سنة ١٣٢٤ هـ، ١٣٨٢ هـ.
٣ - أمالي القالي. طبعت عدة مرات.
٤ - أمالي المرزوقي. لم تطبع بعد.
٥ - أمالي المرتضى. طبعت في القاهرة سنة ١٣٧٣ هـ وفي بيروت سنة ١٣٨٧ هـ.
٦ - أمالي ابن الشجري. طبعت في بيروت والقاهرة.
٧ - أمالي اليزيدي. طبعت في القاهرة وبيروت.
٨ - أمالي السهيلي. طبعت في القاهرة سنة ١٩٧٠م.
٩ - أمالي ابن الحاجب، موضوع هذه الدراسة.
ومن أقدم الأمالي اللغوية التي عرفت لنا مجالس ثعلب أو أمالية. ولعل ابن الحاجب أول من أملي في النحو خاصة، وإن كان ابن الشجري قد سبقه، إلا أنه كان يخلط الأمالي النحوية بالشعر والأدب واللغة. أما ابن الحاجب فأماليه تدور في لك النحو، حتى أماليه على الآيات القرآنية الهدف منها الإعراب بخلاف أمالي المرتضى مثلاً، فإن أماليه على القرآن كان الهدف منها التفسير الذي يخدم مذهب المعتزلة (١).
نسبة الكتاب وعنوانه وزمن تأليفه ومكانه
أشارت المصادر التي ترجمت لابن الحاجب إلى أماليه، فقد أشار إليها ابن الحزري في طبقاته (٢)، وصاحب هدية العارفين (٣)، والسيوطي في بغية
стр. 34
الوعاة (١)، وابن كثير في البداية والنهاية (٢)، ومحمد باقر الأصبهاني في روضات الجنات (٣)، وكارل بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (٤)، وابن فرحون في الديباج المذهب (٥)، وخير الدين الزركلي في الأعلام (٦)، ولم ينكر أحد من الذين ترجموا له هذا الكتاب. والنسخ الخطية لكتاب الأمالي تؤكد نسبته لابن الحاجب.
أما عنوان الكتاب فقد اختلف من نسخة إلى أخرى. فعنوان نسخة شهيد على (رقم ٢٣٣٧) ونسخة دار الكتاب المصرية (رقم ٢٦): الأمالي لابن الحاجب. وعنوان نسخة أحمد الثالث (رقم ٢٢٦٣): كتاب الأمالي الكبرى لابن الحاجب. وعنوان نسخة باريس (رقم ٦٢١٤): أمالي ابن الحاجب. وعنوان نسخة الأسكريال (رقم ١٣٣٦): كتاب الأمالي لأبي عمرو بن الحاجب. وعنوان نسخة أحمد الثالث (رقم ٢٢٥٤): كتاب الأمالي لابن الحاجب في النحو. وعنوان نسخة فيض الله (رقم ١٥٧٢) ونسخة عاطف أفندي (رقم ٢٤٣٦): أمالي بن الحاجب. وعنوان نسخة دار الكتب (رقم ١٠٠٧) والنسخة (رقم ١٠٣٤) كتاب الأمالي لابن الحاجب.
ونلاحظ أن العناوين في جميع النسخ متقاربة، وأن الاختلاف بينها بسيط.
وأملي ابن الحاجب كتابه ما بين سنة ٦٠٩ هـ وسنة ٦٢٦ هـ في
стр. 35
القاهرة ودمشق وغزة وبيت المقدس. ذكر في بعض الأمالي مكان الإملاء وتاريخه، وذكر في بعضها مكان الإملاء أو تاريخه، وفي بعضها أهمل المكان والتاريخ. فالإملاءات التي ذكر فيها التاريخ والمكان (٣٢٤) إملاء، والإملاءات التي ذكر فيها التاريخ ولم يذكر المكان (٧) إملاءات. أما الإملاءات المجهولة التاريخ والمكان فقد بلغت (٢٨٣) إملاء. وبهذا يكون عدد ما أملاه (٦٣٨) إملاء.
مصادر الكتاب
البحث في مصادر ابن الحاجب في كتابه الأمالي يضع بين أيدينا سعة إطلاعه وعمق تبحره في علم النحو، وإن كان يدل في بعض المواضع على اضطراب في النقل وعدم التثبت في النص المنقول.
وكثيراً ما كان يذكر الذين نقل عنهم كسيبويه والمبرد والفارسي وابن جني والزمخشري والأخفش والفراء وغيرهم. إلا أن الكتاب أملاه إملاء، وهذا هو سر الاضطراب الذي نجده أحياناً في النص المنقول.
ولم يكن ابن الحاجب يذكر دوماً المصادر التي ينقل عنها، فكثيراً ما يكفي بعبارات عامة مثل قوله: الجمهور، وبعضهم، وقوم آخرون، والكوفيون. وعلى عادة النحويين القدماء كان ينقل أحياناً نصوصاً بألفاظها ولا يشير إلى مصادرها، ولا يذكر اسم صاحب النص.
وغالباً ما تكون مصادر ابن الحاجب كتب النحو القديمة. ونستطيع أن نحمل أهم المصادر التي اعتمد عليها بما يلي:-
١ - الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والشواهد الشعرية ولأمثال العربية.
٢ - آراء بعض أثمة النحو واللغة كسيبويه والمبرد والفارسي والزمخشري
стр. 36
والجرجاني والفراء والنحاس والجوهري وغيرهم.
٣ - كتب ابن الحاجب نفسه كالكافية والإيضاح.
٤ - آراء ابن الحاجب التي خالف يها جمهور النحاة.
٥ - المذهب البصري. فقد اعتمد عليه في كثير من المسائل، وأشار إلى مذهب الكوفيين في عدة مواضع.
إلا أن أهم مصدرين اعتمد عليهما في أماليه هما: كتاب سيبويه والمفصل للزمخشري. فقد أشار إليهما كثيراً، وأكثر من النقل منهما، حتى أن كثيراً من الأمثلة التي كان يضربها نقلها من هذين الكتابين.
هذا وإن ثقافة ابن الحاجب الواسعة في عدة علوم كالفقه والأصول والقراءات واللغة والأدب تعدٌّ مصدراً رئيساً اعتمد عليه في كتابه. والذي يقرأ الكتاب ويطلع على جزئياته يلاحظ ذلك بوضوح. ولا شك أن كثيراً من هذه الثقافة قد اكتسبها من شيوخه الذين تتلمذ على أيديهم كالشاطبي والأمدي والقاسم بن عساكر والغزنوي وغيرهم.
أسلوب الكتاب
كان ابن الحاجب يملي وتلاميذه يكتبون. وهذا يتضح من قولهم أول كل إملاء: وقال مملياً. ويذكرون أحياناً وسط الإملاء أو أوله عبارة: قال الشيخ، ويريدون بها أستاذهم ابن الحاجب. وهناك بعض الإملاءات كان ابن الحاجب يكتبها بخط يده؛ فقد جاء في الإملاء (١٥) من قسم الأمالي على الأبيات: "وسئل في ورقة عن إعراب قول الشاعر:
أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلى وسعدي أن يصوب سحابها
...
فكتب بيده الكريمة ما هذه صورته".
ويستخدم ابن الحاجب في أماليه الأمثلة التي تؤيد فكرته وتوضحها
стр. 37
وتثبت القاعدة التي يتحدث عنها، والأمثلة تلائم الأمالي. فالأمالي أشبه بمحاضرات يلقيها الأستاذ، فالمفروض فيها التوسع في العبارة وكشف الرأي بالأمثلة، وابن الحاجب كان موفقاً في أمثلته، بحيث لم يدع مجالاً للشك فيما يريد توضيحه وهو بذلك يسير على نهج قويم، إذ الأمالي تعتبر شرحاً وتوضيحاً لما يشكل على تلاميذه من مسائل النحو، فهي بحاجة إلى ذكر الأمثلة. انظر إلى الإملاء (١٥) من قسم الأمالي القرآنية كيف أتى بمثال: حصير زيد راكباً سمار.
ومع هذا نجد ابن الحاجب له أسلوب في أماليه يختلف من قسم إلى قسم، فأسلوبه في قسم الأمالي القرآنية يختلف عن أسلوبه في قسم الأمالي على المفصل والأمالي على المقدمة. وهذا ما سوف أتعرض له عندما أتحدث عن أقسام الكتاب إن شاء الله. لكن الأسلوب العام الذي يتسم به الكتاب أنه يقوم على الطريقة العلمية في التفكير. فابن الحاجب يذكر في المسألة كل ما فيها من أوجه ممكنة، ثم يأتي على هذه الأوجه فيرى أن هذا الوجه يلزم منه باطل فهو فاسد، أوأنه يتنافى مع العقل أو يخالف القياس أو بعيد عن الاستعمال. ومن تعبيراته أيضاً: وليس ببعيد، وموضع الاستشهاد منه ظاهر، ولا قائل به، وهذا فيه نظر، والله أعلم بالصواب.
ويلاحظ أحياناً أنه كان يملي على الموضوع الواحد أكثر من مرة. والسبب في ذلك أنه كان يسأل في أوقات مختلفة فيجيب فيكتب تلاميذه إجابته. أضف إلى ذلك أنه كان يملي في مسائل متفرقة لم يجمعها موضوع واحد.
стр. 38
أقسام الكتاب
ينقسم كتاب الأمالي إلى ستة أقسام: القسم الأول: الأمالي على آيات من القرآن. الثاني: الأمالي على مواضع من كتاب المفصل الزمخشري. الثالث: الأمالي على بعض مسائل الخلاف بين النحويين. الرابع: الأمالي على الكافية (المقدمة) لابن الحاجب. الخامس: الأمالي على أبيات من الشعر. السادس: الأمالي المطلقة، وهي على موضوعات متفرقة.
١ - الأمالي على آيات من القرآن:
بلغ عددها (١٣٩) إملاء. وقد أملاها ابن الحاجب في دمشق والقاهرة وغزة ما بين سنة ٦٠٩ هـ وسنة ٦٢٥ هـ. فما أملاه في دمشق كان (٨٧) إملاء، أمليت في السنوات: ٦١٧ هـ، ٦١٨ هـ، ٦١٩ هـ، ٦٢٠ هـ، ٦٢١ هـ، ٦٢٢ هـ، ٦٢٣ هـ، ٦٢٤ هـ، ٦٢٥ هـ، وما أملاه في القاهرة كان (٣٢) إملاء أمليت في السنوات: ٦٠٩ هـ، ٦١٠ هـ، ٦١٢ هـ، ٦١٣ هـ، ٦١٤ هـ، ٦١٥ هـ، ٦١٦هـ. أما ما أملاه في غزة فكان إملاءً واحداً فقط في سنة ٦١٦ هـ. وهناك (١٩) إملاء مجهولة التاريخ والمكان.
ومنهج ابن الحاجب في الأمالي القرآنية أنه يبدا الإملاء بذكر الآية التي يريد الإملاء عليها، إماً أنْ يذكرها كاملة أو يكتفي بذكر الجزء الذي يريد الحديث عنه. وقد يتحدث عن أكثر من هذا الجزء الذي ذكره من الآية. وفي أكثر الأمالي القرآنية تطالعك الآية أول الإملاء، وقد يترك ذلك أحياناً. مثال ذلك ما جاء في الإملاء (٩٢): وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين: "إذا قلت: ما ضربته للتأديب". وكذلك ما جاء في الإملاء (١٣١): وقال مملياً: "إذا دخل الاستفهام الإنكاري على الشرط كان المعنى إنكار أن يكون الجواب معلقاً عليه". وكذلك الإملاء (٨٨) فقد جاء فيه: وقال أيضاً مملياً
стр. 39
بدمشق سنة اثنتين وعشرين: "الجملة الواقعة بعد القول إذا بني لما لم يسم فاعله تقوم مقام الفاعل، ومنه قوله تعالى: "ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون" (١)].
وقد يملي على الآية الواحدة مرتين في موضعين مختلفين. مثال ذلك قوله تعالى: "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً" (٢) فقد أملى عليها مرتين، في الإملاء (١٥) والإملاء (٦٠).
ويخص ابن الحاجب كل إملاء بآية من القرآن. وأحياناً يملي على أكثر من آية إذا كان هناك غرض واحد. فقد أملي على الآيتين: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" (٣) و"أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم" (٤)، وذلك في الإملاء (٦٨). وربما أملى على ثلاث آيات، فقد أملى على قوله تعالى: "قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة" (٥)، وقوله تعالى: "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" (٦)، وقوله تعالى: "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن" (٧)، وذلك في الإملاء (٨٧): وقد يملي على آيتين من القرآن وبيت من الشعر كما فعل في الإملاء (٧٣) عندما أملي على قوله تعالى: "إن كان قميصه قدْ من قبل فصدقت" (٨)، وقوله تعالى: "إن كنت قلته فقد علمته" (٩) وقول الشاعر:
стр. 40
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهاراً ولم تغضب لقتل ابن خازم
...
وليست كل الأمالي القرآنية مقصورة على البحث في النحو. فهناك ما يقرب من خمسة عشر إملاء تبحث ي تفسير الآيات تفسيراً متصلاً باللغة أو الأسلوب أو العقيدة بعيداً عن الإعراب. ومن ذلك ما أملاه على قوله تعالى: "وما علمناه الشعر وما ينبغي له" (١) في الإملاء (١١٤). وكذلك ما أملاه على قوله تعالى: "كونوا قردة خاسئين" (٢) في الإملاء (١١٧).
ويلاحظ أن اهتمام ابن الحاجب في القراءات القرآنية كان واضحاً. فقد تعرض لكثير من القراءات ونسبها لأصحابها. من ذلك الإملاء (٦١) على قوله تعالى: "أمَّن لا يَهِدِّي إلاَّ أنْ يُهدي" (٣). والإملاء (٣٠) على قوله تعالى: "إن هذان لساحران" (٤). والإملاء (١٠) على قوله تعالى: "كذلك يطبعُ اللهُ على كُلِّ قَلبِ متكبّرٍ جبارٍ" (٥).
وقد اهتم ابن الحاجب بالقراء السبعة، وذكر لهم قراءات في أماليه وهم: نافع وابن كير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي. كما ذكر قراءات لبعض رواة السبعة مثل: ابن ذكوان وحفص وقالون. ولم يذكر في أماليه قراءات عن غير السبة، إلا قراءة واحدة من القراءات الشاذة، وهي في الإملاء (٨٦) على قوله تعالى: "هؤلاء بناتي هن أطهر لكم" (٦). ومع توجهه لهذه القراءة الشاذة فإن ثقته كانت كبيرة في القراء السبعة، فهو يعتبر أن القراءة الضعيفة في اللغة لم تأت في السبعة، إذ يقول في الإملاء (٩٧) على قوله