لا يأول بذلك وهما السين وسوف. والثاني: أن "عسى" فيها معنى الانشاء، والسين وسوف مع ما بعدهما يستقلان جملة خبرية، بخلاف "أن" مع فعلها، فإنها لا تستقل جملة أصلا، فكان وقوع ما لا تكون فيه في الظاهر منافاة بينه وبين ما هو في حيزه أولى من وقوع ما بينهما المنافاة وهما الانشاء والخبر (١). أما امتناع "لا" و"لن" فواضح، لأنهما للنفي، وهذه للإثبات، وهما متنافيان.
[إملاء ١٩٠]
[حذف الفاء من جواب الشرط]
وقال: قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها (٢)
الفاء محذوفة في الشذوذ لضرورة الشعر، وهو مذهب سيبويه (٣).
стр. 842
ومذهب غيره أن الكلام فيه تقديم وتأخيره، تقديره: الله يشكرها من يفعل الحسنات. وقال سيبويه في قولهم:
إنك إن يصرع أخوك تصرع (١)
إن الكلام فيه وتأخير، تقديره: تصرع إن يصرع أخوك (٢). والفرق بينهما استقامة التقديم والتأخير ثم وامتناعه ههنا. ألا ترى أنك لو قدرت التقديم لم يخل أما أن تقدره مع الضمير اللازم تقديره في قولك: الله يشكرها، أي: منه. أو تقدر تقديمه مجردا عن ذلك، وكلا الأمرين فاسد، فكان فاسدا. بيان الأول: أنه لو كان التقدير: الله يشكر الحسنات من فاعل الحسنات (٣)، لكان ذكر "من" لا معنى له، إذ قد تقدم ذكر الفاعل. ولذلك لو قلت: أنا أكرم المكرم لي من يكرمي، لم يجر. وإن قدرته مجردا عنه كان أبعد لأنك ذكرت ما لايدل على الجواب في المعنى لتجردها عن الضمير المصحح، بخلاف مجرد الشرط فإنه لا يحتاج إلى ذلك، ولا يمنع من ذكره
стр. 843
ذكر الفاعل متقدما. ألا ترى أنك لو قلت: الله يشكر الحسنات إن فعلت أو إن فعلها الناس، كان صحيحا.
[إملاء ١٩١]
[الكلام في قولهم: ليس الطيب إلا المسك]
وقال: إن قيل في قولهم: ليس الطيب إلا المسك (١): إذا جعلتم في "ليس" اسمها مضمرا فيها ضمير الشأن والقصة (٢)، والجملة بعده مفسرة له، فالجملة هي التي تستقل بالإفادة. ولو قلت: الطيب إلا المسك، لم يجز، فكيف صح أن تقع الجملة مفسرة على هذا التقدير؟. فالجواب: أن الجملة المذكورة مفسرة لما قبلها مثبتا كان أو منفيا، وما نحن فيه كذلك. ألا ترى إلى قوله:
وليس منها شفاء الداء مبذول (٣)
стр. 844
أن معناه: ليس الحديث، كذلك ما نحن فيه. والمستثنى منه في هذه وأشباهها محذوف، تقديره: ليس الحديث الطيب شيئا من الأشياء إلا المسك. وينبغي أن يقدر بشيء يصح منه الإخراج.
[إملاء ١٩٢]
[العامل في "إذا و"متى "]
وقال: اختلف الناس في العامل في "إذا" و"متى". فقيل (١): العامل فيهما فعل الشرط، وقيل: العامل في "إذا جواب الشرط، وفي "متى"ن الشرط، وهذا قول أكثر المحققين (٢). فوجه من قال: إن العامل في "إذا" و"متى" فعل الشرك فلأن الشرط والجزاء جملتان، ولا يستقيم عمل الجزاء في اسم الشرط لأنه يؤدي إلى أن يصير جملة واحدة، لأنه إذا كان ظرفا له كان من تتمته، ولا يكون جملة ثانية. ووجه من قال: إن العامل جواب الشرط، هو: أن هذه الأسماء مضافة في المعنى إلى شروطها، وإذا كانت مضافة استحال عمل المضاف إليه في المضاف لئلا يؤدي إلى أن يكون عاملا معمولا من جهة واحدة، وإذا بطل أن يكون العامل الشرط تعين الجزاء (٣).
стр. 845
ووجه من قال: إن العامل في "إذا" جواب الشرط وفي "متى" الشرط وهو قول أكثر الناس قوة توهم الإضافة في "إذا" وضعفه في "متى"، لأنه لما رأى أن "إذا" لا تكون إلا للوقت المعين توهم وجوب الإضافة ليحصل التعيين كقولك: إذا طلعت الشمس آتيك، كأنك قلت: حين تطلع الشمس آتيك. ولما رأى أن "متى" للوقت المبهم لم يقو عنده وهم الإضافة، فكان العامل الشرط. والصحيح أن العامل الشرط فيهما جميعا. وما توهم من الإضافة في "إذا" وانتفائه في "متى" أو فيهما جميعا غير صحيح. أما توهمه في "متى" فبعيد، لأنها ليست لتعيين فيتوهم ذلك، وإنما هي للابهام، ولأنه قد ثبت: أي رجل تكرم فإني أكرمه، بنصب "أي" والعامل الشرط باتفاق، فوجب أن يكون ذلك كذلك. وما توهمه في "إذا" دون "متى" فليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من تعيين شرطها إضافتها إليه، لأنا لسنا نعنى بالتعيين إلا أنه لازم أن يكون واقعا، لا أن الظرف يقتضي أن يكون مضافا إليه، فلم يلزم من كونه معينا إضافة الظرف إليه. وإذا لم يلزم ذلك كان كـ "متى" في تقدير أن يكون مضافا وأن لا يكون مضافا. وإذا كانا سواء في صحة التقدير، ومنع من أحد التقديرين مانع وجب الرجوع إلى الآخر، وبيان المانع من أحد التقديرين وهو الإضافة من وجهين: أحدهما: أنه لو كان مضافا لتعين الجزاء للعمل، ولو تعين الجزاء للعمل لوجب أن يكون جملة واحدة، وقد ثبت أنهما جملتان. وإنما التزم ذكرهما لربط الشرط بينهما وعلى تقدير أن يكون الجزاء عاملا لا يكون جملتين فلا يكون الربط لأجل الشرط، وإنما يكون لأجل عمل الجزاء في ظرفه. والوجه الثاني هو: أنه لو كان مضافا لم يكن للظرف عامل في كثير من المواضع كقولك: إذا
стр. 846
أكرمتني فإني أكرمك، أو إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غدا. ألا ترى أن قولك: فإني أكرمك، لا يستقيم عمله فيما قبله، لأن ما في حيز الفاء لا يعمل فيما قبلها. وفي المسألة الثانية لو كان العامل الجزاء لأدى إلى خلاف المعقول، لأن اليوم مبين لـ "إذا" وغدا ظرف للجزاء، فلو جعل عاملا في "إذا" وقد تعين أن يكون اليوم وجب أن يكون الغذ هو اليوم، وذلك باطل. وإذا تقرر ذلك ثبت أن العمل في أسماء الشروط كلها لفعل الشرط لا الجزاء. فأما في "إذا" فلا إشكال، لأنها لا عمل لها في الشرط لا باعتبار خفض الموضع ولا باعتبار جزم اللفظ، لأنا قد بينا أنها غير مضافة، وقد ثبت أنها في اللغة الفصيحة لا عمل لها في الفعل. تقول: إذا تكرمني أكرمك، والجزم ضعيف (١)، وهو على ضعفه الكلام فيه كالكلام في "متى" في كونها عاملة في الفعل، والفعل عامل فيها. وأما في الأسماء الجازمة فهي وإن كانت جازمه للشروط فلا يمنع عمل الشروط فيها، بخلاف تقدير كونها مضافة، لأنها إذا كانت مضافة كانت معمولة عاملة من وجهين. ألا ترى أن عملها الجزم ليس من جهة اسميتها وظرفيتها ولكن من جهة تضمنها حرف الشرط، وكونها معمولة للفعل ليس من جهة تضمنها معنى الشرط، ولكن من جهة اسميتها وظرفيتها. فالوجه الذي عملت به في الفعل غير الوجه الذي كانت معمولة به له.
стр. 847
[إملاء ١٩٣]
[إعراب جملة مشكلة]
وسئل رحمه لله عن قوله: من كان من كان من كان أبواه فيه راغبان أخواه جاريتاه أبواهما منطلق أخواهما. فأجاب بخط يده وهي هذه منقولة منها بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة رابع جمادى الأولى: "من" الأولى مبتدأ موصولة، صلتها "كان" وما عملت فيه، وهي التي فيها ضمير الشأن، وإلا وجب نصب "جاريتاه" لأنها خبر في المعنى "لـ"من" الثانية، وخبر "من" الأولى: أبواهما منطلق أخواهما، وهو مبتدأ و"منطلق" خبره (١)، و"أخواهما" فاعل لـ "منطلق"، والعائد على "من" الأولى الضمير المخفوض في "جاريتاه" باعتبار الصلة، وهو صاحب الجاريتين، وهو لاثنين على المعنى بدليل الضمير العائد عليهما من أبواهما. و"من" الثانية موصولة مبتدأ عبر بها عن جاريتين. لأن لفظها صالح للواحد والاثنين والجميع (٢) والمذكر والمؤنث، فلذلك أخبر عنه بقوله: جاريتاه. والضمير العائد عليه المخفوض في "أخواه" على اللفظ لا على المعنى، فهما أذن أختا اللذين أبواهما فيهما راغبان، لأنه قد أخبر بأنهما للجاريتين بدليل إضافة الأخوين إليهما. وإذا كانا أخواهما كانتا أختيهما. وصلة "من" الثانية مثل ما ذكرناه في "من" الأولى في أن "كان" التي بعدها وما عملت فيه هو الصلة. و"من" الثالثة موصولة مبتدأ عبر بها عن الأخوين، ولذلك أخبر عنه بقوله: أخواه، على اللفظ أيضا، وهما أخوا الجاريتين لأنهما أضيفا إلى الضمير الذي يعود على "من" الثانية، وهي أيهما بدليل الإخبار عنه بهما.
стр. 848
فعلى هذا تكون "من" الأولى مبتدأ، والثانية مبتدأ ثانيا، والثالثة مبتدأ ثالثا. و"أخواه" خبر الثالثة، و"كاريتاه" خبر الثاني، و"أبواهما منطلق أخواهما" خبر الأولى، وصلة الثالث: كان أبواه فيه راغبان. وصلة الثاني: [كان] (١) من كان أبواه فيه راغبان أخواهما. وصلة الأولى: كان من كان [من كان] (٢) أبواه فيه راغبان أخواه جاريتاه، وهو منتهى كمال هذا المبتدأ. ثم أخبر عنه بقوله: أبواهما منطلق أخواهما. فالأول هو صاحب الجاريتين وهما اثنان على ما تقدم، وهما اللذان انطلق عمهما وخالهما، لأنه أخبر عنهما بأنهما اللذان أنطلق أخوا أبويهما، وأخوا الأبوين العم والخال. والثاني: الجاريتان (٣) وهو لاثنين على ما تقدم، وهما اللتان كان الرجلان اللذان أبواهما فيهما راغبان أخواهما، فهما أختا هذين الرجلين. والثالث: الأخوان (٤) اللذان (٥) أبواهما فيهما راغبان، وهما أخوا الجاريتين على ما تقدم. ولو جيء بالضمائر على المعنى لقيل: من كان من كان أبواهما فيهما راغبان أخواهما جاريتاهما أبواهما منطلق أخواهما. وفيما تقدم بيان ذلك.
стр. 849
[إملاء ١٩٤]
[المسألة الزنبورية]
وقال: قولهم: كنت أظن أن الزنبور أشد لسعة من العقرب فإذا هو هي وإذا هو إياها (١). وجه من قال: فإذا هو هي، أن "إذا" للمفاجأة ولا يقع بعدها إلا الجملة الابتدائية، فوجب أن يرتفع الاسمان بعدها لأنهما مبتدأ وخبر، كقولك: خرجت فإذا زبد قائم. فإن قلت: فـ "قائم" يجوز نصبه عل أن يكون خبر المبتدأ محذوفا، وهو حال من الضمير المقدر في الخبر المحذوف. أما كون الخبر يكون محذوفا بعد "إذا" المفاجأة إذا كان عاما فلا إشكال، لثبوت قولهم: خرجت فإذا السبع. وإذا ثبت جواز حذفه وجب تقدير: ثابت وموجود. وإذا وجب تقدير: ثابت وموجود، وجب أن يكون فيه ضمير، وإذا وجب أن يكون فيه ضمير وجب أن ينتصب عنه حال باتفاق، كما انتصب عن المضمر المحذوف في قولك للمسافر: راشدا مهديا، ومصاحبا معافى، وأشباه ذلك. فالجواب: أن هذا إنما يصح فيها يمكن أن يجعل حالا. وأما إذا كان الاسم الثاني معرفة فلا يصح أن يقع حالا لاسيما إذا كان مضمرا. ومسألتنا كذلك، ألا ترى أنك لو جعلت الثاني حالا لوجب أن تقول: فإذا هو إياها، فيكون المضمر (٢) حالا، وهو ممتنع، فهذا تقدير وجه الرفع في الثاني.
стр. 850
وأما وجه من قال: فإذا هو إياها، فإنه يقدر الخبر محذوف أيضا، ويجعل "إياها" حالا على حذف مضاف، فيكون المضاف المحذوف وهو الحال في المعنى مقدرا بـ "مثل"، و"مثل" إذا أضيفت لفظا أو تقديرا لا توجب تعريفا، فكأنه قال: فإذا هو مثلها، فقدر الخبر محذوفا كما قدر في قولك: فإذا زيد قائما، ونصب "مثلها" عل الحال كما نصب "قائما" على الحال من المضمر المقدم ذكره، ثم حذف المضاف الذي هو "مثل"، وأفما المضاف إليه مقامه فوجب إعرابه، فوجب الاتيان بالضمير المنصوب، فصار اللفظ لفظ الضمير المنصوب، والمراد في المعنى المضاف المحذوف الذي هو "مثل"، وهذه تشبه قولهم: قضية ولا أبا حسن لها (١)، فإن التقدير: ولا مثل أبي حسن، والمعنى عليه، فحذف "مثل" وأقيم المضاف إليه مقامه، فوجب إعرابه بإعرابه وهو النصب، فانتصب لا نتصاب المضاف المحذوف لأنه معمول لـ "لا" مباشرة (٢) فيتوهم الا متناع من حيث إن "لا" دخلت على معرفة منصوبة، فإذا قدر هذا التقدير ارتفع هذا الاشكال، فكانت (٣) "لا" داخلة على نكرة على بابها، ولم يبق إلا حذف مضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، ولا بأس بذلك إذا كان ذلك (٤) معلوما، فكذلك ههنا يتوهم أن "إياها" هو المراد بالحال فيمنع لا متناع أن يقع الحال مضمرا، فإذا قدر "مثل" مضافا هو الحال في المعنى حذف وأقيم المضاف إليه مقامه ساغ ذلك كما في قولهم: ولا أبا حسن لها، فثبت أنهما سائغان.
стр. 851
والوجهان جيدان، وأقواهما الأول لما في الثاني من كثرة التقديرات والخروج عن الظاهر (١).
[إملاء ١٩٥]
[الجواب عن إيراد على تنوين التنكير]
وقال: أورد على قولنا (٢): "إن التنوين في رجل ليس بتنوين تنكير"، لأنه لو سمي به فالتنوين باق على حاله، أنه سمي بـ "صه". فقال: لا يخلوا إما أن يسمى بـ"صه" المعرفة أو النكرة، فإن كان الأول صار علما ولا يرد إذن. وإن كان الثاني فلا يخلو إما أن تحكيه. فإن حكيته ثبت فيه التنوين محكيا، وهو على كسره. فتقول: هذا صه ورأيت صه، ومررت بصه، كما لو سميت بسيبويه منونا فإنك تحكيه بهذا التنوين، وهو تنوين تنكير (٣). وإن لم تحكه عاملته معاملة اسم على حرفين، وأعربته ودخل عليه تنوين التمكين (٤) ما لم يكن علتان، ففيه نظر. فإن كانت فيه علتان احتمل أن يقال: يجرى محرى هند ودعد لخفته (٥)، واحتمل أن يقال: مصروف لا غير، لأنه
стр. 852
أخف من باب هند، وليس لهذا أصل يرجع إليه حتى يحمل عليه. فيقال: إن كان ساكن الأوسط فهو مثل هند ودعد، وإن كان متحركه فهو مثل سقر (١). وإنما يمكن أن يقال ذلك في مثل دم ويد وأخ إذا اتفق فيه علتان. ويمكن أن يقال ما قيل أولا.
[إملاء ١٩٦]
[كتابه الجزء]
وقال: الجزء فيه لغتان: إحداهما: ضم الزاي (٢)، والثانية: إسكنها. فإذا ضمت وكان مفردا كتب في الرفع والجر بالواو من غير زيادة، وفي النصب بالواو والألف. فإن اتصل به ما تكون به متوسطة كتب في الرفع والنصب بالواو، وفي الجر بالياء على الأكثر وبالواو على الأقل، كقولك: هذا جزؤك ورايت جزؤك ومررت بجزئك. وإذا سكنت زايه كتب في الإفراد في الأحوال كلها بغير صورة الهمزة. إلا أنه يكون في النصب بألف عوضا من التنوين إن كان منونا. فإن توسط ففيه وجهان: أحدهما: أن يكتب للهمزة صورة، وهو مذهب المتقدمين. والثاني: أن لا يكتب، وهو مذهب المتأخرين، وهو القياس. فإذا كتبت صورة كتبتها على حسب حركتها واوا في الضم وألفا في النصب وياء في الجر. وإذا كتبتها بغير صورة فلا إشكال.
стр. 853
[إملاء ١٩٧]
[الكلام على قول لابن جني في التنوين]
وقال: قول ابن جني في اللمع (١): "وهو الواحد النكرة"، لما قال: "ودخل التنوين الكلام علامة للأخف عليهم والأمكن عندهم" ظاهر كلامه أنه يفسر محل هذا التنوين بما هو كالحد له، فذكر أمرا لا يطرد ولا ينعكس. أما كونه (٢) لا يطرد فهو أن "أحمر" و"آخر" نكرة ولا يوجد فيه هذا التنوين، فقد وجد الحد ولا محدود، ولا معنى لعدم الطرد غير (٣) ذكل. ولا ينعكس لأن "زيدا" ليس بواحد نكرة ومع ذلك فيه تنوين التمكين، فقد انتفى الحد مع ثبوت المحدود، وهو معنى عدم العكس.
[إملاء ١٩٨]
[الكلام على قول لابن جني في الجمع المكسر]
وقال: قول ابن جني: "الجمع المكسر هو ما تغير فيه نظم الواحد وبناؤه" (٤). إن أراد بالنظم والبناء معنى واحد وقع أحدهما مكررا. وإن أراد بأحدهما كونه على هيئة باعتبار ترتيب الحروف فهو غير مستقيم لأن ذلك لا يتغير في الجمع أبدا، فوجب أن لا يكون الجمع معرفا بتغيره لتعذره. ألا ترى أنك إذا قلت: فرس، فلا يتغير ترتيب حروفه باعتبار الجمع. فإنك إذا قلت: أفراس،
стр. 854
فالفاء والراء والسين على ما كانت عليه في المفرد باعتبار الترتيب، فدل على أن هذا المعنى لا يستقيم إرادته. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون المراد بتغير نظم الواحد أن تأتي حروف في الجمع بين حروف المفرد فيتغير النظم عما كان عليه أو ينقص، فمثال الزيادة قولك: قدح وأقدح، ومثال النقصان: كتاب وكتب، ويكون تغيير بنائه لتغير الصيغة بالحركة والإسكان خاصة؟ فالجواب: أن تغير البنية يغني عنه. ألا ترى أن كل ما تغير نظمه بالتفسير المذكور فقد تغير بناؤه. فإن قدحا إذا نقل إلى قداح (١) لا يمكن أن يقال تغير نظمه ولم يتغير بناؤه، وإذا كان كذلك فذكر البناء وحده كاف.
[إملاء ١٩٩]
[الكلام في اسم مصغر]
وقال: قوله ﷺ (٢): " أبيني لا ترموا جمرة العقبة". الأولى أن يقال: إنه تصغير بني مجموعا، وكان أصله بنيي، لأنه بنيون أضفته إلى ياء المتكلم فصار بنيوي في الرفع وبنيي في النصب والجر فوجب أن تقلب الواو ياء وتدغم على ما هو قياسها في مثل قولك: ضاربي، وكذلك النصب والجر، ولذلك كان لفظ "ضاربي" في الأحوال الثلاث سواء. كرهوا اجتماع الياءات والكسرة فقلبوا اللام إلى موضع الفاء فصار: وبيني، قلبوا الواو همزة فصار: أبيني. وليس في هذا الوجه إلا قلب اللام إلى موضع الفاء, وهو قريب لما ذكرناه من الاستثقال، وقلب الواو المضمومة همزة وهو جائز قياسا (٣). وهذا أولى من قول من يقول:
стр. 855
إنه تصغير أبناء، رد إلى الواحد وروعي مشاكلة الهمزة. لأنه لو كان تصغيره لقيل: أبينائي، ولم يرد إلى الواحد لأن أفعالا من جمع القلة فيصغر من غير رد كقولك: أجيمال. وهو أيضا أولى من قول من قال: إنه جمع أبنى مقصور على وزن أفعل، اسم جمع للأبناء، صغر وجمع بالواو والنون لأنه لا يعرف ذلك مفردا، فلا ينبغي أن يحمل الجمع عليه، ولأنه لا يجمع "أفعل" اسما جمع التصحيح (١).
[إملاء ٢٠٠]
[علة منع "الذي" من الجزم إذا تضمنت معنى الشرط]
وقال: إن قيل لم جزمت "متى" وشبهها ولم تجزم "الذي" إذا تضمنت معنى الشرط في قولهم: الذي يأتيني فله درهم؟ فالجواب: أن "الذي" وضعت وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، فأشبهت لام التعريف، فكما أن لام التعريف لا تجزم فكذلك الذي. الآخر: أن الجملة التي توصل بها لا بد أن تكون معلومة للمخاطب، والشرط لا يكون إلا مبهما. الآخر: أن "الذي" مع ما يوصل به اسم مفرد، والشرط مع ما يقتضيه كلمتان مستقلتان.
[إملاء ٢٠١]
[العلة في عدم كون المصدر مع فاعله جملة]
وقال: إنما كان الفاعل مع فعله جملة ولم يكن المصدر مع فاعله جملة؛
стр. 856
لأنك إن جعلته جملة باعتبار كونه مبتدأ وخبرا كان فاسدا؛ لأن الغرض في كونه رافعا فاعلا. وأيضا فإنه لا يستقيم لأنك إن جعلت "ضرب" مبتدأ تعذر الخبر بزيد، وإن جعلت زيدا مبتدأ تعذر الخبر بضرب، إذ زيد لا يكون ضربا، ويؤدي إلى أن يكون المبتدأ نكرة من غير شرط (١). أو إلى أن يكون "عمرا" منصوبا بمصدر مفصول بينه وبينه بأجنبي وهو زيد الذي قدر مبتدأ. ولا يستقيم أن يكون جملة باعتبار كونه فعلا وفاعلا. إذ المصدر ليس بفعل، وقد ثبت أنه لا يكون جملة إلا من مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، وهذا ليس واحد منهما.
[إملاء ٢٠٢]
[جواز إلغاء العامل الداخل على المتبدأ والخبر إذا زيد معه حرف]
وقال: إذا زيد حرف مع عامل داخل على مبتدأ وخبر جاز إلغاء ذلك العامل وجاز اعتباره مثل قولهم: إنما زيد قائم. ولم يجر (٢) ذلك في مثل قوله تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾ (٣). والفرق هو: أن في المسألة الأولى حيث جاز الوجهان لأنه ثم إذا لم يعتبر العامل رجع الكلام إلى أصله الذي كان عليه، وليس كذلك ههنا، فإنه لا جهة
стр. 857
إلا إعمال الجار، فلو لم نحكم على "ما" بالزيادة لبقي المجرور ولا جار. والله الموفق للصواب.
[إملاء ٢٠٣]
[العلة في عدم كون الفاعل جملة]
وقال ممليا: إنما لم يكن الفاعل جملة لأنه محكوم عليه، والمحكوم عليه لا يكون إلا مفردا، بخلاف الأحكام فإنه يعبر عنها بالمفرد تارة والجملة أخرى. وإنما كان ذلك لا تساعهم في الأحكام. ألا ترى أنهم وضعوا جملة باب الأفعال مشروطة بأن تكون أحكاما لغرض الا تساع فيها والا ختصار، ولم يوضع المحطوم عليه ذلك الوضع. ومن ثم لم يقع الفاعل ولا المبتدأ جملة إلا إذا قصد به نفس اللفظ فيكون حينئذ كالمفرد في الحكم كقولك: زيد قائم، جملة اسمية، وما أشبه ذلك. وقولهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه (١)، المراد: أن تسمع (٢)، نصبت أو رفعت.
[إملاء ٢٠٤]
[الوقف الحسن]
وقال ممليا: الوقف الحسن هو الوقف على كلام مستقل بعده جملة مستقلة بينها وبين ما قبلها ربط لا يمنع الا ستقلال (٣). وقد فرق بعضهم بين الحسن والكافي (٤)، فجعل ما تقديم هو الكافي،
стр. 858
وجعل الحسن الوقف على كلام (١) مستقل وما بعده غير مستقل، مثل قوله: الحمد لله، وشبه. وعلى ذلك فلا يستقيم على قول هؤلاء الوقف على الحسن تعمدا.
[إملاء ٢٠٥]
[شرط القرينة المفسرة للمحذوف]
وقال ممليا: المشترط في القرينة المفسرة للمحذوف في مثل قوله: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك﴾ (٢)، أن تكون في كلام واحد وجملة واحدة حتى لا يرد قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال﴾ (٣). فإن قائلا لو قال: إن حذف الفعل ثم واجب، لم يكن مستقيما، لأن الفعل ههنا لو ظهر لكان جائزا، والقرينة الظاهرة والمقدرة جملتان. فإذا قيدنا بما ذكرنا انتفى هذا (٤) الإشكال بالكلية.
[إملاء ٢٠٦]
[اسم "لا" النافية للجنس إذا كان مفردا ليس معربا]
وقال: نقل بعض الطلبة عن سيبويه أنه قال: لا رجل في الدار، معرب (٥). قلت: لا يخلو هذا الاسم الواقع بعد "لا"، والكلام في غير
стр. 859
المضاف والمشبه به، إما أن يكون معربا أو لا. فإن كان معربا لم يخل إما أن يكون منصرفا أو غير منصرف. لا جائز أن يكون غير منصرف لأن الاسم الذي لا ينصرف لابد فيه من علتين، ولا علتين، فلا منع صرف، تعين القسم الآخر. وإذا كان كذلك وجب دخول التنوين ضرورة أن المنصرف السالم الآخر يدخله الحركات الثلاث والتنوين. وقول الناقل: إن "لا" لما كانت فرع الفرع سوغ لذلك حذف التنوين، غير قادح.
[إملاء ٢٠٧]
[الجواب عن إيراد على إطلاق "ما" و"من "]
وقال: (ما) لما لا يقل كثيرا، وقد جاءت لمن يعقل (١) قليلا. و "من" لمن يعقل كثيرا ولغيره (٢) قليلا. وأورد عليه أنه قد قيل: سبحان ما سخر كن لنا، وسبحان ما سبح الرعد بحمده، وهي مطلقة على الباري وليس واحد من القبيلين. والجواب: أنا ما أردنا بقولنا: يعقل، إلا يعلم، ولذلك قال بعض النحويين بل أكثرهم: وهي تختص بأولي العلم. وأما: سبحان ما سخر كن لنا،
стр. 860
وسبحان ما سبح الرعد بحمده، فإنه لما كانت ذات الباري غير معلومة الحقيقة صارت مبهمة بهذا الاعتبار. والعرب إذا كان الشيء مبهما أو أرادوا أن يبهموه أتوا فيه بلفظ "ما". ألا ترى أنك تقول لشبح رفع لك من بعيد لا تشعر به: ما ذاك؟، فإذا شعرت أنه إنسان قلت: من ذاك؟. وقوله : ﴿لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد﴾ (١). أما الأول فجاء على ما تقرر (٢). وأما الثاني فعنه جوابان: أحدهما: أنه على سبيل المقابلة. والثاني: على ما تقرر في: سبحان ما سخركن لنا (٣). و"من" لمن لا يعقل في قوله: ﴿والله خلق كل دابة﴾ (٤) ... الآية فأتى بتفصيل هذه الكلية التي دلت على العموم.
[إملاء ٢٠٨]
[قول لا بن الخشاب والجواب عنه]
وقال ممليا: قال ابن الخشاب النجوي (٥): لا يقال ذات الله، لأن ذات بمعنى صاحبة، ولا يقال: صاحبة الله.
стр. 861
والجواب عن ذلك: بأن العرب تضيف المسمى إلى اسمه في قولهم: ذات يوم وذات ليلة وشبهه. فالذات ههنا المراد بها المدلول، والمضاف إليه المراد به اللفظ، فكأنه قيل: مسمى هذا اللفظ. وأما ذات الله فلا شك، إلا أنها لا تطلق لفساد المعنى، وإنما الكلام في إطلاق لفظ ذات مضافة إلى الله، وهو صحيح بالمعنى المذكور. ومثله في كلام العرب كثير.
[إملاء ٢٠٩]
[كم رجال عندي: يحتمل الإنشاء والخبر]
وقال ممليا: كم رجال عندي. هذا الكلام يحتمل الإنشاء والاخبار. أما الإيشاء فمن جهة التكثير، لأن المتكلم عبر عما في باطنه من التكثير بقوله: رجال. والتكثير معنى محقق ثابت في النفس لا وجود له من خارج حتى يقال باعتباره: إن طابق فصدق وإن لم يطابق فكذب. والأخبار باعتبار العندية، فإن كونهم عنده له وجود خارج، فالكلام باعتباره محتمل للصدق والكذب. فهذا كلام محتمل للأمرين بالاعتبارين المذكورين المختلفين.
[إملاء ٢١٠]
[الرد على النحويين في قولهم: الفاعل حقيقة ومجاز]
وقال ممليا: قول النحويين: الفاعل على ضربين: حقيقة ومجاز، ليس بستقيم. فالمجاز مثل: مات زيد وسقط (١) الحائط. وبيان أنه ليس بستقيم أن المجاز فرع الحقيقة فلا بد في هذا اللفظ أن يكون له حقيقة ثم ينقل عنها إلى المجاز، ولا حقيقة له البتة حتى يقال: إنه مجاز. وأيضا فإن الفاعل عبارة
стр. 862
عما نسب الفعل إليه وقدم عليه على جهة قيامه به. وهذا موجود فيما ذكر من قولنا: مات زيد، إذ الفعل مقدم عليه ومسند إليه على جهة قيامه به. فإن الموت قام بزيد، والوقوع قام بالحائط. هذا لا شك فيه، فلا عبرة بقولهم: فاعل حقيقة وفاعل مجازا. وقولنا: على جهة قيامه به، احتراز من مفعول ما لم يسم فاعله، فإنه عند المتأخرين أصحاب هذا الحد ليس فاعلا، فلا بد من زيادة قولهم: على جهة قيامه به، ليخرج، فإنه واقع عليه في قولنا: ضرب زيد، وما أشبهه. وأما المتقدمون فإنهم يجعلونه فاعلا ويحدونه بقولهم: ما قدم الفعل عليه وأسند إليه (١)، وهذا الذي لم يسم فاعله كذلك.
[إملاء ٢١١]
[العامل في نصب "غير" في الاستثناء]
وقال ممليا: انتصب "غير" في قولهم: قام القوم غير زيد، بالفعل وبما تضمنته "غير" من معنى "إلا". وهذا هو عليه المعنى (٢).
стр. 863
[إملاء ٢١٢]
["من" و"ما" الموصولتان لا يوصفان ولا يوصف بهما]
وقال ممليا: "من" و"ما" اللتان بمعنى الذي لا يوصفان ولا يوصف بهما. وإنما كان كذلك، أما كونهما لا يوصف بهما فإنهما (١) وضعا للموصوف والصفة جميعا، وما وضع اسما لا يوصف به. وأما كونهما لا يوصفان فلأنهما لو وصفا بمفرد كان على خلاف وضعهما لبيانهما بالنسب لا بالمفردات كجميع الموصولات. ولو وصفا بجملة لكان على خلاف قياس الصفات في وصف المعارف بالنكرات. فإن قصد إلى بيانهما بنسبة أخرى عطفت تلك الجملة على الجملة التي جرت صلة، فيحصل الغرض المطلوب كقولك: جاءني من أكرمك وكاتب أباك، ونحو ذلك.
[إملاء ٢١٣]
[وجه جعل الفاعل في "حبذا" اسم الإشارة دون غيره]
وقال ممليا: إنما كان فاعل "حبذا" اسم الإشارة دون غيره (٢)، لأن الغرض إبهام الفاعل ليفسر بالمخصوص على سبيل التأكيد والتعظيم وعلى وجه لا يحتاج إلى تمييز. فلم يجدوا أشبه من "ذا" لإبهامها، ولما فيها من الاختصار.
стр. 864
[إملاء ٢١٤]
[وجه جواز الإضمار في باب "نعم" و"بئس" دون حبذا]
وقال ممليا: وإنما أضمروا في باب: نعم وبئس، دون حبذا، لأن نعم وبئس كثرتا فاستعمل فيهما ما هو أخصر لوجوب الاستتار، ولأجل الاختصار التزموا الافراد حتى لا يؤدي إلى زيادة لفظ عند الإبراز (١)، بخلاف حبذا فإنه لم يكثر، فاغتفروا فيها التلفظ بهذا مع كونهم وفوا بأصل المعنى في الإبهما والتفسير.
[إملاء ٢١٥]
[وجه طرح المثنى المؤنث في باب الإضمار]
وقال ممليا: إنما كان المثنى المؤنث في باب الإضمار مطرحا في قوله: أنتما وهما وشبههما لأمرين: أحدهما: أنه كثر في: ضربتا ورمتا، كضربا ورميا لكون التاء دالة عليه، ثم حمل البواقي عليه إجراء لباب المضمرات مجرى واحدا. والثاني: إرادة الاخنصار فيما لم يكثر بخلاف المفرد والمجموع، فاغتفر اللبس في القيل للاخصار ولم يغتفر في الكثير. والله أعلم بالصواب