فواضح، وأما تنوين التمكين فإن كان مع الإعراب فيها ففاسد، وليس هو الغرض، وإن كان مع غير الإعراب فلا يستقيم أن يكون صفة للأكملية فيما عري عن الكمال. لأن الإعراب من كمال الاسم، والتنوين من أكمليته، فيكف يستقيم أن يكون أكمل وليس بكامل؟ وأيضا فإن تنوين التمكين عبارة عما يتبع حركة الإعراب. والغرض فرض أنه باق على بنائه، فيخرج تنوين التمكين عن حقيقته.
[إملاء ١٥١]
[الوقف على الاستثناء المنقطع]
وقال: الوقف على الاستثناء المنقطع، منهم من يجوزه مطلقا، ومنهم من يمنعه مطلقا. ولو قيل: يجوز إن صرح بالخبر، ولا يجوز إن لم يصرح، لكان قويا؛ لأنه إذا صرح بالخبر استقلت الجملة واستغنت عما قبلها. وإذا لم يصرح به كانت مفتقرة إلى ما قبلها. ووجه من قال: يجوز مطلقا، أنها في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، فكان مثل قولك: زيد، لمن قال: من أبوك؟ ألا ترى أن تقدير المنقطع في قولك: ما في الدار أحد إلا الحمار (١)، لكن الحمار في الدار. ولو قلت: لكن الحمار، مبتدئا به بعد الوقوف على ما قبله، لكان حسنا. ألا ترى إلى جواز الوقف بالإجماع على مثل قوله: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ (٢)، والابتداء بقوله: ﴿ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ (٣). فكذلك هذا.
стр. 807
ووجه من قال بالمنع ما رأى من احتياج الاستثنناء المنقطع إلى ما قبله لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه لم يعهد استعمال "إلا" وما في معناها إلا متصلة بما قبلها لفظا. ألا ترى أنك إذا قلت: ما في الدار أحد غير حمار، فوقفت على ما قبل غير، وابتدأت به، لكان قبيحا، فكذلك هذا. وأما المعنى فلأن ما قبله مشعر بتمام الكلام في المعنى. ف‘ن قولك: ما في الدار أحد إلا الحمار، هو الذي صحح قولك: إلا الحمار. ألا ترى أنك لو قلت: إلا الحمار، على إنفراده، كان خطأ.
[إملاء ١٥٢]
[القياس أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة]
وقال: القياس يقتضي أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة، لأن المبتدأ هو المحكوم عليه، فالأولى أن يكون معروفا عند المخاطب ليستفيد الحكم على معروف (١). إلا أنهم سوغوه في النكرة أيضا لأنهم قد يحتاجون إلى الحكم على النكرة كما يحتاجون إليه في المعرفة. فاشترطوا أن تخصص بوجه من وجوه التخصيصات ليكونوا قد وفوا بالغرضين (٢). وأما كون الخبر نكرة فلأنه حكم لا بد أن يكون للإفادة لمن ليس عنده. فلو عوفوه لم يستقم. لأنك إذا حكمت على زيد بالقيام فقلت: زيد قائم، فلم
стр. 808
ذهبت تعرفه لوجب أن تكون الذات المنسوب إليها القيام معروفة (١)، فتكون مخبرا بما لا يفيد المخاطب. وأيضا فإنه لو صح ... ذلك لوقع التعريف ضائعا، ومن ثم وجب التقدير في مثل: زيد القائم، وزيد أخوك بأن (٢) المعنى زيد محكوم عليه بأنه القائم. وإنما يكون ذلك إذا كان المخاطب قد فهم مسمى بزيد، وفهم ذاتا منسوبا إليها القيام وهو لا يعلم بأنهما في الوجود، فإذا أخبر بذلك أفيد ماليس عنده أما لو كان الخبر بنفس قولك: القائم، لم يستفد ما ليس عنده (٣). ولا يعنون بالقياس العقلي الموجب الذي يستحيل خلافه، وإنما أرادوا القياس العقلي باعتبار الاستحسان.
[إملاء ١٥٣]
[وجه حمل النصب على الجر والجر على النصب]
وقال: إنما حمل النصب على الجر والجر على النصب، ولم يحمل واحد منهما على الرفع لأمور: أحدها: أنهما أخف من الرفع فحمل أحدهما على الآخر، ولم يحمل على الأثقل لئلا يكثر الثقل. الثاني: أنهما كلاهما في الأصل لما هو فضلة، والرفع موضوع لما هو أحد جزئي الجملة (٤)، فحمل أحدهم على الآخر لا شتراكهما في ذلك. الثالث: هو أنهما كلاهما في الأصل من متعلقات الفعل، والرفع لمتعلق الفعل في الأصل إنما هو لمن قام به، فحمل أحدهما على الآخر لاشتراكهما في ذلك (٥).
стр. 809
[إملاء ١٥٤]
[عدم جواز: جاء زيد والعاقل]
وقال: لا يجوز: جاء زيد والعاقل. لأنك إما أن تعطف العاقل باعتبار المعنى أو باعتبار الذات. فإن عطفته باعتبار الذات فسد لعدم التعدد، وإن عطفته باعتبار المعنى فسد أيضا. لأنك إنما تعطفه على الذات المنسوب إليها المجيء، فيجب أن يكون المعنى منسوبا إليه المجيء لتشريكه معه بالواو، وهو فاسد، بخلاف قولنا: جاء زيد العاقل والكريم، فإنك عطفت معنى على معنى، والمعنى الأول منسوب إلى الذات المتقدمة، فكذلك المعنى الثاني ثبت فيه ما ثبت في المعطوف عليه بخلاف قولك: جاء زيد والعاقل، لما تقدم.
[إملاء ١٥٥]
[الضمائر لا تعود إلا على الأسماء]
وقال: إنما كانت الضمائر لا تعود إلا على الأسماء، لأنها إذا عادت على شيء فإما أن تكون بمعنى ذلك أو لا، والقسمة حاصرة، وليس إلا الأسماء والأفعال والحروف. فأن كان الأول فهو المراد. وإن كان الثاني لزم أن تكون إما أفعالا وإما حروفا، وهو باطل، لأنه قد ثبت اسميتها بالدخول في حد الأسماء والخواص، وذلك غير خاف.
стр. 810
[إملاء ١٥٦]
[جواز حذف الموصوف وعدم جواز حذف الموصول]
وقال إن قيل: لم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ولم يفعل ذلك في الموصول؟ فلأن الصفة تدل على الذات التي دل عليها الموصوف بنفسها وباعتبار التعريف والتنكير لأنها تابعة للموصوف في ذلك. والموصول لا ينفك عن جعل الجملة التي معه في معنى اسم معرف. فلو حذف لكانت الجملة نكرة، فيختل المعنى (١).
[إملاء ١٥٧]
[وجه جعل "أي" وصلة لنداء ما فيه الألف واللام]
وقال إنما جعلت "أي" متوصلا بها إلى نداء ما فيه الألف واللام لأنها مبهمة يصح تفسيرها بكل ما فيه الألف واللام (٢). والغرض ههنا أن يأتي ما فيه الألف واللام تفسيرا لها. فلما كانت كذلك صلحت لهذا المعنى. والذي يدل على ذلك أن أسماء الإشارة لما كانت بهذا الوصف وقعت هذا الموقع، فقيل: يا هذا الرجل، ويا هؤلاء الرجال.
стр. 811
[إملاء ١٥٨]
[علة بناء كيت على الضم]
وقال: إنما بنيت "كيت وكيت" على الضم (١) لأنها كناية عما أحد جزئية مضموم، وهو إما الجملة الاسمية أو الفعلية، وعلة بنائها واضح (٢).
[إملاء ١٥٩]
[الإنشاء يدل على الحال ولا يدل على الزمان]
وقال لما ورد على حد الاسم: نعم وبئس (٣). وأجاب عنه بأنها في أصل وضها دالة على الحدث والزمان، وإنما نقلا إلى معنى الإنشاء، والإنشاء لا دلالة له على الزمان: ما المانع من أن يكون "نعم وبئس" الإنشائيان وما اشبههما من الإنشاءات دالا على الحال؟ ولا بعد في ذلك، فإن قرينة الإنشاء ههنا دالة على الحال كما في قولنا: إن قام زيد قمت، مستقبل من حيث القرينة الشرطية الداخلة عليه، وكذلك قولهم: لم يقم، فإنه قبل وجود "لم" مستقبل، فلما دخلت "لم" قلبت معناه إلى المضي. فلا يرد إذن على حد الاسم الذي هو: ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الافتران.
стр. 812
والجواب عن هذا: أنه لو كان الإنشاء دالا على الزمان وضعا لكان: هل زيد قائم؟ دالا على الزمان وضعا، ولا يدل فلا يدل.
[إملاء ١٦٠]
[وجه إنكار فعل الحال]
وقال: من أنكر فعل الحال فله شبهة. وهو أنه يقول: فعل الحال هو الدال على حدث وزمان بين الماضي والمستقبل. ومعلوم أن ذلك الزمن زمن فرد، وكل فعل يعبر عن وقوعه لا يسعه ذلك الزمن، فصار إثباته يؤدي إلى التناقض، لأنه يكون معناه أنه وقع فيه وهو لم يقع فيه، وذلك متناقض. أما كونه يدل على كونه وقع فهو معنى فعل. وأما كونه غير واقع فيه فلما علم من أن كل فعل لا يمكن وقوعه في زمن الحال، فقد أخبر عما لا يمكن وقوعه بأنه وقع، وهو فاسد. وهذا مستقيم لو كانت العرب ضايقت في زمن الحال هذا التضايق. وإنما العرب أجرت الزمان المتقارب في أول الفعل وآخره بمنزلة زمن الحال. فثبت هذا على المسامحة لا على التضايق، ولذلك لو كان الفعل مما لا يكون عادة إلا في شهر أو أكثر صح أن يعبر عنه بفعل الحال إذا كان الحال ملتبسا به. فإذا ثبت ذلك سقط ما توهمه من التضايق، وإذن سقط وضع الحال باعتبار التوسعة التي ذكرناها. وأما إنكار زمن الحال فلا ينكره عاقل لأنه معلوم ضرورة.
стр. 813
[إملاء ١٦١]
[تسمة حروف التنبيه بهذا الاسم أولى من تسميتها بحروف الاستفتاح]
وقال: تسمية حروف التنبيه (١) بهذا للاسم أولى من تسميتها باستفتاح الكلام، لأن إضافة الحرف في تسميته إلى المعنى المختص به في الدلالة أولى من إضافته إلى أمر ليس من دلالته. والتنبيه من دلالة هذه الحروف، بخلاف الاستفتاح (٢). ألا ترى أن حروف الاستفهام وحروف التحضيض ونظائرها لا تكون إلا مستفتحا بها، ولم تسم حروف استفتاح، لأنه ليس من دلالتها. وإنما سميت حروف استفهام وحروف تحضيض لما كان ذلك المعنى مدلولا بها. وإذا اعتبرت تسميات الحروف باعتبار إضافتها وجدتها كلها كذلك كحروف النداء وحروف الشرط وحروف النفي والاستقبال والجر وغير ذلك، فثبت أن تسميتها بحروف التنبيه أولى.
стр. 814
[إملاء ١٦٢]
[تكرر الخبر]
وقال: إذا تكرر الخبر. فإن كان من الصفات جاز عطف بعضها على بعض كما تعضف الصفات إذا تكررت كقولك: زيد عالم وعاقل (١)، كما تقول: مررت برجل عالم وعاقل، كأنك قلت: ذو علم وعقل. فلما كان الأمر المقصود هو المعنى الواو تشعر بالتعدد جاز الإتيان بها لتعدد المعنى. ولما كانت الذات واحدة جاز حذف الواو لا تخاذ الذات، كما جاء الأمران في الصفات. فإذا لم يكن الخبر من قبيل الصفات فالظاهر أنه إذا تعدد لا يكون فيه الواو مثل قولك: زيد أخوك أبو عمرو. فلو قلت: زيد أخوك وأبو عمرو، لم يكن مستقيما، لأنه لا متعدد تكون الواو جاءت باعتباره. ولذلك لا يفهم عند ذلك إلا العطق على المبتدأ، وتقدير خبر الثاني كالأول، فلا يفهم من قولك: زيد أخوك وأبو عمرو، إلا: زيد أخوك وأبو عمرو أخوك، وكذلك ما أشبهه.
[إملاء ١٦٣]
[علة كون النسب بالياء المشددة]
وقال: إنما كان النسب بالياء المشددة لأنهم لما قصدوا إلى معنى النسب إلى الاسم ولم يكن بد من زيادة تدل عليه، وأكثر الزيادات لحروف المد واللين، فكانت أولى. واختصت الياء لأن الواو مستقلة، والألف لا يمكن تشديدها، فتلبس بما في آخره ألف لا للنسب كـ: فعلى وفعلى وفعلى، وشبهها، فتعينت الياء لأنها
стр. 815
غير مستقلة منها، ويمكن تشديدها، فيذهب اللبس بين قولك: حصيري وحصيري، بالتشديد والتخفيف. أي: إذا شددت علم أنه منسوب، وإذا خففت علم أنه مضاف. ومن قال اختصت الياء لأنه في معنى المضاف (١)، والياء للإضافة، فإن قولك: غلامي، الياء للمتكلم سواء كان الأول مضافا إليه أو واقعا، ألا ترى أنك تقول: غلامي وضربني. وإن أراد أنه قد يكون مضافا إليها، فحينئذ يرد عليه الكاف والهاء لأنها تكون مضافا إليها. فإن قال: أردت أن الياء لا تستعمل للمتكلم إلا بمعنى أنه نسب إليه شيء كقولك: غلامي وضربني، ورد عليه أن الكاف كذلك في: غلامك وضربك.
[إملاء ١٦٤]
[جواز الإضمار في النسب وعدم جوازه في المفردات]
وقال: إنما جاز الإضمار في الشأن والقصة ولم يتقدم ذكره لأنه ضمير لنسبة حاصلة من الجزئين لمسميين كلاما، وذلك معهود لكل عاقل، فكأنه إنما أضمره لتقدم أمر يدل عليه وهو ذلك العهد السابق. فإن قيل: فهذا جار في المفردات، فإنه كما تتعقل النسب تتعقل المفردات فليجز إضمار المفرد بناء على ذلك. فالجواب: أن المفرد لو أضمر
стр. 816
مع اختلاف حقائقه لم يكن في الإضمار فائدة للتردد الحاصل فيه بين آلاف، بخلاف النسبة فإنها أمر متميز لا التباس فيه بغيره. فلذلك جوزوا الإضمار في النسب ولم يجوزوه في المفردات.
[إملاء ١٦٥]
[علة بناء الاسم لشبه واحد]
وقال: إن قيل: لم بني الاسم لشبه واحد (١) وامتنع من الصرف لشبهين، وكلا الأمرين خروج عن أصله؟ فالجواب: أن الشبه الواحد بالحرف يبعده عن الاسمية ويقربه مما ليس بينه وبينه مناسبة إلا في الجنس الأعم وهو كونه كلمة، وشبه الاسم بالفعل وإن كان نوعا آخر إلا أنه ليس في البعد عن الاسم كالحرف. ألا ترى أنك إذا قسمت الكلمة خرج الحرف أولا لأنه أحد القسمين، ثم يبقى الاسم والفعل مشتركين، فتفرق بينهما بوصف أخص من وصفهما بالنسبة إلى الحرف. فوزان الحرف من الاسم كالجماد بالنسبة للآدمي، ووزان الفعل من الاسم كالحيوان من الآدمي. ووزان الفعل من الاسم كالحيوان من الآدمي. فشبه الآدمي بالجماد ليس كشبهه بالحيوان. فقد علمت بهذا (٢) أن المناسبة الواحدة بين الشيء وبين ما هو أبعد لا تقاوم مناسبات متعددة بينه وبين ما هو قريب منه.
[إملاء ١٦٦]
[الاقتضاء الوجودي والاقتضاء العقلي]
وقال: قولنا: العامل ما به يتقوم المعنى المقتضي. الا قتضاء على
стр. 817
ضربين: اقتضاء وجودي واقتضاء عقلي. فالعقلي مثل: ضربت زيدا. والوجودي مثل: ضربت يوم الجمعة، ومكانك، وجاء زيد راكبا. لأنه لا بد له في الوجودي مثل: ضربت يوم الجمعة، ومكانك، وجاء زيد راكبا. لأنه لا بد له في الوجود من حال وزمان ومكان. وأما قولهم: ضربت ضربا، فمن القسم الوجودي، باعتبار التأكيد وبيان النوع.
[إملاء ١٦٧]
[وجه تسمية ما لا ينصرف بهذا الاسم]
وقال: إنما خص باب ما لا ينصرف بهذه التسمية لأن الصريف هو الصوت الرقيق الذي يسمع من البكرة (١). ولما كان التنوين مشبها له سمي ما قام به منصرفا، وسمي ما فقد منه غير منصرف (٢).
[إملاء ١٦٨]
[قول للزجاجي والتعليق عليه]
وقال: قول صاحب الجمل (٣): "ما كان أحد مثلك (٤)، ولم يجز ما
стр. 818
كان مثلك أحدا". لأن الخبر هو المقصود بالنفي. فإذا قال: ما كان أحد مثلك، فقد نفي مماثلة كل أحد له، لأن الضمير المرفوع في "مثل" لأحد، والكاف في معنى المفعول. والمعنى: ما كان أحد مماثلا لك، أي: مشبها لك، فنفى مشابهة كل أحد له، فصار المعنى: بلغت مبلغا من الفضل لم يشابهك أحد فيه. وإذا قال: ما كان مثلك أحدا، وجب أن يكون المنفي معنى الأحدية وهي الإنسانية، فيصير المعنى: ما مثلك إنسانا، ويكون المماثل له مثبتا، وإنما نفى الإنسانية عنه. والمثل المثبت، أما أن يراد به نفس المضاف إليه كما في قولك: مثلك لا يقول ذلك، وإما بمعنى المشابه. وعلى كلا الأمرين لا يستقيم نفي الإنسانية، لأنه يصير بمعنى: ما أنت إنسانا أو مشابهك إنسانا، وكلاهما غير مستقيم. وأما إذا قصدت معنى المبالغة في الذم أو المدح كان جائزا. يريد معنى قوله: ﴿ما هذا بشرا﴾ (١)، لأن المعنى إثبات أمر أعلى من البشرية في مقصود المحكي عنه كقول الشاعر:
فلست لإنسي ولكن لملأك (٢)
стр. 819
فيكون قوله: ما مثلك أحدا، في مقصود المدح، إما على معنى: ما أنت بشرا، أي: بل أعلى من البشر. وإذا كان مماثله أعلى من البشر كان هو كذلك من طريق الأولى، لأن المشبه به أقوى في المعنى المراد من المشبه، ويكون معناه في الذم: ما أنت بشرا بل أدنى من البشر، يريد البهيمية وشبهها، كما أراد في المدح الملكية وشبهها.
[إملاء ١٦٩]
[الاختلاف في "كم" وأخواتها هل هي معرفة أونكرة ؟]
وقال: اختلف في كم وكذا وكيت وذيت وأيان ومتى وأين وكيف ونحوها. فقيل: معرفة، لأن المعنى في "من": أزيد أم عمرو؟ وفي "ما": الخياطة أم الكتابة صناعتك؟ وفي "أين": أفي السوق أم الدار قعودك؟ وفي "متى": أيوم الجمعة أم يوم السبت سفرك؟ وفي: كم درهما مالك؟ أي الأعداد؟ وفي: كم درهم، الكثير من الدراهم، وفي. كيف حالك؟ أعلى العافية أم المرض؟ وفي: كيت وذيت، لأن معناه: كان من القصة الحديث المعهود. وقيل: نكرة، لأن معنى: من أبوك؟ أي رجل؟ ومعنى: ما صناعتك؟ أي فعل؟ ومعنى: أين؟ أي مكان؟ ومعنى: متى؟ أي زمان؟ ومعنى: كم الاستفهامية، أي عدد؟ والخبرية: كثير. وكيف: أي حال؟ وكيت وذيت: كان من القصة حديث. والظاهر أنها في: من وما وأين ومتى، ونحوها مما في المعنى سؤال عن المعرفة، معرفة. ونحو: كم الاستفهامية والخبرية وكيف وكيت وذيت، نكرة.
стр. 820
وأما كذا فأوضح في النكرة، لأنك إذا قلت: له كذا وكذا درهما، فغاية أمره أن يكون كالتصريح بقولك: أحد وعشرون درهما، وكذلك جميع الباب فيه.
[إملاء ١٧٠]
[كلم وتمر وبابه ليس جمعا]
وقال: كلم وتمر وبابه ليس بجمع (١) لأوجه ثلاثة (٢): أحدها: أنه لو كان جمعا لكان جمع كثرة، ولو كان لوجب أن يصغر على تميرات. الثاني: أنه لو كان جمعا لم يصغر على تمير. الثالث هو: أن فعلا ليس من أبية الجموع. وإذا تردد الوزن بين كونه جمعا ومفردا لم يثبت كونه جمعا إلا بثبت، لأن أصل الأسماء في الافراد. الثالث (٣) هو: أن هذه (٤) الأسماء موضوعة لمعقولية هذه الأشياء كالتمر والعسل، فلا يصح جمعها إلا إذا قصد آحادها أو أنواعها، فكما أنه لا يصح أن يقال: ماء وعسل، جمع، فكذلك هذا. ويدل عليه امتناع جمع تمر إذا قصد به الجنس، وجواز جمعه إذا قصد به النوع. ولذلك نقطع بالفرق بين معنى تمر وتمرات. في أن تمرات تدل على قصد الوحدان، مثلها في: رجال. وتمر إنما يدل على الماهية مثله في: ماء وعسل
стр. 821
[إملاء ١٧١]
[عطف ذي اللام على المنادى المضموم وعلى اسم "لا" النافية للجنس]
وقال: قولهم: ألا يا زيد والضحاك، في جواز الرفع والنصب (١). ولم يأت في باب "لا"، إلا وجه واحد وهو الرفع لا غير، مثل: لا غلام لك ولا العباس. والفرق بينهما أن "لا" لا تدخل على المعارف لما تقرر في موضعه (٢). ولا يمكن حمله على اللفظ، لأن "لا" إنما أتي بها لنفي المتعدد، ولا تعدد في قولك: لا غلام لك ولا العباس، ولأن دخول النصب فيه فرع دخول الفتح فيه إذا كان منفيا، ولا يدخله الفتح فلا يدخله هذا النصب الذي هو فرعه، لأن دخول الفتح إنما كان لتضمنه معنى الحرف. ألا ترى أن معنى قولك: لا رجل في الدار، لا من رجل، ولايتقدر مثل ذلك فيما ذكرناه، ألا ترى أن "لا" إذا وقع بعده المعرفة (٣) وجب الرفع والتكرير (٤). ويرجع الاسم حينئذ إلى أصله، فإذا وجب الرفع فيما يلي "لا" ولم يجز فيه غيره فلان لا يجوز غيره في فرعه الذي هو المعطوف من باب الأولى. وليس كذلك في باب النداء في قولنا: يا زيد والضحاك، فإن حرف
стр. 822
النداء وإن كان متعذرا كما تعذر فيما ذكرناه إلا أنه يتوصل إليه بـ "أي" وبـ "هذا" كقولك: يا أيها الصحاك، ويا أيهذا الضحاك، فصار له دخول وإن كان باشتراط فصل، بخلاف "لا" فإنها لا تدخل بحال.
[إملاء ١٧٢]
[عطف المجرد عن اللام على المنادى المضموم واسم لا النافية للجنس]
وقال: إن قيل: ما الفرق بين قولهم: يازيد وعمرو، فإنه ما جاء فيه إلا وجه واحد وهو قولهم: وعمر (١)، وجاء في المعطوف في باب "لا" وجهان: أحدهما: العطف على اللفظ (٢)، مثل: لا أب وابنا (٣). والثاني: العطف على المحل (٤)، مثل:
لا أم لي إن كان ذاك ولا أب (٥)
والفرق منن وجهين: أحدهما: أن قولنا: يازيد وعمرو، حرف النداء راد وهو جائز حذفه، فجاز الإتيان بأثره (٦)، وليس كذلك في باب "لا" في الصورة
стр. 823
المذكورة، لأن "لا" لا تحذف في مثل ذلك، وإنما قدر حرف النداء ههنا دون ثم لكثرة النداء في كلامهم. الوجه الثاني: أن "لا" بني اسمها معها إلى أن صار الاسم ممتزجا امتزاج المركبات، ولا يمكن بقاء ذلك مع حذفها، ولم يبنوه بناء منهم على امتزاجه بالأولى، لأنه قد فصل بينهما بكلمتين، ولئلا يؤدي إلى امتزاج أربع كلمات.
[إملاء ١٧٣]
[لا يجوز حذف حرف النداء في مثل قولهم: رجل وامرأة]
وقال: إنما لم يحذف حرف النداء في مثل قولهم: رجل وامرأة وشبهه (١)، لأن الأصل: يا أيها الرجل ويا أيها (٢) المرأة، فاستغنوا بقولهم عن الألف واللام لدلالتها على التعريف المستفاد من الألف واللام. ولما حذفت الألف واللام استغني عن "أيها" لأنها إنما وضعت وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام فبقي: يارجل. فلو حذف حرف النداء لكثر الحذف وأخل، فكره لذلك (٣). ويجوز أن يقال: إنما لم يحذف لأنه ناب مناب حرف التريف المراد معناه في قولك: الرجل. فكما لا يجوز حذف المعرض عنه عند انفراده فكذلك لا يجوز حذف عوضه الذي هو منزل منزلته، بخلاف يا زيد، فإن تعريقه لم يكن
стр. 824
بشيء حذف وقامت "يا" مقامه، بل هو بالعلمية، ونسبته إلى مسماه وهو منادى كنسبته وهو غير منادى. وهذا يمكن إجراؤه في أسماء الإشارة بوجه، وهو أن يقال إن تعريف أسماء الإشارة ليس كتعريف الاعلام، فإنها لم تتعرف إلا بقرينة القصد إلى مدلولها، و"يا" فيها ذلك المعنى المذكور، فصارت معها كالقرينة المفيدة للتعريف. فإذا حذفتها وأنت قاصد إلى التعريف كنت كالحاذف حرف التعريف (١). ويجوز أن يقال: إنما لم يحذف من رجل وامرأة، لأن وضع هذا اللفظ للتنكير بخلاف زيد وعمرو، فإن وضعه للتعريف، فلا يخل استعماله بغير حرف النداء عن معنى التعريف بخلاف رجل وامرأة، فإن حذف حرف النداء مخل لإيهام بقائه على التنكير، فلم يحذف النداء لذلك. ولا يتقرر مثله في أسماء الإشارة لأنها في أصل وضعها للتعريف، إلا أن يقال: أجريت مجرى النكرة لكون تعريفها مفتقرا إلى القرينة بخلاف: زيد وعمرو، فإنه غير مفتقر إلى القرينة في التعريف، فأجري المفتقر مجرى النكرة ليكون لما لا يفتقر على ما يفتقر مزية. وإنما كان: يا أيها الرجل، هو الأصل لقولك: يا رجل، لأن المقصود نداء المعرفة. ومعلوم كراهتهم الجمع بين حرفي تعريف. وقد علم أن تعريف الرجل بالألف واللام هو الأصل، وإذا كان تعريفه بالألف واللام هو الأصل (٢)
стр. 825
وجب أن تكون: يا أيهذا، هو الأصل لقولك: يا هذا، لأنه لو لم يكن أصله لكان زائدا، فيؤدي إلى أن تزاد الأسماء، وهو على خلاف قياس كلامهم على أن أصل الزيادة على خلاف القياس. وإذا وجب أن لا يكون زائدا وجب أن يكون أصلا.
[إملاء ١٧٤]
[جواب عن إشكال يورد على ظروف المكان]
وقال: الفرسخ والبريد في قولهم: سرت فرسخا وبريدا،، مفعول به؛ لأن "سرت" بمعنى: قطعت، كأنه قال: قطعت فرسخا. وهذا جواب عن إشكال يورد على الظروف وهو أن ظروف المكان لا ينتصب بتقدير "في" فيها إلا المبهم (١) خاصة دون المختص. فإذا ورد الفرسخ والبريد وهما مختصان، فيجاب بما ذكر أولا. أو أنه مما استثني لكثرته، فكان كقولك (٢): " ولفظ مكان لكثرته".
[إملاء ١٧٥]
[الفرق بين المصدر واسم المصدر]
وقال: الفرق بين قول النحويين: مصدر واسم مصدر، أن المصدر هو الذي له فعل يجري عليه كالانطلاق، في: انطلق (٣). واسم المصدر هو اسم
стр. 826
لمعنى، وليس له فعل يجري عليه كالقهقرى، فإنه لنوع من الرجوع، ولا فعل له يجري عليه من لفظه. وقد يقولون: مصدر في الشيئين المتقاربين لفظا، وأحدهما للفعل والآخر للآلة التي يستعمل بها الفعل كالطهور والطهور، والأكل والأكل، فالطهور المصدر، والطهور اسم ما يتطر به. والأكل المصدر، والأكل ما يؤكل.
[إملاء ١٧٦]
[عدم جواز التعلق بالأفعال الناقصة]
وقال: لا يصح التعلق بالأفعال الناقصة لأنها لم يقصد بها في التحقيق نسبة حدث محقق إلى فاعلها. ومعنى قولنا: حدث محقق، يعني: أنه لم يرد أن زيدا، ثبت، وإنما أريد أن القيام المنسوب إلى زيد وهو خبره، ثبت، وذلك حاصل لو لم تذكر "كان". وإنما قصد بالإتيان بها على المبتدأ والخبر، وتفيد الخبر معنى بالنسبة إلى المبتدأ مع بقائه في الحقيقة (١) مخبرا عنه على ما كان عليه في الابتداء. ولذلك توهم كثير من النحويين أنه لا دلالة لها على الحدث أصلا، وإنما وضعت للدلالة على مجرد الزمان، فلذلك لم تأت عاملة في شيء غير الاسم والخبر.
[إملاء ١٧٧]
[الفرع والأصل]
وقال: إنما كان العدل فرعا لأنه لا بد من أصل هو معدول عنه
стр. 827
فالمعدول عنه هو الأصل تحقيقا أو تقديرا على ما ذكروا (١)، وإذا كان ذلك هو الأصل فالمعدول فرع. وإنما كان الوصف فرعا لأنه لا يعقل وصف إلا بتقدم موصوف. فوجود الوصفية مرتبة عليه، فهو فرع لذلك. والتأنيث فرع التذكير، لأن الذكورية هي الأصل من حيث كانت الألفاظ القياسة تجري على المذكر بفسها كأسماء القاعلين والمفعولين والصفات المشبهة. فإذا قصد إلى التأنيث زيدت العلامة لذلك. فـ "قائم" في قولك: قائمة، يدل على ذات قام بها ذلك المعنى كما في قولك: قائم، مجردا. وزيادة التاء تدل على الذات مؤنثة، فكان فرعا لذلك. وإنما كانت المعرفة فرعا على النكرة من حيث إن وضع الألفاظ القابلة للتعريف للنكرة، فإذا قصد إلى التعريف زيد عليها ما يجعلها معرفة كقولك: رجل والرجل. أو وضعت وضعا ثانيا للمعرفة كقولك: جعفر، للنهر، ثم تجعله علما. فكان فرعا لذلك. وإنما كانت العجمة فرعا لأن كلام العرب في أصله موضوعهم دون إدخال غيره فيه، فإذا أدخلوا شيئا من غير كلامهم فهو فرع على كلامهم في التحقيق، فهو أظهر الفروع. وإنما كانت الألف والنون فرعا على المزيد عليه إذ لا تعقل زيادة إلا بمزيد عليه، فكان فرعا لذلك. ووزن الفعل فرع على وزان الاسم لأنه إذا تحقق أن الفعل فرع على الاسم من حيث الاشتقاق والاستقلال فوزن الفرع فرع على وزن الأصل، لأن
стр. 828
الأصل إذا تقدم فقد تقدم وزنه لأنه صفته، والفرع إذا تاخر وزنه، فكان فرعا لذلك.
[إملاء ١٧٨]
[إعراب المضاف إلى ياء المتكلم]
وقال: إنما أعرب المضاف إلى [ياء] (١) المتكلم تقديرا في الأحوال الثلاث لأنه تعذر عليه حركات الإعراب فوجب أن يعرب تقديرا. وبيان تعذرها هو: أنه لو أعرب بها لضم في موضع الرفع وهو متعذر إذ لا يكمن مجيء الياء بعدها ساكنة، ومن لغتهم الإتيان بها ساكنة، فوجب أن يعدل عن الضم إلى الكسر ليناسبها، ثم التزموا كسرة فبلها لأجلها. يدلك (٢) على ذلك محيء كل ياء للمتكلم في الفعل أو الحرف أو غيرهما مكسورا ما قبلها كقولك: مني وعني وبي ولي وضربني وقدي وقطي. ولما قبح: مني وعني وضربي ويضربي، زادوا نونا لتكون الكسرة عليها، فقالوا: مني وضربني، وهذا واضح في التزامهم الكسرة قبل ياء المتكلم. وإذا ثبت ذلك تعذر الضم والكسر والفتح. أما الضم والفتح فلتعذر اجتماع متضادين. وأما الكسر فإذا وضح أنهم التزموا كسرة لأجل الياء تعذر مجيء كسرة أخرى تجامعها، إذ يستحيل اجتماع كسرتين في محل (٣) كما سيتحيل اجتماع كسر وضم. ولا يمكن أن يحكم بكسرة الإعراب وزوال الكسرة لأجل الياء، لأن تلك هي السابقة لمعنى، وقد ثبت اعتبارهم إياه فلا
стр. 829
ينبغي أن تزول مع بقاء ذلك المعنى من غير موجب. ثم (١) ولو قدر جواز ذلك لكانت هذه أولى لأنها السابقة. وإنما قلنا: هي السابقة، لأن التركيب فرع الإفراد، ولا يكون إعراب إلابعد التركيب، فهو (٢) فرع الفرع، وهذه الكسرة ثابتة للكلمة في حال الإفراد قبل التركيب الموجب للإعراب، فثبت أنها سابقة.
[إملاء ١٧٩]
[علة عدم وقوع ظروف الزمان أخبارا عن الحثت]
وقال: إنما لم تقع ظروف الزمان أخبارا عن الجثت لعدم الفائدة فيه. لأنها لو أوقعت خبرا لكان التقدير أنها حاصلة وثابتة فيه. وقد علم اشتراك الجثت كلها في ذلك المعنى على جهة، فلا معنى للإخبار بها عنها، بخلاف ظروف المكان فإن كل جزء من الجثت مختص بمكان دون مكان، فكان في الاخبار عنها بالمكان فائدة لم تكن عند المخاطب (٣). ولما كانت معاني المصادر كالجثت بالنسبة إلى المكان في الزمان والمكان، صح الإخبار عنها بالمكان والزمان جميعا كقولك: القتال غدا، والقتال يوم الجمعة، والقتال أمامك، والقتال خلفك.
стр. 830
[إملاء ١٨٠]
[علة وجوب حذف العامل في الحال المؤكدة]
وقال: وإنما وجب حذف العامل من الحال المؤكدة (١) دون غيرها لأنه لا بد أن يتقدمها جملة تتضمن في المعنى ثبوتها. فلو أظهر العامل لأظهر الثبوت وهو عين ما دل عليه اللفظ الأول، فكان إظهاره كإظهار العامل في المصدر بعد أن تقدم ما يشعر به، كقولك: هذا عبد الله حقا، وكقوله: ﴿وعد الله﴾ (٢)، و ﴿كتاب الله﴾ (٣)، وأمثال ذلك كثير.
[إملاء ١٨١]
[الجواب عن سؤال ورد على تعليل حكم]
وقال جوابا عن سؤال ورد على تعليل حكم وهو أن العرب تجعل صدر الكلام كل شيء دل على قسم من أقسام الكلام كالاستفهام والنفي والتحضيض وإن وأخواتها، سوى أن، وهو: زيدا ضربت، وضربت زيدا فيقال: إنه إذا قيل: زيدا، ألبس على السامع أن يكون المذكور بعده: ضربت أواكرمت أو نحوه. وإذا قيل: ضربت، ألبس على السامع أن يكون زيدا وأن يكون عمرا ونحوه لأمور: أحدها: أن هذا لا يمكن أن يكون إلا كذلك، لأنه لا بد من تقدم مفرد على مفرد، فمهما قدمت أحد المفردين فلا بد من احتمال كل ما يقدر تجويزه في الاخر. الثاني: أن هذا إلباس في آحاد المفردات، وذاك إلباس في أصول أقسام الكلام، فكان أهم. الثالث: أن ذاك ألفاظ وضعت
стр. 831
للدلالة عليه، فكان تقديمها مرشدا إلى ما وضع له بخلاف هذه، فإنه ليس لها ألفاظ غير لفظها، ولو كان لها ألفاظ غير لفظها لأدى إلى التسلسل، وهو محال.
[إملاء ١٨٢]
[وجه عمل "ليت ولعل وكأن" في الحال]
وقال: إنما عملت ليت ولعل وكأن في الحال (١)، ولم تعمل إن وأن ولكن، من وجوه: منها: أن "ليت ولعل وكأن" معانيها معاني أفعال محققة غير معاني التأكيد. ومعنى "إن" التأكيد المجرد، والتأكيد لا يزيد في المعنى على ما كان عليه. ألا ترى أنك إذا قلت: ماجاءني من أحد، وجاء زيد زيد، لم يجز أن يكون "من" ولا "زيدا" الثاني عاملا في شيء لم يكن عاملا فيه قبل، لأن الأمر فيه على ما كان، بخلاف ليت ولعل فإن معناهما: أتمنى وأتوقع. الثاني: هو أن "ليت" ولعل وكأن" يتعلق بالجزئين كل واحد منهما يصح أن يكون مقيدا بحال باعتبار التمني والتوقع والتشبيه. ألا ترى أنك إذا قلت: كأن زيدا راكبا الأسد، إنما أردت تشبيه زيد في حال ركوبه بالأسد. وكذلك إذا قلت: كأن زيدا الأسد مفترسا، إنما أردت تشبيهه بالأسد في حال (٢) افتراسه، بخلاف "إن" فإنها لتوكيد النسبة، والنسبة لا تقبل ما ذكرناه، لأن ذلك من توابع المفردات لا من توابع النسب. الثالث: قولوا: ليت إن زيدا قائم، بمعنى: أتمنى أن زيدا قائم، وليت زيدا قائما (٣)، في معنى: أتمنى زيدا قائما. فلما استعملوها هذا الاستعمال أعملوها في الحال من طريق الأولي.
стр. 832
[إملاء ١٨٣]
[هذا بسرا أطيب منه رطبا]
وقال: هذا بسرا أطيب منه رطبا. "رطبا" حال من الضمير في "منه"، و"بسرا" حال من الضمير في "أطيب" (١).
[إملاء ١٨٤]
[حجة "ورش" في تركه الهمزة إذا كانت فاء الكلمة]
وقال: حجة ورش في تركه الهمزة إذا كانت فاء الكلمة أمران: أحدهما: أن الهمزة إذا كانت مبتدأ بها أو في حكم المبتدأ. لأن ما قبلها حنيئذ لا يكون إلا زائدا. والهمزة إذا ابتدىء بها كانت أثقل منها إذا لم يبتدأ بها، وذلك مدرك عند النطق في مثل: قل أعوذ، مما وقعت فيه أولا. ولم ينقلها في مثل: يسأمون، مما وقعت فيه متوسطة. ولذلك قرأها حمزة بالوقف على الساكن قبلها في مثل: قل أعوذ، ولم يقف على الساكن قبلها في مثل: قل أعوذ، ولم يقف على الساكن قبلها في مثل: يسأمون ويجأرون. ومن ثم قرأ ورش: موجلا ويويد، بقلب الهمزة واوا، وفؤادك، بتحقيق الهمزة لما كانت تلك فاء وهذه غير فاء. الوجه الثاني: أنها إذا كانت فاء وسكنت فقد لحقها تغيير محقق، إذ الفاء لا تكون إلا متحركة في الأصل فكانت لقبول التغيير أقرب منها عينا ولاما لقوة تلك حيث كانت باقية على أصلها، ولذلك نقل الهمزة على الساكن قبلها. ألا ترى أنك
стр. 833
إذا ابتدأت بقولك: أخذ، وجدت النطق بالهمزة اثقل منه في قولك: سأل. والوجه هو الأول.
[إملاء ١٨٥]
[إطلاق البقرة والحمامة وأشباه ذلك على الذكر والأنثى]
وقال: البقرة تطلق على الذكر والنثى كقولهم: شاة وحمامة ودجاجة وأشباه ذلك. إذا ثبت هذا الإطلاق فلا يستدل على الأنثى بجري صفات المؤنث وضمائرها. فإن العرب إذا أجرت اسم الجنس المؤنث على المذكر وإن كان حقيقيا، أو أجرت اسم الجنس المذكر على المؤنث وإن كان حقيقيا، راعت اللفظ تارة والمعنى أخرى. فيقولون: ثلاثة أشخص وإن كانت نساء، وثلاث أنفس وإن كانو ذكورا، وهذا أكثر من مراعاتهم مدلوله. وأوضح دليل قوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾ (١)، والمراد آدم ﵇. فأنث (واحدة) وأتى بالضمير في (منها) و (زوجها) مؤنثا مراعاة للفظ النفس لما كان مؤنثا. وقد جاء ذلك في مواضع في القرآن، وقد جاء مذكرا بعد تأنيثه في مثل قوله: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها﴾ (٢). فقوله: واحدة، ومنها، وزوجها، على التأنيث كما تقدم. وقوله: ليسكن، وتغشاها، على التذكير. وحسن ذلك وإن لم يحسن من نفس واحد، وجعل منه زوجه، حسنه لأن السكون والغشيان من صفات المذكر، فلما قوي أمر التذكير بهذا المعنى اقتضى ذلك حسن مراعاته. نعم يمكن أن يقال: إن قوله: ﴿عوان بين ذلك﴾ (٣)، ومن صفات النساء
стр. 834
وهي النصف، وربما قيل: التي ولدت مرة بعد أخرى. فإذا أجري على البقرة دل على التأنيث فيها. ويمكن أن يقال إن جريه على البقرة وإن كانت أنثى مجاز لأنه من صفات النساء. وإذا أجري مجازا على البقرة الأنثى فلا بعد أن يجري مجازا على البقرة الذكر. ويقوي ذلك قولهم: حرب عوان، وحروب عون، وإن لم يكن (١) ثم ولادة أصلا. ولا (٢) بعد في جريه على البقرة الذكر مع مشابهته للأنثى في الولادة. وأما باب: طلحة وحمزة ونحوهما من الأعلام، فالمراعى فيه المدلول على المختار عند الائمة، وإن كان كثير من الكوفيين يجوز: قالت طلحة ونحوه، مراعاة للفظ. وإنما غرهم من ذلك ما تقدم من أسماء الأجناس، فظنوا أن البابين واحد. والفرق بينهما من حيث المعنى أن العلم موضوع لمعين متميز لا يحتمل غيره، واسم الجنس مماذكرناه موضوع لواحد من الأمرين من غير تعيين في أصل وضعه (٣). فلا يلزم من حسن جري صفة المؤنث على ما لم يكن وضعه لمذكر معين، فظهر الفرق بينهما من حيث الاستعمال ومن حيث المعنى. وأما البغلة فالظاهر أنه يقال: البغلة للانثى وبغل للذكر (٤)، كقولهم: حمار وجمارة، وبرذون وبرذونه، ونحوه من الأسماء. فإذا أطلقت بغلة كان واضحا
стр. 835
في أنها أنثى، وإذا ثبت إطلاق بغلة (١) على بغل على بعده لم يقدح ذلك في ظهوره، لأن الاتيان بالتاء في هذا الباب للفرق بينه وبين المذكر، بخلاف باب بقرة فإن إلحاق التاء ثم للفرق بين الجنس والواحدة منه. ولا يستدل على التأنيث في بغلة رسول الله ﷺ بعد ثبوت أن البغلة للذكر مثلها في الأنثى بالتأنيث في: كانت، وفي: شهباء. لأنه حينئذ استدلال بمثل: صفراء، ولونها (٢)، في كون البقرة أنثى. على أنه قد نقل عن بعض العلماء أنه قال: سلوني عما شئتم، وكان أبو حنيفة (٣) حاضرا لا يشعر به، فقال لإنسان قل له: أذكرا كانت نملة سليمان أم أنثى؟ فلم يحر له (٤) جوابا ثم قيل لأبي حنيفة ﵀: فما كانت؟ قال: كانت أنثى بدليل التأنيث في ﴿قالت نملة﴾ (٥)، ولو كان ذكرا لقال: قال نملة (٦).
стр. 836
[إملاء ١٨٦]
[مسألة في الاسم الموصول]
وقال ممليا (١): لم تختلف الناس أن الاسم الموصول موصول قبل تمام الصلة. ولذلك نقول: الاسم الموصول، ويكون موصولا بعد تمام الصلة على سبيل التسمية بما كان عليه فنقول: اسم موصول. وكل اسم موصول فقياسه أن يتعرف به ما بعده قياسه على الضارب. فإن قيل: لو كانت كالألف واللام في الضارب والرجل لم يفتقر إلى أن تكون صلتها معلومة للمخاطب. ولما افتقرت إلى ذلك دل على أن التعريف حصل بغيرها. والجواب: أن ذلك لا يمنع بل هو واجب فيه أو في مثله، لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن للألف واللام مدلول معين، فاشترط ذلك لتحصل لها الدلالة الموضوعة هي له. ألا ترى أن الألف واللام في الرجل مشروطة بأن يكون رجلا معهودا، لأنه لو لم يكن معهودا لم تحصل الدلا لة بها عل معين، وكذلك الضارب. فكان ذلك من مقوماتها في دلالتها على التعريف لا موانعها. والصلات في أصلها صفات للنكرات، فلما احتيج إلى جريه على المعارف أدخلوا عليه الألف واللام ليصح به وصف المعرفة. ولما كانت الجمل تقع كذلك واحتيج إلى جريها صفات على المعارف أدخلوا عليها ما تتعرف به كما أدخلوا على صارب ورجل عند قصد التعريف ما تتعرف به.
[إملاء ١٨٧]
[المانع من صرف أخر]
وقال: أخر، المانع من صرفه العدل والصفة. وأكثر الناس في تقرير
стр. 837
العدل، على أنه معدول عن الآخر (١)، إذ استعماله إنما يكون بالألف واللام أو الإضافة أو "من". ولا جائز أن يكون معدولا عن المضاف، لأن المعنى واللفظ يأباه. أما المعنى فلأن المقصود بأخر الغيرية لمن تقدمه، فلو أضيف لتغير ذلك المعنى. بخلاف أفعل التفضيل فإنه لا يتغير معناه بإضافة باعتبار التفضيل. وأما. اللفظ فلآنه لو كان كذلك لوجب بناؤه كما بني قبل وبعد. ولا يجوز أن يكون معدولا عما فيه (من) لأنه جمع، والجمع لا يكون معه (من). واعترض على ذلك أبو على، فقال ما معناه: لو كان معدولا عما فيه الألف واللام لوجب أن يكون معرفة، ولو كان معرفة لم يجز جريه على النكرة ولجاز جريه على المعرفة، والأمران ممتنعان، فتعذر أن يكون معدولا عما فيه الألف واللام. ألا ترى أن "سحر" لما كان معدولا عما فيه الألف واللام وجب أن يكون معرفة، وهو اعتراض مشكل (٢). وغاية ما يقال: إنه لا يلزم من المعدول عن الشيء أن يكون بمعناه من كل وجه، وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عن
стр. 838
صيغة كان يستحقها في قياس كلامهم إلى صيغة أخرى، وقياس هذه أن تستعمل عند عدم (من) والإضافة بالألف واللام. فلما استعملت بغيره دل على أنهم أخرجوها عن الصيغة المستحقة هي لها إلى صيغة أخرى. وإذا اعترض أن العدل بهذه المثابة لم يثبت في لغتهم فكان إثباتا لما لم يثبت مثله في لغتهم بغير دليل. فالجواب: أنه وإن لم يثبت أثبت ههنا بدليل، وهو أنه إذا لم يتقرر فيه العدل وجب أن يكون غير منصرف بعلة (١) واحدة، وذلك معلوم البطلان من لغتهم، فكان إثبات ذلك واجبا بدليل دل عليه. وقد يقال: إنه معدول عن آخر من كذا (٢)، لأن (من) إذا استعملت وجب إفراد (أفعل)، وإنما يثنى ويجمع عند عدمها، فعدل عن: أفعل من كذا، إلى صيغة الجمع الدال على مثل ما دل عليه ذلك، إذ لا فرق في المعنى بين قولك: مررت بنسوة أفضل منك، ومررت بنسوة فضل، لو قيل ذلك، إلا أنهم لا يقولونه، وإن كان هو قياس غير هذا الباب لمعنى قد ذكر في موضعه (٣). وإذا قيل ذلك اندفع الاعتراض عنه وزال القادح. وما ذكر فيما سبق من أنه لا جائز أن يكون معدولا عما فيه (من) مبني على تقدير كونه باقيا على جمعيته. ونحن لا نقدره معدولا عن ذلك، وإنما نقدره معدولا عما فيه "من" مفردا إلى لفظ الجمع بغيرها، فيندفع ذلك الإبطال على تقدير كونه معدولا عما فيه "من".
стр. 839
[إملاء ١٨٨]
[الواو في الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض للجمع]
وقال: الواو في الأمر والنهي والاستفهام والتمني والعرض للجمع بين ما قبلها وما بعدها. فإذا قلت: أكرمني وأكرمك، فقد أمرت باجتماع الإكرامين كقوله:
فقلت ادعي وأدعو (١)
فقد طلبت اجتماع الدعائين. ويدل عليه تعليله بعد ذلك بقوله:
إن أندى لصوت أن ينادي داعيان
يعني: أن اجتماع الصوتين أبلغ في الاسماع. وكذلك إذا قلت: ما تأتينا وتحدثنا، فمعناه: ما يجتمع منك هذان الأمران، ولم يتعرض لنفي كل واحد على الانفراد. ولذلك لو كان يأتيه ولا يحدثه أو يحدثه ولا يأتيه صح أن يقول (٢): ما يأتينا ويحدثنا. وكذلك إذا قال: لا تأتني وتحدثني، فمعناه: لا تجمع بين هذين الفعلين كقولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أي: لا تجمع بينهما. ولذلك لو أكل السمك على انفراده ثم بعد ... لك شرب اللبن ولم يجمع بينهما لم يكن مخالفا لنهيه، لأنه إنما نهاه عن الجمع ولم يجمع. وكذلك قوله:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله (٣)
стр. 840
إنما أراد أن ينهاه عن الجمع بين خلق ذميم وارتكابه، ولذلك قال:
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها (١)
يشير أنك إذا جمعت بين هذين الأمرين لم يكن نهيك بمسموع ولا مقبول، وإنما يكون مقبولا إذا نهيت وأنت على غيره، ولذلك قال:
فهناك يسمع ما تقول ويقتدى ... بالرأي منك وينفع التعليم
وهذه الواو معناها الجمع بين الحكمين المطلوبين أمرا ونهيا واستفهاما. وحمل النفي في الباب على النهي. وليست كالواو التي يعطف بها مفرد على مفرد مثله، فإنها لا تدل على معية ولا ترتيب. وإذا قلنا فيها للجمع المطلق، فمعناه أن المعطوف والمعطوف عليه اجتمعا في نسبة الحكم إليهما من غير تعرض لمعية ولا ترتيب. والمراد ههنا في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، الجمع بين الفعلين. فلا ينفك أن يكونا في وقت واحد، فإن الفعلين إما أن يكونا مفترقين أو مجتمعين. وإذا كانا مجتمعين لزم أن يكونا في وقت واحد، وإلا فهما مفترقان.
[إملاء ١٨٩]
[علة وقوع "أن" في خبر "عسى" دون السين وسوف]
وقال: إنما أوقعت "أن" في خبر"عسى" دون السين وسوف لأمرين: أحدهما: أنها تأول با لاسم الذي هو المصدر، والمعنى عليه، فكانت أولى مما
стр. 841
لا يأول بذلك وهما السين وسوف. والثاني: أن "عسى" فيها معنى الانشاء، والسين وسوف مع ما بعدهما يستقلان جملة خبرية، بخلاف "أن" مع فعلها، فإنها لا تستقل جملة أصلا، فكان وقوع ما لا تكون فيه في الظاهر منافاة بينه وبين ما هو في حيزه أولى من وقوع ما بينهما المنافاة وهما الانشاء والخبر (١). أما امتناع "لا" و"لن" فواضح، لأنهما للنفي، وهذه للإثبات، وهما متنافيان.
[إملاء ١٩٠]
[حذف الفاء من جواب الشرط]
وقال: قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها (٢)
الفاء محذوفة في الشذوذ لضرورة الشعر، وهو مذهب سيبويه (٣).
стр. 842
ومذهب غيره أن الكلام فيه تقديم وتأخيره، تقديره: الله يشكرها من يفعل الحسنات. وقال سيبويه في قولهم:
إنك إن يصرع أخوك تصرع (١)
إن الكلام فيه وتأخير، تقديره: تصرع إن يصرع أخوك (٢). والفرق بينهما استقامة التقديم والتأخير ثم وامتناعه ههنا. ألا ترى أنك لو قدرت التقديم لم يخل أما أن تقدره مع الضمير اللازم تقديره في قولك: الله يشكرها، أي: منه. أو تقدر تقديمه مجردا عن ذلك، وكلا الأمرين فاسد، فكان فاسدا. بيان الأول: أنه لو كان التقدير: الله يشكر الحسنات من فاعل الحسنات (٣)، لكان ذكر "من" لا معنى له، إذ قد تقدم ذكر الفاعل. ولذلك لو قلت: أنا أكرم المكرم لي من يكرمي، لم يجر. وإن قدرته مجردا عنه كان أبعد لأنك ذكرت ما لايدل على الجواب في المعنى لتجردها عن الضمير المصحح، بخلاف مجرد الشرط فإنه لا يحتاج إلى ذلك، ولا يمنع من ذكره
стр. 843
ذكر الفاعل متقدما. ألا ترى أنك لو قلت: الله يشكر الحسنات إن فعلت أو إن فعلها الناس، كان صحيحا.
[إملاء ١٩١]
[الكلام في قولهم: ليس الطيب إلا المسك]
وقال: إن قيل في قولهم: ليس الطيب إلا المسك (١): إذا جعلتم في "ليس" اسمها مضمرا فيها ضمير الشأن والقصة (٢)، والجملة بعده مفسرة له، فالجملة هي التي تستقل بالإفادة. ولو قلت: الطيب إلا المسك، لم يجز، فكيف صح أن تقع الجملة مفسرة على هذا التقدير؟. فالجواب: أن الجملة المذكورة مفسرة لما قبلها مثبتا كان أو منفيا، وما نحن فيه كذلك. ألا ترى إلى قوله:
وليس منها شفاء الداء مبذول (٣)
стр. 844
أن معناه: ليس الحديث، كذلك ما نحن فيه. والمستثنى منه في هذه وأشباهها محذوف، تقديره: ليس الحديث الطيب شيئا من الأشياء إلا المسك. وينبغي أن يقدر بشيء يصح منه الإخراج.
[إملاء ١٩٢]
[العامل في "إذا و"متى "]
وقال: اختلف الناس في العامل في "إذا" و"متى". فقيل (١): العامل فيهما فعل الشرط، وقيل: العامل في "إذا جواب الشرط، وفي "متى"ن الشرط، وهذا قول أكثر المحققين (٢). فوجه من قال: إن العامل في "إذا" و"متى" فعل الشرك فلأن الشرط والجزاء جملتان، ولا يستقيم عمل الجزاء في اسم الشرط لأنه يؤدي إلى أن يصير جملة واحدة، لأنه إذا كان ظرفا له كان من تتمته، ولا يكون جملة ثانية. ووجه من قال: إن العامل جواب الشرط، هو: أن هذه الأسماء مضافة في المعنى إلى شروطها، وإذا كانت مضافة استحال عمل المضاف إليه في المضاف لئلا يؤدي إلى أن يكون عاملا معمولا من جهة واحدة، وإذا بطل أن يكون العامل الشرط تعين الجزاء (٣).
стр. 845
ووجه من قال: إن العامل في "إذا" جواب الشرط وفي "متى" الشرط وهو قول أكثر الناس قوة توهم الإضافة في "إذا" وضعفه في "متى"، لأنه لما رأى أن "إذا" لا تكون إلا للوقت المعين توهم وجوب الإضافة ليحصل التعيين كقولك: إذا طلعت الشمس آتيك، كأنك قلت: حين تطلع الشمس آتيك. ولما رأى أن "متى" للوقت المبهم لم يقو عنده وهم الإضافة، فكان العامل الشرط. والصحيح أن العامل الشرط فيهما جميعا. وما توهم من الإضافة في "إذا" وانتفائه في "متى" أو فيهما جميعا غير صحيح. أما توهمه في "متى" فبعيد، لأنها ليست لتعيين فيتوهم ذلك، وإنما هي للابهام، ولأنه قد ثبت: أي رجل تكرم فإني أكرمه، بنصب "أي" والعامل الشرط باتفاق، فوجب أن يكون ذلك كذلك. وما توهمه في "إذا" دون "متى" فليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من تعيين شرطها إضافتها إليه، لأنا لسنا نعنى بالتعيين إلا أنه لازم أن يكون واقعا، لا أن الظرف يقتضي أن يكون مضافا إليه، فلم يلزم من كونه معينا إضافة الظرف إليه. وإذا لم يلزم ذلك كان كـ "متى" في تقدير أن يكون مضافا وأن لا يكون مضافا. وإذا كانا سواء في صحة التقدير، ومنع من أحد التقديرين مانع وجب الرجوع إلى الآخر، وبيان المانع من أحد التقديرين وهو الإضافة من وجهين: أحدهما: أنه لو كان مضافا لتعين الجزاء للعمل، ولو تعين الجزاء للعمل لوجب أن يكون جملة واحدة، وقد ثبت أنهما جملتان. وإنما التزم ذكرهما لربط الشرط بينهما وعلى تقدير أن يكون الجزاء عاملا لا يكون جملتين فلا يكون الربط لأجل الشرط، وإنما يكون لأجل عمل الجزاء في ظرفه. والوجه الثاني هو: أنه لو كان مضافا لم يكن للظرف عامل في كثير من المواضع كقولك: إذا