Полный текст (7 020 стр.). Показаны 5496–5535 · переход к 5501.
стр. 5496
قال سفيان لم تزل قرنا الكبش فى البيت حتى احترق البيت فاحترقا (باب ما جاء فى صفته وميلاد اسحاق ووفاة سارة ثم وفاته) (وذكر أولاده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) (عن ابن عباس) (١) قال قال رسول الله ﷺ رأيت عيسى بن مريم وموسى وابراهيم (٢) فاما عيسى فأحمر جعد (٣) عريض الصدر، وأما موسى فإنه جسيم، قالوا له فابراهيم؟ قال انظروا الى صاحبكم يعنى نفسه (٤) (وعنه أيضا) (٥) قال قال النبى ﷺ ونظرت الى ابراهيم فلا أنظر الى إرب من آرابه الا نظرت اليه منى كأنه صاحبكم الحواشي
(١) (سنده) حدثنا اسود بن عامر حدثنا اسرائيل عن عثمان يعنى ابن المغيرة عن مجاهد عن ابن عباس الخ (غريبه)(٢) كان ذلك ليلة الاسراء(٣) بفتح الجيم وسكون العين المهملة قال العلماء المراد بالجعد هنا جعودة الجسم وهو اجتماعه واكتنازه ليس المرد جعودة الشعر(٤) معناه انه يشبه النبى ﷺ (تخريجه) (ق، وغيرهما)(٥) (وعنه أيضا) هذا طرف من حديث طويل سيأتى بطوله وسنده وشرحه فى باب الاسراء من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (والإرب) بكسر الهمزة وسكون الراء العضو (وفى الباب) عند الامام احمد ايضا عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ انه قال عرض علّى الأنبياء الحديث تقدم بطوله وسنده وشرحه فى باب خلق الملائكة فى هذا الجزء ص ١٧ رقم ٥٢ (فصل فى ذكر ميلاد اسحاق ﵇ جاء ذكر اسحاق والبشارة بمولده فى غير موضع من كتاب الله (قال الحافظ ابن كثير) وقد كانت البشارة من الملائكة لابراهيم وسارّة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين الى مدائن لوط ليدمروها عليهم لكفرهم وفجورهم قال تعالى (ولقد جاءت رسلنا ابراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ان جاء بعجل حنيذ: الى قوله: حميد مجيد) وقال تعالى (ونبئهم عن ضيف ابراهيم اذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال انما منكم وجلونا الى قوله: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون) وقال عز من قائل (هل أتاك حديث ضيف ابراهيم المكرمين: الى قوله: انه هو الحكيم العليم) يذكر تعالى ان الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل واسرافيل لما وردوا على الخليل حسِبهم اضيافا فعاملهم معاملة الضيوف، شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره فلما قربه اليهم وعرضه عليهم لم يرل هم همة إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة الى الطعام (فنكرهم) ابراهيم (وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف أنا أرسلنا الى قوم لوط) أى لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارّة غضبا لله عليهم (وامرأته قائمة) على رءوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم (فضحكت) فلما ضحكت استبشارا لذلك قال الله تعالى (فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب) أى بشرتها الملائكة بذلك، وقال فى آية أخرى (فأقبلت امرأته فى صرة) أى فى صرخة (فصكت وجهها) أى كما يفعل النساء عند التعجب (قالت يا ويلتنا أألد وأنا عجوز) أى كيف يلد مثلى وأنا كبيرة وعقيم أيضا (وهذا بعلى) أى زوجى (شيخا) تعجبت من وجود ولد والحالة هذه ولهذا قالت (أن هذا لشئ عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت انه حميد مجيد) وكذلك تعجب أبراهيم ﵇ استبشارا بهذه البشارة، وكان سن ابراهيم مائة وعشرين سنة فى قول ابن اسحاق، وقال مجاهد مائة سنة، وكانت سارة ابنة تسعين سنه فى قول ابن اسحاق، وقال مجاهد تسعا وتسعين وكان بين البشارة والولادة سنة، وفى آية أخرى (قال أبشرتمونى على ان مسنى الكبر فيم تبشرون؟ قالوا بشرناك بالحق فلا تكن منстр. 5497
_________
الحواشي
(١) القانطين) أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما (بغلام عليم) وهو اسحاق، وأخوه اسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره، وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر، وقال فى الآية الأخرى (فبشرناها باسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب) وهذا ما استدل به محمد بن كعب القرظى وغيره على أن الذبيح هو اسماعيل وان اسحاق لا يجوز ان يؤمر بذبحه بعد ان وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده (قال الحافظ ابن كثير) فى تفسيره وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه ولله الحمد أه (قلت) تقدم الكلام على الذبيح وتحقيق ذلك فى باب قصة الذبيح وقوله تعالى (وناديناه ان يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا) ومن تفسير سورة الصافات فى الجزء الثامن عشر صحيفة ٢٥٥ رقم ٤٠٧ بما يسر خاطرك فارجع اليه فانه بحث نفيس
(فصل فى ذكر وفاة ساّرة زوج الخليل ثم وفاته أيضا ﵉
قال الحفاظ ابن كثير فى تاريخه ذكر ان جرير فى تاريخه ان مولد ابراهيم كان فى زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الذى يقال ابنه ملك الف سنة وكان فى غاية الغشم والظلم، وذكر بعضهم أنه من بنى راسب الذين بعث اليهم نوح ﵇ وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا، (قلت) جاء فى الكامل لابن الأئير قال جماعة ان نمرود بن كنعان ملك مشرق الأرض ومغربها وهذا قول يدفعه أهل العلم بالسير واخبار الملوك وذلك انهم لا ينكرون ان مولد ابراهيم كان أيام الضحاك الذى ذكرنا بعض اخباره فيما مضى وانه كان ملك شرق الأرض وغربها وقول القائل ان الضحاك الذى ملك الأرض وهو نمرود ليس بصحيح لأن أهل العلم بالمتقدمين يذكرون ان نسب نمرود فى النبط معروف ونسب الضحاك فى الفرس مشهور، وانما الضحاك استعمل نمرود على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عمالا على ذلك وكان هو ينتقل فى البلاد وكان وطنه ووطن أجداده دنيا وند من جبال طبرستان وهناك رمى به افريدون حين ظفر به أهو ذكروا انه طلع نجم اخفى ضوءه الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك؟ فقالوا يولد مولود فى رعيتك يكون زوال ملكك على يديه، فأمر عند ذلك بمنع الرجال والنساء وأن يقتل المولودون فى ذلك الحين، فحماه الله وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وأنبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم ثم اهلك الله نمرود على يديه وهاجر الى حرّان ثم الى أرض الشام واقام ببلاد ايليا كما ذكرنا وولد له اسماعيل واسحاق، ثم ماتت سارة قبله بقربة حيرون التى فى أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب، فحزن عليها ابراهيم ﵇ ورثاها رحمها الله، واشترى من رجل من بنى حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة باربعمائة مثقال ودفن فيها سارة هنالك، قالوا ثم خطب ابراهيم على ابنه اسحاق فزوجه رفقا بنت بنوئيل بن ناحور بن تارخ وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الابل، (وفاة ابراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام) روى ابن عساكر من غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب فى صفة مجيء ملك الموت الى ابراهيم ﵇ أخباراً كثيرة الله أعلم بصحتها، وقد قيل انه مات فجأة وكذا داود وسليمان، والذى ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك، قالوا ثم مرض ابراهيم ﵇ ومات عن مائة وخمس وسبعين سنة، وقيل وتسعين سنة ودفن فى المغارة المذكورة التى كانت بحيرون الحيثى عند امرأته ساّرة التى فى مزرعة عفرون الحيثى، فقيره وقبر ولده اسحاق وقبر ولد ولده يعقوب فى المربعة التى بناها سليمان بن داود عليهстр. 5498
(باب ذكر نبي الله لوط ﵇ وقوله تعالى: قال لو أن لى بكم قوة أو آوى الى ركن شديد) (عن أبى هريرة) (١) قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم خليل الرحمن ، وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لو لبثت فى السجن ما لبث يوسف ثم جاءنى الداعى لأجبته اذ جاء الرسول فقال (ارجع الى ربك فاساله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم) (٢) ، ورحمة الله على لوط إن كان ليأوى إلى ركن شديد إذ قال لقومه (لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد) وما بعث الله من بعده من نبى إلا فى ثروة من قومه (٣) (وعنه طريق ثان) (٤) قال قال رسول الله ﷺ يغفر الله للوط إنه الحواشي
(١) (سنده) حدثنا محمد بن بشر ثنا محمد بن عمرو ثنا أبو سلمة عن أبى هريرة الخ (غريبه)(٢) تقدم شرح هذه الجملة والكلام عليها فى باب فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن ايديهن فى سورة يوسف من كتاب فضائل القرآن وتفسيره فى الجزء الثامن عشر صحيفة ١٨١ رقم ٣١٣(٣) تقدم شرح ذلك فى الجزء الثامن عشر أيضا صحيفة ١٧٩ رقم ٣١٠(٤) (سنده) حدثنا على بن حفص انا ورقاء عن أبى الزناد عن الاعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الخ (تخريجه) (ق. وغيرهما) وقد ذكرت هذا الحديث هنا لمناسبة قصة لوط ﵇ مع قومه (واليك ما جاء فى ذلك) تقدم ان لوطا قد نزح عن محلة عمه الخليل ﵉ بامره له واذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكان أمَّ تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة اليها ولها أهل من أفجر الناس وأكفرهم وأسوءهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة، يقطعون السبيل ويأتون فى ناديهم المنكر، ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون، ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم اليها أحد من بنى آدم وهى إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصحالين، فدعاهم لوط الى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، ونهاهم عن تعاطى هذه المحرمات والفواحش المنكرات، فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البائس الذى لا يرد ما لم يكن فى خلدهم وحسبانهم، وجعلهم مثله فى العالمين، ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم فى غير ما موضع من كتابه المبينстр. 5499
_________
الحواشي
(١) فقال تعالى في سورة العنكبوت (ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون فى ناديكم المنكر) يقول تعالى مخبرا عن نبيه لوط ﵇ انه أنكر على قومه سوء صنيعهم وما كانوا يفعلون من قبائح الأعمال فى اتيانهم الذكران من العالمين ولم يسبقهم الى هذه الفعلة أحد من بنى آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون بالله ويكذبون رسوله ويخالفون ويقطعون السبيل أى يقفون فى طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم (وتأتون فى ناديكم المنكر) أى يفعلون ما لا يليق من الأفعال والأقوال فى مجالسهم التى يجتمعون فيها لا ينكر بعضهم على بعض شيئا من ذلك، فمن قائل كان يأتى بعضهم بعضا فى الملأ قاله مجاهد، ومن قائل كانوا يتضارطون ويتضاحكون قالته عائشة رضى الله عنها والقاسم وقيل غير ذلك، روى الامام احمد والترمذى وابن جرير وابن أبى حاتم من حديث أم هانئ بنت أبى طالب رضى الله عنها قالت سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى (وتأتون فى ناديكم المنكر) قال كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون منهم، فذاك المنكر الذى كانوا يأتون، قال روح فذلك قوله تعالى (وتأتون فى ناديكم المنكر) وهذا الحديث تقدم فى الجزء الثامن عشر صحيفة ٢٢٧ رقم ٣٧١، (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين، قال رب أنصرنى على القوم المفسدين) طلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم فعند ذلك دعا عليهم وسأل رب العالمين أن ينصره على القوم المفسدين، فاستجاب الله لدعوته وأجابه الى طلبته وبعث رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل ابراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم وهو اهلاك قوم لوط، قال السدى خرجت الملائكة من عند ابراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقى من الماء لأهلها، وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا، فقالوا لها يا جارية هل من منزل؟ فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرَفت عليهم من قومها فأتت اباها فقالت يا ابتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هى أحسن منهم، لا يأخذهم قومك فيفضحوهم، وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت، فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت ان فى بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجأءه قومه يهرعون اليه (قال تعالى ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم حصيب: وجاءه قومه يهرعون اليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات) أى هذا ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكثيرة (قال يا قوم هؤلاء بناتى هن أطهر لكم) يرشدهم الى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا: لأن النبى للامة بمنزلة الوالد كما ورد فى الحديث وكما قال تعالى (النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) وفى قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم (فاتقوا الله ولا تخزون فى ضيفى اليس منكم رجل رشيد) نهى لهم عن تعاطى ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بانه ليس فيهم رجل له مسكة من عقل ولا فيه خير بل الجميع سفهاء فجرة كفرة أغبياء وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعوا منه من قبل أن يسألوه عنه، فقال قومه أخزاهم الله ولعنهم (لقد علمت ما لنا فى بناتك من حق وانك لتعلم ما نريد) يقولون لقد علمت يا لوط انه لا ارب لنا فى نسائنا وانك تعلم مرادنا وغرضنا واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا العذاب الأليم ولهذا قال ﵇ (لو ان لى بكم قوة او آوى الى ركن شديد) وَدً أن لو كان له بهم قوة أوله منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ولكن الله أشد قوة واكثر منعا من الاهل والعشيرة، فانا اركن اليه ليحل بهم ما يستحقونه منстр. 5500
أوي إلى ركن شديد (أبواب ذكر ذرية ابراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وقول الله
الحواشي
(١) العذاب الأليم ولذلك قال ﷺ فى حديث الباب (رحمة الله على لوط ان كان ليأوى الى ركن شديد) يعنى الله الحديث، حينئذ قالت الملائكة وهم جبريل وميكائيل واسرافيل ﵈ (يا لوط انا رسل ربك لن يصلوا اليك) قيل ان جبريل ﵇ خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر، فرجعوا يتجسسون مع الحيطان ويتوعدون رسول الرحمن ويقولون اذا كان الغد كان لنا وله شأن، وجاء مصداق ذلك فى قوله تعالى (ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم) ثم أمره الله بوحى من الملائكة بقوله (فأسر باهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد) يعنى عند سماع صوت العذاب اذا حل بقومه وأمره الملائكة ان يكون سيره فى آخرهم كالساقة لهم (إلا امرأتك) قرئ بالنصب والرفع فعلى قراءة النصب يحتمل ان يكون مستثنى من قوله فأسر باهلك كأنه يقول إلا امرأتك فلا تسربها، وعلى قراءة الرفع يحتمل أن يكون مستثنى من ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك أى فانها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم ويقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الأول اظهر فى المعنى: قاله الحافظ بن كثير والله أعلم، وانما أصاب امرأته ما أصابهم لأنها كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط فانتقم الله منها (انه مصيبها ما أصابهم) روى ان لوطا قال أهلكوهم الساعة، فقالوا (إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب)؟ فخرج لوط ﵇ بأهله إلى الشام وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد، ويقال ان امرأته خرجت معه والله أعلم: فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد ومن البأس الشديد ما لا يمكن ان يصد، قال تعالى (فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد) قالوا اقتلعهن جبريل بطرف جناحيه من قرارهن وكن سبع مدن بمن فيهن من الامم، فقالوا كانوا أربعمائة نسمة وقيل أربعة آلاف نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الآراضى والأماكن فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها (وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) السجيل فارسى معرب وهو الشديد الصلب القوى (منضود) أى يتبعِ بعضه بعضا فى نزولها عليهم من السماء (مسومة) أى معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الذى يهبط عليه فيدمغه (عند ربك وما هى من الظالمين ببعيد) وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها ولا بما حولها من الأرض المتاخمة بفنائها لرداأتها ودنائتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته فى انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله وابتع هواه وعصى مولاه، وقيل فى ذلك عبرة وعظة لمن يتشبهون بقوم لوط فى زماننا ويعملون كعملهم وقد ورد فى الحديث (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وان لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم (فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد) فالعاقل اللبيب من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى وانقاد لما أمره الله به وأمتثل ما أرشده اليه رسول الله ﷺ من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال، واياه أن يتبع كل شيطان مريد فيحق عليه الوعيد ويدخل فى قوله تعالى (وما هى من الظالمين ببعيد) نسأله تعالى الهداية والسداد والسلوك بنا إلى سبيل الرشادстр. 5501
تعالى وجعلنا فى ذريته النبوة والكتاب) (باب ذكر نبى الله اسماعيل ﵇ وما جاء فى فضله) (عن سلمة بن الأكوع) (١) قال خرج رسول الله ﷺ على قوم من أسلم وهم يتناضلون فى السوق فقال أرموا يا بنى اسماعيل فان أباكم كام راميا: أرموا وأنا مع بنى فلان لأحد الفريقين، فأمسكوا أيديهم، فقال أرموا، قالوا يا رسول كيف نرمى وأنت مع بنى فلان؟ قال الحواشي
(١) (عن سلمة بن الاكوع الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب الرمى بالسهام من كتاب الجهاد فى الجزء الرابع عشر صحيفة ١٢٨ رقم ٣٥٧ وهو يدل على شجاعة أبى العرب نبى الله اسماعيل ﵇، روى ابن سعد بسنده عن على بن رباح قال قال رسول الله ﷺ كل العرب من ولد اسماعيل ذكر علماء النسب وأيام الناس ان اسماعيل ﵇ أول من ركب الخيل وكانت قبل ذاك وحوشا فاّنسها وركبها، وقد قال سعيد بن يحي الأموى فى مغازيه حدثنا شيخ من قريش حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال اتخذوا الخيل واعتبقوها (أى أو لعوا بها واقتنوها) فانها ميراث أبيكم اسماعيل معناه أنه كان مولعا بركوب الخيل واقتنائها وانتم أبناؤه ترثون ذلك عنه، وأنه ﵇ أول من تكلم بالعربية الفصيحة وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جُرهُم والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل، قال الأموى حدثنى على بن المغيرة حدثنا أبو عبيدة حدثنا مسمع بن مالك عن محمد بن على بن الحسين عن أبائه عن النبى ﷺ أنه قال أوّل من فتق لسانه بالعربية البينة اسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة، فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثنى، وهو الابن البكر لابراهيم ﵉ وقد كان للخليل بنون كما تقدم ولكن أشهرهم الاخوان النبيان العظيمان الرسولان: أسنهما وأجلهما الذى هو الذبيح على الصحيح اسماعيل بكر ابراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية: ومن قال ان الذبيح هو اسحاق فانما تلقاه من نقلة بنى اسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأوّلوا التوراة والانجيل وخالفوا ما بأيديهم فى هذا من التنزيل، وأيّا ما كان فهو اسماعيل بنص الدليل ففى نص كتابهم ان اسماعيل ولد ولابراهيم من العمر ست وثمانون سنة، وانما ولد اسحاق بعد مضى مائه سنة من عمر الخليل، فاسماعيل هو البكر لا محالة وقصة ذبحه تقدمت وتحقيق أنه الذبيح فى كتاب فضائل القرآن وتفسيره فى الجزء الثامن عشر صحيفة ٢٥٥ رقم ٤٠٧ فارجع اليها، وقد أثنى الله تعالى عليه فى كتابه العزيز فى غير موضع ووصفه بالحا والصبر وصدق الوعد والمحافظة عل الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو اليه من عبادة رب الأرباب: قال تعالى (واذكر فى الكتاب اسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا) وغير ذلك كثير مما لو ذكرناه لطال بنا المقام، وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها، قال الأموى هى عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العمليقى، ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهى السيدة بنت مضاض بن عمر الجرهمى فولد له اثنى عشر ولدا ذكرا وقد سماهم محمد بن اسحاق ﵀ وهم نابت وقيذر وفى نسخة قيذار. وازيل وميشى ومسمع وماش. ودوصا. وأرر وفى نسخة وأزر. ويسطور، وفى نسخة ورطور. ونبش وطيما. وفى نسخة وطمبا.стр. 5502
ارموا وأنا معكم كلكم (باب ذكر نبى الله اسحاق ثم يعقوب ثم يوسف ﵈ (عن ابن عمر) عن النبى ﷺ قال الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم ﷺ
الحواشي
(١) (سنده) حدثنا عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر الخ (تخريجه) (خ) ونقله الحافظ السيوطى فى الدور المنثور وعزاه للامام احمد والبخارى فقط، وقد تضمن هذا الحديث الثناء على أربعة من الانبياء وهو ابراهيم خليل الرحمن ثم ولده اسحاق ثم يعقوب بن اسحاق ثم يوسف بن يعقوب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أما قصة ابراهيم فقد قدمت مستوفاة، ولما كان الكلام على قصص هؤلاء الثلاثة مرتبطا بعضه ببعض جعلته تحت ترجمة واحدة مبتدئا بنبى الله إسحاق ثم يعقوب ﵉ فأقول (قال الحافظ بن كثير فى تاريخه) قد قدمنا أنه ولد ولأبيه مائة سنة بعد أخيه اسماعيل بأربع عشرة سنة وكان عمر أمه سارّة حين بشرت به تسعين سنة قال الله تعالى (وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى اسحاق ومن ذرتهما محسن وظالم لنفسه مبين) وقد ذكره الله تعالى بالثناء فى غير ما آية من كتابه العزيز وقدمنا فى حديث أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أن الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم (قلت) تقدم حديث أبى هريرة فى أول باب ذكر لوط ﵇ وسيأتى أيضا فى أول باب ذكر يوسف ﵇ قال وذكر أهل الكتاب أن اسحاق لما تزوج رفقا بنت بتواييل فى حياة أبيه كان عمره أربعين سنة، وأنها كانت عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو، وهو الذى تسميه العرب العيص وهو والد الروم، والثانى خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو اسرائيل الذى ينتسب اليه بنو اسرائيل، قالوا وكان اسحاق يحب العيصو أكثر من يعقوب لأنه بكره، وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لأنه الأصغر، قالوا فلما كبر اسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره ان يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغى ذلك، فأمرت رفقا ابنها يعقوب ان يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتى اليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء بهстр. 5503
_________
الحواشي
(١) وقرّ به قال من أنت؟ قال ولدك، فضمه اليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب، وأما الجسد والثياب فالعيص، فلما أكل وفرغ دعا له ان يكون أكبر أخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وان يكثر رزقه وولده، فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقر به اليه فقال له ما هذا يابنى؟ قال هذا الطعام الذى أشتهيته فقال أما جئتنى به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله، وعرف أن أخاه قد سبقه الى ذلك فوجد فى نفسه عليه وجدا كثيرا: وذكروا انه تواعده بالقتل اذا مات أبوهما، وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وان يجعل لذريته غليظ الأرض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب ان يذهب الى أخيها لابان الذى بأرض حرّان وان يكون عنده الى حين يسكن غضب أخيه عليه وان يتزوج من بناته، وقالت لزوجها اسحاق ان يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل، فخرج يعقوب ﵇ من عندهم من آخر ذلك اليوم فأدركه المساء فى موضع فنام فيه، أخذ حجراً فوضعه تحت رأسه ونام فرأى فى نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء الى الأرض واذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب ﵎ يخاطبه ويقول له انى مما بارك عليك وأكثر ذريتك وأجعل لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك، فلما هب من نومه فرح بما رآى ونذر لله لئن رجع الى أهله سالما ليبين فى هذا الموضع معبدا لله وان جميع ما يرزق من شئ يكون لله عشره، ثم عمد الى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمى ذاك الموضع بيت إيل أى بيت الله وهو بيت المقدس اليوم الذى بناه يعقوب بعد ذلك، قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حرَّان اذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما واجملهما، فحطب اليه راحيل فأجابه الى ذلك بشرط ان يرعى على غنمه سبع سنين، فلما مضت المدة على خاله لابان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف اليه ليلاً ابنته الكبرى ليا، وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر، فلما أصبح يعقوب اذا هى ليا فقال لخاله لم غدرت بى وانت انما خطبت اليك راحيل؟ فقال انه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وازوجكها فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع اختها وكان ذلك سائغا فى ملتهم ثم نسخ فى شريعة التوراة، وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لأن فعل يعقوب ﵇ دليل على جواز هذا واباحته لأنه معصوم، ووهب لابان لكل واحدة من ابنتيه جارية، فوهب لليا جارية اسمها زلفى، ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى، وجبر الله تعالى ضعف ليا بأن وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا، فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالى فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب ﵇ فولدت له جاد (وفى بعض النسخ حاذ) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت ليا أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (وفى نسخه انساخر، ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون، ثم حملت وولدت بينا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله نداءها وأجاب دعاءها فحملت من نبى الله يعقوب فولدت له غلاما عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض حَّران (جاء فى الطبرى بأرض بابل) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين بسنينстр. 5504
_________
الحواشي
(١) أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة، فطلب يعقوب من خاله لابان ان يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله إنى قد بروك لى بسببك فسلنى من مالى ما شئت، فقال تعطيني من كل حمل يولد من غنمك هذه السنة ابقع. وكل حمل ملع أبيض بسواد. وكل املح ببياض. وكل أجلح أبيض من المعز. فقال نعم، فجاء كل ما ولدته الغنم فى تلك السنة على هذه الصفة، وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم فى سلك المعجزات، فصار ليعقوب ﵇ أغنام كثيرة ودواب وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه، وأوحى الله تعالى الى يعقوب، ان يرجع الى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه، فعرض ذلك على أهله فاجابوه مبادرين الى طاعته، فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل أصنام أبيها، فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لابان وقومه، فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه فى خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم فى فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن، ولم أخذوا أصنامه معهم؟ ولم يكن عند يعقوب علم عن أصنامه فأنكر ان يكونوا أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئا، وكانت راحيل قد جعلتهن فى بردعة الحمل وهى تحتها فلم تقم واعتذرت بأنها طاعت فلم يقدر عليهن، فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على انه لا يهين بناته ولا يتزوج عليهن ولا يجاوز هذه الرابية الى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب، وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين الى بلادهم، فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم، وبعث يعقوب البرد الى أخيه العيصر يترفق له ويتواضع له، فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بأن العيص قد ركب اليك فى أربعمائة رجل فخشى يعقوب من ذلك ودعا الله وصلى له وتضرع اليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الذى وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص، وأعد لأخيه هدية عظيمة وهى مئتا شاة وعشرون تيسا ومئتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لِقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر، وأمر عبيده ان يسوقوا كلا من هذه الأصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة، فاذا لقيهم العيص فقال للأول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدى العيص، وليقل الذى بعده كذلك وكذا الذى بعده، ويقول كل منهم وهو جاء بعدنا، وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيها ليلا ويكمن نهارا، فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدا له ملك من الملائكة فى صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس، فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى الا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب، فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك؟ قال يعقوب قال لا ينبغى أن تدعى بعد اليوم الا اسرائيل، فقال له يعقوب ومن أنت وما اسمك؟ فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة، وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل بنو اسرائيل عرق النساء، ورفع يعقوب عينيه فاذا أخوه عيصو قد أقبل فى أربعمائة راجل فتقدم أمام أهله، فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم فى ذلك الزمان، وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد إخوة يوسف وأبواه له كما سيأتى، فلما رآه العيص تقدم اليه واحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر الى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاءِ؟ فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك، فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له، ودنت ليا وبنوها فسجدوا له، ودنت راحيل وابنها يوسف فخرا سجدا له، وعرض عليه أن يقبل هديته والح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الأنعام والمواشيстр. 5505
(باب ذكر نبي الله يوسف ﵇ (عن أبى هريرة) (١) قال قال رسول الله ﷺ إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم خليل الرحمن، وقال رسول الله ﷺ لو لبثت في السجن مالبث يوسف ثم جاءنى الداعى لأجبته إذ جاءه الرسول ﷺ فقال أرجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم الحواشي
(١) (عن أبى هريرة) الخ هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى أول باب ذكر لوط ﵇ وانما ذكرته هنا لمناسبة قصة يوسف ﵇ وقد ذكرها الحافظ ابن كثير فى تاريخه مطولة جدا فقد أتى بسورة يوسف جميعها وفسرها آية آية وأطال فى ذلك، ولما كانت قصة يوسف ﵇ أحسن وأطول ما قص الله علينا فى كتابه من ذكر أنبيائه عليهم الصلاة والسلام اقتصرت على ما ذكره الحافظ ابن الأثير فى تاريخه الكامل فقد أتى بملخص ما جاء فيها من القرآن الكريم (قال ﵀ ذكروا أن اسحاق توفى وعمره ستون ومائة سنة وقبره عند أبيه ابراهيم دفنه ابناه يعقوب وعيص فى مزرعة حبرون (قلت) جاء فى تاريخ ابن كثير أن اسحاق مات وعمره ثمانون ومائة سنة والله أعلم) وكان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة، وكان ابنه يوسف قد قسم له ولامه شطر الحسن وكان يعقوب قد دفعه الى أخته ابنة اسحاق تحضنه فأحبته حبا شديدا وأحبه يعقوب أيضا حبا شديدا فقال لأخته يا أخية أ-لِى الىَّ يوسف فوالله ما أقدر أن يغيب عنى ساعة، فقالت والله ما أنا بتاركته ساعة فأصر يعقوب على أخذه منها فقالت اتركه عندى أياما لعل ذلك يسلينى، ثم عمدت الى منطقة اسحاق وكانت عندها لأنها كانت أكبر ولده فحزمتها على وسط يوسف ثم قالت قد فقدت المنطقة فانظروا من أخذها، فالتمست فقالت أكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف وكان من مذهبهم أن صاحب السرقة يأخذ السارق له لا يعارضه فيه أحد فأخذت يوسف فأمسكته عندها حتى ماتت وأخذه يعقوب بعد موتها فهذا الذى تأول أخوة يوسف (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) وقيل فى سرقته غير هذا، فلما رأى أخوة يوسف محبة أبيهم له واقباله عليه حسدوه وعظم عندهم، ثم إنстр. 5506
_________
الحواشي
(١) يوسف رأى فى منامه كأن أحد عشر كوكبا والشمس والقمر تسجد له فقصها على أبيه وكان عمره حينئذ اثنتى عشرة سنة فقال له أبوه (يا بنى لا تقصص رؤياك على اخوتك فيكبدوا لك كيدا ان الشيطان للانسان عدو مبين) ثم عبر له رؤياه فقال (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث) وسمعت امرأة يعقوب ما قال يوسف لابيه فقال لها يعقوب اكتمى ما قال يوسف ولا تخبرى أولادك قالت نعم، فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعى أخبرتهم بالرؤيا فازدادوا حسدا وكراهة له، وقالو ما عنى بالشمس غير أبينا ولا بالقمر غيرك ولا بالكواكب غيرنا، ن ابن راحيل يريد ان يتملك علينا ويقول أنا سيدكم، وتآمرو بينهم أن يفرقوا بينه وبين أبيه قالوا (ليوسف أحب الى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفى ضلال مبين) فى خطأ بين فى إيثاره علينا (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين) أى تائبين (قال قائل منهم) وهو يهوذا وكان أفضلهم واعقلهم (لا تقتلوا يوسف) فان القتل عظيم (وألقوه فى غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة) وأخذ عليهم العهود انهم لا يقتلونه، فأجمعوا عند ذلك ان يدخلوا على يعقوب ويكلموه فى ارسال يوسف معهم الى البرية، وأقبلوا اليه ووقفوا بين يديه وكذلك كانوا يفعلون اذا أرادوا منه حاجة، فلما رآهم قال ما حاجتكم (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون) تحفظه حتى نرده (ارسله معنا) الى الصحراء (غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون) فقال لهم يعقوب (إنى ليحزننى ان تذهبوا به وأخاف ان يأكله الذئب وانتم عنه غافلون) لا تشعرون، وانما قال لهم ذلك لأنه كان رأى فى منامه كأن يوسف على رأس جبل وكأن عشرة من الذئاب قد شدوا عليه ليقتلوه واذا ذئب منها يحمى عنه وكأن الأرض انشقت فذهب فيها فلم يخرج منها إلا بعد ثلاثة أيام فلذلك خاف عليه الذئب فقال له بنوه (لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا اذا لخاسرون) فلما سمع يعقوب ذلك اطمأن اليهم، فقال يوسف يا أبت أرسلنى معهم، قال وتحب ذلك؟ قال نعم، فاذن له فلبس ثيابه وخرج معهم وهم يكرمونه فلما برزوا الى البرية اظهروا له العداوة وجعل بعض اخوته يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى منهم رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه وجعل يصيح يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما يصنع بابنك بنو الإماء فلما كادوا يقتلونه قال لهم يهوذا اليس قد أعطيتمونى موثقا ان لا تقتلوه؟ فانطلقوا به الى الجب فأوثقوه كتافا ونزعوا قميصه وألقوه فيه، فقال يا أخوتاه ردوا على قميصى أتوارى به فى الجب، فقالوا ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا يؤانسونك، قال انى لم أر شيئا، فدلوه فى الجب فلما بلغ نصفه القوه وأرادوا أن يموت وكان فى البئر ماء فسقط فيه ثم آوى إلى صخرة فأقام عليها ثم نادوه فظن انهم رحموه فاجابهم فارادوا ان يرضخوه بالحجارة فمنعهم يهوذا ثم أوحى الله اليه (لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون) بالوحى، وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال وهم لا يشعرون أى لتخبرنهم بأمرهم هذا فى حال لا يعرفونك بها أى لا يشعرون انه يوسف: والجب بأرض بيت المقدس معروف، ثم عادوا الى أبيهم عشاء يبكون فقالوا (يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب) فقال لهم أبوهم (بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل) ثم قال لهم أرونى قميصه فأروه، فقال تالله ما رأيت ذئبا أحلم من هذا، أكل أبنى ولم يشق قميصه ثم صاح وخر مغشيا عليه ساعة فلما أفاق بكى بكاءا طويلا فأخذ القميص بقبله ويشمه وأقامстр. 5507
_________
الحواشي
(١) يوسف في الجب ثلاثة أيام وأرسل الله ملكا فحل كتافه ثم جاءت سيارة (فارسلوا واردهم) وهو الذى يتقدم الى الماء فادلى دلوه الى البئر فتعلق به يوسف فأخرجه من الجب وقال (يابشرى هذا غلام) أى تباشروا، وقيل بشرى اسم غلام (وأمرِّوه بضاعة) يعنى الوارد وأصحابه خافوا ان يقولوا اشتريناه فيقول الرفقة أشركونا فيه فقال إن أهل الماء استبضعونا هذا الغلام، وجاء يهوذا بطعام ليوسف فلم يره فى الجب فنظر فرآه عند مالك (يعنى ابن ذعر بن نويب بن عنقا بن مديان بن ابراهيم كذا لابن كثير فى تاريخه) فى المنزل فأخبر اخوته بذلك فأتو مالكا وقالوا هذا عبد أبق منا وخافهم يوسف فلم يذكر حاله واشتروه من اخوته بثمن بخس قيل عشرون درهما، وقيل أربعون درهما، وذهبوا به الى مصر فكساه مالك وعرضه للبيع فاشتراه قطفير وقيل أطفير وهو العزيز وكان على خزائن مصر، والملك يومئذ الريان ابن الوليد رجل من العمالفة، قيل ان هذا الملك لم يمت حتى آمن بيوسف ومات ويوسف حى، وملك بعده قابوس بن مصعب فدعاه يوسف فلم يؤمن فلما اشترى يوسف وأتى به منزله قال لامرأته واسمها راحيل وقيل زليخا (أكرمى مثواه عسى أن ينفعنا) إذا فهم الأمور (أو نتخذه ولدا) وكان لا يأتى النساء وكانت امرأته حسناء ناعمة فى ملك ودنيا، فلما خلا من عمر يوسف ثلاث وثلاثون سنة آتاه الله العلم والحكمة قبل النبوة وراودته راحيل عن نفسه واغلقت الأبواب عليه وعليها ودعته الى نفسها (فقال معاذ الله انه ربى) يعنى ان زوجك سيدى (أحسن مثواى انه لا يفلح الظالمون) يعنى ان خيانته ظلم وجعلت تذكر محاسنه وتشوقه الى نفسها فقالت له يا يوسف ما أحسن شعرك، قال هو أول ما ينثر من جسدى، قالت يا يوسف ما أحسن عينيك، قال هى أول ما يسيل من جسدى، قالت ما أحسن وجهك، قال هو للتراب فلم تزل به حتى همت به وهم بها: وهنا نقل الحافظ ابن الأثير بعض أقوال من تقدمه من المفسرين لقوله تعالى (ولقد همّت به وهّم بها لولا أن رأى برهان ربه) وفيها شئ لا يليق بكرامة الأنبياء والذى أختاره أنا من أقول المحققين ان الهم همان، همّ ثابت وهو اذا كان معه عزم وعقد ورضىّ مثل هم امرأة العزيز، والعبد مأخوذ به، وهمُّ عارض وهو الخاطر وحديث النفس من غير اختيار ولا عزم، مثل هم يوسف ﵇، والعبد غير ماخوذ به ما لم يتكلم أو يعمل، ويؤيد ذلك ما رواه ابن عباس عن النبى ﷺ يرويه عن ربه قال (ان الله كتب الحسنات والسيئات فم هم بحسنة فلم يعلمها كتب الله له عنده حسنة كاملة، وان عملها كتبها الله عشرا إلى سبعمائة الى أضعاف كثيرة أو الى ما شاء الله ان يضاعف، ومن هم بسيئة فلم يعلمها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فان عملها كتبها الله سيئة واحدة، وهذا الحديث رواه الشيخان والامام احمد وتقدم فى باب إحسان النية على الخير الخ من كتاب النية والاخلاص فى العمل فى الجزء التاسع عشر صحيفة ٧ رقم ١٥ فارجع اليه واقرأ الباب كله تجد ما يسرك، أما البرهان الذى رآه يوسف ﵇ فللعلماء فيه أقوال كثيرة اختار منها ما قاله ابن جرير (قال ﵀ والصواب أن يقال إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا فى الزجر عن ذلك ولا حجة قاطعة على تعيين شئ من ذلك فالصواب أن يطلق كما قال تعالى والله أعلم أه (قال الحافظ ابن الاثير) فقام حين رأى برهان ربه هاربا يريد الباب، فأدركته قبل خروجه من الباب فجذبت قميصه من قِبَل ظهره فقدّته (وألفيا سيدها لدى الباب) أى وجدا سيدها وابن عمها معه فقالت له (ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن)стр. 5508
_________
الحواشي
(١) قال يوسف (هي راودتني عن نفسي) فهربت منها فادركتنى فقدّت قميصى ـ قال ابن عمها تبيان هذا فى القميص، فان كان قُدَّ من قبل فصدقت، وإن كان قُدَّ من دبر فكذبت، فانى بالقميص فوجده قُدِّ من دبر فقال (انه من كيدكن ان كيدكن عظيم) وقيل كان الشاهد صبيا فى المهد، قال ابن عباس تكلم أربعة فى المهد وهم صغار، ابن ماشطة فرعون. وشاهد يوسف. وصاحب جريج. وعيسى بن مريم، وقال زوجها ليوسف (أعرض عن هذا) أى عن ذكر ما كان منها فلا تذكره لأحد، ثم قال لزوجته (استغفرى لذنبك انك كنت من الخاطئين) وتحدث النساء بامر يوسف وامرأة العزيز وبلغ ذلك امرأة العزيز (فارسلت اليهن وأعدت لهن متكئا) يتكئن عليه وسائد وحضرن وقدمت لهن اترنجا وأعطت (كل واحدة منهن سكينا) لقطع الأترنج وقد اجلست يوسف فى غير المجلس: الذى هن فيه وقالت (اخرج عليهن) فخرج (فلما رأينه اكبرنه) اى اعظمنه (وقطعن ايديهن) بالسكاكين ولا يشعرن (وقلن حاشا لله ما هذا بشرا، إن هذا الا ملك كريم) فلما حل بهن ما حل من قطع ايديهن وذهاب عقولهن وعرفن خطأهن فيما قلن، اقرت على نفسها وقالت (فذلكن الذى لمتننى فيه، ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين) فاختار يوسف السجن على معصية الله فقال (رب السجن أحب الىَّ مما يدعوننى اليه والا تصرف عنى كيدهن أصب اليهن واكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن) ثم بدا للعزيز من بعدما ما رأى الآيات فى القميص وخمش الوجه وشهادة الطفل وتقطيع النسوة أيديهن بداله ترك يوسف مطلقا، وقيل إنها شكت إلى زوجها وقالت أن هذا العبد قد فضحنى فى الناس يخبرهم اننى راودته عن نفسه فسجنه سبع سنين، فلما حبس يوسف أدخل معه السجن فتيان من أصحاب فرعون مصر، أحدهما صاحب طعامه والآخر صاحب شرابه لأنهما نقل عنهما انهما يريدان أن يسما الملك، فلما دخل يوسف السجن قال انى أعبر الأحلام، فقال احد الفتيان للآخر هلم فلنجو به قال الخباز (انى ارانى احمل فوق راسى خبرا تاكل الطير منه) وقال الآخر (انى ارانى أعصر خمرا) فقال لهما يوسف (لا ياتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتاويله قبل ان ياتيكما) كره ان يعبر لهما ما سألاه عنه واخذ فى غير ذلك وقال (يا صاحبى السجن ارباب متفرقون خير إم الله الواحد القهار) وكان اسم الخباز سجلت واسم الآخر نبو، فلم يدعاه حتى اخبرهما بتأويل ما سألاه عنه، فقال (اما احدكما) وهو الذى راى انه يعصر الخمر (فيسقى ربه خمرا) يعنى سيده الملك (واما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه) فلما عبر لها قالا ما رأينا شيئا، قال (قضى الأمر الذى فيه تستفتيان) ثم قال لنبو وهو الذى (ظن انه ناج منهما اذكرنى عند ربك) واخبره انى محبوس ظلما (فأنساه الشيطان ذكر ربه) غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان فأوحى الله اليه يا يوسف اتخذت من دونى وكيلا لأطيلن حبسك (فبث فى السجن بضع سنين) أى سبع سنين ثم ان الملك وهو الريان بن الوليد بن الهروان بن أراشة ابن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى رؤيا هائلة، رأى (سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف) ورأى (سبع سنبلات خضر وأخر يابسات) فجمع السحرة والكهنة والحازة والعافة فقصها عليهم فقالوا (اضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين) وقال الذى نجا منهما واذكر بعد أمة أى حين (انا انبئكم بتأويله فأرسلون) فأرسلوه الى يوسف فقص عليه الرؤيا فقال (تزرعون سبع سنين دأبا فذروه فى سنبله إلا قليلا مما تاكلون، ثم ياتى من بعد ذلك سبعстр. 5509
_________
الحواشي
(١) شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون، ثم يأتى من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون) فان البقر السمان سنون مخاصيب، والبقرات العجاف السنون المُحول وكذلك السنبلات الخضر واليابسات فعاد نبو الى الملك فاخبره فعلم ان قول يوسف حتى فقال (ائتونى به فلما جاءه الرسول) ودعاه الى الملك لم يخرج معه وقال (ارجع الى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن) فلما رجع الرسول من عند يوسف سأل الملك أولئك النسوة فقلن (حاش لله ما علمنا عليه من سوء) ولكن امرأة العزيز أخرتنا أنها راودته عن نفسه قالت امرأة العزيز و (انا راودته عن نفسه) فقال يوسف انما رددت الرسل ليعلم سيدى (انى لم اخنه بالغيب) فى زوجته فلما قال ذلك قال له جبريل ولا حين هممت بها؟ فقال يوسف (وما ابرء نفسى ان النفس لأمارة بالسوء) (قلت جاء فى تفسير هذه الآية غير ذلك عند المحققين انظر تفسير هذه الآية فى باب فاساله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن من كتاب فضائل القرآن وتفسيره فى الجزء الثامن عشر من الفتح الربانى صحيفة ١٨١ و ١٨٢) فلما فهم الملك براءة يوسف وأمانته قال (ائتونى به استخلصه لنفسى) فلما جاءه الرسول خرج معه ودعا لأهل السجن وكتب على بابه هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وتجربة الاصدقاء وشماتة الأعداء، ثم اغتسل ولبس ثيابه وقصد الملك فلما وصل اليه وكلمه (قال انك اليوم لدينا مكين أمين) فقال يوسف (اجعلنى على خزائن الأرض) فاستعمله بعد سنة، ولو لم يقل اجعلنى على خزائن الأرض لا استعمله من ساعته فسلم خزائنه كلها اليه بعد سنة وجعل القضاء اليه وحكمه نافذا ورد اليه عمل قطفير سيده بعد ان هلك وكان هلاكه فى تلك الليالى، وقيل بل عزله فرعون وولى يوسف عمله والأول أصح، لأن يوسف تزوج امرأته على مانذكره، ولما ولى يوسف عمل مصر دعا الملك الريان الى الايمان فآمن ثم توفى، ثم ملك بعده مصر قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرة بن عملاق فدعاه يوسف الى الآيمان فلم يؤمن، وتوفى يوسف فى ملكه ثم ان الملك الريان زوج يوسف راحيل امرأة سيده، فلما دخل بها قال أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت أبها الصديق لا تلمنى فانى كنت امرأة حسناء جميلة فى ملك ودنيا وكان صاحبى لا يأتى النساء وكنت كما جعلك الله فى حسنك فغلبتنى نفسى: ووجدها بكرا فولدت له ولدين افرايم ومنشا، فلما ولى يوسف خزائن أرضه ومضت السنوات السبع المخصبات وجمع فيها الطعام فى سنبله ودخلت السنوات المجدبة وقحط الناس وأصابهم الجوع وأصاب بلاد يعقوب التى هو بها فبعث بنيه الى مصر وأمسك بنيامين أخا يوسف لأمه (يعنى شقيقه) فلما دخلوا على يوسف عرفهم وهم له منكرون، وانما أنكروه لبعد عهدهم ولتغير لبسه فانه لبس ثياب الملوك فلما نظر اليهم قال أخبرونى ما شأنكم؟ قالوا نحن من الشام جئنا نمتار الطعام، قال كذبتم أنتم عيون فأخبرونى خبركم، قالوا نحن عشرة أولاد رجل واحد صديق، كنا اثنى عشر وانه كان لنا أخ فخرج معنا الى البرية فهلك وكان أحبنا الى أبينا، قال فالى من سكن أبوكم بعده؟ قالوا الى أخ لنا أصغر منه، قال فأتونى به أنظر اليه (فان لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه) قال فاجعلوا بعضكم عندى رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون اصابته القرعة، وجهزهم يوسف بجهازهم (وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم) يعنى ثمن الطعام (فى رحالهم لعلهم يعرفونها اذا انقلبوا إلى اهلهم لعلهم يرجعون) لما علم ان امانتهم وديانتهم تحملهم على رد البضاعة فيرجعون اليه لاجلها، وقيل رد ما لهم لأنه خشى ان لا يكون عند ابيه ما يرجعون مرة اخرى، فاذا رأوا معهم بضاعة عادوا، وكان يوسف حين رأىстр. 5510
_________
الحواشي
(١) ما بالناس من الجهد قد آسى بينهم وكان لا يحمل للرجال الا بعيرا فلما رجعوا الى أبيهم باحمالهم قالوا يا أبانا ان عزيز مصر قد أكرمنا كرامة لو انه بعض أولاد يعقوب ما زاد على كرامته وانه ارتهن شمعون وقال ائتونى باخيكم الذى عطف عليه ابوكم بعد أخيكم (فان لم تأتونى به فلا كيل لكم عندى ولا تقربون) (قال هل آمنكم عليه الا كما أمنتكم على أخيه من قبل) (ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم رُدّت اليهم قالوا يا أبانا ما نبغى هذه بضاعتنا ردت الينا ونمير أهلنا ونحفظ اخانا ونزداد كيل بعير) ثم قال (لن ارسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتننى به إلا ان يحاط بكم، فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل) ثم اوصاهم أبوهم بعد ان اذن لأخيهم فى الرحيل معهم وقال (يا بنى لا تدخلوا من باب واحد وأدخلوا من ابواب متفرقة) خاف عليهم العين وكانوا ذوى صورة حسنة ففعلوا كما امرهم ابوهم (ولما دخلوا على يوسف آوى اليه اخاه) وعرفه وانزلهم منزلا واجرى عليهم الوظائف وقدّم لهم الطعام وأجلس كل اثنين على مائدة، فبقى بنيامين وحده فبكى وقال لو كان اخى يوسف حيا لاجلسنى معه، فقال يوسف لقد بقى أخوكم هذا وحيدا، فأجلسه معه وقعد يؤاكله، فلما كان الليل جاءهم بالفرش وقال لينم كل أخوين منكم على فراش وبقى بنيامين وحده. فقال هذا ينام معى، فبات معه على فراشه فبقى يشمه ويضمة اليه حتى أصبح، وذكر له بنيامين حزنه على يوسف، فقال له أتحب أن أكون عوض أخيك الذاهب؟ فقال بنيامين ومن يجد أخا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل فبكى يوسف وقام اليه فعانقه وقال له إنى أنا اخوك يوسف فلا تبتئس بما فعلوه بنا فيما مضى فان الله قد أحسن الينا ولا تعلمهم بما اعلمتك. فلما علم بنيامين أن يوسف أخوه قال لا أفارقك، قال يوسف أخاف غم أبوينا ولا يمكننى حبسك الا بعد أن اشهرك بأمر فظيع، قال افعل: قال فانى اجعل الصاع فى رحلك ثم أنادى عليك بالسرقة لآخذك منهم، قال افعل، فلما ارتحلوا (أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون قالوا تا لله لقد علمتم ما جئنا لنفسد فى الأرض وما كنا سارقين) لأننا رددنا ثمن الطعام الى يوسف فلما قالوا ذلك (قالوا فما جزاؤه إن كنت كاذبين، قالوا جزاؤه من وجد فى رحله فهو جزاؤه) تأخذونه لكم (فبدأ بأوعيتهم) ففتشها (قبل وعاء اخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) فقالوا (إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل) يعنون يوسف، وكانت سرقته حين سرق صنما لجده أبى أمه فكسره فعيروه بذلك، وقيل ما تقدم ذكره من من المنطقة، فلما استخرجت السرقة من رحل الغلام قال اخوته يا بنى راحيل لا يزال لنا منكم بلاء فقال بنيامين بل بنو راحيل ما يزال لهم منكم بلاء: وضع هذا الصاع فى رحلى الذى وضع الدراهم فى رحالكم، فاخذ يوسف اخاه بحكم اخوته، فلما رأوا نهم لا سبيل لهم عليه سألوه ان يتركه لهم فقالوا (يا إيها العزيز إن له ابا شيخا كبيرا فخذ احدنا مكانه) فقال (معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده) فلما أيسوا من خلاصه خلصوا نجيا لا يختلط بهم غيهم، فقال كبيرهم وهو شمعون وقيل روبيل (الم تعلموا ان اباكم قد اخذ عليكم موثقا من الله) ان نأتيه باخينا الا أن يحاط بنا: ومن قبل هذه المرة ما فرطتم فى يوسف فلن ابرح الأرض حتى يأذن لى ابى بالخروج وقيل بالحرب فارجعوا الى ابيكم فقصوا عليه خبركم، فلما رجعوا الى ابيهم فأخبروه بخبر بنيامين وتخلف شمعون قال (بل سّولت لكم انفسكم امرا فصبر جميل عسى الله ان يأتينى بهم جميعا) بيوسف واخيه وشمعون، ثم اعرض عنهم وقال واحزناهстр. 5511
_________
الحواشي
(١) على يوسف (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) مملوء من الحزن والغيظ فقال له بنوه (لا تزال تذكر يوسف حتى تكون حرضا) اى مشرفا على الهلاك (او تكون من الهالكين) فاجابهم يعقوب فقال (انما اشكو بثى وحزنى الى الله واعلم من الله ما لا تعلمون) من صدق رؤيا يوسف قبل بلغ من وجد يعقوب وجد ئكلى، واعطى على ذلك اجر مائة شهيد، ثم إن يعقوب أمر بنيه الذين قدموا عليه من مصر بالرجوع اليها وتحسس الاخبار عن يوسف واخيه فرجعوا الى مصر فدخلوا على يوسف وقالوا (يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة) يعنى قليلة (فأوف لنا الكيل) قيل كانت بضاعتهم دراهم زيوفا وقيل كانت سمنا وصوفا وقيل غير ذلك (وتصدق علينا) بفضل مابين الجيّد والرديئ، وقيل بزد أخينا علينا، فلما سمع كلامهم غلبَته نفسه فارفض دمعه باكيا ثم باح لهم بالذى كان يكتم فقال (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه اذ انتم جاهلون، قالوا ائتك لأنت يوسف؟ قال انا يوسف وهذا أخى قد من الله علينا) بان جمع بيننا فاعتذروا وقالوا (تاالله لقد آثرك الله علينا وان كنا لخاطئين قال لا تثريب عليكم اليوم) أى لا أذكر لكم ذنبكم (يغفر الله لكم) ثم سألهم عن أبيه فقالوا لما فاته بنيامين عمى من الحزن فقال (اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وائتونى باهلكم أجمعين) فقال يهوذا انا أذهب به لأنى ذهبت اليه بالقميص ملطخا بالدم وأخبرته ان يوسف أكله الذئب، فأنا أخبره انه حى فافرحه كما أحزنته وكان هو البشير (ولما فصلت العير) عن مصر حملت الريح الى يعقوب بريح يوسف وبينهما ثمانون فرسخا يوسف بمصر ويعقوب بأرض كنعان فقال يعقوب (انى لأجد ريح يوسف لولا ان تفندون) فقال له من حضره من أولاده (تا لله انك) من ذكر يوسف (لفى ضلالك القديم: فلما أن جاء البشير) بقميص يوسف (القاه على وجهه) أى على وجه يعقوب (فارتد بصيرا) أى عاد بصيرا كما كان أوٌلا (قال لم أقل لكم انى أعلم من الله ما لا تعلمون) يعنى تصديق الله تأويل رؤيا يوسف، ولما ان جاء البشير قال له يعقوب كيف تركت يوسف؟ قال تركته ملك مصر قال ما اصنع بالملك على أى دين تركته؟ قال تركته على الاسلام، قال الآن تمت النعمة، فلما رأى مَن عنده مَن عنده من أولاده قميص يوسف وخبروه قالوا له (يا ابانا استغفر لنا ذنوبنا) قال سوف أستغفر لكم، أخّر الدعاء الى السحر من ليلة الجمعة، ثم ارتحل يعقوب وولده فلما دنا من مصر خرج يوسف يتلقاه ومعه أهل مصر وكانوا يعظمونه، فلما دنا أحدهما من صاحبه نظر يعقوب الى الناس والخيل وكان يعقوب يمشى ويتوكأ على ابنه يهوذا فقال له يا بنى هذا فرعون مصر؟ قال لا هذا ابنك يوسف، فلما قرب منه أراد يوسف ان يبدأه بالسلام فمنع من ذلك، فقال يعقوب السلام عليك يا مذهب الأحزان، لأنه لم يفارقه الحزن والبكاء مدة غيبة يوسف عنه، قال فلما دخلوا مصر رفع أبويه على العرش بعنى أمه وأباه وقيل كانت خالته وكانت أمه قد ماتت، وخر له يعقوب وامه واخوته سجدا، وكان السجود تحية الناس للملوك، ولم يرد بالسجود وضع الجبهة على الأرض فان ذلك لا يجوز إلا لله تعالى وانما أراد الخضوع والتواضع والانحناء على السلام كما يفعل الآن بالملوك، والعرش السرير (وقال يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا) وكان بين رؤيا يوسف ومجيء يعقوب أربعون سنة وقيل ثمانون سنة فانه القى فى الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، ولقيه وهو ابن سبع وتسعين سنة وعاش بعد جمع شمله ثلاثا وعشرين سنة وتوفى وله مائة وعشرون سنة، وأوصى الى اخيه يهوذا، وقيل كانت غيبة يوسف عن يعقوب ثمانى عشرة سنة، وقيل ان يوسف دخل مصر وله سبع عشرة سنة واستوزره فرعون بعد ثلاث عشرةстр. 5512
(عن أنس بن مالك) (١) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ أعطى (٢) يوسف ﵊ شطر الحسن (٣) الحواشي
(١) (سنده) حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة قال انا ثابت عن أنس الخ (غريبه)(٢) بضم أوله مبنى للمجهول ويوسف هو ابن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم الخليل عليهم الصلاة والسلام(٣) أى نصفه وقد يراد به الجزء من الشئ: والمعنى انه أعطى حظا عظيما من حسن أهل الدنيا وجاء فى بعض الروايات ثلثى الحسن، ولكن الروايات الصحيحة جاءت بلفظ شطر الحسن، فعند مسلم فى قصة الاسراء فاذا انا. بيوسف واذا هو قد أعطى شطر الحسن (تخريجه) (م) ورواه الحاكم بلفظ (اعطى يوسف وأمه شطر الحسن) وصححه الحاكم وأقره الذهبى، وجاء فى مجمع الزوائد عن عبد الله يعنى ابن مسعود قال اعطى يوسف وامه ثلثى حسن الناس فى الوجه والبياض وغير ذلك، فكانت المرأة اذا أتته غطى وجهه مخافة ان تفتتن، قال الهيثمى رواه الطبرانى موقوفا ورجاله رجال الصحيح، قال ورواه الطبرانى أيضا فقال أعطىстр. 5513
_________
الحواشي
(١) يوسف وأمه ثلث الحسن، قال والظاهر انه وهم والله اعلم (قلت) وأورده الحافظ السيوطى فى الجامع الصغير بلفظ (أعطى يوسف شطر الحسن) وعزاه لابن ابى شيبة والامام احمد وابى يعلى والحاكم ورمز له بعلامة الصحيح
(باب ذكر نبى الله شعيب ﵇ ورسالته الى أهل مدين)
لم يأت فى مسند الامام أحمد ذكر لنبى الله شعيب ﵇ وقد جاء ذكر رسالته الى أهل مدين فى غير موضع من كتاب الله ، فقد جاء فى سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط ثمان آيات فى ذلك من قوله (والى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلاه غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس اشياءهم، ولا تفسدوا فى الأرض بعد اصلاحها ذلكم خير لكم ان كنتم مؤمنين، ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن وتبغونها عوجا، وأذكروا اذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) الى قوله تعالى (فتولى عنهم وقال يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين) وجاء فى سورة هود بعد قصة لوط أيضا أثنتا عشرة آية من قوله تعالى (والى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من الاه غيره ولا تنقصو المكيال والميزان انى أراكم بخير وانى أخاف عليكم عذاب يوم محبط- الى قوله تعالى- كأن لم يغنوا فيها الا بعدا لمدين كما بعدت ثمود) وقال تعالى فى سورة الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا (وان كان أصحاب الأيكة لظالمين فانتقمنا منهم وانهما لبإمام مبين) وجاء فى سورة الشعراء بعد قصة لوط أيضا ست عشرة آية من قوله تعالى (كذب أصحاب الأيكة المرسلين اذ قال لهم شعيب الا تتقون) الى قوله تعالى (فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة انه كان عذاب يوم عظيم ان فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين وان ربك لهو العزيز الرحيم) قال الحافظ ابن كثير فى تاريخه كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التى هى قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلى ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط وكانوا بعدهم بمدة قريبة، ومدين قبيلة عرفت بهم، وهو من بنى مدين بن مديان بن ابراهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل بن يشجن ذكره ابن اسحاق، قال ويقال له بالسريانية بنزون وفى هذا انظر، ويقال شعيب بن يشخر بن لاوى ابن يعقوب، ويقال شعيب بن نويب بن عيفا بن مدين بن ابراهيم، ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا ابن ثابت بن مدين بن ابراهيم وقيل غير ذلك فى نسبه (قال ابن عساكر) ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط، وكان ممكن آمن بابراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق، وعن وهب بن منبه أنه قال شعيب وملغم من آمن بابراهيم يوم أحرق بالنار (قلت عبارة الطبرى وانما هو من ولد بعض من آمن بابراهيم اه) قال وهاجرا معه الى الشام فزوجهما بنتى لوط ﵇، ذكره ابن قتيبة وفى هذا كله نظر أيضا والله أعلم، وفى حديث أبى ذر الذى فى صحيح ابن حبان فى ذكر الأنبياء والرسل (أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر) وكان بعض السلف يمسى شعيبا خطيب الأنبياء يعنى لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته فى دعاية قومه الى الايمان برسالته، وقد روى اسحاق بن بشر عن جرير ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ أذا ذكر شعيبا قال (ذاك خطيب الأنبياء) وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة وهى شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها، وكانوا من أسوء الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطفقون فيها يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيبстр. 5514
_________
الحواشي
(١) ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم فى سبلهم وطرقاتهم، فآمن به بعضهم وكفر اكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن فى ملتنا) طلبوا بزعمهم إن يردوا من آمن منهم إلى ملتهم فانتصب شعيب للمحاجة عن قومه فقال (اولو كنا كارهين) أى هؤلاء لا يعودون اليكم اختباراً وانما يعودون اليه ان عادوا اضطرار ولهذا قال (قد افترينا على الله كذبا ان عدنا فى ملتكم بعد اذ نجانا الله منهم وما يكون لنا ان نعود فيها إلا ان يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا) اى فهو كافينا وهو العاصم لنا واليه ملجؤنا فى جميع امرنا، ثم أستفتح على قومه واستنصر ربه عليهم فى تعجيل ما يستحقونه اليهم فقال (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين) اى الحاكمين فدعا عليهم، والله لا يرد دعاء رسله أذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروا به وخالفوا رسله، ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون وبه متلبسون (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا انكم اذا لخاسرون) قال الله تعالى (فاخذتهم الرجفة فاصبحوا فى دارهم جائمين) ذكر فى سورة الأعراف أنهم اخذتهم رجفة أى رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا ازهقت ارواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثتهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها، وقد جمع الله عليهم انواعا من العقوبات وصنوفا من المئلات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات، وقد اخبر الله عنهم فى كل سورة بما يناسب سياقها، ففى سورة الأعراف ارجفوا نبى الله وأصحابه وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم أو ليعودن فى ملتهم راجعين فقال تعالى (فأخذتهم الرجفة فأصبحوا فى دارهم جائمين) فقابل الأرجاف بالرجفة والإخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق (وأما فى سورة هود) فذكر أنهم (أخذتهم الصيحة فأصبحوا فى ديارهم جاثمين) وذلك لأنهم قالوا لنبى الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص (اصلاتك تأمرك ان نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل فى أموالنا ما نشاء أنك لأنت الحليم الرشيد) فناسب ان يذكر الصيحة التي هى كالزجر عن تعاطى هذا الكلام القبيح الذى واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح فجامتهم صيحة اسكتتهم مع رجفة أسكنتهم (وأما فى سورة الشعراء) فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة وكان ذلك أجابة لما طلبوا فانهم قالوا (انما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وان نظنك لمن الكاذبين، فأسقط علينا كسفاً من السماء ان كنت من الصادقين قال ربى أعلم بما تعملون) قال الله (فكذبوه فاخذهم عذاب يوم الظلة انه كان عذاب يوم عظيم) ذكروا انهم اصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم فى الأسراب فهربوا من محلتهم الى البرية فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب ورجفت بهم الأرض وجامتهم صيحة من السماء فأزهقت الأرواح (فاصبحوا فى دارهم جائمين الذين كذبوا شعيبا كان لم يغنوا فيها الذين كذبول شعيبا كانوا هم الخاسرين) ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين قال تعالى (ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا) ثم ذكر تعالى عن نبيهم انه نعاهم الى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال (يا قوم لقد ابلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسىِ على قوم كافرين) اى اعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلاكهمстр. 5515
(باب ذكر نبي الله أيوب ﵇ (عن أبي هريرة) (١) عن النبي صلي الله عليه وسلم قال أرسل على أيوب جراد من ذهب (٢) فجعل يلتقط (٣) فقال ألم أغنك يا أيوب قال يارب ومن يشبع من رحمتك أو قال من فضلك (٤) (وعنه عن طريق ثان) (٥) قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم بينما أيوب يغتسل عرياناً خرَ عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحْثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما تري؟ قال بلي يارب ولكن لا غني بي عن بركتك (٦) . الحواشي
(١) (سنده) حدثنا أبو داود ثنا همام عن قتادة عن النضر يعنى ابن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة الخ (غريبه)(٢) أرسل الله هذا الجراد على أيوب عند ما كان يغتسل كما فى الطريق الثانية حيث عافاه الله من مرضه كما جاء عند ابن أبى حاتم عن أبى هريرة أيضا أن النبى صلي الله عليهم وسلم قال لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب الحديث، وانما سمى الجراد جرادا لأنه يجرد الأرض فيأكل ما عليها، وهل كان جرادا حقيقة ذا روح إلا أن اسمه ذهب أو كان على شكل الجراد وأيس فيه روح؟ قال فى شرح التقريب الأظهر الثاني(٣) جاء فى الطريق الثانية وعند البخارى أيضا (فجعل أيوب يحثى فى ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك)(٤) أى نعمتك وخيرك(٥) (سنده) حدثنا عبد الرزاق بن همام ثنا معمر عن همام أبن منبه قال هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم بينما أيوب يغتسل الخ(٦) أى خيرك: وغنى بكسر الغين المعجمة والقصر من غير تنوين على أن لا لنفي الجنس وروى بالتنوين والرفع على أن لا بمعنى ليس، ومعناهما واحد لأن النكرة فى سياق النفى تفيد العموم وخبر لا يحتمل أن يكون بى أو عن بركتك واستنبط منه فضل الغنى لأنه سماه بركة، ومحال أن يكون أيوب صلّوات الله وسلامه عليه أخذ هذا المال حبا للدنيا، وانما أخذه كما أخبر هو عن نفسه لأنه بركة من ربه تعالى لأنه قريب العهد بتكوين الله ، أو انه نعمة جديدة خارقة للعادة فينبغى تلقيها بالقبول ففى ذلك شكر لها وتعظيم لشأنها، وفى الإعراض عنها كفر بها، وفيه جواز الاغتسال عريانا اذا كان منفردا لأن الله تعالى عاتبه على جمع الجراد ولم يعاتبه على الاغتسال عريانا والله أعلم (تخريِجه) (خ، طل) وأنما ذكرت هذا الحديث تحت هذه الترجمة لمناسبة ذكر نبى الله أيوب ﵇ فيه (أما نسبه) فقد ذكره الحافظ أبن كثير فى تاريخه قال قال أبن اسحاق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موسى ابن زراح بن العيص بن اسحاق بن إبراهيم الخليل، وقال غيره هو أيوب بن عوص بن رهويل بن العيص ابن اسحق بن إبراهيم وقيل غير ذلك فى نسبه، قال الحافظ أبن كثير وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء اليهم فى سورة النساء فى قوله تعالى (إنا أوحينا اليك كما أوحينا الى نوح والنبيين من بعده وأوحينا الى إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب الآية) فالصحيح أنه منстр. 5516
.
الحواشي
(١) سلالة العيص بن اسحق، وامرآته قيل أسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت افرائيم وقيل منشا ابن يوسف بن يعقوب وهذا أشهر (قلت) وقد ذكر الله قصته فى كتابه العزيز وختمها بالثناء عليه حيث قال عز من قائل (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بِنُصْب وعذاب إلى قوله تعالى (أنا وجدناه صابرا نعم العبد أنه أواب) قال الحافظ أبن كثير فى تفسيره يذكر ﵎ عبده ورسوله أيوب ﵊ وما كان أبتلاه تعالى به من الضر فى جسده وماله وولده حتى لم يبق فى جسده مغرز ابرة سليما سوى قلبه، ولم يبق له من الدنيا شئ يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثمانى عشرة سنة، وقد كان قبل ذلك فى مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقى على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها، ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضى الله عنها فأنها كانت لا تتركه صباحا ومساءا الا بسبب خدمة الناس ثم تعود اليه قريبا فلما طال المطال واشتد الحال واتتهى القدرة وتم الأجل المقدر تضرع لرب العالمين وإلاه المرسلين فقال (انى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين) وفى هذه الآية الكريمة: قال تعالى (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه انى مسنى الشيطان بنصب وعذاب قيل بنصب فى بدنى وعذاب فى مالى وولدى، فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه ويركض الأرض برجله ففعل، فأنبع الله عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان فى بدنه من الأذى، ثم أمره فضرب الأرض فى مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره ان يشرب منها فأذهبت جميع ما كان فى باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال ﵎ (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) قال وكان قبل شفائه يخرج الى حاجته فاذا قضاها أمسكت أمرأته بيده حتى يبلغ (يعنى مكانه) ومعناه أنها كانت تنتظره حتى يقضى حاجته فلما كان ذات يوم أبطا عليها فالتفتت تنظر، فاقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان، فلما رأته قالت أى بارك الله فيك هل رأيت نبى الله هذا المبتلى فوالله مارايت رجلا أشبه به منك أذ كان صحيحا، قال فانى أنا هو قال وكان له اندران اندر للقمح واندر للشعير (هو المكان الذى يوضع فيه القمح والشعير) فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على اندر القمح افرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى فى اندر الشعير حتى فاض، هذا لفظ ابن جرير ﵀ قال تعالى (ووهبنا له أهله ومثلهم معهم). قال الحسن وقتادة احياهم الله تعالى له بأعيانهم وزلدهم مثهم معهم، وقال ابن عباس رد الله عليه ماله وولده عيانا ومثلهم معهم، وقال مجاهد قيل له يا أيوب أن املك لك فى الجنة فان شئت اتيناك بهم، وان شئت تركناهم لك فى الجنة وعوضاك مثلهم، قال لا بل اتركهم فى الجنة وعوض مثلهم فى الدنيا (رحمة منا) اى به على صبره وإنابته وتواضعه (وذكرى لأولى الألباب) أى لذوى العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والخرج والراحة (وخذ بيدك ضغئا فاضرب به ولا تحنث) وذاك ان ايوب ﵇ كان قد غضب على زوجنه ووجد عليها فى أمر فعلته قيل باعث ضغيرتها نخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة، وقيل لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والاحسان ان تقابل بالضرب فافناه الله عز رجل ان يأخذ ضغثا وهو الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربةстр. 5517
(باب ذكر نبي الله يونس ﵇ (عن أبي العالية) (١) قال حدثني ابن عم نبيكم (٢) صلي الله عليه وسلم قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم قال الله ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس (٣) بن منىّ ونسبه إلى أبيه (٤) (وعنه من طريق ثان) (٥) عن أبن عباس قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لا ينبغي لأحد أن يقول إني خير من يونس بن منى نسبة إلى أبيه أصاب ذنبا (٦) ثم اجتباه ربه (عن عبد الله بن جعفر) (٧) قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ما ينبغي لنبي أن يقول إني خير من يونس بن منى قال أبو عبد الرحمن (٨) وحدثنا هارون بن معروف مثله (عن أبي هريرة) (٩) عن النبي صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أنه قال لعبد بدل نبي الحواشي
(١) (سنده) حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن قتادة عن أبى العالية الخ (غريبه)(٢) يعنى ابن عباس رضى الله عنهما(٣) النهى مختص بالتفضيل، فى نفس النبوة فلا تفاضل فيها، وإنما التفاضل بالخصائص وفضائل أخرى، ولابد من أعتقاد التفضيل فقد قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وأفضلهم جميعا نبينا صلي الله عليه وسلم لقوله صلي الله عليه وسلم (انا سيد ولد آدم يوم القيامة) وهو حديث صحيح رواه (حم م د مذجه) وغيرهم ولأدلة أخرى يطول ذكرها(٤) يريد أن أباه اسمه متى وليس هذا أخر الحديث (وبقيته) وذكر انه أسرى به وأنه رآى موسى ﵇ آدم طُوالا كانه من رجال شَنوءة، وذكر أنه رأى عيسى مربوعا الى الحمرة والبياض جعدا، وذكر انه رأى الدجال ومالكا خازن النار، وتقدم شرح هذه الجملة فى باب صفة إبراهيم وميلاد أسحاق وسيأتى أيضا فى باب الاسراء(٥) (سنده) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة عن أبى العالية عن ابن عباس الخ (غريبه)(٦) ذنبه هو إنه لما دعا قومه الى الله كذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم فخرج من بينهم مغاضبا لهم قبل ان يامره الله بالخروج ولم يستخر الله فى ذلك ووعدهم بحلول العذاب بهم بعد ثلاث، ثم تاب من ذنبه واعترف بخطئه فقال (لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين) فتاب الله عليه وإختاره وعفا عنه
(قال تعالى فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) (تخريجه) (ق د) وغيرهم(٧) (سنده) حدثنا أحمد بن عبد الملك حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن اسحاق عن اسماعيل بن حكيم عن القاسم عن عبد الله ابن جعفر الخ (غريبه)(٨) أبو عبد الرحمن هو عبد الله بن الأمام أحمد يريد إنه حدثه به محمد بن سلمة بهذا الاسناد (تخريجه) الحديث سنده جيد ورواه (د) ايضا(٩) (سنده) حدثنا عفان وبهز قالا ثنا شعبة قال أخبرنى سعد بن ابراهيم قال سمعت حميد بن عبد الرحمن يحدث عن ابى هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال ما ينبغى لعبد ان يقول أنا خير من يونس بن متى: والامام أحمد ايضا قال حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله (يعنى ابن مسعود) قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لا ينبغى لعبد ان يقول أنا خير من يونس بن متى أخرجه البخارى من حديث سفيان أيضا (تخريجه) اخرج حديث أبى هريرة الشيخان وغيرهما وهذه الأحاديث تدل على فضله وإنه من الانبياء المرسلين، قال تعالى فى سورة الصافات (وان يونس لمن المرسلين) قال الحافظ ابن كثير فى تاريخه قال أهل التفسير بعث اللهстр. 5518
.
الحواشي
(١) يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل فدعاهم الى الله فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين اظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث، قال أبن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله فى قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم الى نبيهم فلبسوا المسوح وفّرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا الى الله وصرخوا وتضرعوا اليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات وجارت الأنعام والدواب والمواشى: فرغت الابل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فسكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الذى كان قد أتصل بهم بسببه ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم (قال ابن عباس) ووهب كان يونس وعد قومه العذاب فلما تأخر عنهم العذاب خرج كالمستور منهم فقصد البحر فركب السفينة فاحتبست السفينة، فقال الملاحون ها هنا عبد آبق، وكان من عادتهم ان من وقعت عليه القرعة يلقى فى البحر فزج، يونس نفسه فى الماء وأمر الله تعالى حوتا من البحر الأخضر أن يلتقمه وان لا ياكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق، فأخذه فطاف به البحار كلها، وقيل انه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه، وهذا معنى قوله تعالى (اذ أبق الى الفلك المشحون) أى هرب (فساهم) فقارع، والمساهمة القاء السهام على جهة القرعة (فكان من المدحضين) أى المقروعين (فالنقمه الحوت) ابتلعه (وهو مليم) أى بما يلام عليه (فلولا انه كان من المسبحين) من الذاكرين الله قبل ذلك وكان كثير الذكر، وقال ابن عباس من المصلين، وقال وهب من العابدين، وقال الحسن ما كانت له صلاة فى بطن الحوت ولكنه قدْم عملا صالحا، وقال الضحاك شكر الله له طاعته القديمة، وقيل فلولا أنه كان من المسبحين فى بطن الحوت، قال سعيد بن جبير يعنى قوله (لا إله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين) ويؤيد ذلك قوله تعالى فى سورة الأنبياء (وذا النون أذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى فى الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين) فال إبن مسعود ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل، قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما وذلك أنه ذهب به الحوت فى البحار يشقها حتى انتهى الى قرار البحر فسمع يونس تسبيح الحصى فى قراره، فعند ذلك وهنا لك قال لا اله إلا أنت سبحانك انى كنت من الظالمين (البث فى بطنه الى يوم يبعثون) أى لصار بطن الحوت له قبرا الى يوم القيامة (فنبذناه) طرحناه (بالعراء) يعنى على وجه الأرض، قال السدى بالساحل، والعراء الأرض الخالية عن الشجر والنبات (وهم سقيم) عليل كالفرخ الممعط وقيل كان قد بلى لحمه ورق عظمه ولم يبق له قوة، واختلفوا فى مدة لبثه فى بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان ثلاثة أيام، وقال عطاء سبعة أيام وقال الضحاك عشرين يوما، وقال السدى والكلبى ومقاتل بن سليمان أربعين يوما، وقال الشعبى التقمه ضحى ولفظه عشية والله أعلم (وانبتنا عليه) أى له وقيل عنده (شجرة من يقطين) يعنى القرع على قول جميع المفسرين، وذكر بعضهم فى القرع فوائد، منها سرعة نباته وتظليل ورقه لكبره ونعومته وأنه لا يقربه الذباب وجودة تغذية ثمره وانه يؤكل نيئا ومطبوخا وقشره أيضا، وقد ثبت ان رسول الله صلي الله عليه وسلم كان يحب الدبّاء (يعنى القرع) ويتتبعه من حواشى الصفحة، وقال الحسن ومقاتل كل نبت يمدстр. 5519
(باب ما جاء في دعوة ذي النون يعني يونس ﵇ وحجه) (حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد) (١) حدثني والدي محمد عن أبيه سعد قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه منى ثم لم يرد علىّ السلام. فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين هل حدث فى الاسلام شيء مرتين؟ قال لا، وما ذاك؟ قال قلت لا: إلا أنى مررت بعثمان آنفا فى المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه منى ثم لم يرد علىّ السلام، قال فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه فقال ما منعك أن لا تكون رددت على أخيك السلام؟ قال عثمان ما فعلت، قال سعد قلت بلى، قال حتى حلف وحلفت، قال ثم أن عثمان ذكر فقال بلى وأستغفر الله وأتوب إليه، انك مررت بى آنفا وأنا أحدث نفسى بكلمة سمعتها من رسول الله صلي الله عليه وسلم لا والله ما ذكرتها قط الا تغشى بصرى وقلبى غشاوة، قال قال سعد فانا أنبئك بها، إن رسول الله صلي الله عليه وسلم ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابى فشغله حتى قام رسول الله صلي الله عليه وسلم فاتبعته فلما أشفقت أن يسبقنى الى منزله ضربت بقدمى الأرض فالتفت الىّ رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال من هذا؟ أبو اسحاق؟ قال قلت نعم يا رسول الله، قال فمه (٢) قال قلت لا والله الا أنك ذكرت لنا أول دعوة ثم جاء هذا الأعرابى فشغلك، قال نعم، دعوة ذى النون إذ هو فى بطن الحوت (لا إله إلا أنت سبحانك أنى كنت من الظالمين) فأنه لم يدع الحواشي
(١) (سنده) حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا يونس بن أبى أسحاق الهمدانى حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد الخ (غريبه)(٢) أى فماذا وتقدم شرح كلام النبى صلي الله عليه وسلم وتخريج الحديث أيضا فى باب دعوات يستجاب بها الدعاء من كتاب الأذكار فى الجزء الرابع عشر صحيفة ٢٧٨ قبل حديث رقم ٢٠٦стр. 5520
بها مسلم ربه فى شئ إلا استجاب له (عن ابن عباس) (١) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم لما مر بثنية هرشاء حين حج قال أى ثنية هذه؟ قالوا ثنية هرشاء، قال كأنى أنظر إلى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف، خطام ناقتهُ خلبة (قال هشيم يعنى ليفا وهو يلبى). (أبواب ذكر نبى الله موسى بن عمران ﵇ (باب ما جاء فى فضل نبى الله موسى وشئ من فضل نبينا عليهما الصلاة والسلام) (عن أبى هريرة) (٢) قال أستب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال المسلم والذى أصطفى محمداً على العالمين، وقال اليهودى والذى أصطفى موسى على العالمين، فغضب المسلم فلطم عين اليهودى، فأتى اليهودى رسول الله صلي الله عليه وسلم فأخبره بذلك، فدعاه رسول الله صلي الله عليه وسلم فسأله فاعترف بذلك، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لا تخيرونى على موسى (٣) فان الناس يصعقون (٤) يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى ممسكا بجانب العرش فما أدرى أكان فيمن صعق فأفاق قبلى أم كان ممن استثناه الله (٥) (عن أبى سعيد الخدرى) (٦) عن النبى صلي الله عليه وسلم مثله. الحواشي
(١) (عن ابن عباس الخ) هذا طرف من حديث طويل سيأتى بطوله وسنده وشرحه وتخريجه فى باب ما جاء فى صفة نبى الله موسى ﵇ وحجه وصومه، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وغيره (باب)(٢) (سنده) حدثنا أبو كامل حدثنا ابراهيم حدثنا بن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الاعرج عن أبى هريرة الخ (غريبه)(٣) نقدم الكلام على ذلك فى شرح حديث أبى سعيد وهو الحديث الثانى من كتاب أحاديث الأنبياء فى هذا الجزء صحيفة ٣٦ رقم ٣ فارجع اليه(٤) قال النووى الصعق والصعقة الهلاك والموت، ويقال منه صعق الانسان وصعق بفتح الصاد وضمها وانكر بعضهم الضم وصعقتهم الصاعقة، بفتح الصاد والعين وأصعقتهم، وبنو تميم يقولون الصاقعة بتقديم القاف قال القاضى وهذا من أشكل الأحاديث لأن موسى قد مات فكيف تدركه الصعقة وانما تصعق الأحياء(٥) ظاهر هذا يدل على أنه كان حيا ولم يأت أن موسى رجع الى الحياة ولا أنه حى كما جاء فى عيسى وسيأتى فى باب قصة موسى مع ملك الموت ووفاته أنه صلي الله عليه وسلم قال فلو كنت ثمْ لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر (قال القاضى عياض) يحتمل أن هذه الصعقة صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماوات والأرض فتنتظم حينئذ الآيات والأحاديث، ويؤيده قوله صلي الله عليه وسلم فافاق لأنه ائما يقال أفاق من الغشى، وأما الموت فيقول بعث منه، وصعقة الطور لم تكن موتا يعنى قوله فى رواية لمسلم (فلا أدرى أحو سب بصعقة يوم الطور أو بعث قبل) قال وأما قوله ص فلا أدرى أفاق قبلى فيحتمل انه صلي الله عليه وسلم قال قبل أن يعلم أنه أول من تتشق عنه الأرض ان كان هذا اللفظ على ظاهره، وأن نبينا صلي الله عليه وسلم أول شخص تنشق عنه الأرض على الاطلاق، قال ويجوز أن يكون معناه أنه من الزمرة الذين هم أول من تنشق عنهم الأرض فيكون موسى من تلك الزمرة وهى والله أعلم زمرة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هذا آخر كلام القاضى (تخرجه) (ق: وغيرهما)(٦) (سند) حدثنا ابو النضر ثنا ورقاء قال سمعت عمرو بن يحي المازنى يحدث عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى قال جاء يهودى الى رسول الله صلي الله عليه وسلم قد ضرب فى وجهه فقال له ضربنى رجل من أصحابك، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم لم فعلت؟ قال يا رسول اللهстр. 5521
(عن عبد الله) (١) قال قسم رسول الله صلي الله عليه وسلم ذات يوم قسما قال فقال رجل من الأنصار إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله ، قال فقلت يا عدو الله أما لأخبرن رسول الله صلي الله عليه وسلم بما قلت، قال فذكر ذلك للنبى صلي الله عليه وسلم فاحمر وجهه، قال ثم قال رحمة الله على موسى فقد أوذى باكثر من هذا فصبر (٢) (عن أنس بن مالك) (٣) من حديث الأسراء أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت؟ قال جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمد صلي الله عليه وسلم فقيل وقد بعث اليه؟ قال قد بعث اليه، ففتح لنا فاذا أنا بموسى ﵇ فرحب ودعا بخير (وفيه أيضا) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال فأوحى الله اليّ ما أوحى، وفرض علىّ فى كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت الى موسى، فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قال قلت خمسين صلاة فى كل يوم وليلة، قال أرجع الى ربك فاسأله التخفيف فان أمتك لا تطيق ذلك فانى قد بلوت بنى اسرائيل وخبرتهم، قال فرجعت الى ربى فقلت أى رب خفف عن أمتى فحط عنى خمسا، فرجعت الى موسى فقال ما فعلت؟ قلت حط عنى خمسا، قال أن أمتك لا تطيق ذلك فارجع الى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، قال فلم أزل أرجع بين ربى وبين موسى ويحط عنى خمسا خمسا حتى قال يا محمد هى خمس صلوات فى كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، فان عملها كتبت عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فان عملها كتبت سيئة واحدة، فنزلت حتى أنهيت الى موسى فأخبرته فقال أرجع الى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فان أمتك لا تطيق ذلك، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم لقد رجعت الى ربى حتى لقد أستحيت (عن سعيد بن جبير) (٤) قال حدثنا ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي صلي الله عليه وسلم قال عرضت علىّ الأمم فرأيت النبى صلي الله عليه وسلم ومعه الرهط والنبى ومعه الرجل والرجلين والنبى وليس معه أحد إذ رفع لى سواد عظيم فقلت هذه أمتى؟ فقيل هذا موسى وقومه ولكن انظر الى الأفق، فاذا سواد عظيم ثم قيل انظر الى هذا الجانب الآخر، فاذا سواد عظيم الحواشي
(١) (سنده) حدثنا أبو معاوية حدثنا الاعمش عن شقيق عن عبد الله (يعنى بن مسعود) الخ (غريبه)(٢) يشير الى قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) أى ذا جاه وقد صبر النبى صلي الله عليه وسلم على أذى قومه بل كان يشفع ذلك الصبر الجميل بالدعاء لهم المقرون بالمعذرة عنهم، فقد قال لما بالغت قريش فى ايذائه يوم أحد اللهم اغفر لقومى فانهم لا يعلمون، فأنزل الله قوله (وأنك لعلى خلق عظيم) (تخريجه) (ق، وغيرهما)(٣) (عن انس بن مالك) هذا طرف من حديث طويل رواه انس بن مالك سيأتى بتمامه فى أبواب قصة الاسراء من السيرة النبوية إن شاء الله تعالى(٤) (عن سعيد بن جبير الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب مالا يجوز من الرقى والتمائم ونحوها من كتاب الطبстр. 5522
فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب: فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبى صلي الله عليه وسلم وقال بعضهم لعلهم الذين ولدوا فى الاسلام ولم يشركوا بالله شيئا قط وذكروا أشياء، فخرج اليهم النبى صلي الله عليه وسلم فقال ما هذا الذى كنتم تخوضون فيه؟ فأخبروه بمقالتهم فقال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن الأشعرى رضى الله عنه فقال أنا منهم يا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبقك بها عكاشة
(باب ما جاء فى صفة نبى الله موسى ﵇ وحجه وصومه) (عن ابن عباس) (١) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم مر بوادى الأزرق (يعنى حين حج) فقال أى واد هذا؟ قالوا هذا وادى الأزرق، فقال كأنى أنظر الى موسى ﵇ وهو هابط من الثنية (٢) وله جؤار الى الله بالتلبية حتى أتى على ثنية هرشاء (٣) فقال أى ثنية هذه؟ قالوا ثنية هرشاء قال كأنى أنظر الى يونس بن متى على ناقة حمراء جعدة (٤) عليه جبة من صوف خطام (٥) ناقتهُ خلبة (٦) قال هشيم يعنى ليفا وهو يلبى (٧) (وعنه أيضا) (٨) قال قال نبى الله صلي الله عليه وسلم رأيت ليلة أسرى بى موسى بن عمران رجلا آدم (٩) طُوالا جعدا كأنه من رجال شَنوءة (١٠) ورأيت عيسى الحواشي
(١) (سنده) حدثنا هشيم انبأنا داود بن أبى هند عن أبى العالية عن ابن عباس الخ (غريبه)(٢) الثنية بوزن هدية، قال فى النهاية الثنية فى الجبل كالعقبة فيه، وقيل هو الطريق العالى فيه، وقيل اعلى المسيل فى رأسه (وقوله وله جؤار) بضم الجيم والهمز وهو رفع الصوت(٣) كذا فى الأصل بالمد وجاء فى مسلم والنهاية ومعجم ياقوت هرشى بالقصر وهو بفتح الهاء وسكون الراء وبالشين المعجمة جبل على طريق الشام والمدينه قريب من الجحفة(٤) الجعدة هى مكتزة اللحم(٥) بكسر الخاء هو الحبل الذى يقاد به البعير يجعل على خطمه(٦) بضم الخاء المعجمة وبالباء الموحدة بينهما لام فيها لغتان مشهورتان الضم والاسكان وحكاهما ابن السكيت والجوهرى وآخرون، وهو الليضب كما فسرع عشيم شيخ الامام احمد(٧) فان قيل كيف يحمون ويلبون وهم أموات وهم فى الدار الآخرة وليست دار عمل (قلت) أجاب العلماء عن ذلك باجوبة منها انه أرى أحوالهم التى كانت فى حياتهم ومثلوا له فى حال حياتهم كيف كانوا وكيف حجهم وتلبيتهم كما قال ﷺ كأنى انظر الى موسى وكأنى أنظر الى يونس ﵉: وهو الذى اميل اليه والله أعلم. (تخريجه) (م جه)(٨) (سنده) حدثنا يونس حدثنا شيبان حدثنا قتادة عن أبى العالية حدثنا ابن عم نبيكم ﷺ ابن عباس قال قال نبى الله ﷺ الخ (غريبه)(٩) بمد الهمزة اى أسمر (طوالا) بضم أوله وتخفيف الواو هو الطويل (جعدا) قال النووى واما الجعد فى صفة موسى ﵇ قال صاحب التحرير فيه معنيان (أحدهما) اكتناز الجسم واجتماعه (والثانى) جعودة الشعر قال والأول أصح لأنه قد جاء فى رواية أبى هريرة فى الصحيح انه رجل الشعر، هذا كلام صحاب التحرير، والمعنيات فيه جائزان وتكون جعودة الشعر على المعنى الثانى ليست جعردة القطط، بل معناه انه بين القطط والسبط والله أعلم(١٠) بفتح الشين المعحمة وضم النون وبعد الواو همزة وهم حي من اليمن ينسبون إلىстр. 5523
ابن مريم ﵉ مربوع الخلق الى الحمرة والبياض، سبط (١) الرأس (وله فى رواية أخرى) ورأيت موسى أسحم آدم كثير الشعر (قال حسن) الشعرة شديد الخلق (عن جابر) (٢) عن النبى صلي الله عليه وسلم قال عرض علىّ الانبياء فاذا موسى رجل ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوأة (عن أبن عباس) (٣) قال قدم رسول الله صلي الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال ما هذا اليوم الذى تصومون؟ قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله فيه بنى اسرائيل من عدوهم، قال فصامه موسى، قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم أنا أحق بموسى منكم فصامه رسول الله صلي الله عليه وسلم وأمر بصومه. (باب قصته مع الحجر) (عن أبى هريرة) (٤) أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال أن بنى اسرائيل كانوا يغتسلون عراة (وفى رواية ينظر بعضهم الى سوأة بعض) وكان نبى الله موسى ﵇ منه الحياء والستر، وكان يتستر اذا اغتسل فطعنوا فيه بغورة (وفى رواية فقالوا والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر) قال فبينما نبى الله يغتسل يوما وضع ثيابه على صخرة فانطلقت الصخرة بثيابه، فاتبعها نبى الله ضربا بعصاه وهو يقول ثوبى يا حجر ثوبى يا حجر، حتى انتهى به الى ملأ من بنى اسرائيل وتوسطهم فقامت (أى الصخرة) وأخذ نبى الله ثيابه فنظروا فاذا أحسن الناس خلقا وأعدلهم، صورة، فقالت بنوا اسرائيل قاتل الله أفاكى (٥) بنى اسرائيل فكانت براءته التى برأه الله بها (٦) (وفى رواية) فأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضربا: فقال أبو هريرة رضى الله عنه والله أن بالحجر نَدَبَا ستة أو سبعة ضرب موسى بالحجر (ومن طريق ثان) (٧) عن عبد الله بن شقيق قال قال لى أبو هريرة رضى الله عنه من أين أقبلت؟ قلت من الشام، قال فقال لى هل رأيت حجر موسى؟ قلت وما حجر موسى؟ قال أن بنى أسرائيل قالوا لموسى قولا تحت ثيابه فى مذاكيره (٨) قال فوضع ثيابه على صخرة وهو يغتسل قال فسع ثيابه قال الحواشي
(١) بفتح المهملة وسكون الموحدة وهو الشعر المنبسط المسترسل (تخريجه) (ق، وغيرهما)(٢) (عن جابر) يعنى ابن عبد الله الخ هذا طرف من حديث ذكر بتمامه وسنده وشرحه وتخرجه فى باب ما جاء فى خلق الملائكة فى هذا الجزء صحيفة ١٧ رقم ٢٢(٣) (عن ابن عباس الخ) هذا الحديث تقدم لسنده وشرحه وتخريجه فى فضل يوم عاشوراء وتأكد صومه من كتاب الصيام فى الجزء العاشر صحيفة ١٧٨ رقم ٢٢٨ (باب)(٤) (سنده) حدثنا حسين بن محمد فى تفسير شيبان عن قتادة قال حدث الحسن عن أبى هريرة الخ (غريبه)(٥) جمع أفاك والأفاك كثير الكذب، والمعنى كثرة كذب بنى اسرائيل على موسى ﵇(٦) يعنى قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) الآية(٧) (سنده) حدثنا عبد الصمد حدثنى أبى ثنا الجريرى عن عبد الله بن شقيق قال أقمت بالمدينة مع أبى هريرة سنة فذكر حديثا تقدم فى باب الترغيب فيما كان عليه النبى ﷺ وأصحابه من التقليل فى الدنيا الخ من كتاب الفقر فى الجزء التاسع عشر صحيفة ١٠٦ رقم ١٥ وفيه (قال فقال لى يعنى أبا هريرة) من أين أقبلت الخ(٨) يريدونстр. 5524
فتبعها في أثرها وهو يقول يا حجر الق ثيابى حتى أتت به على بنى اسرائيل فرأوا مستويا حسن الخلق فلجبه ثلاث لجبات (١) فو الذى نفس أبى هريرة بيده لو كنت نظرت لرأيت لجبات موسى فيه. الحواشي
(١) بفتحات، قال فى النهاية وفى قصة موسى ﵇ والحجر (فلجبه ثلاث لجيات، قال أبو موسى كذا فى مسند أحمد بن حنبل ولا أعرف وجبه إلا أن يكون بالحاء والتاء من اللحت وهو الضرب ولحته بالعصا ضربه (تخريجه) (ق. مذ طل) وابن جرير والبغوى وتقدم نحوه من طريق أخرى عن أبى هريرة أيضا فى باب يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذرا موسى من كتاب فضائل القرآن وتفسيره فى الجزء الثانى عشر صحيفة ٢٤٨ رقم ٣٩٧ وفيه شرح ما لهم يشرح هنا (قال النووى) فيه معجزتان ظاهرتان لموسى ﵇، مشى الحجر بثوبه وحصول الندب فى الحجر بضربه (باب ذكر ولادة موسى ونسبه ونشأته) قيل هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوى ابن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم عليهم الصلاة والسلام (قال الحافظ بن الأثير) فى تاريخه الكامل ولد لاوى ليعقوب وهو ابن تسع وثمانين سنة، وولد قاهث للاوى وهو ابن ست وأربعين سنة، وولد لقاهث يصهر وله ستون سنة، وكان عمره جميعه مائة وسبعا وأربعين سنة، وولد موسى ولعمران سبعون سنة وكان عمر عمران جميعه مائة وسبعا وثلاثين سنة، وأن موسى يوحانذ واسم امرأته صفورا بنت شعيب النبى وكان فرعون مصر فى زمنه الوليد بن مصعب وكان عمره طويلا وكان من أعتى خلق الله (قلت) وجاء ذكر موسى من أول نشأته الى أن بعثه الله رسولا الى فرعون مع أخيه هارون فى سورة القصص وجاءت قصته وأخيه هارون مع فرعون فى مواضع متعددة من كتاب الله قال تعالى (واذكر فى الكتاب موسى انه كان مخلصا وكان رسولا نبيا، وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا، ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا) وقال جل شأنه فى سورة القصص (نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون، إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (قال ابن عباس وغيره) دخل حديث بعضهم فى بعض ان الله تعالى لما قبض يوسف وهلك الملك الذى كان معه وتوارثت الفراعنة ملك مصر ونشر الله نبى اسرائيل لم يزل بنو اسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف ويعقوب واسحاق وابراهيم شرعوا فيهم من الأسلام حتى كمان فرعون موسى وكان أعتاهم على الله وأعظمهم قولا وأطولهم عمرا واسمه فيما ذكر الوليد بن مصعب وكان سيء الملكة على بنى اسرائيل يعذبهم ويجعلهم خولا ويسومهم سوء العذاب، فلما أراد الله أن يستنقذهم بلغ موسى الأشد وأعطاه الرسالة وكان شأن فرعون قبل ولادة موسى أنه رأى فى منامه كأن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بنى اسرائيل وأخربت بيوت مصر فدعا السحرة والحزاة(١) والكهنة فسألهم عن رؤياه فقالوا يخرج من هذا البلد يعنون بيت المقدس الذى جاء بنو اسرائيل منه رجل يكون على وجهه أهلاك مصر فأمر أن
_________
(*) قال فى لسان العرب ويقال للذى ينظر فى النجوم حزاه لأنه ينظر فى النجوم وأحكامها بظنه وتقديره فربما أصاباهстр. 5525
.
الحواشي
(١) لا يولد لبنى إسرائيل مولود الا ذبح ويترك الجوارى، وقيل إنه لما تقارب زمان موسى أنى المنجمون فِرعون وحزائه اليه فقالوا اعلم انا نجد فى علمنا أن مولودا من بنى اسرائيل قد اظلك زمانه الذى يولد فيه يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك ويبدل دينك، فأمر بقتل كل مولود يولد فى بنى اسرائيل، وقضى الله الموت فى مشيخة بنى اسرائيل، فدخل رءوس القبط على فرعون وكلموه وقالوا ان هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح الصغار وتفنى الكبار، فلو أنك كنت تبقى من أولادهم، فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فلما كان فى تلك السنة التى تركوا فيها ولد هارون، وولد موسى فى السنة التى يقتلون فيها وهى السنة المقبلة فلما أتى أمه المخاض حزنت من شأنه فأوحى الله اليها أى ألهمها (أن أرضعيه فاذا خفت عليه فألقيه فى اليم) وهو النيل (ولا تخافى ولا تخزنى انا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين) فلما وضعته أرضعته ثم دعت نجارا فجعل له تابوتا وجعل مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه وألقته فى اليم، فلما توارى عنها أتاها إبليس فقالت فى نفسها ما الذى صنعت بنفسى، لو ذبح عندى فوارته وكفنته كان أحب الى من أن القيه بيدى الى حيتان البحر ودوا به، فلما القته (قالت لأخته) واسمها مريم (قصيه) يعنى قصِّى أثره (فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون) انها اخته فاقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه اخرى حتى دخل بين أشجار عند دور فرعون، فخرج جوارى آسية امراة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلته الى آسية وظنن ان فيه ما لا فلما فتح ونظرت اليه آسية وقعت عليها رحمته واحبته، فلما اخبرت به فرعون وأتته به قالت هو (قرة عين لى ولك لا تقتلوه) فقال فرعون يكون لك وأما انا فلا حاجة لى فيه، قال النبى ﷺ والذى يحلف به لو اقر فرعون ان يكون له قرة عين كما اقرت لهداه الله كما هداها: وأراد أن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها، وقال انى اخاف أن يكون هذا من بنى اسرائيل وأن يكون هذا الذى على يديه هلاكنا: فذلك قوله (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وأرادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، فذلك قوله تعالى (وحَّرمنا عليه المراضع من قبل فقالت) أخته مريم (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون) فأخذوها وقالوا ما يدريك ما نصحهم له، هل يعرفونه؟ حتى شكوا فى ذلك، فقالت نصحهم له شفقتهم عليه ورغبتهم فى قضاء حاجة الملك ورجاء منفعته، فانطلقت الى أمه فأخبرتها الخبر فجاءت أمه، فلما أعطته ثديها أخذ منها، فكانت تقول هذا ابنى فعصمها الله، وإنما سمى موسى لأنه وجد فى ماء وشجر والماء بالقبطية مو. والشجر. سا. فذاك قوله تعالى (فرددناه الى أمه كى تقر عينها ولا تحزن) وكان غيبته عنها ثلاث أيام، وأخذته معها الى بيتها واتخذه فرعون ولداً فدعى ابن فرعون، فلما تحرك الغلام جملته امه الى آسية فأخذته ترقصه وتلعب به وناولته فرعون، فلما أخذه أليه اخذ الغلام بلحيته فنتفها، قال فرعون علىَّ بالذباحين يذبحونه، هو هذا: قالت آسية (لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً) انما هو صبى لا يعقل، وانما فعل هذا من جهل وقد علمت أنه ليس فى مصر إمرأة أكثر حليا منى: أنا أضع له حليا من ياقوت وجمر فان أخذ الياقوت فهو يعقل فاذبحه، وان أخذ الجمر فإنما هو صبى، فأخرجت له ياقوتها ووضعت له طعنا من جمر فجاء جبريل فوضع يده فى جمرة فأخذها فطرحها موسى فى فمه فاحرقت لسانه: فهو الذى يقول الله تعالى (واحلل عقدة من لسانى يفقهوا قولى) فدرأت عن موسىстр. 5526
.
الحواشي
(١) ﵇ القتل وكبر موسى وكان يركب مركب فرعون ويلبس ويدعى موسى بن فرعون وامتنع به بنو اسرائيل ولم يبق قبطى يظلم اسرائيليا خوفا منه، ثم ان فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى، فلما جاء موسى قيل له فرعون قد ركب فركب موسى فى أثره فأدركه المقبل بأرض يقال لها منف وهذه منف (بفتح الميم وسكون النون) مصر القديمة التى هى مصر يوسف الصديق، فدخل نصف النهار وقد أغلقت أسواقها على حين غفلة من أهلها (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته) يقول هذا اسرائيلى قيل إنه السامرى (وهذا من عدوه) يقول من القبط (فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه) فغضب موسى لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بنى اسرائيل وحفظه لهم، وكان قد حماهم من القبط، وكان الناس لا يعلمون أنه منهم، بل كانوا يظنون أن ذلك بسبب الرضاع، فلما اشتد غضبه (وكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان إنه عدوَّ مضل مبين، قال رب أنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له انه هو الغفور الرحيم) أوحى الله تعالى الى موسى وعزتى لو أن النفس التى قتلت أفرت لى ساعة واحدة انى خالق رازق لأذقتك العذاب (قال رب بما أنعمت علىِّ فلن أكون ظهير للمجرمين، فأصبح فى المدينة خائفا يترقب) أن يؤخذ (فاذا الذى استنصره بالأمس يستصرخه) يقول يستعينه (قال له موسى أنك لغوى مبين) ثم أقبل لينصره فلما نظر الى موسى وقد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذى يقال الإسرائيلى خاف أن يقتله من أجل أن موسى أغلظ فى الكلام بقوله إنك لغوى مبين (قال يا موسى أتريد أن تقتلنى كما قتلت نفسا بالأمس، إن تريد الا أن تكون جبارا فى الأرض وما تريد ان تكون من المصلحين) فترك القبطى فأفشى عليه أن موسى هو الذى قتل الرجل، فطلبه فرعون وقال خذوه فانه صاحبنا، فجاء رجل فأخبره وقال (ان الملأ يا تمرون بك ليقتلوك فاخرج) (باب خروج موسى من مصر الى مدين) قيل كان حزقيل مؤمن آل فرعون على بقية من دين ابراهيم ﵇، وكان أول من آمن بموسى، فلما أخبره خرج من بينهم (خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين) وأخذ فى ثنيات الطريق فجاء ملك على فرس وفى يده عَنَزة وهى الحربة الصغيرة، فلما رآه موسى سجد له من الفَرَق (يعنى الخوف) فقال له لا تسجد لى ولكن اتبعنى فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو متوجه اليها (عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل) فانطلق به الملك حتى انتهى به الى ميدن، فكان قد سار وليس معه طعام وكان ياكل ورق الشجر، ولم يكن له قرة على المشى، فما بلغ مدين حتى سقط خف قدميه (باب قصته مع بنتى شعيب عندما ورد ماء مدين) (فلما ورد ماء مدين) قصد الماء (وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان)
أى تحبسان عنها، وهما ابنتا شعيب النبى، وقيل ابنتا يثرون وهو ابن أخى شعيب، فلما رآهما موسى سألهما (ما خطبكما؟ قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاه وأبونا شيخ كبير) فرخمهما موسى فأتى البئر فاقتطع صخرة عليها كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما غنمهما فرجعنا سريعا وكانتا انما تسقيان من فضول الحياض وقصد موسى شجرة هناك ليستظل بها (فقال رب انى لما أنزلت الى من خير فقير) (قال ابن عباس) لقد قال موسى ذلك ولو شاه انسان ان ينظر الى خضرة أمعائه من شدة الجوع لفعل، وما سأل إلا أكله فلما رجع الجاريتان الى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه: فأعاد احداهما الى موسى تستدعيه فأتته وقالتстр. 5527
.
الحواشي
(١) (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) فقام معها فمشت بين يديه فضربت الريح ثوبها فحكى عجيرتها، فقال لها امش خلفى ودلينى على الطريق فانا أهل بيت لا ننظر فى اعقاب النساء (فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين، قالت إحداهما) وهى التى احضرته (يا أبت استأجره ان خير من استأجرت القوى الأمين) قال لها أبوها القوة قدرأيتها فما يدريك بأمانته: فذكرت له ما أمرها به من المشى خلفه فقال له أبوها (انى اريد ان انكحك أحدى انتىَّ هاتين على ان تأجرنى) نفسك (ثمانى حجج فان أتممت عشرا فمن عندك) فقال له موسى (ذلك بينى وبينك ايّما الأجلين قضيت فلا عدوان علىّ والله على ما نقول وكيل) فأقام عنده يومه فلما أمسى أحضر شعيب العشاء فامتنع موسى من الأكل، فقال ولم ذلك؟ قال إنّا من أهل بيت لا نأخذ على اليسير من عمل الآخرة الدنيا بأسرها، فقال شعيب ليس لذلك أطعمتك، انما هذه عادتى وعادة آبائى، فأكل وازدادت رغبة شعيب فى موسى فزوجه انته التى احضرته واسمها صفورا وأمرها ان تأتيه بعصا، فأتته بعصا وكانت تلك العصا قد استودعها اياه ملك فى صورة رجل فدفعتها اليه، فلما رآها أبوها أمرها بردها والإتيان بغيرها، فالقتها وارادت ان تأخذ غيرها فلم تقع بيدها سواها وجعل برددها وكل ذلك لا يخرج فى يدها غيرها فأخذها موسى ليرعى بها فندم أبوها حيث أخذها وخرج اليه ليأخذها منه حيث هى وديعة، فلما رآه موسى يريد أخذها منه مانعه فحكما أول رجل يلقاهما فأتهما ملك فى صورة آدمى فقضى بينهما ان يضعها موسى فى الأرض فمن حملها فهى له فألقاها موسى فلم يطنى أبوها حملها وأخذها موسى بيده فتركها له وكانت من عوسج لها شعبتان وفى رأسها محجن، وقيل كانت من آس الجنة حملها آدم معه، وقيل فى أخذها غير ذلك.
(باب رجوع موسى الى مصر مع زوجته)
وأقام موسى عند شعيب يرعى له غنمه عشر سنين وسار باهله فى زمن شتاء وبرد فلما كانت الليلة التى أراد الله لموسى كرامته وابتداءه فيها بنبوته وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدرى أين يتوجه وكانت امرأته حاملا فأخذها الطلق فى ليلة شاتية ذات مطر ورعد وبرق فأخرج زنده ليقدح ناراً لأهله ليصطلوا وييتِوا حتى يصبح ويعلم وجه طريقه فأصاد زنده فقدح حى أعيا، فرفعت له نار فلما رآها ظن أنها نار وكانت من نور الله (فقال لأهله امكثوا انى آنست نارا سآتيكم منها بخبر) فان لم أجد خبرا (آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) فحين قصدها رآها نورا ممتدا من السماء الى شجرة عظيمة من العوسج وقيل من العناب، فتحير موسى وخاف حين رأى نارا عظيمة بغير دخان وهى تلتهب فى شجرة خضراء لا تزداد النار إلا عظما ولا تزداد الشجرة إلا خضرة، فلما دنا منها استأخرت عنه ففزع ورجع (فنودى) منها فلما سمع الصوت استأنس فعاد (فلما أتاها نودى من شاطئ الواد الأيمن فى البقعة المباركة من الشجرة) أن بورك من فى النار ومن حولها (ان يا موسى انى انا الله رب العالمين) (باب أول نبوة موسى ﵇ ومناجاته ربه بجبل الطور) فلما سمع النداء ورأى تلك الهيبة علم انه ربه تعالى، فخفق قلبه وكل لسانه وضعفت قوته وصار حيا كميت إلا آن الروح تردد فيه، فأرسل الله اليه ملكا يشد قلبه فلما ثاب الى عقله نودى (اخلع نعليك انك بالواد المقدس طوى) وانما أمر بخلع نعليه لأنهما كانتا من جلد حمار ميت وقيل لينال قدمه الأرض المباركة، ثم قبل له تسكينا لقلبه (وما تلك بيمينك يا موسى؟ قال هى عصاى أتوكأ عليها وأهش بها على غنمى) يقول أضرب الشجر فيسقط ورقه للغنم (ولى فيها مآرب أخرى) احمل عليها المزود والبقاء، وكانت تضئ لموسى فيстр. 5528
..
الحواشي
(١) الليلة المظلمة، وكانت اذا أعوزه الماء دلاها فى البئر ويصير فى رأسها شبه الدلو، وكان اذا اشتهى فاكهة غرسها فى الأرض فنبتت لها أغصان تحمل الفاكهة لوقتها قال له (ألقها يا موسى فألقاها فاذا هى حية تسعى) عظيمة لجثة فى خفة حركة الجان (فلما رآها) موسى (ولىّ مدبرا ولم يعقب) فنودى (يا موسى لا تخف انى لا يخاف لدى المرسلون) (اقبل ولا تخف) (سنعيدها سيرتها الأولى) عصا وانما أمره الله بالقاء العصا حتى اذا القاها عند فرعون لا يخاف منها فلما اقبل (قال خذها ولا تخف) وأدخل يدك فى فميها وكان على موسى جبة صوف فلف يده بكمه وهُوَلها هائب، فنودى التى كمك عن يدك فألقاه وأدخل يده بين لحييها فلما ادخل يده عادت عصا كما كانت لا ينكر منها شيئا، ثم قال له (أدخل يدك فى جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) يعنى برصا فأدخلها وأخرجها بيضاء من غير سوء مثل الثلج لها نور، ثم ردها فعادت كما كانت فقيل له (فذانك برهانان من ربك الى فرعون وملئه انهم كانوا قوما فاسقين) قال (رب انى قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون: وأخى هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معى رداءا يصدقنى) أى يبين لهم عنى ما أكلهم به فانه يفهم عنى ما لا يفهمون (قال سنشد عضدك بأخيك وتجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا انتما ومن اتبعكما الغالبون) (باب دخول موسى مصر واجتماعه بأمه وأخيه هارون واصطحاب هارون معه لتبليغ الرسالة الى فرعون) أقبل موسى الى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها فتضيف علىِ أمه وهو لا يعرفهم ولا يعرفونه، فجاء هارون فسألها عنه فاخبرته انه ضيف فدعاه فأكل معه وسأله هارون من أنت قال أنا موسى فاعتنقاه (وقيل) إن الله تعالى ترك موسى سبعة أيام ثم قال اجب ربك فيما كلمك فقال (رب اشرح صدرى) الآيات فامره بالمسير الى فرعون ولم يزل أهله مكانهم لا يدرون ما فعل حتى مر راع من أهل مدين فعرفهم فاحتملهم الى مدين فكانوا عند شعيب حتى بلغهم خبر موسى بعد فلق البحر فساروا اليه، وأما موسى فانه سار الى مصر واوحى الله الى هارون يعلمه بقفول موسى ويأمره بتلقيه فخرج من مصر فالتقى به، قال موسى يا هارون ان الله تعالى قد أرسلنا الى فرعون فانطلق معى اليه، قال سمعا وطاعة، فلما جاء الى بيت هارون وأظهر انهما ينطلقان الى فرعون سمعت ذلك ابنة هارون وصاحت أمهما فقالت انشدكما الله ان لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما جميعا فأييا، فانطلقا اليه ليلا فضربا بابه فقال فرعون لبوابه من هذا الذى يضرب بابى هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما، فقال له موسى انا رسول رب العالمين فاخبر فرعون فادخل اليه، وقيل ان موسى وهارون مكثا سنتين يغدوان الى باب فرعون ويروحان يلتمسان الدخول اليه فلم يجر أحد يخبره بشأنهما حتى أخبره مسخرة كان يضحكه بقوله، فأمر حينئذ فرعون بادخالهما، فلما دخلا قال له موسى انى رسول من رب العالمين، فعرفه فرعون فقال له (ألم تُرَ بِّك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التى فعلت وانت من الكافرين، قال فعلتها اذا وانا من الضالين، ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما) يعنى نبوة (وجعلنى من المرسلين) فقال له فرعون (ان كنت جئت بآية فأتت بها أن كنت من الصادقين فألقى عصاه فاذا هى ثعبان مبين) قد فتح فاء فوضع اللحى الأسفل فى الأرض والأعلى على القصر وتوجه نحو فرعون لياخذه فخافه فرعون ووثب فزعا فأحدث فى ثيابه، ثم بقى بضعا وعشرين يوما يجئ بطنه حتى كاد يهلك، وناشده فرعون بربه تعالى ان يرد الثعبان فأخذه موسى فعاد عصا، ثم أدخل يده فى جيبه وأخرجها بيضاء كالثلج لها نور يتلألأ، ثم ردها فعادت الى ما كانت عليه من لونها، ثم أخرجهاстр. 5529
.
الحواشي
(١) الثانية لها نور ساطع فى السماء تكل منه الأبصار قد أضاءت ما حولها يدخل نورها البيوت ويرى من الكوى ومن وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى فى جيبه وأخرجها فاذا هى على لونها، وأوحى الله تعالى إلى موسى وهارون أن (قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فقال له موسى هل لك فى أن أعطيك شبابك فلا تهرم، وملكك فلا ينزع، وارد اليك لذة المناكح والمشارب والركوب، فاذا مت دخلت الجنة وتؤمن بى؟ فقال لا حتى يأتى هامان، فلما حضر هامان عرض عليه قول موسى فعجزه وقال له تصير تَعبد بعد ان كنت تُعبد، ثم قال له أنا أرد عليك شبابك، فعمل له الوسمة فخضبه بها فهو أول من خضب بالسواد، فلما رآه موسى ماله ذلك فأوحى الله لايهولنك ما ترى فلن يلبث إلا قليلا، فلما سمع فرعون ذلك خرج الى قومه فقال ان هذا لساحر عليم وأراد قتله، فقال مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل (اتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم الآية) (باب اجتماع الملاه من قوم فرعون وارجائهم قتل موسى واستحضار السحرة من جميع البلاد) فقال تعالى (قالوا أرجه وأخاه وابعث فى المدانى حاشرين يأتوك بكل سحار عليم) ففعل وجمع السحرة فكانوا سبعين ساحرا، وقيل اثنين وسبعين وقيل خمسة عشر الفا، وقيل ثلاثين الفا، فوعدهم فرعون واتعدوا يوم عيد كان لفرعون، فصفهم فرعون وجمع الناس وجاء موسى ومعه أخاه هارون وبيده عصاه حتى أتى الجمع وفرعون فى مجلسه مع أشراف قومه، فقال موسى للسحرة حين جاءهم (ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب) فقال السحرة بعضهم لبعض ما هذا بقول ساحر: ثم قالوا لتأتينك بسحر لم تر مثله (وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون) فقال له السحرة (يا موسى اما ان تلقى واما ان نكون نحن الملقين) قال بل القوا (قالقوا حبالهم وعصيهم) فاذا هى فى رأى العين حيات أمثال الجبال قد ملأت الوادى يركب بعضها بعضا، فأوجس موسى خوفا فأوحى الله اليه ان (الق ما فى يمينك تلقف ما صنعوا) فألقى عصاه من يده فصارت ثعبانا عظيما فاستعرضت ما القوا من حبالهم وعصيهم وهى كالحيات فى أعين الناس فجعلت تلقفها وتبتلعها حتى لم تبق منها شيئا، ثم أخذ موسى عصاه فاذا هى فى يده كما كانت، وكان رئيس السحرة أعمى فقال له أصحابه ان عصا موسى صارت ثعبانا عظيما وتلقف حبالنا وعصينا، فقال لهم ولم يبق لها أثر ولا عادت الى حالها الأول؟ فقالوا لا، فقال هذا ليس بسحر فخر ساجدا وتبعه السحرة أجمعون (وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون، قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم) وفى آية أخرى (انه لكبيركم الذى علمكم السحر، فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم فى جذوع النخل) فقطعهم وقتلهم وهم يقولون (ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) فكانوا أول النهار كفارا وآخر النهار شهداء (باب قتل مؤمن آل فرعون وماشطة بنت فرعون) وكان حزقيل مؤمن آل فرعون يكتم ايمانه، قيل كان من بنى اسرائيل، وقيل كان من القبط وقيل هو النجار الذى صنع التابوت الذى جعل فيه موسى والقى فى النيل، فلما رأى غلبة موسى السحرة أظهر إيمانه، وقيل أظهر إيمانه قبل ذلك وكان فرعون أراد قتل موسى فقال (أتقتلون رجلا ان يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) فلما أظهر إيمانه قتل وصلب مع السحرة، وكان له امرأة مؤمنة تكتم إيمانها ايضا وكانت ماشطة ابنة فرعون فبينما هى تمشطها اذ وقع المشط من يدها فقالت باسم الله فقالت ابنة فرعون أبى، قالت لا بل ربى وربك ورب أبيك، فأخبرت أباها بذلك فدعا بها وبولدها وقال لها من ربك؟ قالت ربى وربك الله فامر بتنور من نحاس فأحمى ليعذبها وأولادها، فقالت له لي إليك حاجةстр. 5530
..
الحواشي
(١) قال وما هي؟ قالت تجمع عظامى وعظام ولدى فندفنها، قال ذلك لك، فامر بأولادها فألقوا فى التنور واحدا واحدا وكان آخر أولادها صبيا صغيرا فقال اصبرى يا أماه فانك على الحق فالقيت فى التنور مع ولدها (باب قتل فرعون آسية وتعذيبها لأنها لم تكفر بإلاه موسى) وكانت آسية امرأة فرعون من بنى اسرائيل، وقيل كانت من غيرهم وكانت مؤمنة تكتم إيمانها، فلما قتلت الماشطة رأت آسية الملائكة تعرج بروحها، كشف الله عن بصيرتها وكانت تنظر اليها وهى تعذب، فلما رأت الملائكة قوى ايمانها وازدادت يقينا وتصديقا لموسى، فبينما هى كذلك اذ دخل عليها فرعون فأخبرها خبر الماشطة، قالت له آسية الويل لك ما اجرأك على الله، فقال لها لعلك اعتراك الجنون الذى اعترى الماشطة؟ فقالت ما بى جنون ولكنى آمنت بالله تعالى ربى وربك ورب العالمين، فدعا فرعون أمها وقال لها ان ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة فأقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإلاه موسى، فخلت بها أمها وأرادتها على موافقة فرعون فأبت وقالت أما ان اكفر بالله فلا والله، فأمر فرعون حتى مدت بين يديه أربعة أوتاد وعذبت حتى ماتت فلما عاينت الموت قالت (رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظالمين) فكشف الله عن بصيرتها فرأت الملائكة وما أعد لها من الكرامات فضحكت فقال فرعون انظروا الى الجنون الذى بها تضحك وهى فى العذاب ثم ماتت، (باب عجز فرعون وعناده وقوله لهامان اجعل لى صرحا لعلى أطلع الى إلاه موسى) لمّا رأى فرعون قومه قد دخلهم الرعب من موسى خاف أن يؤمنوا به ويتركوا عبادته فاحتال لنفسه وقال (أوقد لى يا هامان على الطين فاجعل له صرحا لعلى أطلع الى إلاه موسى وانى لاظنة من الكاذبين) فامر هامان بعمل الآجٌر وهو أول من عمله وجمع الصناع وعمله فى سبع سنين وارتفع البنيان ارتفاعا لم يبلغه بنيان آخر، فشق ذلك على موسى واستعظمه، فأوحى الله اليه ان دعه وما يريد فانى مستدرجه ومبطل ما عمله فى ساعة واحدة، فلما تم بناؤه امر الله جبريل فخر به وأهلك كل من عمل فيه من صانع ومستعمل، فلما رأى فرعون ذلك من صنع الله امر اصحابه بالشدة على بنى اسرائيل وعلى موسى ففعلوا ذلك وصاروا يكلفون بنى اسرائيل من العمل ما لا يطيقونه وكان الرجال والنساء فى شدة، وكانوا قبل ذلك يطمعون بنى اسرائيل اذا استعملوهم فصاروا لا يطعمونهم شيئا فيعودون باسوء حال لأنهم لا يجدون ما يقوتهم، فشكوا ذلك الى موسى فقال لهم استعينوا بالله واصبروا ان العاقبة للمتقين وان الله يستخلفكم فى الأرض فينظر كيف تعملون، فلما أبى فرعون وقومه الا الثبات على الكفر تابع الله عليه الآيات، فأرسل علهم الطوفان وهو المطر المتتابع فغرق كل شئ لهم، فقالوا يا موسى ادع ربك يكشف عنا هذا ونحن نؤمن بك ونرسل معك بنى اسرائيل، فكشف الله عنهم ونبتت زروعهم فاستمروا على كفرهم وعنادهم، فبعث الله عليهم الجراد فأكل زروعهم فسألوا موسى أن يكشف ما بهم ويؤمنون به فدعا الله فكشفه فلم يؤمنوا وقالوا قد بقى من زروعنا بقية، فأرسل الله عليهم الدَّبَا وهو القمل فأهلك الزروع والنبات أجمع وكان يهلك اطعمتهم ولم يقدروا ان يجترزوا منه، فسألوا موسى ان يكشفه عنهم ففعل فلم يؤمنوا، فارسل الله عليهم الضفادع وكانت تسقط فى قدورهم وأطعمتهم وملأت البيوت عليهم فسألوا موسى أن يكشفه عنهم ليؤمنوا به ففعل فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم فصارت مياه الفرعونيين دماءا وكان الفرعونى والاسرئيلى يستقيان من ماء واحد فيأخذ الاسرائيلى ماءا ويأخذ الفرعونى دما، وكان الاسرائيلى يأخذ الماء فى فمه فيمجه فى فم الفرعونى فيصير دما، فبقى ذلك سبعة أيام فسألوا موسى ان يكشفه عنهم ليؤمنوا ففعل فلم يؤمنوا،стр. 5531
(باب ذكر هلاك فرعون وجنوده ودس جبريل ﵇ الطين في فيه) (عن ابن عباس) (١) قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لما قال فرعون آمنت أنه لا اله الا الذى آمنت به بنوا اسرائيل، قال قال لى جبريل يا محمد لو رأيتنى وقد أخذت حالا من حال البحر فدسيته فى فيه مخافة أن تناله الرحمة (ومن طريق ثان) حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عدى بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضى الله عنهما قال رفعه أحدهما إلى النبي الحواشي
(١) فشمت اُلحُصن ريحها فاقتحمت فى أثرها حتى إذا هم أو لهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم، فمالتطم عليهم فأغرقهم وبنو اسرائيل ينظرون اليهم، حينئذ، قال فرعون أمنت انه لا إله إلا الذى آمنت به بنو اسرائيل فلم ينفعه ذلك (باب)(١) (عن ابن عباس الخ) هذا الحديث بطريقيه تقدم فى باب قال آمنت انه لا إله الا الذى آمنت به بنو اسرائيل من كتاب فضائل القرآن وتفسيره فى آخر سورة يونس فى الجزء الثامن عشر صحيفة ١٧٧ رقم ٣٠٧ وتقدم الكلام عليه سندا وشرحا وتخريجا، وقد أشار الحافظ ابن الاثير فى تاريخه الكامل الى هذا الحديث فى قصة موسى وفرعون فقال وانفرد جبريل بفرعون يأخذ من حمأة البحر
_________
(*) يقال لذوات الحافر اذا أرادت الفحل ودوف ووديف كذا فى الصحاح للجوهريстр. 5532
صلى الله عليه وسلم قال إن جبريل كان يدس في فم فرعون الطين مخافة أن يقول لا إله إلا الله
(باب قصة موسى ﵇ مع بنى اسرائيل إذ قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)
(عن أبى واقد الليثى) (١) رضى الله عنه أنهم خرجوا عن مكة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين قال وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، قال فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال فقلنا يا رسول أجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم قلتم والذى نفسى بيده كما قال قوم موسى أجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون) انها لسنن، لتركبن سنن من قبلكم سنة سنة (باب قصة عبادتهم العجل فى غيبة كليم الله عنهم والقائه ألواح التوراة عندما عاين ذلك فانكسرت) (عن ابن عباس) (٢) قال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم ليس الخير كالمعاينة إن الله أخبر موسى بما صنع قومه فى العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ما صنعوا الحواشي
(١) (عن أبى واقد الليثى الخ) هذا الحديث تقدم فى باب قوله ﷺ لتتبعن سنن الذين من قبلكم من كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة فى الجزء الأول صحيفة ١٩٨ رقم ٢٧ وهو حديث صحيح رواه النسائى والترمذى وقال حديث حسن صحيح، قال تعالى (وجاوزنا ببنى اسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا الاها كما لهم آلهة قال انكم قوم تجهلون ان هؤلاء متبر (أى هالك) ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون) قال ذلك بنو اسرائيل بعد ان انفلق البحر وأغرق الله فرعون وقومه على مرءاً منهم ونجاهم جميعا وشاهدوا المعجزات الباهرات الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته، ثم بعد ذلك يقولون اجعل لنا إلاها، ولذلك قال لهم نبيهم (انكم قوم تجهلون) وأى جهل أفظع من هذا؟ فرجعوا عن ذلك، ثم بعث موسى جندين عظيمين كل جند اثنا عشر الفا الى مدائن فرعون وهى يومئذ خالية من أهلها قد أهلك الله عظماءهم ورؤساءهم، ولم يبق غير النساء والصبيان والزمنى والمرضى والمشايخ والعاجزين، فدخلوا البلاد وغنموا الأموال وحملوا ما أطاقوا وباعوا ما عجزوا عن حمله على غيرهم، وكان على الجندين يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وكان موسى قد وعده الله وهو بمصر أنه إذا خرج مع بنى اسرائيل منها وأهلك الله عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون (باب)(١) (عن ابن عباس الخ) هذا الحديث تقدم بسنده وتخريجه فى خاتمة فى احاديث جرت مجرى الأمثال فى آخر قسم الترغيب فى الجزء التاسع عشر صحيفة ٢٠٧ رقم ٢٠٥ وهو حديث صحيح أخرجه (ك حب طس بن) وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبى، وقال الهيثمى رجاله رجال الصحيح، وسببه أن موسى ﵇ كان أخبر قومه وهو بمصر ان الله وعده اذا خرج مع بنى اسرائيل من مصر وأهلك الله عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون كما تقدم فى الباب السابق فلما أهلك الله فرعون وأنجى بنى اسرائيل قالوا يا موسى أئتنا بالكتاب الذي وعدتناстр. 5533
.
الحواشي
(١) وقيل من بنى اسرائيل، فقال هارون يا بنى اسرائيل ان الغنائم لا تحل لكن والحى الذى استعرتموه من القبط غنيمة فاحفروا حفرة والقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه ففعلوا ذلك، وجاء السامرى بقبضة من التراب الذى أخذه من أثر حافر فرس جبريل فألقاه فيه فصار الحلى عجلا جسدا له خوار(٢) وقيل ان الحلى القى فى النار فذاب فألقى السامرى ذلك التراب فصار الحلى عجلا جسدا له خوار، وقيل كان يخور ويمشى، وقيل ما خار إلا مرة واحدة ولم يعد، وقيل ان السامرى صاغ العجل من ذلك الحلى فى ثلاثة أيام ثم قذف فيه التراب فقام له خوار، فلما رأوه قال لهم السامرى هذا الاهكم والاه موسى فنسيه موسى وتركه ها هنا وذهب يطلبه، فعكفوا عليه يعبدونه فقال لهم هارون (ياقوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعونى واطيعوا أمرى) فأطاعه بعضهم وعصاه بعضهم، فأقام بمن معه ولم يقاتلهم، ولما ناجى الله تعالى موسى قال له (ما أعجلك عن قومك يا موسى؟ قال هم أولاء على أثرى وعجلت اليك رب لترضى، قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامرى) فقال موسى يارب هذا السامرى قد أمرهم أن يتخذوا العجل من نفخ فيه الروح؟ قال انا، قال فأنت اذا أضللتهم، ثم ان موسى لما كلمه الله تعالى أحب ان ينظر اليه (قال رب أرنى انظر اليك، قال لن ترانى ولكن انظر الى الجبل، فان استقر مكانه فسوف ترانى) فتجلى الله تعالى للجبل (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخرّ موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت أليك وأنا أول المؤمنين) وأعطاه الألواح فيها الحلال والحرام والمواعظ، وعاد موسى ولا يقدر أحد ان ينظر اليه وكان يجعل عليه حريره نحو أربعين يوما ثم يكشفها لما تغشاه من النور، فلما وصل إلى قومه ورأى عبادتهم العجل القى الألواح وأخذ برأس أخيه ولحيته بجره اليه (قال يا ابن أمَّ لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى انى خشيت ان تقول فرّقت بين بنى اسرائيل ولم ترقب قولى) فترك هارون وأقبل على السامرى وقال (ما خطبك يا سامرى؟ قال. بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أقر الرسول فنبذتها، وكذلك سولت لى نفسى، قال فاذهب فان لك فى الحياة ان تقول لا مساس) ثم أخذ العجل برده بالمبارد وأحرقه وأمر السامرى فبال عليه وذراه فى البحر، فلما القى موسى الألواح ذهب ستة أسبعها وبقى سبع وطلب بنو اسرائيل التوبة فأبى الله ان يقبل توبتهم (يعنى الا بالقتل) وقال لهم موسى (يا قوم انكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا أنفسكم) فاقتتل الذين عبدوه والذين لم يعبدوه فكان من قتل من الفريقين شهيدا فقتل منهم سبعون الفا، وقام موسى وهارون يدعوان الله، فعفا عنهم وأمرهم
_________(١) بفتح الجيم وسكون الراء وميم والف مقصورة قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة كذا فى مراصد الاطلاع والبليخ بفتح الموحدة نهر يصب فى الفرات تجاه أرض صفين الواقعة الشهيرة ضمن متصرفية دير الزور(٢) وقيل انه إستحال عجلا جسدا أى لحما ودما يخور كما تخور البقرة أى له صوت كصوت البقر والله أعلمстр. 5534
ألقى الألواح فانكسرت (باب ما جاء فى جبن بنى اسرائيل وخوفهم من قتال الجبارين) (عن أنس) (١) قال لما سار رسول الله صلي الله عليه وسلم الى بدر خرج فاستشار الناس فأشار عليه أبو بكر رضى الله عنه، ثم استشارهم فأشار عليه عمر رضى الله عنه فسكت، فقال رجل من الأنصار إنما يريدكم (٢) فقالوا يا رسول الله والله لا نكون كما قالت بنوا اسرائيل لموسى ﵇ (اذهب أنت وربك فقاتلا أنا ههنا قاعدون) ولكن والله لو ضربت أكباد الابل حتى تبلغ بَرك الغِماد (٣) لكنا معك الحواشي
(١) (سنده) حدثنا ابن أبى عدى عن حميد عن أنس (يعنى ابن مالك) الخ (غريبه)(٢) يعنى انما يريد الآنصار فقال جماعة من الأنصار والله لا نكون كما قالت بنو اسرائيل الخ(٣) قال فى النهاية بفتح الباء وتكسر وتضم الغين وتكسر وهو اسم موضع باليمن، وقيل هو موضع وراء مكة بخمس ليال ومعناه لو دعوتنا إلى الجهاد معك فى سفر طويل جدا تضرب فيه اكباد الأبل من طوله وبعده لكنا معك وسيأتى سبب قول بنى اسرائيل لموسى ذلك وقصتهم معه (تخريجه) (نس حب) وابن مردريه وروى نحوه البخارى والامام احمد من حديث ابن مسعود وسند حديث الباب جيد، أما سبب قول بنى اسرائيل لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاههنا قاعدون) أنه لما رجع موسى ﵇ من المناجاة كما تقدم آنفا أمره الله تعالى أن يسير ببنى اسرائيل الى اريحيا بلد الجبارين وهي أرض بيتстр. 5535
.
الحواشي
(١) فاخذ الاثنى عشر فحملهم وأنطلق بهم الى امرأته فقال انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، وأراد أن يطأهم برجله فمنعته امرأته وقالت أطلقهم ليرجعوا ويخبروا اقومهم بما رأوا، ففعل ذلك، فلما خرجوا قال بعضهم لبعض انكم ان أخبرتم بنى اسرائيل بخبر هؤلاء لا يقدموا عليهم فاكتموا الأمر عنهم وتعاهدوا على ذلك ورجعوا، فنكث عشرة منهم العهد واخبروا بما رأوا، وكتم رجلان منهم وهما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا ختن موسى ولم يخبروا الا موسى وهارون. فلما سمع بنو اسرائيل الخبر عن الجبارين امتنعوا عن السير اليهم، فقال لهم موسى (يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين، قالوا يا موسى ان فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فان يخرجوا منها فانا داخلون، قال رجلان) وهما يوشع بن نون وكالب (من الذين يخافون أنعم الله عليهماٌ ادخلوا عليهم الباب، فاذا دخلتموه فانكم غالبون، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين: قالوا يا موسى إنا لن ندخلها ابدا ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون) فدعا عليهم موسى فقال (ربى إنى لا املك الا نفسى واخى فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) قال ابن عباس اقض بينى وبينهم (قال فانها محرمة عليهم اربعين سنة يتيهون فى الارض فلا تأس على القوم الفاسقين) عوقبوا على نكولهم بالتيهان فى الأرض يسيرون على غير مقصد ليلا ونهاراً وصباحاً ومساءاً (يقال إنه لم يخرج أحد من التيه ممن دخله بل ماتوا كلهم فى مدة أربعين سنة حتى هارون وموسى ﵉، ولم يبق إلا ذراريهم سوى يوشع وكالب) فتقدوا الى موسى حينئذ فقالوا له كيف لنا بالطعام؟ فأنزل الله المن والسلوى، فاما المن فقيل هو كالصمغ وطعمه كالشهد يقع على الأشجار، وقيل النرجين وقيل هو الخبز الموفق، وقيل هو عسل كان ينزل لكل انسان صاع (وأما السلوى) فهو طائر يشبه السمانى، فقالوا أين الشراب؟ فامر موسى فضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم) أى لكل سبط عين، فقالوا أين الظل؟ فظلل عليهم الغمام فقالوا أين اللباس؟
_________(١) ويقال فيه أيضا ابن عنق (قال الحافظ ابن كثير) فى تفسيره وقد ذكر كثير من المفسرين ها هنا أخبارا من وضع بنى اسرائيل فى عظمة خلق هؤلاء الجبارين وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم ﵇ وأنه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع تحرير الحساب، وهذا شئ يستحى من ذكره ثم هو مخالف لما ثبت فى الصحيحين (قلت وللامام احمد أيضا) أن رسول الله ﷺ قال ان الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا ثم لم يزل ينقص حتى الآن. ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح وأن الطوفان لم يصل الى ركبته وهذا كذب وافتراء، فان الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال (رب لا تنذر على الأرض من الكافرين ديارا) وقال تعالى (فأنجيناه ومن معه فى الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين) وقال تعالى (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم) واذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ فى عقل ولا شرع ثم فى وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم.следующие страницы →