وبأحمد بن حنبل يوم المحنة. وقال أبو عبيد انتهى العلم إلى أربعة أفقههم أحمد وقال البخاري لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان أحدوثة، وقال السهيل بن الخليل لو كان أحمد في بني إسرائيل لكان نبيًّا، وقال المزني أحمد بن حنبل يوم المحنة وأبو بكر يوم الردة وعمر يوم السقيفة وعثمان يوم الدار وعلي يوم الجمل وصفين، وقال بشر بن الحافي بعدما ضرب أحمد بن حنبل أدخل أحمد الكير فخرج ذهبًا أحمر وقال الميموني قال لي علي بن المديني بعدما امتحن أحمد يا ميمون ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل فعجبت من ذلك عجبًا شديدًا وذهبت إلى أبي عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة علي بن المديني فقال صدق. إن أبا بكر وجد يوم الردة أعوانًا وأنصارًا وأن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول لست أعلم في الإسلام مثله، وقال إسحق بن راهوية أحمد حجة بين الله وبين عبيده في أرضه. وقال علي بن المديني إذا ابتليت بشيء فأفتاني أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربي كيف كان. وقال الخلال سمعت أبا القاسم بن الجبلي وكفاك به يقول أكثر الناس يظنون أن أحمد إذا سئل كأن علم الدنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين، وقال عبد الرزاق ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع، وقال المزني قال لي الشافعي رأيت ببغداد شابًّا إذا قال حدثنا قال الناس كلهم صدق قلت من هو قال أحمد بن حنبل، وعن حجاج بن الشاعر ما رأيت روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل. وعن محمد بن إبراهيم البوشنجبي قال ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل، ولا أعقل، وقال الحسين الكرابيسي مثل الذين يذكرون أحمد عندنا مثل قوم يجيئون إلى أبي قبيس يريدون أن يهدموه، وقال يحيى بن معين كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط كان محدثًا، وكان حافظًا، وكان عالمًا، وكان ورعًا وكان زاهدًا وكان عاقلًا وقال الذهلي اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأيت من رأى مثله. وقال سمعت قتيبة يقول إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة".
هذه هي بعض أقوال معاصرين فيه، وهي تدل على إعجاب شديد وتوقير كبير، وفي بعضها ما يفسح مجالًا لتصور المبالغة، لولا أن عمل الرجل نفسه وأثره في تلاميذه
стр. 7002
ينفي ذلك. فمن يحيا مثل حياة أحمد بن حنبل، ومن يصمد صموده يوم المحنة، ومن يخرج للناس مثل المسند، ومن يطبع تلاميذه بطابع التقوى والصلابة في الحق - وهي كلها حقائق واقعة - لا يستكثر عليه ما قيل فيه، وعلى كراهة الأتقياء لأحاديث المديح والثناء. فإن يحيى بن معين، عندما أكثر جلساؤه الثناء على أحمد بن حنبل وقال رجل لا تكثروا. بعض هذا قال "وكثرة الثناء على أحمد تستكثر؟ لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها".
والحق أن شخصية الإمام أحمد بن حنبل وخلقه القوي وترفعه عن الدنايا وزهده في زخرف الدنيا هو ما لا يقل قيمة وأثرًا عن جمع الإمام أحمد للمسند أو موقفه يوم المحنة؛ لأنه أورث أتباعه هذا الخلق بحيث كاد أن يكون طابعًا عامًّا يغلب عليهم، وقد وصف أبو الوفاء بن عقيل الفقيه الحنبلي المتوفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة أصحابه الإمام أحمد بعد مرور زهاء ثلاثة قرون.
"هم قوم خشن، تقلصت أخلاقهم عن المخالطة، وغلظت طباعهم عن المداخلة، وغلب عليهم الجد وقل عندهم الهزل وغربت نفوسهم عن ذل المراءاة. وفزعوا عن الآراء إلى الروايات وتمسكوا بالظاهر تحوجا من التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة فلم يدققوا في العلوم الغامضة، بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم، وما وراء ذلك قالوا الله أعلم بما فيها خشية من باريها".
ونسب خمول المذهب الحنبلي إلى ورع أصحابه × هذا المذهب إنما ظلمه أصحابه، لأن أصحاب أبي حنيفة والشافعي إذا برع واحد منهم في العلم تولى القضاء وغيره من الولايات، فكانت الولاية سببًا لتدريسه واشتغاله بالعلم.
أما أصحاب أحمد، فإنه قل فيهم من تعلق بطرف من العلم إلا ويخرجه ذلك إلى التعبد والتزهد لغلبة الخير على القوم فيتقطعون عن التشاغل بالعلم".
فإذا كان هذا هو حال أصحاب أحمد بعد ثلاثة قرون من وفاته، فلنا أن نتصور أثره في تلاميذه ومريديه الذين جلسوا إليه وتأدبوا بأدبه وبحق قال تلميذه أحمد بن محمد بن هاني أبو بكر الأقرم "أحمد بن حنبل ﵁ ستر من الله على أصحابه فينبغي لأصحاب أحمد أن يتقوا الله ولا يعصوه مخافة أن يعيروا بأحد" ورفض تلميذه الآخر إبراهيم بن إسحق الحربي أن يقبل عشرة آلاف درهم أرسلها الخليفة المعتضد،
стр. 7003
فسأله أن يفرقها على جيرانه فقال للرسول عافاك الله هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفريقه. قل لأمير المؤمنين إن تركتنا، وإلا تحولنا من جوارك! ".
صفته وأدبه:
قال الحافظ الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام".
قال عبد الله بن عبد الرحمن الذهبي حدثني أبي قال مضى عمي أبو إبراهيم أحمد بن سعد إلى أحمد بن حنبل فسلم عليه فلما رآه وثب قائمًا وأكرمه.
وعن عباس النحوي قال رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه ربعة يخضب بالحناء خضابًا ليس بالقاني وفي لحيته شعرات سود ورأيت ثيابًا غليظة إلا أنها بيض ورأيته معتمًا وعليه إزار.
قال المروزي قال أحمد "ما كتبت حديثًا إلا قد علمت به، حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت.
وقال ابن أبي حاتم ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري قال سمعت عبد الملك الميموني يقول "ما أعلم إني رأيت أحدًا أنظف ثوبًا ولا أشد تعاهدًا نفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وشدة بياض من أحمد بن حنبل".
وقال الخلال أخبرني محمد بن الجنيد أن المروزي حدثهم قال كان أبو عبد الله لا يدخل الحمام، وكان إذا احتاج إلى النورة تنور في البيت، وأصلحت له غير مرة النورة واشتريت له جلدًا ليده يدخل يده فيه ويتنور.
قال حنبل رأيت أبا عبد الله إذا أراد القيام قال لجلسائه إذا شئتم.
قال عبد الملك الميموني "لم يكن أحد أنضر ثوبًا، ولا أشد تعاهدًا لنفسه في ثيابه وشعر رأسه وبدنه من أحمد، وكان يحب الفقراء ويعرض عن أهل الدنيا ويجلس للفقهاء حيث انتهى به المجلس ولا يتصدر، حسن الجوار. لا يخشى في الله لومة لائم".
قال المروزي كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة وكان يقول الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب.
стр. 7004
وقال إذا ذكر الموت هان كل شيء من أمر الدنيا إنما هو طعام دون طعام ولباس دون لباس وإنها أيام قلائل وما أعدل بالفقر شيئًا".
وقال أريد أن أكون في بعض تلك الشعاب بمكة حتى لا أعرف وقد بيت بالشهرة إني لأتمنى الموت صباحًا ومساءً.
قال المروذي قلت لأبي عبد الله إني لأرجو أن يدعى لك في جميع الأمصر فقال يا أبا بكر إذا عرف الرجل قدر نفسه فما ينفعه كلام الناس.
وقال عبد الله خرج أبي إلى طرطوس ماشيًا وحج حجتين أو ثلاثًا ماشيًا، وكان أصبر الناس على الوحدة. وقال كان أبي يصلي في يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، حتى مرض من تلك الأسواط أضعفته فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة وقال إسحق بن راهوية كنت أنا وأحمد باليمن عند عبد الرزاق وكنت فوق الغرفة وهو أسفل فاطلعت على أن نفقته فنيت فعرضت عليه فامتنع فقلت إن شئت قرضًا، وإن شئت صلة فأبى فنظرت فإذا هو ينسج التكك ويبيع وينفق رواها أبو إسماعيل الترمذي عنه
وعن أبي إسماعيل قال أتى رجل بعشرة آلاف درهم من ربح تجارته إلى أحمد فأبى أن يقبلها.
قال عبد الله عن أبيه عرض علي يزيد بن هارون نحو خمسمائة درهم فلم أقبلها.
وكان الإمام أحمد رضي الله قد ورث عقارًا ضئيل القيمة كان يغل في كل شهر سبعة عشر درهمًا، وكان يحاول الاكتفاء به قدر طاقه. وعندما تفجأه حاجة أو تركبه ضرورة كان يعمد إلى العمل الميسر له ما دام حلالًا، ولم يكن هذا الإمام الجليل ليستنكف عن أن ينسج أو ينسخ، بل ويؤجر نفسه للحمالين، ويفضل هذا كله على قبول الصلات التي كانت تعرض عليه في سخاء، حتى عندما تأتي من بعض شيوخه كعبد الرزاق، كما رفض رفضًا باتًّا أن ينال شيئًا من الصلات التي كان الواثق يصله بها ويفرض عليها قبولها، ومن باب أولى فإنه كان يرفض كل عمل يربطه بنظام الحكم ويشركه فيما يقوم عليه أو يلتبس به.
زوجاته وأولاده:
قال الخلال أخبرنا المروذي أن أبا عبد الله قال ما تزوجت إلا بعد الأربعين.
стр. 7005
قال زهير بن صالح بن أحمد "تزوج جدي بأم أبي عباسة بنت الفضل من العرب فلم يولد له منها غير أبي ثم ماتت.
قال المروزي سمعت أبا عبد الله يقول "أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة".
وقال زهير لما ماتت عباسة تزوج جدي بعدها امرأة من العرب يقال لها ريحانة فولدت له عبد الله وحده".
وفي هذا نظر؛ لأن عبد الله ولد للإمام أحمد وله خمسون سنة أي بعد زواجه من أم صالح بعشرة أعوام، وفي رواية المروزي "أقامت معي أم صالح ثلاثين سنة إلخ" كما أن من المعروف أن الإمام أحمد لم يتزوج إلا بعد أن قارب الأربعين.
قال زهير بن صالح لما توفيت أم عبد الله اشترى "حسن" فولدت منه زينب ثم الحسن والحسين توأمًا وماتا بالقرب من ولادتهما ثم ولدت الحسن ومحمد فعاشا حتى صارا من السن إلى نحو من الأربعين ثم ولدت بعدهما سعيدًا.
قضية المحنة:
نشأت هذه المحنة التي حملت اسم "خلق القرآن" من أن المعتزلة الذين كان لهم وقتئذٍ الحظوة لدى المأمون والغلبة الفكرية عليه كانوا ينفون الصفات عن الله ﵎ ورأوا أن التعبير الساري عن أن القرآن "كلام الله" يوحي بإثبات صفة ما، فذهبوا إلى أن القرآن "مخلوق" ولم يعدموا الحجج من المنطق أو من تأويل بعض آيات القرآن الكريم ما يعززون به دعواهم وما يجعلهم يرون أن هذه المسألة هي من مسائل العقيدة الكبرى لأنها تتعلق بالله تعالى، ومن ثم كان إصرارهم عليها وتمسكهم بها وإقحامهم أنفسهم في معركة ضارية بدأت أولًا بعزل كل الذين يختلفون معهم في ذلك من المناصب، ثم تطورت إلى مناظرة الشيوخ والعلماء وانتهت إلى إلزام كل الشيوخ والعلماء القول بذلك وتهديد كل من يرفض لاضطهاد قد يصل إلى حد القتل.
ومات المأمون قبل أن تصل الفتنة إلى مرحلتها الحاسمة، ذلك أنه كان يؤثر المناظرة، وأن هدد قبيل موته بحمل المخالفين على السيف. واستجاب كل الذين طولبوا القول لما أراد المأمون، واعترفوا بدرجات متفاوتة - بخلق القرآن بحيث لم
стр. 7006
يبق في بغداد في النهاية سوى أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح فكبلا بالحديد وسيقا إلى المأمون في طرسوس ليأمر فيهما بأمره. واستشهد ابن نوح في الطريق. قال الإمام أحمد "ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح. وإني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير. قال لي ذات يوم يا أبا عبد الله الله الله إنك لست مثلي .. إنك رجل يقتدى بك. قدمت الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله أو نحو هذا. فمات وصليت عليه ودفنته".
ومن غير بغداد مات عالم مصر يوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي، وهو في قيوده بعد أن رفض الإقرار بما يريدون. كما توفي في سجنه نعيم بن حماد.
وهكذا أصبح على الإمام أحمد بن حنبل أن يواجه وحده العاصفة، وتبلورت فيه وحده القضية كلها. وكان له من الشهرة والاسم وأمل الناس فيه وتعلقهم به ما يجعل وقفه فاصلًا. ومن هنا كانت تلك الأهمية التي علقها معاصروه على موقفه. واعتبروه "صاحب المنة على الأمة" وشبهوا موقفه بموقف أبي بكر يوم الردة وعمر يوم السقيفة ولعلهم أيضًا كانوا يستطيعون أن يرقوا به إلى "بدر" عندما قال النبي ﷺ في ابتهاله المأثور اللهم أن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم".
ولكن المأمون مات وأحمد بن حنبل في الطريق إليه فأعيد إلى بغداد وأودع السجن فترة، ثم اتضح أن المأمون أوصى أخاه المعتصم بمتابعة هذه القضية والسير فيها والاستمساك بأحمد بن أبي داود الذي كان يضرم جذوتها ويتولى كبرها. ومن ثم فقد حمل أحمد بن حنبل في قيوده بعد أن زيدت وضوعفت إلى المعتصم وأحمد بن داود حيث أرادوا مناظرته فكان رده المفحم الذي تمسك به "أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به".
وكان المعتصم راغبًا كل الرغبة في أن يرضخ الإمام أحمد بحيث لا يحتاج إلى استخدام القوة، وحاول معه كل طرق الاسترضاء "يا أحمد والله إني عليك لشفيق وإني لأشفق عليك كشفقتي على هرون ابني ما تقول. فأقول أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله".
ومرة أخرى "يا أحمد أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي قلت أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله فطال المجلس وقام ورددت إلى الوضع الذي كنت فيه".
стр. 7007
وظلت هذه المحاورات والمداورات ثلاث ليال حتى ضجر المعتصم وقال "العقابين (١) والسياط" فجاء الجلادون فقال لهم المعتصم تقدموا فجعل كل جلاد يضرب الإمام أحمد سوطين والمعتصم يقول له شد قطع الله يدك ثم يتنحى ويقوم الآخر والمعتصم يقول في كل ذلك شد قطع الله يدك فلما ضرب تسعة عشر سوطًا من هذه السياط التي يستنزف كل اثنين منها فوه رجل قال المعتصم "يا أحمد علام تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق! وجعل عجيف (أحد رجال المعتصم) ينخسه بقائمة سيفه ويقول "أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم" وجعل بعضهم يقول ويلك الخليفة على رأسك قائم وقال بعضهم يا أمير المؤمنين دمه في عنقي فاقتله وجعلوا يقولون يا أمير المؤمنين أنت صائم، وأنت في الشمس قائم وهو يقول ويحك يا أحمد ما تقول والإمام أحمد لا يغير من قوله "أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله أقول به .. فيأمر الجلادين بالضرب قارنًا الأمر بوصيته "شد قطع الله يدك! ".
قال صالح قال أبي فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أطلقت عني فقال لي رجل ممن حضر إننا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك. قال أبي فما شعرت بذلك وأتوني بسويق فقالوا لي اشرب وتقيأ فقلت لا أفطر ثم جيء بي إلى دار إسحق بن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة فصلى فلما انفتل من الصلاة قال لي صليت والدم يسيل في ثوبك فقلت قد صلى عمر وجرحه يثعب دمًا.
وكانت المدة منذ أن أخذ إلى أن ضرب وخلي عنه ثمانية وعشرين شهرًا، كان المعتصم فيها نهبة بين أن يلتزم بوصية سلفه المأمون وتوجيه مستشاره أحمد بن داود الذي لم يظل يؤكد له إن الإمام أحمد كافر مشرك قد أشرك من غير وجه .. وبين أن يدعه عندما أعجب بشجاعته وأخذته الشكوك في سلامة القضية كلها.
وفي الوقت نفسه فلم يكن أحمد بن أبي داود ليريد أن يقتل، فعندما قال أحد أتباع المعتصم يا أمير المؤمنين اضرب عنقه ودمه في رقبتي قال ابن أبي داود لا يا أمير المؤمنين لا تفعل فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس صبر حتى قتل فاتخذوه إمامًا وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة فإن مات خارجًا عن منزلك شك الناس في أمره.
стр. 7008
وهكذا انتهى الرأي إلى الإفرج عن الإمام أحمد وإعلان ذلك على الملأ، حتى إذا مات مات وهو في بيته، قال حنبل ابن إسحق لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنة وقميصًا وطيلسانًا وخفًّا وقلنسوة فبينما نحن على باب الدار والناس في الميدان والدروب وغيرها وأغلقت الأسواق إذ خرج أبو عبد الله على دابه من دار إبي إسحق المعتصم وعليه تلك الثياب وابن أبي داؤد عن يمينه وإسحق بن إبراهيم يعني نائب بغداد عن يساره، فلما صار إلى دهليز المعتصم قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي داود اكشفوا رأسه فكشفوه يعني من الطيلسان فقط وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس فقال لهم إسحق خذوا به ههنا يريد دجله فذهب به إلى الزورق وحمل إلى دار إسحق فأقام عنده إلى أن صليت الظهر وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المحال فجمعوا وأدخلوا عليه فقال لهم هذا هو أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه، وإلا فليعرفه فقال ابن سماعة حين دخل للجماعة هذا أحمد بن حنبل فإن أمير المؤمنين ناظر في أمره وقد خلى سبيله وهاهو ذا فأخرج على دابة لإسحق بن إبراهيم عند غروب الشمس فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس وهو منحني فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم فوقعت يدي على موضع الضرب فصاح فنحيت يدي فنزل متوكئًا علي وأغلق الباب ودخلنا معه ورمى بنفسه على وجهه لا يقدر يتحرك إلا بجهد وخلع ما كان قد خلع عليه فأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدق به".
وآوى الإمام أحمد بن حنبل إلى بيته ووجه إليه من يبلغ خبره يومًا بعد يوم، ومن يعالج جروحه، وكان قد أصيب في غير موضع وظل أثر الضرب بينًا في ظهره إلى أن توفي وظلت إبهاماه متخلعتين تضربان عليه في البرد حتى يسخن له الماء. وجعل الإمام أحمد كل من أصابه في حل إلا مبتدع مطبقًا قول الله تعالى ﴿وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم﴾ ومتبعًا توجيه النبي ﷺ بالعفو عن مسطح قائلًا العفو أفضل.
وعاد الإمام أحمد إلى مجلسه بالمسجد ودرسه حتى مات المعتصم وولي الواثق. وواصل سياسة سلفه في الأخذ بخلق القرآن، ولكنه لم يشأ أن يعيد القصة مع الإمام أحمد بعد أن رأى أنها أكسبته المهابة والجلال والمحبة والتقدير فأرسل إليه نائبه إسحق بن إبراهيم برسالة في موهم الليل "يقول لك الأمير إن أمير المؤمنين قد ذكرك
стр. 7009
فلا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها فاذهب حيث شئت من أرض الله".
واختفى الإمام أحمد قال إبراهيم بن هاني اختفى أحمد بن حنبل عندي ثلاثة أيام ثم قال اطلب لي موضعًا قلت لا آمن عليك قال افعل فطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول.
وظل الإمام أحمد على هذا الحال حتى توفي الواثق وولي المتوكل، فأنهى تلك المأساة ووضع ختامها بعد أن ثبت فشلها وكتب المتوكل إلى إسحق بن إبراهيم يرفع الحظر على الإمام أحمد وإكرامه. وأرسل إليه كتابًا ومعه بدرة وقال للإمام أحمد إنه قد صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك وقد وجه إليك بهذا المال تستعين به فأبى أن يقبله وقال ما لي إليه حاجة فقال يا أبا عبد الله اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به فإن هذا خير لك عنده فاقبل ولا ترده فإنك إن رددته خفت أن يظن بك سوءًا فحينئذٍ قبلها، ولكنه لم يستطع النوم، فلما كان السحر أرسل إلى بعض أصحابه ووجههم توزيع المال على من يعلمون من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة ففرقوها كلها فما بقي في الكيس درهم ثم تصدق بالكيس نفسه على مسكين.
والحقيقة أن ولاية المتوكل وإن أنهت فصل الاضطهاد في تلك المأساة إلا أنها فتحت فصلًا آخر هو فصل الاصطناع فقد حاول المتوكل بكل طريقة أن يجتذب إليه الإمام أحمد ويجعله من خلصائه ورفض الإمام أحمد ذلك، بل رفض أن ينال من أحمد بن أبي داود أو يذكره بشيء مع أنه الذي تولى كبر هذه الفتنة وشهد على الإمام أحمد أنه "أشرك من غير وجه" وأجبره المتوكل على الذهاب إليه واضطر الإمام لأن يذهب ولكنه لم يقبل ضيافة المتوكل، فلم ينزل في الدار التي أعدها له، ولم يأكل من المائدة التي رتبها له، بل لقد أمرضه هذا كله، واحتج بهذا المرض في رفض الأكل والشراب واللقاء ووجه إليه المتوكل بمال عظيم فرده فقال عبيد الله بن يحيى بن خافان فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك قال هم مستغنون فردها عليه فأخذها عبيد الله فقسمها على أهله وولده ثم أجرى المتوكل على أهله وولده أربعة آلاف في كل شهر فبعث إليه الإمام أحمد أنهم في كفاية وليست بهم حاجة فبعث إليه المتوكل إن هذا لولدك ما لك ولهذا فأمسك.
стр. 7010
ولما طالت العلة به أرسل المتوكل ابن ماسويه الطبيب فزاره ثم عاد إلى المتوكل وقال إنه ليست به علة في بدنه إنما هو من قلة الطعام والصيام والعبادة. فسكت المتوكل.
وأمر المتوكل بشراء دار للإمام أحمد ولكن الإمام رفض ذلك قائلًا إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد مأوًى ومسكنًا قال صالح فلم نزل ندفع شراء البيت.
وأكربت هذه الرعاية الإمام أحمد كربًا شديدًا حتى كان يبكي ويقول سلمت من هؤلاء ستين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان (أي في فتنة المعتصم) وإني لأتمنى الموت في هذا وذلك أن هذا فتنة الدنيا وذلك فتنة الدين ثم جعل يضم أصابعه ويقول لو كانت نفسي في يدي لأرسلتها ويفتح أصابعه.
وكان المتوكل يوجه في كل وقت يسأل عن حاله ويأمر لآله بالمال دون أن يعلم الإمام أحمد بذلك. وحسن رأيه في الإمام أحمد بعد ما رأى من صدوده حتى رفض فيه كل الوشايات وعندما قالوا له إنه لا يأكل من طعامك، ولا يجلس على فراشك ويحرم الذي تشرب قال لهم "لو نشر المعتصم وقال فيه شيئًا لم أقبل منه".
ولما تأكد المتوكل من عقم كل محاولاته اصطناع الإمام أحمد أو تقريبه سمح له بالعودة وأذن له في الانصراف فجاء عبيد الله بن يحيى وقت العصر وقال للإمام أحمد إن أميرالمؤمنين قد أذن لك، وأمر أن تفرش لك حراقة (١) تتحدر فيها فقال أبو عبد الله اطلبوا لي زورقًا فأنحدر فيه الساعة فطلبوا له زورقًا فانحدر من ساعته.
قال حنبل، فما علمنا بقدومه حتى قيل لي إنه قد وافى فاستقبلته بناحية القطيعة وقد خرج من الزورق فمشيت معه فقال لي تقدم لا يراك الناس فيعرفوني فتقدمت بين يديه حتى وصل إلى المنزل فلما دخل ألقى بنفسه من التعب والعياء.
وكان في حياته ريما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار امتنع عن ذلك.
وانتهى بذلك أمر المحنة بعد أن استمر أربع عشرة سنة ثبت لها الإمام أحمد بن حنبل ثبات المؤمنين الصادقين.
стр. 7011
وقد وقف الإمام أحمد ﵁ موقفين جديرين بالتأمل والتقدير.
الأول: موقف الصلابة والبطولة وإيثار الموت على التفريط أو التسليم، وأن "التقية" لا يمكن أن تقبل من الإمام الداعية القدوة وإن قبلت من سواد الناس وجماهيرهم.
والثاني: العبارة التي أجمل فيها الإمام أحمد ﵁ رده على هؤلاء المعتزلة فرسان الكلام وأئمة الجدل. فقد رفض أن يدخل في نقاش، وتمسك بصيغة واحدة محددة لا لبس فيها "أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول فيه" وقد أجمل الإمام أحمد في كلمته هذه المذهب الأمثل والعقيدة السليمة، فما لم يأت القرآن أو الحديث بشيء في هذا المجال، فإن الجدل والرأي وإعمال الفكر مستبعد تمامًا، ولا محل له لإنه يتعلق بصفات الله . وهي صفات لا يدركها العقل البشري ولا تخضع لأحكامه أو تصوراته - ولو جاز أن يهتدي إليها العقل لما كان ثمة حاجة لإرسال الرسل وبعثة الأنبياء ولجاز أن يقوم بهذا الفلاسفة أو العلماء. فالذين يتصورون أن العقل البشري يستطيع أن يدرك صفات الله تعالى، إنما يطعنون الدين ويحاولون هدمه وخدع الناس بمفترياتهم ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾.
وكل ما سوى الإيمان القلبي في هذا المجال فهو مجازفة خطرة، وأخذ بأقيسة باطلة. واعتماد على براهين عاجزة أو فاسدة، وتوريط للنفس في متاهات دون هدًى أو دليل، ولعل الإمام أحمد ﵁ كان يستطيع أن يفند هذه الدعوى ويدخل في الجدل ولكنه آثر أن يقف موقف أهل السنة، وأن يضع - في هذه المسألة الكبرى من مسائل الاعتقاد - السنة والاتباع في مواجهة الهوى والابتداع؛ لأن هذا الوضع الحاسم في هذه القضية - ولأن الاجتهاد مستبعد أصلًا في هذا المجال بحيث لا يمكن التفكير فيه كوسيلة للانتصار وكسب الخصوم. فالإمام أحمد كان يرى حل المشكلة إنما يكون في "الموقف" الذي وقفه وبالتالي لا يكون هناك داع لحل آخر. ولو أراد مثل هذا الحل لما أعوزه، ولما كان يعجزه أن يقول ما قاله واحد من عامة المسلمين عندما جابه أحمد بن أبي داود "شيء لم يدع إليه رسول الله ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، تدعو أنت الناس إليه .. ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه. فإن قلت علموه وسكتوا عنه وسعني وإياك من السكوت ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع بن لكع: يجهل النبي ﷺ والخلفاء الراشدون ﵃ شيئًا وتعلمه أنت".
стр. 7012
كما لم يكن ليدق على ذكاء الإمام أحمد وفراسته ما أدركه أحد أتباع الواثق عندما دخل عليه يومًا وقال له "يا أميرالمؤمنين أعظم الله أجرك في القرآن" فقال ويلك القرآن يموت؟ قال يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت.
كان الإمام أحمد ﵀ يستطيع أن يقول شيئًا كهذا ولكنه لم يكن يريد خلاصًا من محنة أو انتصارًا على الخصوم ولكن تقريرًا لمبدأ، وتحديدًا لموقف وكيف يميل الإمام أحمد ويجادل في عقيدة وهو الذي يحمل بين جنبيه كتاب الله وتمتزج روحه بالسنة المطهرة ومن هنا قال "أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به".
وفي كلام الإمام أحمد، وفي كثير من كتبه ووصاياه بين أن الموقف السليم هو ترك الجدل والمراء وإطراح الخصومات والأهواء والوقوف عند السنة المطهرة، وعدم إفساد القلوب بهذه الشبه والاستدلال على الله ببديع صنعه وسابغ نعمه بل الاستدلال عليها بخالقها ومبدعها ﷻ .
ذكر مرضه ووفاته ﵀:
قال المروزي: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول ومرض تسعة أيام، وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجًا يسلمون عليه ويرد عليهم بيده وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة الأخبار ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس في الشارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه وصل من بعض الدور وطرر الحاكة وربما تسلق وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاء حاجبه ابن طاهر فقال إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال هذا مما أكره وأمير المؤمنين أعفاني مما أكره! وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ومسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع.
فلما كانت ليلة الجمعة ثقل وقبض صدر النهار فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع.
стр. 7013
قال البخاري مرض أحمد بن حنبل لليلتين خلتا من ربيع الأول ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول.
قال صالح وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامين معهما مناديل فيها ثياب وطيب فقالوا الأمير يقرئك السلام ويقول قد فعلت ما لو كان أمير المؤمنين حاضرًا كان يفعل ذلك فقلت أقرئ الأمير السلام وقل له إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته فعاد وقال يكون شعاره فأعدت عليه مثل ذلك. وقد كان غزلت له الجارية ثوبًا عشاريًّا قوم بثمانية وعشرين درهمًا ليقطع منه قميصين فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطًا وفرغ من غسله وكفناه وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفنه وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير.
قال عبد الله بن أحمد صلى على أبي محمد بن عبد الله بن طاهر غلبنا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا نحن والهاشميون في الدار.
قال صالح وجه ابن طاهر من يصلي عليه قلت أنا فلما صرنا إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف فخطا إلينا خطوات وعزانا ووضع السرير فلما انتظرت هنيهة تقدمت وجعلت أسوي صفوف الناس فجاءني ابن طاهر، فقبض (ابن طالون) على يدي ومحمد بن نضر على يدي وقالوا الأمير فمانعتهم فنحياني وصلى ولم يعلم الناس بذلك - فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيئون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر.
وحضر جنازته جمع حاشد لم ير مثله في جاهلية أو إسلام وقدرته بعض المراجع بألف ألف وثلثمائة ألف، بينما قدرته مراجع أخرى بسبعمائة ألف، وقيل حضرها من الرجال ثمان مائة ألف ومن النساء ستون ألفًا.
فكانت الجنازة جليلة مهيبة، وحدثًا فذًّا ورزقت من حرص الناس عليها ما جعل الخليفة، الذي كان غائبًا وقتئذٍ عن بغداد يقول لنائبه (محمد بن عبد الله بن طاهر) "طوبى لك محمد .. صليت على أحمد بن حنبل ﵀".
ولو أردنا تقصي عناصر القوة والثبات في هذه الشخصية الفريدة لرأيناها كلها تدور حول محور واحد، ذلك هو التجرد لله، الذي قام على أركان منها الإيمان العميق
стр. 7014
بالله تعالى وأنه وحده الخالق القادر القاهر فوق عباده، وأن من دونه لا يملكون لأنفسهم، أو لغيرهم شيئًا ومن هذا الإيمان استمد شجاعته وثباته أمام كل القوى الباطشة أو المغريات الدنيوية. ومنها الاقتداء بسيرة النبي ﷺ بحيث أصبحت منهجه في حياته وسلوكه وأكله وشربه ولبسه وأدبه فقد تشرب السنة واصطبغ بها، ومنها الانصراف عن زخرف الحياة ومتاعها والرضا بالكفاف والابتعاد عن كل ما يضيع الوقت أو يشغل النفس عن العلم والحديث.
وأخيرًا ما وهبه الله من توفيق أعانه على أن يلزم نفسه هذا الطريق، ويأخذها بما يتطلبه من زهد، وينأى بها عن سفساف الأمور. قال الشافعي خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل، ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل وقال عبد الرزاق ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع وقال الزعفراني ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي وقال محمد بن إبراهيم البوشنجبي ما رأيت أجمع في كل شيء من أحمد بن حنبل ولا أعقل.
بهذه الصفات كان أحمد بن حنبل رجلًا عالمًا زاهدًا، ورعًا قويًّا، من الذين تزيدهم العبادة قوة وهمة فخرج على الناس بهذا الكتاب الجامع "المسند" ليكون للناس إمامًا.
رحم الله أبا عبد الله رحمة واسعة وأثابه بما قدم من خلق رفيع وعلم غزير تقبس منه الأجيال جيلًا بعد جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 7015
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
ترجمة المؤلف
ولد المؤلف ﵀ في قرية من قرى مصر ومن أعمال مديرية الغربية هي قرية شمشيرة المطلة على النيل وأجمل ما فيها سلم حجري يمتد من المسجد إلى النيل ليتوضأ من يريد الوضوء من ماء النهر.
وقبل أن تضعه والدته رأت في منامها من يقول لها إذا وضعت فسم مولودك (أحمد) واحرصي على تحفيظه القرآن.
وشب الصغير وتجاذبته أهواء القرية، وكان والده فلاحًا يحرص على زراعة أرضه وأراد أخو المؤلف أن يحمل الصغير على أن يعمل معه في الفلاحة والزراعة، ولكن أمه لم تنس الرؤيا التي رأت وتشبثت به دون الأرض وقالت خذوا الأرض وما فيها واتركوا نشأة ولدي أنشئه على ما أريد، وكان والده الشيخ عبد الرحمن البنا رجلًا صالحًا لا يقف ضد رغبة طيبة فوافق والدة الصغير على رأيها.
والتحق الصبي بكتاب القرية، ونذرته والدته للقرآن والعلم، وحفظ القرآن الكريم وتعلم أحكام التجويد على يد معلم القرية الذي جرى العرف على أن يطلق عليه في قرانا اسم (سيدنا) وهو الشيخ محمد أبو رفاعي وكان كفيفًا تقيًّا يفيض وجهه إشراقًا وبشرًا.
وجاءت المرحلة الثانية، مرحلة أن يدرس الصبي علوم الشريعة بفروعها من الفقه والتفسير والحديث وغيرها ولا يتيسر ذلك إلا في الأزهر والمعاهد الدينية.
ولما كانت القرية أقرب إلى الإسكندرية فهي في مواجهة بلدة ادفينا وقريبة من مدينة رشيد فقد تهيأ الصبي تهيؤ المغتربين في طلب العلم فما على والدته إلا أن تهيئ له (الزوادة) وهي الخبز وبعض ما يتيسر لها من طعام تضعه في سبت من الجريد أو (قفة) من الخوص.
стр. 7016
طلبه العلم:
وسافر الطالب إلى الإسكندرية ولم يكن معهدها الديني قد أنشئت مبانيه الحديثة ولكن طلبة المعهد كانوا يدرسون في مسجد (الشيخ) وكان هو معهد الإسكندرية بمدارسه ومذاهبه الأربعة (الحنفي) و (المالكي) و (الشافعي) و (الحنبلي) وما زال مسجد الشيخ موجودًا حتى الآن قريبًا من ميدان المنشية.
وكان المسجد هو مسكن الطالب ومأواه، فيه يدرس، وفيه ينام، وفيه يقوم ساجدًا راكعًا لله.
تعلمه صناعة الساعات:
ولما تذوق العلم وتقدم في الدراسة فكر في المستقبل وما يكون بعد إتمام دراسته وأن كل عالم من العلماء كانت له صناعة بجانب علمه يتكسب منها لئلا يكون العلم وسيلة لطلب الرزق.
ويسر الله له بركة إخلاصه وصدقه مع الله فالتحق بأكبر محل في الإسكندرية لإصلاح الساعات وبيعها هو محل الحاج محمد سلطان وكان يفرغ من دراسته يوميًّا فيسرع إلى صنعته التي أحبها وعشقها حتى أتقنها وبرع فيها وأصبحت بعد ذلك حرفة له وتجارة ومن هنا جاءت شهرته (بالساعاتي).
اختياره بلدة المحمودية لإقامته:
وعاد إلى القرية عالمًا صانعًا فتزوج منها وسار بأهله إلى بلدة (المحمودية) التي أعجبته عبر رحلته إلى الإسكندرية ورجوعه منها إلى قريته.
وفي المحمودية وهي من أعمال مديرية البحيرة والقريبة من مدينة دمنهور وضع رحاله واستقر به النوى، ورحب به عالمها وأمامها الشيخ محمد زهران وكان كفيفًا بارع الذكاء زاخرًا بالعلم والعرفان، وأصبحا صديقين حميمين، يتدارسان العلم، ويتعمقان في البحث والتحقيق، وكانت مكتبة المؤلف زاخرة بأمهات الكتب في الفقه والتفسير والحديث وجميع علوم الشريعة وفنونها.
стр. 7017
قراءته للمسند:
وفي سنة أربعين وثلاثمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، وهي نهاية الحلقة الرابعة من عمر المؤلف أخذ في قراءة المسند - بعد أن يسر الله له قراءة الكتب الستة وغيرها من الأصول المعتبرة عند المحدثين - فوجده بحرًا خضمًا يزخر بالعلم ويموج بالفوائد فخطر له أن يرتبه وتهيب العمل فيه واستعظم التبعة ولكن الدافع كان قويًّا والرغبة إلى الله صادقة فأخذ رأي ذوي البصائر الثاقبة واستشار من لا يتهمه دينًا وأمانة وصدقًا ونصيحة وهو صديقه وشيخه العالم العامل الصالح الورع محمد زهران، فكل أشار بما قوى العزيمة فبدأ العمل فيه داعيًا الله تعالى أن يجعله خالصًا لوجهه ويتقبله ويعين على نجزه بصدق النية فيه (١).
وقد فرغ المؤلف من تبييضه في نهاية عام ١٣٥١ هجرية بعد أن قرأه بتمامه أربع مرات ثم قرأه للمرة الخامسة وهو يقوم بتصحيحه عند الطبع حتى منتصف الجزء الثاني والعشرين.
هجرة الأسرة إلى القاهرة:
ولما كانت هجرة المؤلف إلى الإسكندرية في طلب العلم كذلك كانت هجرة الأسرة كلها إلى القاهرة في طلب العلم وذلك حين احتاج النجل الأكبر للمؤلف الإمام الشهيد حسن البنا إلى الالتحاق (بمدرسة) دار العلوم وأراد المؤلف التعرف إلى علماء الأزهر الشريف بالقاهرة والالتقاء بالمحدثين الوافدين من أقطار العالم الإسلامي.
وهكذا وفدت الأسرة كلها إلى القاهرة وعكف المؤلف على كتابه الذي أصبح شغله في الحياة وحظه منها وأصبح مكتبه في عطفة الرسام على ناصية مسجد الفكهاني بالغورية مقصد العلماء والباحثين، ومطلب المحققين والمحدثين لا يبرحه إلا للصلاة في مسجد الفكهاني أو مسجد المؤبد.
ثم دفع بمؤلفه المبارك إلى المطبعة التي لا تبعد عن مكتبه إلا خطوات حيث تقع
стр. 7018
في شارع الفحامين المقابل لعطفة الرسام وتأتيه (مسودات) المطبعة ملزمة ملزمة فيقوم على تصحيحها بنفسه ويدقق في ذلك أشد الدقة حتى يتفادى كل ما يمكن أن يتفاداه من أخطاء.
وكما كان يفد على مكتبه جلة العلماء، كذلك كانت تحضر مجموعات من طلبة العلم في الأزهر الشريف ممن شغفوا بالسنة وأولعوا بدراستها، حتى اضطر المؤلف أن يقسم الجزء الواحد من الكتاب إلى أربعة أقسام حتى ييسر على طلبة العلم اقتناءه ويخفف عنهم مقدار ثمنه.
صفة الشيخ الخلقية والخلقية:
وكان الشيخ ﵀ ربعة لا بالطويل ولا بالقصير نحيفًا قمحي اللون يتكفأ في مشيته ويغض بصره وكان في لحيته شعرات سوداء وكانت ثيابه غليظة متواضعة يلبس الجبة والقفطان ويعتم، عليه سكينة ووقار.
وكان زاهدًا ورعًا منصرفًا عن الدنيا راغبًا في الآخرة لا يخوض فيما يخوض فيه الناس ولا يتقيد بما يعملون ويشترعون حتى كان لا يقدم ساعته حسب التوقيت الصيفي حين كان يفعل الناس ذلك ويقول ما لي وللناس إنما أتعامل مع الله جل وعلا.
شعوره بالمرض:
وعندما كان الشيخ ﵀ يعمل في الجزء الثاني والعشرين وقد أتم كتاب السيرة النبوية والأبواب المتعلقة به من ذكر أولاده ﷺ وآل بيته الطاهرين وزوجاته أمهات المؤمنين وبدأ العمل في أبواب مناقب الصحابة رضي الله تعالى عنهم شعر ببدء المرض وعرضت عليه الحضور إلى منزلي لنكون جميعًا في خدمته ونقوم على مطالبه فاستمهلني قائلًا سأفعل ذلك إن شاء الله عند لزومه وظل يكتب في باب المناقب حتى وصل باب ما جاء في جرير بن عبد الله البجلي وكنت أمر عليه في مكتبه في فترات متقاربة وبعد صلاة العشاء من يوم الأحد ٥ من جمادى الأولى سنة ١٣٧٨ هجرية الموافق ١٦ نوفمبر سنة ١٩٥٨ ميلادية مررت به فابتدرني بقوله غدًا إن شاء الله بعد أن تصلي الفجر احضر إلي مبكرًا بعربة تنقلني إلى بيتك ثم طلب الوضوء لصلاة العشاء فقدم إليه فتوضأ ثم نوى الصلاة.
стр. 7019
ما قرأه في هذه الليلة في صلاته من القرآن:
فلما أتم قراءة الفاتحة في الركعة الأولى قرأ قوله تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾.
وقرأ بعد الفاتحة في الركعة الثانية ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذًى كيثرًا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾.
ودخل نفسي من ذلك شيء، وبكرت صبيحة الاثنين بعربة ركبها ومعه الأصول الباقية من الفتح الرباني بخط يده وبعض مراجع كتب الحديث التي كان يعمل فيها في الجزء الثاني والعشرين، ثم جلس في حجرة النوم وأشار بأن تصف المراجع في الشباك القريب منه بالحجرة ومعها الأصول وجعل يشير إليها ويتحدث عما أنجزه حتى الآن.
وطيلة يوم الاثنين وهو يحدثنا حديث الواثق المؤمن وعرض لنشأته وصباه وبلدته وكان أصح ما يكون صحة وأتم ما يكون عافية حتى نسيت ما داخل نفسي من شعور يوم الأحد مساءً وقلت لقد من الله على الشيخ بالعافية وظننته سيمكث معنا طويلًا يمتعنا بهذا الحديث وينفعنا بهذا العلم ولكن قدر الله كان سابقًا وأمره كان نافذًا.
وفي يوم الثلاثاء انشغل بربه وانصرف عنا وكان يطلب الوضوء وينظر في ساعته إذا حضر وقت الصلاة فيؤديها حسبما استطاع.
وفاته إلى رحمة الله:
وقبل ظهر يوم الأربعاء ٨ من جمادى الأولى سنة ١٣٧٨ الموافق ١٩ نوفمبر سنة ١٩٥٨ لحق بربه راضيًا مرضيًّا إن شاء الله تعالى عن سبع وسبعين سنة وبضعة شهور.
стр. 7020
وشيعت جنازته وتبعها أهل الفضل والعلم وجماهير غفيرة إلى مسجد الرفاعي بالقلعة، وأم الناس في الصلاة عليه الشيخ سيد سابق، ودفن بقرافة الإمام الشافعي ﵁ بجوار ابنه الإمام الشهيد حسن البنا رحمهما الله.
رغبتي في الاتصال بوالدي ﵀:
ورغبت أن أتصل بسبب إلى والدي غير النسب، وبسند إلى رسول الله ﷺ وهو شرف الدنيا وعز الآخرة إن شاء الله فطلبت إلى تلميذ والدي العالم الفاضل الشيخ على المؤيد، أن يجيزني فتفضل جزاه الله أحسن الجزاء وأجازني هذه الأجازة وقد استشرت من لا أتهم دينًا وأمانة وورعًا فأشاروا بإثباتها هنا، أسأل الله تعالى أن تكون مقبولة عنده خالصة لوجهه الكريم.