← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها و بيان وجه الإشكال عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ ، وذُكِر عنده عمُّه، فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحْضَاحٍ (١) من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)، متفق عليه (٢). وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، هو في ضَحْضَاحٍ من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، متفق عليه (٣). بيان وجه الإشكال قال الحافظ ابن حجر: "استُشكل قوله ﷺ : (تنفعه شفاعتي) بقوله

стр. 667

تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] " (١) أي: كيف نفعت شفاعة النبي ﷺ أبا طالب -حيث سُئل: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فقال: (نعم) - وقد أخبر الله تعالى أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ومعلوم أن أبا طالب قد مات على الكفر، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرَتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويُعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك)، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (٢). قال ابن حجر عن آية القصص: "لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب" (٣). * * *

стр. 668

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في الجواب على هذا الحديث على أقوال، أهمها: القول الأول: أن هذا خاص بأبي طالب، ولذلك عدوه في خصائص النبي ﷺ ، وأما سائر الكفار فإن حسناتهم وخيراتهم لا تنفعهم شيئًا يوم القيامة، بسبب كفرهم. وإلى هذا ذهب البيهقي وابن كثير (١) وغيرهما (٢). قال البيهقي: ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنما امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد، وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه (٣). وقال: ويصح لمن ذهب هذا المذهب في خيرات الكافر أن يقول: إن ما خُصَّ به أبو طالب من التخفيف إنما هو لأجل النبي ﷺ ، تطييبًا لقلبه وثوابًا له في نفسه لا لأبي طالب، لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباءً منثورًا، وقد ورد أن ثواب الكافر على إحسانه إنما يكون في الدنيا (٤).

стр. 669

واستدل أصحاب هذا القول على أن سائر الكفار لا تنفعهم حسناتهم في الآخرة بعدة أدلة (١)، منها: ١ - قوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]. ٢ - وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. ٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، رواه مسلم (٢). ٤ - حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)، رواه مسلم (٣). القول الثاني: أن هذا التخفيف ليس خاصًا في أبي طالب، وإنما هو عام في سائر الكفار، فجزاء خيراتهم تخفيف العذاب عنهم، وعلى هذا يكون معنى المنفعة في الآية غير معنى المنفعة في الحديث: فالمراد بها في الآية: الإخراج من النار، والمراد بها في الحديث: التخفيف من العذاب (٤).

стр. 670

وإلى هذا ذهب القرطبي وجوَّزه البيهقي (١)، وهو ظاهر قول ابن أبي العز (٢). قال القرطبي: "خيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن إلله تعالى حرم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفف عنه، بدليل حديث أبي طالب" (٣). واستدل هؤلاء بما يلي (٤): ١ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقالوا: إن الآية تشمل الكافر حيث لم يفصل الله تعالى بين نفس ونفس. ٢ - حديث أبي طالب، حيث نفعه إحسانه إلى النبي ﷺ في تخفيف العذاب عنه، فكان كل ذي خيرات وإحسان من الكفار مثله في هذا. ٣ - ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أنه قال: "ثُويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حيبة (٥)، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألقَ بعدكم غير أني سُقيت في هذه (٦) بعتاقتي ثويبة" (٧). وأجابوا عن أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث، بأن المراد: أنه لا يكون لحسنات الكافر موقع التخلص من النار والإدخال في الجنة،

стр. 671

وأما التخفيف من العذاب فإنه ممكن، لهذه الأدلة (١). القول الثالث: إنكار الحديث في تخفيف العذاب على أبي طالب، وعدم القول بثبوته. وإلى هذا ذهب الحليمي (٢). * * *

стр. 672

المطلب الثالث: الترجيح حاصل الأقوال المتقدمة كلها: الاتفاق على أن الكافر لا تنفعه أعماله الحسنة نفعًا يخلصه من النار ويدخله الجنة، حتى ولو اقترن ذلك بشفاعة شافع، وهذا مما انعقد الإجماع عليه، كما نقله القاضي عياض (١)، والنووي (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع، فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار، والاستغفار لهم، مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمد ﷺ ، ثم الخليل إبراهيم، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له، كما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقد كان ﷺ أراد أن يستغفر لأبي طالب، اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، ثم ذكر الله عذر إبراهيم فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٤, ١١٥] ... فهذا لما مات مشركًا لم

стр. 673

ينفعه استغفار إبراهيم، مع عظم جاهه وقدره" (١). ويبقى الكلام في تخفيف العذاب على الكافر بسبب حسنات عملها، هل هو خاص في أبي طالب، لورود النص به، أم أنه عام فيه وفي غيره من الكفار؟ في هذا وقع الخلاف كما تقدم. والذي يظهر -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من أن ذلك خاص بأبي طالب، وأما سائر الكفار فقد أخبر الله تعالى أنهم لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وعلى هذا فلا تعارض بين شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] لأن الآية محكمة، والحديث ثابت، فتعين القول بهذا، وهو تخصيص الآية بالحديث، علمًا أن هذا النفع الحاصل لأبي طالب ليس نفعًا كاملًا، وإنما هو نفع ناقص، فالعذاب لم يسقط عنه بالكلية وإنما خفف، ومع هذا فهو لا يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه. وأما القول الثاني وهو أن التخفيف يعم كل كافر له حسنات، فليس في الحديث ما يدل عليه، فإن التخفيف عن أبي طالب إنما كان بشفاعة النبي ﷺ له لا بعمله، كما هو ظاهر الحديث: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة)، وشفاعة النبي ﷺ له مبنية على سبب معين له تعلق به ﵇، حيث جاء في الحديث: فإنه كان يحوطك ويغضب لك، فنصرته للنبي ﷺ وحمايته له هي سبب الشفاعة، وليس سببها أعمال خير قدمها غير هذا، وعليه فلا وجه لإقحام أعمال الكفار الحسنة في هذا النزاع، ولا الاستدلال بهذا الحديث على نفعها لعموم الكفار في الآخرة، لا سيما وقد ورد النص الصحيح الصريح بخلافه، كما في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين).

стр. 674

قال النووي: "معنى هذا الحديث: أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم، لا ينفعه في الآخرة لكونه كافرًا، وهو معنى قوله ﷺ : (لم يقل: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين) أي: لم يكن مصدقًا بالبعث، ومن لم يصدق به كافر، ولا ينفعه عمل" (١). وجاء في صحيح مسلم أيضًا من حديث أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها). قال القاضي عياض: "الأصل أن الكافر لا يجزى في الآخرة على خير عمله في الدنيا، ولا يكتب له حسنة، لأن شرط الثواب والجزاء عُدِم، وهو الإيمان، لكن أخبر في هذا الحديث أنه من عدْل الله أنه قد جازاه بها في الدنيا بما أعطاه ورزقه وأطعمه، بخلاف المؤمن الذي يدخر له حسناته في الآخرة" (٢). وأما استدلالهم بعموم قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقد أجاب عنه الحافظ ابن كثير فقال: "قصارى هذه الآية: العموم، فيخص من ذلك الكافرون" (٣)، ثم استدل على هذا التخصيص بقول النبي ﷺ في ابن جدعان -وقد تقدم- وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وقال ابن حجر بعد ذكر هذا القول واستدلال أصحابه بهذه الآية: "هذا البحث النظري معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وحديث أنس الذي أشرت إليه" (٤) يعني الحديث المتقدم.

стр. 675

وأما حديث عروة في أبي لهب وعتاقته ثويبه فقد ذكر الجواب عنه الحافظ ابن حجر فقال: "في الحديث دلالة على أن الكافر قد ينفعه العمل الصالح في الآخرة، لكنه مخالف لظاهر القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وأُجيب: أولًا: بأن الخبر مرسل، أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به، وعلى تقدير أن يكون موصولًا فالذي في الخبر رؤيا منام فلا حجة فيه، ولعل الذي رآها لم يكن إذ ذاك أسلم بعد، فلا يحتج به. وثانيًا: على تقدير القبول فيحتمل أن يكون ما يتعلق بالنبي ﷺ مخصوصًا من ذلك، بدليل قصة أبي طالب" (١). تنبيه: رُوي في معنى هذا القول -أعني القول الثاني- حديث ضعيف، وهو ما أخرجه الحاكم وغيره عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما أحسنَ محسنٌ من مسلم ولا كافر إلا أثابه الله)، قال: فقلنا: يا رسول الله ما إثابة الله الكافر؟ قال: (إن كان قد وصل رحمًا أو تصدق بصدقةٍ أو عمل حسنةً، أثابه الله المال والولد والصحة وأشباه ذلك)، قال: فقلنا: ما إثابته في الآخرة؟ فقال: (عذابًا دون عذاب) قال: وقرأ رسول الله ﷺ : ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] (٢).

стр. 676

فهذا الحديث ذكرته للتنبيه على ضعفه، وإلا فلم أقف -بعد البحث- على من احتج به، غير أن البيهقي قال بعد سياقه له: هذا إن ثبت ففيه الحجة، لكن في إسناده من لا يحتج به (١). وأما القول الثالث: وهو رد الحديث وإنكاره فقد قال عنه البيهقي: "حديث أبي طالب صحيح، ولا معنى لإنكار الحليمي ﵀ الحديث، ولا أدري كيف ذهب عنه صحة ذلك، فقد رُوي من أوجه عن عبد الملك بن عمير، ورُوي من وجه آخر عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ بمعناه، وقد أخرجه صاحبا الصحيح، وغيرهما من الأئمة في كتبهم الصحاح" (٢). * * *

стр. 677

المبحث السادس: ما جاء في سماع الأموات وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 678

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال عن ابن عمر ﵄ قال: اطَّلع النبي ﷺ على أهل القَلِيب فقال: (وجدتم ما وعد ربكم حقًا)، فقيل له: تدعوا أمواتًا؟ فقال: (ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون)، رواه البخاري (١). وفي رواية: قال النبي ﷺ : (إنهم الآن يسمعون ما أقول) فذكر لعائشة، فقالت: إنما قال النبي ﷺ : (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)، ثم قرأَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] حتى قرأَتْ الآية (٢). وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂، أنه ذُكر عندها: أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله عليه)، فقالت: وَهَلَ ابن عمر ﵀، إنما قال رسول الله ﷺ : (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن)، قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القليب، وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم مثل ما قال: (إنهم ليسمعون ما أقول)، إنما قال: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي

стр. 679

الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] (١). وعن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقُذفوا في طَويٍّ (٢) من أطواء بدر، خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة (٣) ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فَشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى واتَّبعه أصحابه، وقالوا: ما نُرَى ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شَفَةِ الرَّكِيِّ (٤)، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ) قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا. متفق عليه (٥). وثبت هذا الحديث -أعني: حديث القليب- عند مسلم من طريق

стр. 680

عمر بن الخطاب ﵁ (١). بيان وجه الإشكال هو أن ظاهر هذا الحديث قد يفهم منه مخالفة قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، ولهذا اعترضت عليه عائشة ﵂ -كما ترى- واستدلت بالآيتين. قال ابن كثير: "هذا مما كانت عائشة ﵂ تتأوله من الأحاديث ... وتعتقد أنه معارض لبعض الآيات" (٢). * * *

стр. 681

المطلب الثانى: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال سلك أهل العلم في هذه المسألة مسلكين: أحدهما الجمع، والآخر الترجيح، وإليك البيان: أولًا: مسلك الترجيح (١)، وهو ما ذهبت إليه عائشة ﵂، حيث خطأت ابن عمر ﵄ في حديثه، وعارضته بالآية، فقالت: إنما قال النبي ﷺ : (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كلنت أقول لهم هو الحق) ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. قال ابن حجر: "وهذا مصير من عائشة إلى رد رواية ابن عمر المذكورة" (٢). ثانيًا: مسلك الجمع: أي: الجمع بين الآية والحديث، فقالوا: إن أهل القليب قد سمعوا قول النبي ﷺ لهم، كما هو صريح حديث عمر وابنه وأبي طلحة ﵃، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، كقتادة (٣)، وابن أبي عاصم (٤)،

стр. 682

وابن قتيبة (١)، والبربهاري (٢)، والمازري (٣)، وابن عطية (٤)، والقاضي عياض (٥)، وابن الجوزي (٦)، وأبي العباس القرطبي (٧)، وأبي عبد الله القرطبي (٨)، والنووي (٩)، وابن تيمية (١٠)، وابن القيم (١١)، وابن كثير (١٢)، وابن مفلح (١٣)، والآلوسي (١٤)، والشنقيطي (١٥)، والألباني (١٦)،

стр. 683

وغيرهم (١). قال ابن أبي عاصم: "والأخبار التي في قليب بدر، ونداء النبي ﷺ إياهم، وما أخبر أنهم يسمعون كلامه، أخبار ثابتة توجب العمل والمحاسبة" (٢). وأما الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، فقد أجابوا عنها بعدة أجوبة (٣). قال الشنقيطي: "اعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية، واستقراء القرآن أن معنى قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا يصح فيه من أقوال العلماء إلا تفسيران: الأول: أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفار الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدىً وانتفاع، لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذنهم الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع ... التفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى: الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفي في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مَثَلٌ ضُرِبَ للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ [البقرة: ١٧١]، فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم يُنفَ ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا" (٤).

стр. 684

قلت: والتفسير الأول الذي ذكره عليه أغلب المفسرين (١)، وأما الثاني فقد قال: به ابن تيمية (٢) وغيره (٣). قال ابن تيمية ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، المراد السماع المعتاد الذي يتضمن القبول والانتفاع -كما في حق الكفار- السماع النافع في قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ [الملك: ١٠]، فإذا كان قد نفى عن الكافر السمع مطلقًا، وعلم أنه إنما نفى سمع القلب المتضمن للفهم والقبول، لا مجرد سماع الكلام، فكذلك المشبه به وهو الميت" (٤). والقول في الآية الأخرى -آية فاطر- وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، كالقول في الآية المتقدمة (٥). وقد اختلف أصحاب هذا المسلك في سماع الموتى، هل هو عام دائم، أم مخصوص مقيد بما ورد؟ ١ - فذهب البعض إلى القول: بالعموم والإطلاق كابن مفلح (٦)

стр. 685

والشنقيطي، وهو ظاهر كلام قوام السنة الأصبهاني (١) وغيره (٢)، وحكاه الطبري وابن حجر عن جماعة من العلماء (٣). قال الشنقيطي: "اعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأن قول عائشة ﵂ ومن تبعها: إنهم لا يسمعون استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وما جاء في معناها من الآيات غلط منها ﵂، وممن تبعها، وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين: الأولى منهما: أن سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديثَ متعددة، ثبوتًا لا مطعن فيه، ولم يذكر النبي ﷺ أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت. والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة، لا يجب الرجوع إليه، لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ بتأول بعض الصحابة بعضَ الآيات" (٤). وقال تعليقًا على حديث القليب: "وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ في ذلك تخصيصًا، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر" (٥). ٢ - وذهب بعض أهل العلم إلى أن الأموات يسمعون في الجملة، فيسمعون في حال دون حال، وفي وقت دون وقت.

стр. 686

وممن ذهب إلى هذا الطبري (١)، وابن تيمية، وابن القيم (٢)، وجوَّزه أبو العباس القرطبي (٣). قال ابن تيمية بعد ذكره لبعض النصوص، كحديث القليب وغيره: "فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا يجب أن يكون السمع له دائمًا، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه قد يسمع أحيانًا خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له، وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به ونهي عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] (٤) " (٥). واستدل هؤلاء -أعني: أصحاب هذين القولين- على قولهم: بسماع الموتى بعدة أدلة، أهمها: - حديث القليب، وقد تقدم. - حديث أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ... )،

стр. 687

متفق عليه (١). - مشروعية السلام على أهل القبور بصيغة الخطاب للحاضر، وهذا ثابت في أحاديث كثيرة، كحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون)، رواه مسلم (٢). قال ابن تيمية: "فهذا خطاب لهم، وإنما يخاطب من يسمع" (٣). وقال الشنقيطي: "وخطابه ﷺ لأهل القبور بقوله: (السلام عليكم)، وقوله: (وإنا إن شاء الله بكم) ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه، لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم" (٤). ٣ - وذهب آخرون إلى أن الأصل عدم السماع، وأما حديث القليب وغيره مما ورد فهو مستثنى من هذا الأصل، فيكون من قَبِيْل تخصيص العموم، وهذا ما ذهب إليه قتادة والقاضي أبو يعلى (٥)، والمازري، وابن عطية (٦)، وابن الجوزي (٧)، وأبو عبد الله القرطبي، والشوكاني (٨)، والآلوسي (٩)، وابنه نعمان (١٠)، .........................................................

стр. 688

والألباني (١) -وقد انتصرا له- وغيرهم (٢). قال قتادة: "أحياهم الله حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا" (٣). وقال ابن بطال: "وعلى تأويل قتادة فقهاء الأئمة وجماعة أهل السنة، وعلى ذلك تأوَّله عبد الله بن عمر راوي الحديث عن النبي ﵇" (٤). وقال المازري تعليقًا على حديث القليب: "ذهب بعض الناس إلى أن الميت يسمع، أخذًا بظاهر هذا الحديث، والذي عليه المحصلون من العلماء: أن الله تعالى خرق العادة بأن أعاد الحياة إلى هؤلاء الموتى ليقرعهم ﷺ ، وإلى هذا ذهب قتادة" (٥). وقال أبو عبد الله القرطبي: "اعلم رحمك الله أن عائشة ﵂ قد أنكرت هذا المعنى، واستدلت بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ولا تعارض بينهما، لأنه جائز أن يكونوا يسمعون في وقت ما، فإن تخصيص العموم ممكن وصحيح إذا وجد المُخَصِّص، وقد وجد هنا بما ذكرناه -وقد تقدم (٦) - وبقوله عليه الصلاة

стр. 689

والسلام: (إنه ليسمع قرع نعالهم) (١)، وبالمعلوم من سؤال الملكين للميت في قبره وجوابه لهما، وغير ذلك" (٢). وهذا القول قريب من سابقه، فإن كلًا منهما لم يطلق القول: بالسماع، إلا أن القول السابق جعل السماع أصلًا، استنادًا إلى ما ورد من الأحاديث، وأما أصحاب هذا القول فقد جعلوا عدم السماع أصلًا، استنادًا إلى ما ورد من الآيات وغيرها، ولم يستثنوا من ذلك إلا ما ورد النص بإثباته. قال الألباني: "وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم ... على أن الموتى لا يسمعون، وأن هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون في بعض الأحوال، كما في حديث خفق النعال، أو أن بعضهم سمع في وقت ما، كما في حديث القليب، فلا ينبغي أن يجعل ذلك أصلًا، فيقال: إن الموتى يسمعون، كما فعل بعضهم، كلا فإنها قضايا جزئية، لا تشكل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تستثنى منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر في علم أصول الفقه" (٣). وعمدة هؤلاء فيما ذهبوا إليه أمران: ١ - الآيات الواردة في نفي سماع الموتى، والتي منها: - الآيتان اللتان استدلت بهما عائشة ﵂، وهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ [النمل: ٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. فقالوا: لا شك عند كل من تدبر الآيتين وسياقهما أن المعنى المراد

стр. 690

منهما هو: تشبيه الكفار الأحياء بحال الموتى وأهل القبور، فهما واردتان في حق الكفار على ما تقدم بيانه، لا ننازع في هذا، بل نقول: على هذا جرى علماء التفسير، لكن ذلك لا يمنع الاستدلال بهما على عدم سماع الموتى، لأن الموتى لمَّا كانوا لا يسمعون حقيقة، وكان ذلك معروفًا عند المخاطبين، شبه الله تعالى بهم الكفار الأحياء في عدم السماع، فدل هذا التشبيه على أن المُشَبَّه بهم -وهم الموتى في قبورهم- لا يسمعون، كما يدل مثلًا تشبيه زيد في الشجاعة بالأسد على أن الأسد شجاع، بل هو في ذلك أقوى من زيد، ولذلك شُبِّه به، وإن كان الكلام لم يسق للتحدث عن شجاعة الأسد نفسه، وإنما عن زيد، وكذلك الآيتان السابقتان وإن كانتا تحدثتا عن الكفار الأحياء وشبهوا بموتى القبور، فذلك لا ينفي أن موتى القبور لا يسمعون، بل إن كل عربي سليم السليقة، لا يفهم من تشبيه موتى الأحياء بهؤلاء إلا أن هؤلاء أقوى في عدم السماع منهم، كما في المثال السابق. قالوا: ومما يؤكد عدم سماع الأموات: تمام الآية الأولى: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، فقد شبه الله موتى الأحياء من الكفار بالصم أيضًا، فهل هذا يقتضي في المُشَبَّه بهم (الصم) أنهم يسمعون أيضًا، ولكن سماعًا لا انتفاع فيه؟ ! أم أنه يقتضي أنهم لا يسمعون مطلقًا، كما هو الحق الظاهر الذي لا خفاء فيه (١). قال ابن الهُمَام (٢) عن هاتين الآيتين: "إنهما تفيدان تحقق عدم

стр. 691

سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى، لإفادة تعذر سماعهم، وهو فرع عدم سماع الموتى" (١). قالوا: وفي التفسير المأثور ما يؤيد هذا، فقد قال الطبري في تفسيره: "وقوله: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، يقول: وكما لا تقدر أن تسمع الصم -الذين قد سلبوا السمع- الدعاءَ، إذا هم ولُّوا عنك مدبرين، كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء -الذين قد سلبهم الله فَهَم آيات كتابه-، لسماع ذلك وفهمه"، ثم روى بإسناده عن قتادة أنه قال: "هذا مثل ضربه الله للكافر، فكما لا يسمع الميت الدعاء، كذلك لا يسمع الكافر، ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، يقول: لو أن أصم ولَّى مدبرًا ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ولا ينتفع بما يسمع" (٢). قالوا: وبهذا يتبين صحة فهم عائشة ﵂ للآية، وتَوَجُّهِ اعتراضها، لولا أنه في مقابلة النص، وقد وافقها على هذا الفهم عمر ﵁، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ ترك قتلى بدر ثلاثة أيام، حتى جيفوا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: (يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا)، قال: فسمع عمر صوته فقال: يا رسول الله، أتناديهم بعد ثلاث، وهل يسمعون؟ يقول الله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، فقال: (والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوا) (٣).

стр. 692

فعمر ﵁ فهم من عموم الآية دخول أهل القليب فيه، فأشكل عليه مخاطبة النبي ﷺ لهم، فبين له النبي ﷺ أنهم يسمعونه، ولم ينكر عليه فهمه للآية (١). قال ابن رجب: "وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء، طائفة من العلماء، ورجحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا ... واحتجوا بما احتجت به عائشة، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي ﷺ دون غيره، وهو سماع الموتى كلامه" (٢). - ومما استدلوا به أيضًا على عدم سماع الموتى، قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤]. فقالوا: هذه الآية صريحة في نفي السمع عن أولئك الذين كان المشركون يدعونهم من دون الله تعالى، وهم موتى الأولياء والصالحين، الذين كان المشركون يمثلونهم في تماثيل وأصنام لهم، يعبدونهم فيها، وأخبر أن المعبودين يتبرؤؤن من عابديهم يوم القيامة، فإنهم محشورون جميعًا كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ [الفرقان: ١٧، ١٨]. وقال أيضًا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].

стр. 693

٢ - أن هذه المسألة من الأمور الغيبية التي لا يجوز الخوض فيها إلا بنص، ولم يرد ما يدل على أن الموتى يسمعون مطلقًا، فيجب الوقوف عند حدود ما ورد (١). وأما أدلة أصحاب القولين السابقين فقد أجاب عنها بعضهم بما يلي: - أما حديث القليب فقالوا: إنه وإن دل على سماع المشركين للنبي ﷺ حين مناداته لهم، إلا أنه لا يدل على عموم هذا السماع في كل وقت وحين، ومما يؤيد هذا ما جاء في رواية ابن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (إنهم الآن يسمعون ما أقول)، فقوله: (الآن) قيد يفهم منه أنهم لا يسمعون في غير هذا الوقت، وعلى هذا يكون هذا الحديث حجة في كون الأصل في الموتى عدم السماع. ومما يدل على هذا أيضًا -من نفس الحديث- أن النبي ﷺ أقر عمر وغيره من الصحابة على ما كان مستقرًا في نفوسهم واعتقادهم من أن الموتى لا يسمعون، فلم ينكر ذلك عليهم، وإنما بين لهم ما كان خافيًا عليهم من شأن أهل القليب، وأنهم سمعوا كلامه حقًا (٢). - وأما حديث أنس ﵁: (إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان ... )، فهو محمول على أنه في أول الوضع، أي أن هذا السماع خاص بهذا الوقت، وبقية الحديث يشعر بهذا، فإن روحه تعاد حينئذ استعدادًا لسؤال الملكين (٣). قال المُنَاوِي (٤) عند هذا الحديث: "وعورض بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ

стр. 694

بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وأُجيب: بأن السماع في حديثنا مخصوص بأول الوضع في القبر مقدمة للسؤال" (١). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إنه "وارد في وقت خاص، وهو انصراف المشيعين بعد الدفن" (٢). - وأما استدلالهم بمشروعية السلام على أهل المقابر بصيغة المخاطب، فالجواب عنه: أنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي ﷺ في حياته في التشهد وهو لا يسمعهم قطعًا، وهذا شائع في العربية، فإن العرب تسلم على الديار وتخاطبها، على بعد المزار (٣). وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن مثل هذا الخطاب يقصد منه استحضار المخاطب في القلب، ثم قال بعد ذكر السلام في التشهد: "والإنسان يفعل مثل هذا كثيرًا، يخاطب من يتصور في نفسه، وإن لم يكن في الخارج من يسمع الخطاب" (٤). وقال القاضي عياض تعليقًا على الحديث السابق في سلام النبي ﷺ على أهل المقابر: "يحتمل أن يُحيوا له حتى يسمعوا كلامه، كما سمعه أهل القليب، ويحتمل أن يفعل ذلك مع موتهم ليبين ذلك لأمته" (٥). وقال ابن عطية: "هذا كله غير معارض للآية، لأن السلام على القبور إنما هو عبادة، وعند الله الثواب عليها، وهو تذكير للنفس بحالة الموت، وبحالة الموتى في حياتهم" (٦).

стр. 695

المطلب الثالث: الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم- في أهل القليب أنهم قد سمعوا كلام النبي ﷺ -على ما جاء في المسلك الثاني- كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة الصريحة المتعددة، كقوله ﷺ في حديث ابن عمر ﵁: (إنهم الآن يسمعون ما أقول)، وقوله ﵊: (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم). وأما اعتراص عائشة ﵂ على ذلك، وتخطئتها لابن عمر ﵄ في روايته، فقد قال عنه أهل العلم: إن ذلك وَهْم منها ﵂ (١)؛ لأن ابن عمر ﵄ لم ينفرد بذلك، بل وافقه عليه غيره من الصحابة، كعمرَ وأبي طلحة ﵄، وهما ممن شهد بدرًا. قال ابن تيمية: "وأهل العلم بالحديث والسنة اتفقوا على صحة ما رواه أنس وابن عمر، وإن كانا لم يشهدا بدرًا، فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرًا ... والنص الصحيح عن النبي ﷺ مقدم على تأويل من تأول من أصحابه" (٢). وقال ابن كثير: "والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه كثيرة" (٣).

стр. 696

وقال ابن حجر: "وقد خالفها الجمهور في ذلك، وقبلوا حديث ابن عمر، لموافقة من رواه غيره عليه" (١)، وبتأمل رواية عائشة ﵂ نجد أنها قد اعترضت بأمرين: أحدهما: أنها قالت: إنما قال النبي ﷺ : (إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق)، والجواب عنه: أنه إن كانت قد سمعت هذا من النبي ﷺ بهذا اللفظ، فإنه لا يعارض رواية ابن عمر وغيره، لأن العلم لا ينافي السماع، ومن جاز عليه العلم جاز عليه السماع. قال البيهقي: "العلم لا يمنع من السماع" (٢). وقال الإسماعيلي: "وأما جوابها بأنه إنما قال: (إنهم ليعلمون) فإن كانت سمعت ذلك، فلا ينافي رواية (يسمعون) بل يؤيدها" (٣). وقال السهيلي: "إذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمين، جاز أن يكونوا سامعين" (٤). وأما اعتراضها الثاني: فهو احتجاجها بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وقد تقدم الجواب عنها، بأن الجمع ممكن، وذلك بتخصيص الآية بحديث القليب وغيره مما ورد، وعلى هذا فلا تعارض بين الآية والحديث. قال الإسماعيلي: "كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية، والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية

стр. 697

الثقة إلا بنص مثله، يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن" (١). وقال الخطابي: "تأويل قتادة في هذا أحسن من رأي عائشة، وادِّعائها على ابن عمر الغلط، وحديث أبي طلحة يؤكد ما رواه ابن عمر" (٢). وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ورود رواية عن عائشة ﵂، توافق فيها رواية بقية الصحابة، فقال ﵀: "ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد عن عائشة مثل حديث أبي طلحة، وفيه: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)، وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن إنكاره، لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة" (٣). وأما مسألة سماع الموتى على وجه العموم فالذي يترجح -والله تعالى أعلم- أن الأصل عدم السماع، فلا يثبت منه إلا ما ورد النص بإثباته- على ما جاء في القول الثالث، لقوة أدلتهم، وإجابتهم عن أدلة المخالفين -لأن أحوال البرزخ من عالم الغيب الذي لا يجوز لأحد أن يقول فيه برأيه أو اجتهاده، بل يتعين فيه الوقوف عند حدود ما ورد. قال ابن عطية: "قد صح أن النبي ﷺ قال: (ما أنتم بأسمع منهم) فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد ﵇، في أن رد الله إليهم إدراكًا يسمعون به مقاله، ولولا إخبار رسول الله ﷺ بسماعهم لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة، وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم" (٤). وقال ابن التين (٥): "لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية، لأن

стр. 698

الموتى لا يسمعون بلا شك، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] الآية" (١). وقال الشوكاني: "وظاهر نفي إسماع الموتى العموم، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل" (٢)، ثم مثل بحديث القليبب، وحديث سماع خفق النعال. وقال الألباني: "اعلم أن كون الموتى يسمعون أو لا يسمعون، إنما هو أمر غيبي من أمور البرزخ التي لا يعلمها إلا الله ، فلا يجوز الخوض فيه بالأقيسة والآراء، وإنما يوقف فيه مع النص إثباتًا ونفيًا" (٣). وهذا القول هو ما أفتت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، حيث قالت: "الأصل أن الموتى عمومًا لا يسمعون نداء الأحياء من بني آدم، ولا دعائهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ " (٤). ولا يخفى ما في هذا القول من إغلاق الباب على القبوريين، الذين يتشبثون بهذا الحديث وأمثاله، لإثبات جواز الاستغاثة بالموتى والتوسل بهم، بحجة أنهم يسمعون دعاءهم ونداءهم. قال الألباني: "ومن المعلوم أن الاعتقاد بأن الموتى يسمعون، هو السبب الأقوى لوقوع كثير من المسلمين اليوم في الشرك الأكبر، ألا وهو

стр. 699

دعاء الأولياء والصالحين، وعبادتهم من دون الله ، جهلًا أو عنادًا ... فإذا تبين أن الصواب أن الموتى لا يسمعون، لم يبقَ حينئذ معنى لدعاء الموتى من دون الله تعالى" (١). وعلى فرض أنهم يسمعون فإنهم لا يقدرون على الإجابة، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾ [الأحقاف: ٥]، وقال أيضًا: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَفِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾ [فاطر: ١٣، ١٤]. قال السعدي: " ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾؛ لأنهم ما بين جماد وأموات وملائكة مشغولين بطاعة ربهم، ﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على وجه الفرض والتقدير ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾؛ لأنهم لا يملكون شيئًا، ولا يرضى أكثرهم بعبادة من عبده، ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ " (٢). وقال الشيخ عبد الله أبو بطين: "فالمتصف بعدم سماع الدعاء، وعدم الاستجابة، أو المتصف بأحدهما ممتنع دعاؤه شرعًا وعقلًا" (٣). وأما القول الأول، وهو أن الموتى يسمعون مطلقًا فقول بعيد، إذ لا يوجد نص صحيح صريح يدل على العموم والإطلاق، وقد قال الألباني ﵀: "لم أرَ فيها -أي: في هذه المسألة- من صرح بأن الميت يسمع سماعًا مطلقًا عامًا، كما كان شأنه في حياته، ولا أظن عالمًا يقول

стр. 700

به، وإنما رأيت بعضهم يستدل بأدلة يثبت بها سماعًا لهم في الجملة" (١). وأما القول الثاني، وهو أنهم يسمعون في الجملة، أي: في وقت دون وقت، وحال دون حال، فإنه وإن لم يكن بعيدًا عن هذا القول -الذي تقدم ترجيحه- إلا أنه جعل السماع أصلًا، والأولى مراعاة ما ورد من النصوص في ذلك، فحيث جاءت الآيات واضحة في نفي السماع مطلقًا - ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ و ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ - ولم يرد مثل ذلك في الإثبات، تعيَّن القول: بأن الأصل عدم السماع، وما ورد من الإثبات في ذلك فهو مخصِّصٌ له، والله أعلم. وقد يكون مراد بعضهم بقوله: إنهم يسمعون في الجملة، أي: فيما ورد الدليل بإثباته، وهذا ما عبر به الآلوسي ﵀ حيث قال: "والحق أن الموتى يسمعون في الجملة ... فيقتصر على القول: بسماع ما ورد السمع بسماعه" (٢). وعلى هذا، يكون الخلاف مع من كان هذا مراده لفظيًا، مع عدم الموافقة على هذا مثل هذا التعبير، لما فيه من الإيهام، فقد يُفهم منه أن الأصل هو السماع، أي: أنهم يسمعون في غالب أحوالهم، ولا يخفى ما في هذا من قلب الحقائق (٣)، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

стр. 701

الخاتمة الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، فقد تم إنجاز هذا البحث وإتمامه بعونه وتوفيقه وحوله وقوته، سبحانه لا حول لي ولا قوة إلا به، ولست أدعي فيه الكمال والإحاطة ولكن حسبي أني قد بذلت الوسع والطاقة، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده سبحانه لا أحصي ثناءً عليه، وما كان فيه من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله وأتوب إليه. وفيما يلي عرض موجز لأهم نتائج البحث وأبرز معالمه. - أن مشكل الحديث أعم من مختلف الحديث، فكل مختلف مشكل وليس كل مشكل مختلفًا. - أن الواجب في نصوص الكتاب والسنة: إجراؤها على ظاهرها، واعتقاد أنه حق، وعلى هذا جرى أهل السنة والجماعة. - العمل بالمحكم والإيمان بالمتشابه ورد المتشابه إلى المحكم هو الواجب تجاه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، وهو ما قرره السلف، عليهم رحمة الله. - أنه لا يوجد ما هو مشكل في النصوص من حيث الواقع، بحيث لا يمكن لأحد من الأمة معرفة معناه، وإنما الوضوح والإشكال في النصوص الشرعية أمر نسبي يختلف به الناس، بحسب ما عندهم من العلم والفهم فما يكون مشكلًا عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر. - أن نصوص الصفات باعتبار معناها ليست من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وأما باعتبار كيفيتها وحقيقة ما هي عليه فإنها منه، حيث استأثر الله تعالى بعلم ذلك.

стр. 702

- أن استشكال النصوص راجع إلى سببين رئيسيين هما: ا- الغلط في الفهم. ٢ - وضعف النص. فمتى صح النص وحسن الفهم لم يُستشكل شيء في النصوص. - أن أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى هما صحيحا البخاري ومسلم، عليهما رحمة الله، كما قرر ذلك جمع من أهل العلم. - أن مذهب السلف في الصفات: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله ﷺ في صحيح سنته من غير تحريف أو تعطيل ومن غير تكييف أو تمثيل. - أن الضمير في قوله ﷺ : (خلق الله آدم على صورته) راجع إلى الله تعالى، ولا يلزم من ذلك التمثيل، فهو كقوله ﷺ : (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر)، حيث لم يقل أحد: بأن هؤلاء يدخلون الجنة مماثلين لصورة القمر من كل وجه. - أن قوله ﷺ : (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون) يدل على أنهم رأوه رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة، كما هو صريح بعض الروايات. - أن لأهل العلم في دلالة حديث: (وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) على إثبات صفة الهرولة لله تعالى قولَيْن: الأول عدم دلالته على ذلك وأن المراد به ضرب مثل لكرم الله وجوده، فكلما ازداد العبد من الطاعات قابله الله تعالى بالثواب والأجر بما هو أقوى وأزيد. والثاني: دلالة الحديث على إثبات صفة الهرولة لله تعالى، وكلُّ من أصحاب القولين يرى أنه قد عمل بظاهر الحديث، والذي توصلت إليه: اختيار القول الأول، والله تعالى أعلم. - أن حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) لا يدل على حصر أسماء الله تعالى بهذا العدد، وإنما المراد

стр. 703

منه أن من أحصى هذا العدد فهو موعود بدخول الجنة، ولم يرِد حديث صحيح في تعيين هذه الأسماء التسعة والتسعين. - أن معنى الإحصاء في الحديث المتقدم: حفظها وفهم معانيها والتعبد لله تعالى بمقتضاها. - أن الملل صفة ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، لكن لا يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق، وإنما بالقيد المذكور في الحديث: (لا يمل الله حتى تملوا) شأنها شأن بقية الصفات التي لا يوصف الله تعالى بها على وجه الإطلاق، كالمكر والخداع والاستهزاء والكيد ... وتفسير الملل بلازمه وهو الترك، لا ينبغي أن يكون طريقًا لنفي الصفة، ولا يعني هذا عدم إثبات اللازم، فلازم الحق حق. - أن حديث: (إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ... ) قد بين الله تعالى فيه مراده وأوضح مقصوده -كما في بقية الحديث- بما يرفع الإشكال ويدفع الاشتباه، فبين أن العبد هو الذي مرض واستطعم واستسقى. - أن أهل السنة والجماعة لم يختلفوا في إثبات صفة الصبر لله تعالى، ومعناها عندهم: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة، بل يزيد على ذلك أن يحسن إليهم فيعافيهم ويرزقهم. - إثبات صفة التردد لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته كما فى دل على ذلك قوله تعالى -في الحديث القدسي-: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ... )، مع القطع بأن تردده سبحانه ليس كتردد المخلوق، فإذا كان منشأ التردد عند المخلوق قد يكون لعدم الجزم بأحد الطرفين أو عدم العلم بعواقب الأمور، فإن تردد الله تعالى ليس كذلك، بل الحديث يدل على نفي هذه المعاني عن الله تعالى، وتردده سبحانه قد جاء مفسرًا في الحديث نفسه حيث قال: (يكره الموت وأكره مساءته)، فهذا هو حقيقة تردده سبحانه وهو كون الفعل مرادًا له من وجه، ومكروهًا له من وجه.

стр. 704

- أن معنى قوله تعالى في الحديث القدسي: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ... ): أن الله تعالى يسدد الولي في سمعه وبصره ... فتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى طاعة وامتثالًا. - أن المراد بالظل المضاف إلى الله تعالى في قوله ﷺ : (سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... ): ظل العرش كما جاء ذلك مفسرًا في بعض روايات الحديث. - أن (الدهر) ليس اسمًا لله تعالى، وأما ما ورد من قوله (وأنا الدهر)، (فإن الله هو الدهر)، فإن المراد به: مدبر الدهر ومصرفه ومقلبه، كما جاء مُفَسَّرًا بهذا في الحديث نفسه. - أن الرحم ليست جزءًا من الله تعالى ولا صفة من صفاته، و (من) في قوله: (الرحم شجنة من الرحمن) لابتداء الغاية وليست للتبعيض، فهي من الله خلقًا وإيجادًا، ومعنى الحديث: أن الرحم لها علقة بالله تعالى، حيث اشتق اسمها من اسمه: الرحمن. - أن قوله ﷺ : (قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن) يدل على إثبات صفة الحقو لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، وقد نص على ذلك جمع من أهل العلم. - أن إنكار الإنسان لصفة من صفات الله تعالى، أو شكَّه فيها، بسبب جهله بها -ومثله يمكن أن يجهلها- عذر يدرأ عنه الحكم بكفره، كما في حديث الرجل الذي أوصى بنيه بحرقه وطحنه وذرِّه في الريح وقال: (فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا ... ). - أن الاحتجاج بالقدر على المصائب، أو على الذنوب والمعاصي لكن بعد التوبة منها والإنابة أمر سائغ لا محذور فيه، وعلى هذا يحمل حديث: (فحج آدم موسى). - أن حديث: (خلق الله التربة يوم السبت) مخالف لصريح القرآن، وقد ضعفه جمع من الأئمة وأهل العلم بالعلل والأسانيد من جهة سنده ومتنه.

стр. 705

- أن مجرد الأعمال غير كافٍ في دخول الجنة، إذ لا بد من رحمة الله تعالى كما قال النبي ﷺ : (لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بمغفرة ورحمة)، وأما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فالمراد به أن الأعمال سبب في دخول الجنة، وهذا لا يعني أنها تستقل بذلك عن رحمة الله تعالى. - أن الأنبياء معصومون من الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وأما قول النبي ﷺ : (نحن أحق بالشك من إبراهيم) فمعناه: لو كان الشك متطرقًا إلى إبراهيم ﵇ لكنا نحن أحق به منه، فإذا كنا نحن لم نشك فإبراهيم ﵇ أولى ألَّا يشك، فالنبي ﷺ أراد نفي الشك عن إبراهيم ﵇. - أن السحر ثابت وموجود، له حقيقة وأثر لا يمكن إنكاره ولا نفيه وعلى هذا أهل السنة والجماعة. - أن ما وقع للنبي ﷺ من السحر وتأثره به حق لا يمكن رده، لدلالة الحديث الصحيح عليه، وهو لا يستلزم نقصًا ولا محالًا شرعيًا، لأنه نوع من الأعراض البشرية كالأمراض والأحزان وغيرها، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ. - أن الرمي بالشهب كان موجودًا في الجاهلية لكن لم يكن متواصلًا ومستمرًا في كل وقت، وفي كل حال، ومن كل جانب، فلما بُعث النبي ﷺ شُدد في حراسة السماء وكثر الرمي بالشهب، وهذا هو وجه الجمع بين حديثي ابن عباس في إرسال الشهب والرمي بها على الشياطين. - أن الرسول ﷺ نفى الخلة من جانبه لأحد من المخلوقين، ولا يعارض هذا ما ورد عن بعض الصحابة ﵃ من اتخاذهم الرسول ﷺ خليلًا، لأن حصولها من طرف لا يلزم منه حصولها من الطرف الآخر. - أن طريق شريك في حديث الإسراء قد اشتمل على عدد من المخالفات والإشكالات، ولهذا انتقده أهل العلم، وبينوا ما فيه من
следующие страницы →