← Акыда

Акыда · id 124

أحاديث العقيدة المتوهم إشكالها في الصحيحين جمعا ودراسة

سليمان بن محمد الدبيخي

Полный текст (741 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال سلك أهل العلم في هذا الحديث مسلكين: المسلك الأول: ردُّ الحديث وتضعيفه، لضعف أحد رواته، وهو طلحة بن يحيى. وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وابن عبد البر. قال الإمام أحمد -وقد ذكر له حديث عائشة-: "هذا حديث ضعيف" (١)، ثم ذكر ضعف طلحة بن يحيى. وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُرَيْد بن أبي بردة: بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدَّث بحديث: عصفور من عصافير الجنة" (٢). وقال ابن عبد البر: "هذا حديث ساقط ضعيف مردود ... وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يُعرج عليه" (٣). وقال الذهبي عن هذا الحديث: "رواه جماعة عن طلحة، وهو مما

стр. 632

يُنْكَر من حديثه" (١). قلت: وطلحة هذا هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي القرشي: قال فيه يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي. وقال أحمد: صالح الحديث (٢). وقال ابن معين: ثقة، وفي رواية قال: ليس بالقوي. وقال يعقوب بن شيبة (٣) والعجلي (٤) والدارقطني: ثقة. وقال النسائي وأبو زرعة: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ. وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة. وقال ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه: عصفور من عصافير الجنة (٥).

стр. 633

وقال في التقريب: "صدوق يخطئ" (١). المسلك الثاني: قبول الحديث وتصحيحه، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معناه وما يدل عليه، على ثلاثة أقوال: القول الأول: أن النبي ﷺ قال ذلك لعائشة ﵂ قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. وإلى هذا ذهب ابن حزم (٢)، وذكره الحليمي (٣)، والبيهقي (٤)، والنووي (٥) بصيغة الاحتمال، وهو أحد قولي ابن القيم (٦). قال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقد أجبت عنه بعد التزام صحته، بأن هذا القول كان من النبي ﷺ قبل أن يعلمه الله بأن أطفال المؤمنين في الجنة، وهذا جواب ابن حزم وغيره" (٧). القول الثاني: الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التوقف (٨) فيهم، وفي أطفال المشركين، وتوكيل علمهم إلى الله تعالى، فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنهم في المشيئة (٩).

стр. 634

قال ابن عبد البر: "ذهب إلى القول: بالوقف جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد (١)، وحماد بن سلمة (٢)، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه (٣)، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار -خاصة- في المشيئة لآثار وردت في ذلك" (٤).

стр. 635

وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة (١) منها: ١ - حديث عائشة ﵂ وهو حديث المسألة -قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: (أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم). فقالوا: هذا الحديث صحيح صريح في التوقف فيهم، فإن الصبي كان من أولاد المسلمين (٢). ٢ - حديث ابن مسعود ﵁ وما في معناه -في كتابة ما قدر للعبد وهو في بطن أمه، حيث قال ﷺ في آخره: (ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، متفق عليه (٣). "وجه الدلالة من ذلك: أن جميع من يولد من بني آدم، إذا كُتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا، وجب علينا التوقف في جميعهم، لأنا لا نعلم هذا الذي توفي منهم هل هو ممن كتب سعيدًا في بطن أمه أو كتب شقيًا" (٤). ٣ - حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قيل له: يا رسول الله،

стр. 636

أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، متفق عليه (١). قالوا في وجه الدلالة من هذا الحديث: إنهم لم يخصوا بالسؤال طفلًا من طفل، كما أن النبي ﷺ لم يخص بالجواب، بل أطلق الجواب كما أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصَّل وفرق بينهم في الجواب (٢). القول الثالث: أن النبي ﷺ أنكر على عائشة ﵂، لأنها قطعت لطفل معين بالجنة، دون أن يكون عندها على ذلك دليل قاطع، فأطفال المؤمنين وإن كان حكمهم من حيث الجملة أنهم في الجنة، لكن لا يُشهد لمعين منهم بذلك، لأنه غيب، والطفل المؤمن تبع لأبويه، فالقطع له بذلك قطع بإيمان أبويه، وهذا ليس إليه سبيل، لأنه غيب، فكم من مظهر للإسلام وهو منافق (٣). وإلى هذا ذهب البيهقي، والمازري (٤)، وابن الجوزي (٥)، وابن تيمية (٦)، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب (٧)، وابن باز، عليهم رحمة الله جميعًا. قال البيهقي بعدما قرر أنه لا يجوز القطع لمعين من المؤمنين أنه في الجنة، وإن كنا نحكم عليهم من حيث العموم أنهم في الجنة قال: "فكذلك قطع القول به في واحد من المولودين غير ممكن، لعدم علمنا بما يؤول إليه

стр. 637

حال متبوعه، وبما جرى له به القلم في الأزل من السعادة أو الشقاوة، وكان إنكار النبي ﷺ القطع به في حديث عائشة ﵂ وعن أبيها، لهذا المعنى، فنقول بما ورد في الكتاب والسنة في جملة المؤمنين وذرياتهم، ولا نقطع القول: به في آحادهم لما ذكرنا، وفي هذا جمع بين جميع ما ورد في هذا الباب، والله أعلم" (١). وقال ابن القيم: "هذا الحديث يدل على أنه لا يُشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يُشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك، إلا من شهد له النبي ﷺ ، فهذا وجه الحديث الذي يُشكل على كثير من الناس" (٢). وقال الشيخ ابن باز بعدما قرر صحة الحديث: "المقصود من هذا منعها أن تشهد لأحد معين بالجنة أو النار، ولو كان طفلًا، لأن الطفل تابع لوالديه، وقد يكونان ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقًا، ومن مات على الصغر وليس ولدًا للمسلمين، وإنما لغيرهم من الكفار، فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح. والحاصل أنه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار، إلا من شهد له الرسول ﷺ ، هذه قاعدة أهل السنة والجماعة، فإنكار النبي ﷺ على عائشة لأنها شهدت بالتعيين، هذا هو الصواب، وهذا وجه الحديث" (٣). * * *

стр. 638

المطلب الثالث: الترجيح الذي يترجح -والله تعالى أعلم- بناءً على القول بصحة الحديث: القول الثالث، وهو أن الحديث إنما يدل على أنه لا يُشهد ولا يقطع لأحد من أطفال المؤمنين بعينه في الجنة، لأنه من علم الغيب، كما أن الطفل المسلم تابع لأبويه، والقطع له بذلك، قطع لأبويه بالإيمان، مع أنهما قد يكونان ممن يظهر الإسلام وهما على خلافه (١). وقد قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص، حينما قال له: أعط فلانًا فإنه مؤمن، قال: (أوْ مسلم)، متفق عليه (٢). فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان، لأنه غيب، دون الإسلام لأنه ظاهر. وهذا لا يخالف إطلاق القول: بأن أطفال المؤمنين في الجنة، لأن هناك فرقًا بين الإطلاق والتعيين، فكما أنه لا يلزم من الشهادة لعموم المؤمنين في الجنة الشهادة لمعين منهم بذلك، فكذلك أطفال المؤمنين. وقد جاء عند البخاري من حديث أم العلاء ﵂: أنها شهدت لعثمان بن مظعون ﵁ لما مات، فقالت: شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فأنكر عليها النبي ﷺ وقال: (وما يدريك أن الله أكرمه؟ ) فقلت: بأبي أنت يا رسول الله،

стр. 639

فمن يكرمه الله؟ فقال: (أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي)، قالت: فوالله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا (١). قال ابن القيم: "وسر المسألة: الفرق بين المعين والمطلق في الأطفال والبالغين، والله أعلم" (٢). وأما المسلك الأول: وهو تضعيف الحديث، لأنه مما انفرد به طلحة بن يحيى، وهو ضعيف، فالجواب عنه: أن طلحة لم ينفرد به، بل تابعه عليه فضيل بن عمرو -وهو ثقة (٣) - كما عند مسلم (٤)، وهو ما أشار إليه ابن عبد البر نفسه حيث قال: "ورواه عن طلحة بن يحيى جماعة بإسناده ومعناه، وزعم قوم أن طلحة بن يحيى انفرد بهذا الحديث، وليس كما زعموا، وقد رواه فضيل بن عمرو عن عائشة بنت طلحة، كما رواه طلحة بن يحيى سواء" (٥). ولكن جاء عن الإمام أحمد أنه قال عن هذا الطريق: "ما أراه إلا سمعه من طلحة" (٦)، فرد الحديث إلى طلحة بن يحيى، فإن ثبت هذا صحَّ القول: بالتفرد. وجاء للحديث متابعة ثالثة عند أبي داود الطيالسي، من طريق قيس بن الربيع عن يحيى بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة عن عائشة ﵂ (٧)، لكنها لا تصح (٨).

стр. 640

والمتأمل لكلام الإمام أحمد وغيره يجد أنه يضعف الحديث من وجهين: الأول: نكارة أوله، وهو التصريح بإنكار النبي ﷺ واستدراكه على عائشة، حيث قال: (أو غير ذلك يا عائشة؟ ) بعد قولها: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. ولهذا قال الإمام أحمد: "هو يرجى لأبويه كيف يشك فيه؟ إنما اختلفوا في أولاد المشركين" (١)، فيرى الإمام أحمد أن هذا الحديث يعارض ما حكي الإجماع عليه، واقتضته الأدلة الكثيرة من كون أطفال المؤمنين في الجنة. ويلاحظ أن موضع النكارة هذه ليس موجودًا في رواية فضيل بن عمرو (٢)، حيث رواه بلفظ: قالت عائشة ﵂: توفي صبي، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ : (أولا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا). ولعل هذا هو ما أشار إليه العقيلي (٣) حين قال تعليقًا على رواية طلحة: "آخر الحديث فيه رواية من حديث الناس، وأوله لا يحفظ إلا من هذا الوجه" (٤).

стр. 641

وصرح به الذهبي حيث قال: "انفرد طلحة بأوله، وأما آخره فجاء من غير وجه" (١). الوجه الثاني: تضعيفه من جهة سنده، حيث قالوا: تفرد به طلحة بن يحيى، وهو متكلم فيه، فمثله لا يحتمل منه التفرد. والحاصل: أن الحديث إن ثبت ضعفه فلا إشكال، وإن قيل بصحته فتوجيهه ما تقدم، والله تعالى أعلم. وأما القول الأول: وهو أن النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المؤمنين في الجنة، فالجواب عنه: أن هذا يحتاج إلى دليل يدل عليه، ولا سبيل إليه. والله أعلم. وأما القول الثاني: وهو القول بوجوب التوقف فيهم، فهو معارض بما تقدم ذكره من الأدلة الكثيرة على أن أطفال المؤمنين في الجنة، ولهذا قال ابن كثير عن هذا القول: إنه غريب جدًا (٢). وأما أدلتهم فالجواب عنها كما يلي: أما حديث عائشة ﵂ في وفاة صبي من الأنصار، فقد تقدم الجواب عنه. وأما استدلالهم بحديث ابن مسعود -وما في معناه- على أن السعادة والشقاوة أمران مقدران على العباد وهم في بطون أمهاتهم، ولا سبيل إلى العلم بذلك، فوجب التوقف، فالجواب عنه: أن هذا حق لا شك فيه، لكن موتهم في حال الصغر يدل على أنهم لم يكتبوا في بطون أمهاتهم أشقياء، وإنما هم ممن جرى القلم بسعادتهم (٣). قال ابن عبد البر بعد أن ساق الأدلة على أن أطفال المؤمنين في

стр. 642

الجنة: "وفي هذه الآثار مع إجماع الجمهور دليل على أن قوله ﷺ : (الشقي من شقي في بطن أمه) (١)، وأن الملك ينزل فيكتب أجله، ورزقه، ويكتب شقيًا أو سعيدًا في بطن أمه: مخصوص مجمل، وأن من مات من أطفال المسلمين قبل الاكتساب، فهو ممن سعد في بطن أمه، ولم يشقَ، بدليل ما ذكرنا من الأحاديث والإجماع" (٢). وأما استدلالهم بحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ سُئل فقيل له: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين). فقالوا: إن هذا الجواب يعم جميع الصغار: أولاد المسلمين وأولاد الكافرين، فالجواب عنه: ما ذكره القرطبي وابن القيم: قال القرطبي: "هذا السؤال إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مُفَسَّرًا من حديث ابن عباس (٣) " (٤). وقال ابن القيم بعد ذكر استدلالهم بهذا الحديث: "هؤلاء لو تأملوا ألفاظه وطرقه لأمسكوا عن هذا الاحتجاج، فإن هذا الحديث رُوي من طرق متعددة ... كلها صحاح تبين أن السؤال إنما وقع عن أولاد المشركين" (٥). * * *

стр. 643

المبحث الرابع: (وإن ناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 644

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إنكم محشورون حفاة عراة غرلًا (١)، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم، وإن أُناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ -إلى قوله- ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨]، متفق عليه (٢). وفي لفظ آخر: عن ابن عباس ﵄ قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: (يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إلى آخر الآية، ثم قال:

стр. 645

ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أُصَيْحَابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (تَرِدُ عليَّ أمتي الحوضَ، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله)، قالوا: يا نبي الله أتعرفنا؟ قال: (نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، تردون عليَّ غرًا (١) محجلين (٢) من آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم فلا يصلون، فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي، فيجيبني ملك فيقول: وهل تدري ما أحدثوا بعدك؟ )، رواه مسلم (٣). وعنه ﵁: أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا، الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟ ) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من

стр. 646

الوضوء، وأنا فرطهم (١) على الحوض، ألا لَيُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا)، رواه مسلم (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الحوضَ رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورُفِعُوا إليَّ اخْتُلِجُوا (٣) دوني فلأقولن: أي رب أُصَيْحَابي أُصيْحَابي، فلَيُقَالَنَّ لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، متفق عليه (٤). وعن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إني فرطكم على الحوض، من مَرَّ عليَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم منِّي، فَيُقَال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غَيَّرَ بعدي)، متفق عليه (٥). وعن ابن أبي مُلَيْكة عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: قال

стр. 647

النبي ﷺ : (إني على الحوض حتى أنظر من يَرِدُ عَلَيَّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي، فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم)، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن عن ديننا. متفق عليه (١). وورد هذا المعنى أيضًا من حديث ابن مسعود (٢)، وعائشة (٣)، وأم سلمة (٤)، وحذيفة (٥) ﵃. بيان وجه الإشكال محبة الصحابة وتوقيرهم والدعاء لهم، والتحذير من سبهم والطعن فيهم أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، دوَّنوه في كتبهم، وضمنوه عقائدهم، وتواصوا به فيما بينهم، كيف لا وهم حملة الدين وأصحاب الرسول ﷺ الذين رأوه وآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، فمحبتهم والذبُّ عن أعراضهم دين وإيمان، والطعن فيهم والنيل منهم كفر ونفاق، بل هو طعن في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، لأنهم هم الناقلون لهما، فالقدح فيهم يؤدي إلى إبطال الكتاب والسنة. وقد تظافرت النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة

стр. 648

على مدح الصحابة، والثناء عليهم، والتزكية لهم، وبيان عظيم منزلتهم وسابقتهم في الإسلام، وإليك شيئًا من ذلك: قال الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨]. وقال جل شأنه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨]. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٨, ٩]- إلى غير ذلك من الآيات (١). وأما السنة فهي مليئة بمدحهم والثناء عليهم والتحذير من سبهم والنيل منهم، ومن ذلك ما يلي: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: (خير الناس قرني، ثم

стр. 649

الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ... )، متفق عليه (١). وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ رفع رأسه إلى السماء، وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء، فقال: (النجوم أَمَنة (٢) للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون)، رواه مسلم (٣). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه)، متفق عليه (٤). وأما أقوال أهل العلم في بيان فضل الصحابة والتحذير من الوقيعة فيهم فكثيرة جدًا، يصعب حصرها، ويعسر نقلها، وإليك نماذج يسيرة منها: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه" (٥). وقال الإمام أحمد: "من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فلا

стр. 650

ينطوي إلا على بلية، وله خبيئة سوء، إذا قصد إلى خير الناس، وهم أصحاب رسول الله ﷺ حسبك" (١). وقال أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ﷺ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا، ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة" (٢). وقال الطحاوي: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نُفْرِط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" (٣). وقال ابن الصلاح: "للصحابة بأسرهم خصيصة، وهي: أنه لا يسأل عن عدالة أحد منهم، بل ذلك أمر مفروغ منه، لكونهم على الإطلاق معدَّلِين بنصوص الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به في الإجماع من الأمة" (٤). وقال ابن تيمية: "من أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ ... ويقبلون ما جاء به الكتاب والسنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم" (٥). وقال ابن حجر: "اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من حروب ولو عُرِف المحق منهم، لأنهم

стр. 651

لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله تعالى عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرًا واحدًا، وأن المصيب يؤجر أجرين" (١). وقال ابن حجر الهيتمي (٢): "اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة: أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم، والكف عن الطعن فيهم، والثناء عليهم، فقد أثنى الله -سبحانه الله وتعالى- عليهم في آيات من كتابه" (٣). إذا تبين هذا وهو دلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة (٤) على تفضيل الصحابة والشهادة لهم بأنهم خير القرون، فما الجواب عن هذه الأحاديث الكثيرة التي تنص على ارتداد بعض الصحابة على أعقابهم؟ خاصة وأن بعض أهل البدع كالرافضة (٥) ومن سلك سبيلهم قد تمسكوا بهذه

стр. 652

الأحاديث، محتجين بها على مذهبهم الفاسد في تكفير الصحابة والنيل منهم. وقد عنون ابن قتيبة لهذا الحديث بقوله: "حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محمد ﷺ " (١). * * *

стр. 653

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال يمكن إرجاع أهم الأقوال في معنى هذه الأحاديث إلى قولين، هما: القول الأول: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الإسلام، وعلى هذا يكون المراد بالمُذَادِين عن الحوض: أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، وكذا من أظهر الإسلام في عهده ﷺ وصحبه وهو من المنافقين، فيجوز أن يحشر هؤلاء المرتدون والمنافقون بالغرة والتحجيل، لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم النبي ﷺ من أجل السيما التي عليهم، أو لمعرفته إياهم بأعيانهم وإن لم يكن لهم غرة وتحجيل، فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، أي: لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه من الإسلام. وإلى هذا ذهب قبيصة بن عقبة (١) (٢)، وابن قتيبة (٣)، والباجي (٤) (٥)،

стр. 654

والقاضي عياض (١)، والقرطبي، وغيرهم (٢)، وعزاه ابن بطال لبعض السلف (٣). قال القرطبي: "وقوله: (فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك) اختلف العلماء في تأويله، فالذي صار إليه الباجي وغيره، وهو الأشبه بمساق الأحاديث: أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا وارتدوا من الصحابة وغيرهم، فيحشرون في أمة النبي ﷺ ، كما تقدم من قوله: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها) (٤) وعليهم سيما هذه الأمة، من الغرة والتحجيل، فإذا رآهم النبي ﷺ عرفهم بالسيما، ومن كان من أصحابه بأعيانهم، فيناديهم: (ألا هَلُمَّ)، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه، وأُخِذَ بهم ذات الشمال، فيقول النبي ﷺ : (يا رب أمتي ومن أمتي)، وفي لفظ آخر: (أصحابي)، فيقال له إذ ذاك: (إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم) " (٥). واستدل أصحاب هذا القول بظاهر الأحاديث المتقدمة (٦). القول الثاني: أن المراد بالردة في هذه الأحاديث: الردة عن الاستقامة، وذلك باقتراف السيئات وترك الواجبات، والإحداث في الدين، وعلى هذا يكون المُذَادُون عن الحوض: أصحاب المعاصي والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن

стр. 655

الإسلام، وبناءً عليه فلا يقطع لهؤلاء الذين يُذَادُون بالنار، بل يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم ثم يرحمهم الله تعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب. وإلى هذا ذهب الخطابي وابن بطال (١)، وابن عبد البر وغيرهم (٢). قال الخطابي: "وقوله: (ما زالوا مرتدين على أعقابهم) لم يُرِدْ به الردة عن الإسلام، ولذلك قيده بقوله: على أعقابهم -وإنما يعقل من الارتداد: الكفر، إذا أُطلق من غير تقييد- ومعناه: التخلف عن بعض الحقوق الواجبة والتأخر عنها، كقولك: نكص فلان على عقبيه، وقولك: ارتد على عقبيه، إذا تراجع إلى وراء، ولم يرتد بحمد الله ومنِّه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب الذين كانوا دخلوا في الإسلام رغبةً ورهبةً، كعيينة بن حصن جيء به أبا بكر أسيرًا، وبالأشعث بن قيس، فلم يقتلهما ولم يسترقَّهما، فعاودا الإسلام بعد" (٣). وقال ابن عبد البر: "كل من أحدث في الدين ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض، المبعدين عنه -والله أعلم- وأشدهم طردًا من خالف جماعة المسلمين وفارق سبيلهم، مثل: الخوارج على اختلاف فرقها، والروافض على تباين ضلالها، والمعتزلة على أصناف أهوائها، فهؤلاء كلهم يبدلون، وكذلك الظلمة المسرفون في الجَور والظلم، وتطميس الحق، وقتل أهله وإذلالهم، والمعلنون بالكبائر، المُسْتَخِفُّون بالمعاصي، وجميع أهل الزيغ والبدع، كل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا عُنُوا بهذا الخبر" (٤).

стр. 656

وأما قول النبي ﷺ كما في بعض الروايات: (أصحابي أصحابي)، فقد أجاب عنه بعضهم بأن المراد: مطلق المؤمنين به ﷺ المتبعين له، وليس المراد ما هو معروف شرعًا من هذا اللفظ، وهذا كما يقال لمقلدي أبي حنيفة: أصحاب أبي حنيفة، ولمقلدي الشافعي: أصحاب الشافعي، وهكذا، وإن لم يكن هناك رؤية واجتماع، وكذا يقول الرجل للماضين الموافقين له في المذهب: أصحابنا، مع أن بينه وبينهم عدة من السنين. ومعرفته ﷺ لهم مع عدم رؤيتهم في الدنيا بسبب أمارات تلوح عليهم، وجذبهم إلى ذات الشمال تأديبًا لهم وعقابًا لهم على معاصيهم (١). * * *

стр. 657

المطلب الثالث: الترجيح الذي يدل عليه ظاهر الروايات المتقدمة أن المراد بالردة: الردة عن الإسلام، وأن المذادين عن الحوض هم نفر قليل ممن صحب النبي ﷺ ثم ارتد بعد موته، وهم الذين قاتلهم أبو بكر ﵁، وليس فيهم أحد من مشاهير الصحابة الذين رسخت أقدامهم في الإسلام، وإنما غالبهم من الأعراب وحديثي العهد في الإسلام، ممن لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، وقد يكون منهم من لم يرَ النبي ﷺ إلا المرة والمرتين. قال البغدادي (١): "أجمع أهل السنة على إيمان المهاجرين والأنصار من الصحابة ... وأجمع أهل السنة على أن الذين ارتدوا بعد وفاة النبي ﷺ -من كندة وحنيفة وفزارة وبني أسد وبني بكر بن وائل- لم يكونوا من الأنصار ولا من المهاجرين قبل فتح مكة، وإنما أطلق الشرع اسم المهاجرين على من هاجر إلى النبي ﷺ قبل فتح مكة، وأولئك بحمد الله ومَنِّهِ دَرَجوا على الدين القويم والصراط المستقيم" (٢). وقال العلامة محمد أمين السويدي (٣): "لم يقل أحد من أهل السنة:

стр. 658

إنهم صحابة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين كانوا معه، نعم، يصدق ذلك على أكثر بني حنيفة وبني تميم الذين تشرفوا بزيارة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما جاؤوا إليه وفودًا، فإنهم ابتلوا بهذا البلاء فخابوا وخسروا" (١). وقال أيضًا: "وأما قوله صلى الله تعالى عليه وسلم في الروايات ... (أصحابي) فقد ثبت لهم الصحبة، لأنهم اجتمعوا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مؤمنين به، فظن أنهم بقوا على إيمانهم، فقال: (أصحابي) فرد الله عليه بأن هؤلاء انسلخ عنهم اسم الصحبة، لأنهم ارتدوا بعد ذلك في زمن خلافة أبي بكر، وأنت لا تدري بذلك، إذ الصحابي هو: من اجتمعِ بك مؤمنًا بك ومات على الإيمان، فلما علم النبي ذلك قال: (سحقًا سحقًا) أي: لأنهم ليسوا من صحابته" (٢). ولا يبعد أن يدخل في ذلك أيضًا من كان في زمن النبي ﷺ من المنافقين، فإنهم يحشرون مع المؤمنين يوم القيامة، كما في الحديث المتفق عليه: (وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)، فيناديهم النبي ﷺ مستصحبًا لحالهم التي فارقهم عليها في الدنيا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١].

стр. 659

والدليل على أن هؤلاء المرتدين قلَّة: قوله ﷺ كما في بعض روايات الحديث: (فأقول: يا رب أُصَيْحَابي) بالتصغير، أراد بذلك تقليل العدد. قال الخطابي: "إنما صغَّر ليدل بذلك على قلة عدد من هذا وصفه" (١). وأما الدليل على أن المذادين عن الحوض بعض من صحب النبي ﷺ ، وأن الردة المذكورة هي الردة عن الإسلام: فظاهر الروايات المتقدمة، والتي منها: - قوله ﷺ ، كما في حديث أبي هريرة ﵁: (وإن أُناسًا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، -إلى قوله- ﴿الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧، ١١٨، ]، متفق عليه. قال النووي: "هذه الرواية تؤيد قول من قال ... المراد به الذين ارتدوا عن الإسلام" (٢). - وكذا تلاوته الآية في الحديث المتقدم دليل على دخول بعض من رآه النبي ﷺ في الوعيد. قال القاضي عياض: "وفيها حجة على صحة تأويل من ذهب إلى أن الحديث فيمن ارتد بعد النبي ﵇ ممن رآه، لتلاوته هذه الآية، ولقوله: (لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم) " (٣). - وكذا قوله في حديث أبي هريرة ﵁ كما عند مسلم: (ولَيُصَدَّنَّ عني طائفة منكم)، فقوله: (منكم) صريح في كون المذادين عن الحوض بعض

стр. 660

من صحب النبي ﷺ ، لا سيما وقد قال في بقية الحديث: (فأقول: يا رب هؤلاء من أصحابي). - وقوله في حديث سهل بن سعد ﵁: (ليَرِدَنَّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) (١)، متفق عليه. - وقوله في حديث أنس ﵁ -كما عند البخاري ومسلم-: (لَيَرِدَنَّ عَليَّ الحوضَ رجال ممن صاحبني)، وهذه الرواية صريحة في المراد، ولذا قال القاضي عياض عن هذا اللفظ: إنه "يدل على صحة تأويل من تأول أنهم أهل الردة، ولذلك قال ﵇ فيهم: (سحقًا سحقًا) والنبي ﵇ لا يقول ذلك في مذنبي أمته، بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم، ويضرع إلى الله تعالى في رحمتهم والعفو عنهم" (٢). ويشهد لهذا ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي بكرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ليردنَّ عليَّ الحوض رجال ممن صحبني ورآني، حتى إذا رُفعوا إليَّ ورأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن: رب أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك) (٣). قال ابن قتيبة ردًا على احتجاج الرافضة بهذه الأحاديث على كفر الصحابة كلهم وارتدادهم، إلا عددًا قليلًا منهم، كعلي وأبي ذَرٍّ والمقداد وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة، ﵃ أجمعين، قال: "إنهم لو تدبروا الحديث، وفهموا ألفاظه، لاستدلوا على أنه لم يُرِدْ بذلك إلا القليل، يدلك على ذلك قوله: (ليردن علي الحوض أقوام)، ولو كان أرادهم جميعًا إلا من ذكروا لقال: "لتردُنَّ علي الحوض، ثم لتُختلجُن دوني"، ألا ترى أن القائل إذا قال: "أتاني اليوم أقوام من بني تميم، وأقوام من أهل الكوفة" فإنما يريد قليلًا من كثير؟ ولو أراد أنهم أتوه إلا نفرًا يسيرًا قال: "أتاني بنو

стр. 661

تميم، وأتاني أهل الكوفة"، ولم يجز أن يقول: "قوم" لأن القوم هم الذين تخلفوا. ويدلك أيضًا قوله: (يا رب أصيحابي) بالتصغير، وإنما يريد بذلك تقليل العدد، كما تقول: "مررت بأُبيَّات متفرقة" و"مررت بجُمَيْعَة". ونحن نعلم أنه قد كان يشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد، ويحضر معه المغازي: المنافق لطلب المغنم، والرقيق الدين، والمرتاب والشاك، وقد ارتد بعده أقوام، منهم عيينة بن حصن، ارتد ولحق بطليحة بن خويلد، حين تنبأ وآمن به، فلما هزم طليحة هرب، فأسره خالد بن الوليد، وبعث به إلى أبي بكر ﵁ في وثاق ... فلما كلَّمه أبو بكر ﵁ رجع إلى الإسلام، فقبل منه، وكتب له آمانًا، ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات ... ولعيينة بن حصن أشباه ارتدوا حين ارتدت العرب، فمنهم من رجع وحسن إسلامه، ومنهم من ثبت على النفاق، وقد قال الله ﵎ ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]، الآية، فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه" (١). وأما القول بأنه لم يرتد أحد ممن صحب النبي ﷺ فغير سديد، فإن أحدًا لا يسعه إنكار أو تجاهل حادثة أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر ﵁. قال القرطبي: "وقتال أبي بكر ﵁ لأهل الردة معلوم متواتر" (٢). بل عدَّ بعض أهل العلم ما حصل من أهل الردة من أعلام نبوته ﷺ حيث أخبر بها قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر (٣). ولا يمنع هذا أن يذاد غير هؤلاء عن الحوض ممن كان بعدهم،

стр. 662

وصنع مثل صنيعهم، وإن لم يكن ممن صحب النبي ﷺ ، فذكر هؤلاء والتنصيص عليهم لا يلزم منه اختصاصهم بهذا الوعيد، وخروج غيرهم منه، لا سيما وقد أشار النبي ﷺ إلى العلة، وهي: الردة، والإحداث، والتبديل، فمن وقع منه ذلك فهو من المتوعدين بالذود عن حوضه ﷺ ، وقد أشار إلى هذا القرطبي (١) وغيره (٢). وقد يشهد لهذا حديث أبي هريرة ﵁، كما عند مسلم، أن النبي ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا)، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد)، فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: (أرأيت لو أن رجلًا له خيل غُرٌّ محجلة بين ظهري خيل دُهْمٍ بُهْمٍ، ألا يعرف خيله؟ ) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرًا محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا). وأما معرفة النبي ﷺ لهؤلاء المذادين عن الحوض، ونداؤه لهم، فيحتمل أن يكون ذلك لأجل الغرة والتحجيل التي تكون عليهم ثم تزال عنهم، كما هو الحال بالنسبة للمنافقين حين يُعطَون نورًا ثم يطفأ عنهم، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر ﵁ أنه قال: "ويعطى كل إنسان منهم منافقٍ أو مؤمنٍ نورًا، ثم يَتَّبِعُونه -أي الله تعالى- وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يُطْفَأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون" (٣)، وهذا ما استظهره القاضي عياض وغيره (٤).

стр. 663

ويحتمل أن يكون النبي ﷺ قد عرف الذين صحبوه بأعيانهم، دون أن يكون لهم غرة وتحجيل، وإلى هذا مال ابن حجر ﵀، حيث قال: "ولا يلزم من معرفته لهم أن يكون عليهم السيما، لأنها كرامة يظهر بها عمل المسلم، والمرتد قد حبط عمله، ، فقد يكون عرفهم بأعيانهم لا بصفتهم، باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم" (١). ويشهد لهذا قوله ﷺ : (أعرفهم ويعرفونني). ويحتمل أن تكون معرفته إياهم بمجموع الأمرين، فيعرف الذين صحبوه بأعيانهم، ويعرف من أتى بعدهم من أمته بالغرة والتحجيل (٢) والله أعلم. وأما حمل هذه الأحاديث على أهل البدع والكبائر -على ما جاء في القول الثاني- فإنه وإن كان محتملًا -لورود لفظ الإحداث كما في بعض الروايات- إلا أن دلالة الأحاديث على القول الأول أظهر -والله تعالى أعلم- وقد تقدم قريبًا نقل كلام القاضي عياض في استبعاد هذا القول. وقال ابن حجر: "وأما دخول أصحاب البدع في ذلك فاستُبعد، لتعبيره في الخبر بقوله: (أصحابي)، وأصحاب البدع إنما حدثوا بعده، وأُجيب بحمل الصحبة على المعنى الأعم، واستُبعد أيضًا، لأنه لا يقال للمسلم ولو كان مبتدعًا: (سحقًا)، وأُجيب بأنه لا يمتنع أن يقال ذلك لمن علم أنه قُضي عليه بالتعذيب على معصية ثم ينجو بالشفاعة، فيكون قوله: (سحقًا) تسليمًا لأمر الله مع بقاء الرجاء، وكذا القول في أصحاب الكبائر" (٣). وقال أيضًا: "وحاصل ما حمل عليه حال المذكورين أنهم إن كانوا ممن ارتد عن الإسلام فلا إشكال في تبري النبي ﷺ منهم وإبعادهم، وإن

стр. 664

كانوا ممن لم يرتد، لكن أحدث معصية كبيرة من أعمال البدن، أو بدعة من أعمال القلب، فقد أجاب بعضهم بأنه يحتمل أن يكون أعرض عنهم ولم يشفع لهم اتباعًا لأمر الله فيهم، حتى يعاقبهم على جنايتهم، ولا مانع من دخولهم في عموم شفاعته لأهل الكبائر من أمته، فيخرجون عند إخراج الموحدين من النار، والله أعلم" (١). * * *

стр. 665

المبحث الخامس: شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب وفيه ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها وبيان وجه الإشكال. * المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. * المطلب الثالث: الترجيح.

стр. 666

المطلب الأول: سياق الأحاديث المتوهم إشكالها و بيان وجه الإشكال عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه سمع النبي ﷺ ، وذُكِر عنده عمُّه، فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحْضَاحٍ (١) من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه)، متفق عليه (٢). وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: (نعم، هو في ضَحْضَاحٍ من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)، متفق عليه (٣). بيان وجه الإشكال قال الحافظ ابن حجر: "استُشكل قوله ﷺ : (تنفعه شفاعتي) بقوله

стр. 667

تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨] " (١) أي: كيف نفعت شفاعة النبي ﷺ أبا طالب -حيث سُئل: هل نفعت أبا طالب بشيء؟ فقال: (نعم) - وقد أخبر الله تعالى أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ومعلوم أن أبا طالب قد مات على الكفر، كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرَتْ أبا طالب الوفاةُ، جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال: (أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويُعيدانه بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، قال: قال رسول الله ﷺ : (والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك)، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (٢). قال ابن حجر عن آية القصص: "لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب" (٣). * * *

стр. 668

المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال اختلف أهل العلم في الجواب على هذا الحديث على أقوال، أهمها: القول الأول: أن هذا خاص بأبي طالب، ولذلك عدوه في خصائص النبي ﷺ ، وأما سائر الكفار فإن حسناتهم وخيراتهم لا تنفعهم شيئًا يوم القيامة، بسبب كفرهم. وإلى هذا ذهب البيهقي وابن كثير (١) وغيرهما (٢). قال البيهقي: ووجهه عندي أن الشفاعة في الكفار إنما امتنعت لوجود الخبر الصادق في أنه لا يشفع فيهم أحد، وهو عام في حق كل كافر، فيجوز أن يخص منه من ثبت الخبر بتخصيصه (٣). وقال: ويصح لمن ذهب هذا المذهب في خيرات الكافر أن يقول: إن ما خُصَّ به أبو طالب من التخفيف إنما هو لأجل النبي ﷺ ، تطييبًا لقلبه وثوابًا له في نفسه لا لأبي طالب، لأن حسناته صارت بموته على الكفر هباءً منثورًا، وقد ورد أن ثواب الكافر على إحسانه إنما يكون في الدنيا (٤).

стр. 669

واستدل أصحاب هذا القول على أن سائر الكفار لا تنفعهم حسناتهم في الآخرة بعدة أدلة (١)، منها: ١ - قوله تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر: ٤٨]. ٢ - وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. ٣ - حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)، رواه مسلم (٢). ٤ - حديث أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها)، رواه مسلم (٣). القول الثاني: أن هذا التخفيف ليس خاصًا في أبي طالب، وإنما هو عام في سائر الكفار، فجزاء خيراتهم تخفيف العذاب عنهم، وعلى هذا يكون معنى المنفعة في الآية غير معنى المنفعة في الحديث: فالمراد بها في الآية: الإخراج من النار، والمراد بها في الحديث: التخفيف من العذاب (٤).

стр. 670

وإلى هذا ذهب القرطبي وجوَّزه البيهقي (١)، وهو ظاهر قول ابن أبي العز (٢). قال القرطبي: "خيرات الكافر توزن ويجزى بها، إلا أن إلله تعالى حرم عليه الجنة، فجزاؤه أن يخفف عنه، بدليل حديث أبي طالب" (٣). واستدل هؤلاء بما يلي (٤): ١ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧]، فقالوا: إن الآية تشمل الكافر حيث لم يفصل الله تعالى بين نفس ونفس. ٢ - حديث أبي طالب، حيث نفعه إحسانه إلى النبي ﷺ في تخفيف العذاب عنه، فكان كل ذي خيرات وإحسان من الكفار مثله في هذا. ٣ - ما رواه البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير أنه قال: "ثُويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ ، فلما مات أبو لهب أُريه بعض أهله بشرِّ حيبة (٥)، قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألقَ بعدكم غير أني سُقيت في هذه (٦) بعتاقتي ثويبة" (٧). وأجابوا عن أدلة القول الأول من الآيات والأحاديث، بأن المراد: أنه لا يكون لحسنات الكافر موقع التخلص من النار والإدخال في الجنة،
следующие страницы →