← Акыда

Акыда · id 1251

بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد

منصور الصقعوب

Полный текст (499 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وصفيّه من خلقِه وخليلُه، اللهم صل وسلم على نبي الرحمة، ومَن كشفَ اللهُ بِهِ الغمة، الذي نسخت شريعتُه كلَّ شريعة، وشملت دعوتُه كلَّ أمّة، لا نجاةَ إلّا في اتباع دعوته، ولا فلاح إلّا في الاستقامة على أمره، ولا جَنّة إلّا في الدخول في دينه، أما بعد: فإنَّ أكثر انحرافٍ هوتْ لأجله الأمّةُ وذلّت، هو انحرافُ بعض أتباعها في العقيدة والتوحيد، وإنّ أوّل خطوة تُطلب من أتباع الأمّة للتصحيح، والعودة للعزّة والأمن في الدنيا والآخرة، أن يتنادى أهلُها لتصحيحِ التوحيد، وتعبيد الناس لربِّ العالمين، وتطهيرِ القلوبِ من شوائب الشرك كبيرِه وصغيره. ولقد أخبر النبيّ ﷺ أنَّ الأمّة سيقعُ بعضُ أتباعِها في كدر الشرك، بعد صفاء المنبع، ولقد وقع ما أخبر عنه النبيّ ﷺ . ولئن تباين العلماءُ تجاه موجات الانحرافِ العقدي الذي وقع فيه كثير من فئام المسلمين، ما بين مُقَصِّرٍ في بيان الحقّ، وما بين واقعٍ فيما وقع فيه الناس، نسأل الله السلامة، إلّا أنَّ ثمة علماء كان لهم دورٌ في التصحيح كبير، وجُهدٌ في إعادة الناس للحقّ عظيم.

стр. 2

وممن وفَّقه الله لكشف كثيرٍ من غشاوة الشرك، وتصحيحِ مسار التوحيد، ونبذِ معالم الباطل الحسية والمعنوية: الإمامُ المجدّد محمد بن عبد الوهاب التميمي -رحمه الله تعالى-. ومِن جهودِ الشيخ في قلمه، هذا الكتاب الذي سطَّره للناس، وكانوا وما زالوا ينتفعون به (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، وسيأتي الكلام عن الشيخ وكتابِه في المقدمات بحول الله. وقد يسر الله لي كتابة شرحٍ موجز على هذا الكتاب المبارك، فأشار عليَّ بعض الأحبة بإخراجه؛ لعل الله أن ينفع به. فعزمت على إجابة طلبهم، مع علمي يقينًا أنَّ في غيره من الشروح غنيةً عن هذه البُغية، لكن ذلك ليس يعني: أنَّ الباب قد أُغلِق، بل المجالُ يسع، وربّما كان في الأنهارِ ما ليس في البحار، ولئن لم يكن فيما كتبتُه فضلُ معلومة -فلن آتي بجديدٍ لم يذكره الأولون-، إلّا أنَّه ربما كان في ما كتبته فضلُ ترتيب، وإضافة في الطرح والتبويب، فاجتمع هذا مع رغبة في المساهمة في تصحيح اعتقاد الأمة، فاستعنت بالله ونشرته. وكانت طريقتي فيه تتلخص فيما يلي: ١. أورد نصوص الباب بتمامه، ثم أتبعها بالتعليق. ٢. جعلت الشرح يقوم على مسائل، وأوردت في هذه المسائل جُلَّ ما يذكره الشراح في هذه الأبواب، من مناسبة ومسائل وتقاسيم وغير ذلك، وتوخيت فيها الاختصار، ووضوح الفكرة قدر الإمكان. ٣. في أغلب الأحيان لا أتطرق لما قد يُستَنْبطُ من النصوص من معانٍ

стр. 3

ومسائل غير مرتبطة بالتوحيد، وإنما أورد ما يتعلق بالباب وبالتوحيد؛ وذلك طلبًا للإيجاز، وتوحيد القصد للقارئ. ٤. أختم الباب غالبًا بخلاصةٍ تلخص فكرة الباب في سطر أو سطرين، إلّا الأبواب الموجزة، فقد أتركها بدون خلاصة. ٥. لم أتكلم عن المسائل التي يختم بها الشيخ الأبواب؛ لأنَّ ما كان متعلقًا منها بالباب فقد ورد الكلام عليه في الباب، وما ليس متعلقًا بالباب فليس من مقصودي، على أنَّها استنباطات نافعة وُفِّقَ لها الشيخُ ﵀، ولذا أوردتها في الحاشية، ومن أراد الكلام عنها فليراجع كتاب الشيخ عبد الله الدويش ﵀: (التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد)، حيث أفرده لشرح المسائل. وقد قدمت الكتاب بمقدماتٍ أربعٍ، أرى أنَّها مهمةٌ قبل الدخول في الشرح، وهي كما يلي: المقدمة الأولى: في شرف علم التوحيد. المقدمة الثانية: لمحة موجزة عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. المقدمة الثالثة: التعريف بكتاب التوحيد. المقدمة الرابعة: في معنى التوحيد. وتحت هذه المقدمات عدة نقاط. وأسميت الكتاب: [بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد]. وبعد؛ فهذه بضاعتي المزجاة، وبنات أفكاري، وجهد جمعي، أسوقه لك،

стр. 4

وهو جهد المقل وقُدرة المفلس، فما كان في الكتاب من صواب فمن الله وحده، فهو المحمود والمستعان، وما كان فيه من خطأ فمن مصنفه ومن الشيطان، والله بريء منه ورسوله، فإن وجدتَ ما يُحمد فلله وحده الحمد، وإن وجدتَ ما يستدعي التنبيه والتقويم، فأخوك يفرح بالتوجيه والتسديد والتقويم. أسأل الله أن ينفع بهذا العمل، وأن يجعله خالصًا لوجهه، وأن يجزي خيرًا من تفضل عليَّ بمراجعته، ومن تولى طباعته، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والسداد في القول والعمل؛ إنَّه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه/ د. منصور بن محمد الصقعوب M0505148411@hotmail.com

стр. 5

المقدمة الأولى: في شرف علم التوحيد اعلم -وفقك الله- أنَّ من العلم ما هو من علوم الغايات، ومنه ما هو من علوم الوسائل، وإنّما يَشرُف العلم بشرف ثمرته. وأشرفُ علومِ الغاياتِ علمُ التوحيد والاعتقاد، فهو أساسُ الدين، وأسنى المطالب، وأشرفُ المكاسب، مَنْ ناله فهو أربحُ الناسِ صفقةً، ومَن خسِره فهو المغبون حقًّا، فبالتوحيد تطمئنُّ القلوب، وتنشرحُ الصدور، ويتميز أولياء الرحمن من أولياء الشيطان، وعلى حسب كماله تُنال ولاية الله، ويكون انشراح الصدر، وبفقده تحلّ الهموم والغموم. قال ابن القيم متحدثًا عن شرفِ هذا العلم، وشرفِ تعلمه:» فإنّ أولى ما يتنافسُ به المتنافسون، وأحرى ما يتسابقُ في حلبة سباقه المتسابقون، ما كان بسعادة العبد في معاشه ومعاده كفيلًا، وعلى طريق هذه السعادة دليلا، وذلك العلم النافع، والعمل الصالح، اللذان لا سعادة للعبد إلّا بهما، ولا نجاة له إلّا بالتعلق بسببهما … ولمّا كان العلم للعمل قرينًا وشافعًا، وشرفه لشرف معلومه تابعًا، كان أشرف العلوم على الإطلاق علم التوحيد، وأنفعها علم أحكام أفعال العبيد» (١).

стр. 6

وتتجلى أهمية تعلم التوحيد في جوانب عديدة، منها: ١ - أنَّه أول أمرٍ فرضه الله على نبيه ﷺ ، فقد فرضه الله قبل الصلاة والصوم وبقيّة الأركان، ولا يصح إسلام عبد حتى ينطق به، ويعتقده، وهذا يجعل له مزيّة عن غيره من الأوامر. وتوحيد الله هو الأمر الذي خلق الله الخليقة لأجله، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، الآية (٥٦)]. قال ابن كثير: «ومعنى الآية: أنَّه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنَّه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم» (١). ٢ - وهو الأمر الذي تضافر الأنبياء على الأمرِ به، فما مِنْ نبيّ إلّا وأمر به ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]. وهم وإن اختلفت شرائعهم إلّا أنَّهم يتفقون في الأمر بتوحيد الله تعالى، قال ﷺ : «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (٢). ٣ - تتجلى أهمية التوحيد؛ من حيث إنَّه بتحقيقه ينال الفرد والمجتمع الأمن، أمن الدنيا، وأمن الآخرة. * أما أمنُ الدنيا: فإنَّ سببه الحقيقي ليس كثرة الجيوش والقوى والعتاد، وإنما توحيد الله تعالى، وفي الواقع خير شاهد على هذا.

стр. 7

* وأما أمنُ الآخرة: فإنَّه يُنال بالدين، وأكملُ الناسِ في الآخرة أمنًا هم الموحّدون، وأقلُّهم أمنًا هم المشركون، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام الآية (٨١، ٨٢)]، وقد ثبت عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بِشركٍ، أَوَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا تُشركْ بِاللَّهِ إِنَّ الشركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ؟» (١). وحين تصلح عقائد الناس، ويستقيم توحيدهم، فإنَّ الله ينزل عليهم من خيراته، وعند فساد الاعتقاد يحلّ بالعباد مقتُ الله، ففي حديث عياض بن حمار ﵁، أنَّه ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَالَ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ … » (٢)، وذلك المقت حين أطبق الشرك في الأرض. قال ابن تيمية: «ومن تدبّر أحوال العالم، وجد كل صلاح في الأرض، فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله ﷺ ، وكل شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدوّ وغير ذلك، فسببه مخالفة الرسول ﷺ والدعوة إلى غير الله، ومن تدبّر هذا حق التدبّر، وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي غيره، عمومًا وخصوصًا، ولا حول ولا قوة إلّا بالله!» (٣).

стр. 8

٤ - أن ترك التوحيد يترتب عليه الوقوع في الشرك، وهنا تكمن أهميته، بخلاف غيره من العلوم كالفقه ونحوه. ٥ - أن هذا الباب مِنْ أشد الأبواب التي سعى الشيطانُ لإغواءِ العباد فيه، وصرفِهم عن حقيقته، فما زال الشيطانُ بالناس يسعى لإيقاعهم في الشرك، حتى وقع فيه فئامٌ من الناس كثير، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن- حين ذكر وقوع الشرك في دولة بني بويه، وانتشار بعض أمور الشرك-: «فلما كان بعد زمن البخاري من عهد بني بويه الديلمي، فشا في الرافضة التجهم، وأكثر أصول المعتزلة، وظهرت القرامطة ظهورًا كثيرًا، وجرت حوادث عظيمة، وعُبدت الأموات في هذا المصر وغيره، حتى ادّعوا فيهم التصرف في الكون من دون الله تعالى؛ فما زال هذا الشرك يزداد حتى ملأ الأرض قاصيها ودانيها، وما زال الغرباء ينكرونه، لكنهم أقلُّ القليل لا يُسمع لهم، ولا يطاع» (١). وجوانب أهمية التوحيد كثيرة جدًا، وما ذكرته إنّما هو إشارةٌ يسيرةٌ جدًا، ولأجل هذا كان لزامًا على طالب العلم أن يعتني بتعلم التوحيد، وأن يعلِّمه غيره من عامة الناس وخاصتهم، لا سيّما في هذه الأزمان المتأخرة التي كثرت فيها الشبهات، وتعددت أسباب الانحراف والزيغ، ورأينا من وقع في خوارم التوحيد أو مبطلاته، برغم أنَّ البعض ربما يظن أنَّه عرف التوحيد فلا يحتاج لدراسته، ولكن حينما تأتي المحكّات تتبين الحقائق. وحين نقول: «علم الاعتقاد» فإن المراد أمران: الأول: علم توحيدِ العبادة، وهو ما يُعرَف باسم التوحيد، ويتناول توحيد الألوهية، والربوبية.

стр. 9

وهذا العلم ألّف فيه كثيرًا، ومما ألف فيه: هذا الكتاب. الثاني: علمُ الاعتقاد العام، ويشمل جُلَّ مسائلِ الاعتقاد مما يجب على المسلم اعتقاده: الأسماء والصفات، والإيمان، والقضاء والقدر، والكرامات، ونحوها من مسائل الاعتقاد التي يذكرها العلماء في عقائدهم. * وقد صنَّف العلماء في هذا وأكثروا، ولم يكن ذلك حكرًا على مذهب معين، بل لكل المذاهب الأربعة عناية في هذا، ولعل من أشهر ما يتدوال من المتون في هذا: ١. عقيدة الإمام الطحاوي، وشرحها، لابن أبي العز الحنفي. ٢. مقدمة ابن أبي زيد القيرواني في الاعتقاد، لابن أبي زيد المالكي. ٣. العقيدة الواسطية، لابن تيمية الحنبلي. ٤. عقيدة السلف وأصحاب الحديث، للصابوني الشافعي. وقد صنف العلماء كتبًا سموها باسم [التوحيد] كالتوحيد لابن خزيمة، ولابن منده، وغيرها، وهي في إثبات الأسماء والصفات، حيث يذكرون فيها صفات الله تعالى والرد على من نفاها، ووجه تسمية السلف كتبهم المؤلفة في إثبات الصفات كتب التوحيد؛ لأنَّ نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع وجحد له، وإنما توحيده إثبات صفات كماله وتنزيهه عن التشبيه والنقائص.

стр. 10

المقدمة الثانية: لمحةٌ موجزةٌ عن حياة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب حينما يتحدث أحدٌ عن أحدٍ، فإنَّ ثمة سلسلةً طويلة من التعريفات بالشخصية، كالاسم والنشأة، والشيوخ، وطلبه للعلم، ونحو ذلك. وأما أنا فسأُعرض عن كثير من هذه المقدمات المعتادة؛ لشهرتها، وإذا طلبها المرء وجدها مبثوثه في ترجمة الشيخ، وسأذكر بعض الأمور والمعالم، مما أرى أنَّ لها أثرًا في حياة الشيخ ينبغي أن تُجلَّى. أولًا: ولد الشيخ عام (١١١٥ هـ)، أي: أنَّه عاش في القرن الثاني عشر الهجري، وهذا القرنُ كان وقتَ تفرّقٍ وضعفٍ للدولة العثمانية، وتشتت للمسلمين، حتى عبّر الجبرتي في تاريخه عن حال الدولة آنذاك بقوله: «يضيقُ صدري ولا ينطلق لساني، وليس الحالُ بمجهولٍ حتى يُفصِحَ عنه اللسان بالقول، وقد أخرسني العجزُ أن أفتح فمًا، أفغير الله أبتغي حَكمًا» (١). وقال الصنعاني في مقدمة كتابه: [تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد] متحدثًا عن ذلك الزمان، وذاكرًا سبب تأليفه للكتاب: «وجب عليَّ تأليفُه، وتعيَّن عليَّ ترصيفه؛ لما رأيته وعلمته يقينًا من اتخاذ العباد الأنداد في الأمصار والقرى وجميع البلاد، من اليمن والشام ومصر ونجد وتهامة وجميع ديار

стр. 11

الإسلام» (١). * وقد كان التصوف والوقوع في الشركيات بالغًا مبلغه في الناس في ذلك الوقت، وقد أفاض المؤرخون في ذكر أحوال الناس في هذا الواقع. * كل هذا يؤكد أن الناس في ذلك الزمن قد ابتعد فئامٌ منهم عن التوحيد، ووقعوا في خوارمه، والشركيات، من تعظيم القبور، والتقرب لها، والتبرك بها، والسحر، وغير ذلك. * ولم تكن الجزيرة خالية من هذه الشرور، بل كانت كغيرها فيها القبور والأضرحة وغير ذلك، وقد ذكر ابن بشر: «أنَّ انتقال البدع والشرك لنجد كان على يد طائفة من الأعراب، كانوا ينزلون حول القرى في فصل الصيف، ويتطببون لأهلها بالذبح للجن ونحوه، فشاع الأمر بين الناس، ساعد على ذلك الجهل، وانصراف الحكام إلى الصراع على السلطة، والله المستعان» (٢). قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: «وقد عمّت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وأطبق على ترك الإسلام جمهور أهل البسيطة؛ وفي كل مصرٍ من الأمصار، وبلدٍ من البلدان، وجهة من الجهات، من الآلهة والأنداد لرب العالمين، ما لا يحصيه إلا الله، على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم: فمنهم من يعبد الكواكب، ويخاطبها بالحوائج، ويبخر لها التبخيرات، ويرى أنها تفيض عليه، أو على العالم، وتقضي لهم الحاجات، وتدفع عنهم البليات.

стр. 12

ومنهم من لا يرى ذلك، ويكفِّرُ أهله، ويتبرأ منهم، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء، والصالحين؛ فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فتراه يصرف وجهه إليهم، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم، والتوكل والاعتماد، والدعاء والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادات، وهذا هو: دين جاهلية العرب الأميين، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين» (١). * كل هذا مما جعل الشيخ ﵀ يجتهد في الدعوة إلى التوحيد. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «وقد أخبرنا شيخنا ﵀ يعني: محمد بن عبد الوهاب- أنَّه كان في ابتداء طلبه للعلم وتحصيله في فنّ الفقه وغيره، لم يتبيّن له الضلال الذي كان الناس عليه من عبادة غير الله من جِنّ أو غائب، أو طاغوت، أو شجر أو حجر، أو غير ذلك، ثم إنَّ الله جعل له نَهمةً في مُطالعة كتب التفسير والحديث، وتبيَّن له من معاني الآيات المحكمات والأحاديث الصحيحة أنَّ هذا الذي وقع فيه الناس من هذا الشرك، أنَّه الشرك الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه بالنهي عنه، وأنَّه الشرك الذي لا يغفره الله لمن لم يتب منه، فبحث في هذا الأمر مع أهله وغيرهم من طلبة العلم، فاستنار قلبه بتوحيد الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه، فأعلن بالدعوة وبذل نفسه لذلك على كثرة المخالفين، وصبر على ما ناله من الأذى العظيم في ابتداء دعوته، فلما اشتهر أمره، أجلبوا عليه بالعداوة، خصوصًا العلماء والرؤساء، وحرصوا على قتله، فأتاح الله له من ينصره، على قِلَّةٍ منهم وحاجةٍ، وتصدى لحربهم القريب والبعيد، واستجلبوا على

стр. 13

حربهم الدول» (١). * وقد استمر الشيخ داعيًا إلى التوحيد ونبذ الشرك، ولقي في ذلك العنت والحرب والعداء، حتى توفاه الله على ذلك. ثانيًا: لم يكن الشيخ وحده عالم ذلك الزمان، بل كان في بلاد المسلمين علماء كثر في كل صقعٍ من بلاد المسلمين، عن بعضهم أخذ الشيخُ الاعتقاد، لكن هؤلاء العلماء انقسموا إلى قسمين: ١. قسمٌ صمت عن الواقع، مؤثرًا السلامة، مقصّرًا في واجب النصح للأمة، وأسبابُ الصمت عن بيان الحق للناس عديدة، وليس بنا أن نتكلم عن المقاصد والأسباب؛ فالله أعلم بحال عباده. ٢. قسمٌ دعوا للحق، وأمروا الناس بنبذ مظاهر الشرك بالله، وهؤلاء منهم من نُقِلت مواقفه، ومنهم من لم تُذكر، لكنَّ حُسْنَ الظنِّ بالعلماء أنَّ منهم من كان ينكر، ولكن القبول والشيوع والثبات على الحقّ يتفاوت فيه الناس. * ومِن هؤلاء العلماء الذين نصحوا ودعوا للتوحيد: أحدُ علماء الأزهر، ذكره الجبرتي في تاريخه، حيث ذكر عن هذا العالِم الواعظ أنَّه جلس بجامع المؤيد، فكثر عليه الجمع وازدحم المسجد وأكثرهم أتراك، ثم انتقل من الوعظ وذكر ما يفعله أهل مصر بضرائح الأولياء، وإيقادِ الشموع والقناديل على قبور الأولياء، وتقبيل أعتابهم، وفِعل ذلك كفرٌ يجب على الناس تركه، وعلى ولاةِ الأمور السعيُ في إبطال ذلك، وحصل اضطراب عند العامة كبير، وتبعه العامة، فسعى في إيقافه شيخان، وحصلت أمورٌ كثيرة، حتى أمر الأمير

стр. 14

بنفي الواعظ من البلد، والله المستعان (١). * ولأنَّ بعض الحكومات آنذاك قد تولت الحرب على الدعوة الوهابية، فلقد توارى كثير من العلماء عن الصدع بالحقّ، ولكن كان منهم من صدع بالحقّ، ودعا إلى التوحيد ونبذ الشرك، وهم كثير، ومنهم: * مُلاّ أحمد بن الكولة، وهو في الموصل، وكان مؤيدًا لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأوذي في ذلك حتى مات سنة (١١٧٠ هـ). * وأما بعد ذلك، فقد كثر العلماءُ الصادعونَ بالتوحيد في جميع الأقطار، ومنهم: * أحمد بن عرفان الشهيد في الهند، توفي سنة (١٢٤٦ هـ)، وهو صاحب الحركة المعروفة للجهاد ونبذ الخرافات، قال الشيخ عبد الحي الحسيني عنه: «فأحيا كثيرًا من السنن المماتة، وأمات عظيمًا من الأشراك والمحدثات، فتعصّب أعداء الله ورسوله في شأنه وشأن أتباعه، حتى نسبوا طريقته إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، ولقبوهم بالوهابية» (٢). * محمود شكري الآلوسي في العراق، توفي سنة (١٣٤٢ هـ)، وقد عاداه أهل البدع حينها، وكتبوا به إلى والي بغداد، فكتب به إلى السلطان عبد الحميد الثاني، فصدر الأمر بنفيه إلى بلاد الأناضول، وحين وصل إلى الموصل سعى أهلها لإعادته إلى بغداد، فأذن له (٣).

стр. 15

* الشيخ عبد القادر بن بدران في الشام، وكان داعية إلى الحقّ والتوحيد، وقد أوذي في ذلك كثيرًا، حتى توفي سنة (١٣٤٦ هـ)، ومما يبين عداءَ أهل البدع له ولدعوته قول الشيخ علي الطنطاوي ﵀: «ولقد عوقبتُ مرةً في المدرسة؛ لأنَّهم أمسكوني بالجُرمِ المشهود في حلقة الشيخ عبد القادر بدران» (١). * أبو بكر محمد خوقير مفتي الحنابلة في مكة، وسجن لذلك سنوات طوال، توفي سنة (١٣٤٩ هـ). * الشيخ حسن الرزق في حماة، توفي سنة (١٣٣٠ هـ)، وغيرهم كثير (٢). ثالثًا: قد أثنى على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ جماعة من المثقفين، منهم مستشرقون، ومنهم علماء مسلمون، ومن ذلك ما كتبه المستشرق الأمريكي ستودارد، مؤلف: [حاضر العالم الإسلامي] الذي علّق عليه الأمير شكيب أرسلان، حيث قال في الفصل الأول من الكتاب في اليقظة الإسلامية في القرن الثامن عشر: «كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ، ومن التدلي والانحطاط أعمق درك، فاربدّ جوّه، وطبقت الظلمة كُلَّ صقع من أصقاعه، ورجًا من أرجائه، وانتشر فيه فسادُ الأخلاق والآداب … إلى أن قال: وأما الدين، فقد غشيته غاشية سوداء، فأُلبِسَت الوحدانية التي علّمها صاحبُ الرسالة الناس سخفًا من الخرافات، وقشور الصوفية، وخلت المساجد من أرباب الصلوات، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء، وطوائف الفقراء والمساكين،

стр. 16

يخرجون من مكان إلى مكان، يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور. وغابت عن الناس فضائل القرآن، فصار يُشرب الخمر والأفيون في كل مكان، وانتشرت الرذائل، وهُتِكت سُتُر الحُرمات على غير خشية ولا استحياء، ونال مكة المكرمة والمدينة المنورة ما نال غيرهما من سائر مدن الإسلام، وعلى الجملة: فقد بُدِّل المسلمون غير المسلمين، وهبطوا مهبطًا بعيد القرار. فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر، ورأى ما كان يدعي الإسلام، لغضب، وأطلق اللعنة على من استحقها من المسلمين، كما يعلن المرتدون، وعبدة الأوثان. وفيما العالم الإسلامي مستغرق في هجعته، ومُدلج في ظلمته، إذا بصوت يدوّي من قلب صحراء شبه الجزيرة مَهد الإسلام، يوقظ المؤمنين، ويدعوهم إلى الإصلاح، والرجوع إلى سواء السبيل والصراط المستقيم، فكان الصارخ: هذا الصوت، إنما هو المصلح المشهور الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، الذي أشعل نار الوهابية، فاشتعلت واتقدت، واندلعت ألسنتها، إلى كل زاوية من زوايا العالم الإسلامي. ثم أخذ هذا الداعي يحض المسلمين على إصلاح النفوس، واستعادة المجد الإسلامي القديم، والعز التليد تبدت تباشير صبح الإصلاح، ثم بدأت اليقظة الكبرى في عالم الإسلام» (١).

стр. 17

بل إنَّ طه حسين الكاتب المعروف بتوجهه، كتب عن الشيخ بقوله: «إنَّ الباحث عن الحياة العقلية والأدبية في جزيرة العرب، لا يستطيع أن يهمل حركة عنيفة، نشأت فيها أثناء القرن الثامن عشر، فلفتت إليها العالم الحديث في الشرق والغرب، واضطرته أن يهتم بأمرها، وأحدثت فيها آثارًا خطيرة، هان شأنها بعض الشيء ولكنها عادت، فاشتدت في هذه الأيام، وأخذت تؤثر لا في الجزيرة وحدها، بل في علاقاتها بالأمم الأوربية، هذه الحركة هي: حركة الوهابيين، التي أحدثها محمد بن عبد الوهاب، شيخ من شيوخ نجد». ثم ذكر نزرًا يسيرًا عن نشأة الشيخ، ورحلاته العلمية ودعوته إلى أن قال: «قلت: إنَّ هذا المذهب الجديد قديم معنى، والواقع أنَّه جديد بالنسبة إلى المعاصرين، ولكنه قديم في حقيقة الأمر؛ لأنَّه ليس إلّا الدعوةَ القوية إلى الإسلام الخالص، النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، هو الدعوة إلى الإسلام، كما جاء به النبيّ ﷺ خالصًا لله، مُلغيًا كل واسطة بين الله وبين الناس، هو إحياء للإسلام العربي (١)، وتطهير له، مما أصابه من نتائج الجهل، ومن نتائج الاختلاط بغير العرب». هذا طرفٌ مما كتبه الخصوم، فأمّا ما كبته العلماء والمصلحون فكثير وهو الأصل. وسأكتفي بنقل موجز واحد في الشيخ المجدد، لعالم من علماء الشام آنذاك، وهو العلامة عبد القادر بن بدران، حيث قال عنه: «العالم الأثري والإمام الكبير محمد بن عبد الوهاب ﵀».

стр. 18

ثم تكلم عن طلبه للعلم، ثم قال: «ولما امتلأ وِطابهُ من الآثار وعلم السنة، وبرع في مذهب أحمد، أخذ ينصر الحق، ويحارب البدع، ويقاوم ما أدخله الجاهلون في هذا الدين الحنفي والشريعة السمحاء، وأعانه قوم أخلصوا العبادة لله وحده، على طريقته التي هي إقامة التوحيد الخالص والدعاية إليه، وإخلاص الوحدانية والعبادة كلها بسائر أنواعها لخالق الخلق وحده، فحبا إلى معارضته أقوامٌ أَلِفوا الجمودَ على ما كان عليه الآباء، وتدرعوا بالكسل عن طلب الحق، وهم لا يزالون إلى اليوم يضربون على ذلك الوتر، وجنودُ الحقِّ تُكافحهم، فلا تبقي منهم ولا تذر، وما أحقهم بقول القائل (١): كناطحٍ صخرة يومًا ليوهنها … فلم يضرها، وأعيا قرنه الوعل ولم يزل مثابرًا على الدعوة إلى دين الله تعالى حتى توفاه الله تعالى» (٢). -رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وجميع علماء المسلمين-. رابعًا: مما تميزت به دعوة الشيخ ﵀: ارتباطها الوثيق بالكتاب والسنة، فلا يذكر أمرًا إلّا ويسوق عليه الدليل، ومن نظر في كتبه أدرك ذلك بجلاء. فأشهر كتبه، مثلًا وهو كتاب التوحيد -الذي يدور حديثنا عليه- كله نصوص من آيات وأحاديث، وهذا يبين أنَّه لم يأتِ بجديد. لكن المُشَغِّبينَ على الشيخ ودعوته من بعض الصوفية والخرافية وأضرابهم، يشيعون أنَّه مخالفٌ لما عليه العلماء، وكل هذا محضُ افتراء، وما زالوا ينسجون عنه الأكاذيب تلو الأكاذيب؛ ليشوهو سمعته، ويصرفوا الناس عن

стр. 19

دعوته، ومن طالع بعض كتبهم وما ذكروا عنه من كذبٍ، علم أن القوم قد فجروا في الخصومة، وافتروا في الدعوى، فاتهموه بأبشع الأمور، حتى اتهموه بالعظائم، ورموه بالكبائر، ولكن يأبى الله إلا أن يتمّ نوره.

стр. 20

المقدمة الثالثة: التعريف بكتاب التوحيد كتابُ التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب لقي حظوةً واسعة عند العلماء مِنْ يوم أن صُنِّفَ، فقد شُرِحَ كثيرًا، وعُنِيَ الناسُ بحفظه، ومُدارسته، وقد ألّفه الشيخ ﵀ حين كان بالبصرة مرتحلًا لطلب العلم (١). قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «فموضوعه -أي: كتاب التوحيد- في بيان ما بعث به الله رسله، من توحيد العبادة، وبيانه بالأدلة من الكتاب والسنة، وذكر ما ينافيه من الشرك الأكبر، أو ينافي كماله الواجب من الشرك الأصغر ونحوه، وما يقرب من ذلك أو يوصل إليه» (٢). وقال أيضًا: «وقد ابتدأ المصنِّف ﵀ هذا المصنَّف العظيم ببيان توحيد الإلهية؛ لأن أكثر الأمة ممن تأخر قد جهلوا هذا التوحيد، وأتوا بما ينافيه من الشرك والتنديد، فقام ببيان التوحيد الذي دعت إليه الرسل، ونهوهم عما كانوا عليه من الشرك المنافي لهذا التوحيد» (٣).

стр. 21

وثمة أمورٌ أشير إليها مما يتعلق بالكتاب. أولًا: مِنْ أشهر ما تميز به الكتاب: ١. اعتماده على النص من القرآن والسنة، وهما محلُّ اتفاق بين المسلمين، فليس في الكتاب كلام للشيخ إطلاقًا، إلّا إن كان التبويب أو المسائل. ٢. أنَّه حوى أهم المسائل التي وقع فيها الخلل عند طوائف من المسلمين آنذاك وإلى الآن، وهي: (خوارم التوحيد من خصال الشرك الأكبر، ومنقصاتُه من خصال الشرك الأصغر). ٣. اختصاره بالنسبة لغيره من الكتب التي صُنِّفت في الاعتقاد. ٤. ليس في الكتاب حديثٌ موضوع، وإنّما فيه الصحيح والحسن، وفيه الضعيف الذي تشهد له الشواهد من الكتاب أو السنة. ٥. أنَّ الشيخ اعتنى بتحريره غاية العناية، وجعله أصلًا يتداوله العلماء في البلدان، ويتدارسه الناس في المساجد، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فيلزم الأمير أن يأمر على جميع المدرسين، وأئمة المساجد بالحضور عند من يعلمهم دينهم، ويلزمهم القراءة فيما جمعه شيخنا ﵀ في [كتاب التوحيد] من أدلة الكتاب والسنة، التي فيها الفرقان بين الحق والباطل، فقد جمع على اختصاره خيرًا كثيرًا، وضمنه من أدلة التوحيد ما يكفي من وفقه الله، وبين فيه الأدلة في بيان الشرك الذي لا يغفره الله» (١). ثانيًا: موضوع كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب: هذا الكتاب ضمّنه مؤلفه أنواع التوحيد الثلاثة، إلّا أنَّ جُلّ أبوابِ الكتاب

стр. 22

تدور حول توحيد الألوهية، وإنما اعتنى الشيخ بهذا لأمور: أ) أنَّ هذا النوع من التوحيد هو مدار الخلاف بين النبيّ ﷺ وبين المشركين في أول عهد الإسلام. ب) أنَّ هذا النوع هو الذي وقعت فيه المخالفة من الناس في عهد الشيخ ﵀. ج) أنَّه أهمُ أنواعِ التوحيد، إذ يخرج المرءُ بمخالفته من الإسلام. * ولأجل كل هذا اعتنى الشيخ بهذا النوع، وأكثر من ذكر فروعه ومسائله. ثالثًا: طريقته فيه: ١. أنَّه ابتدأ ببيان التوحيد، وفضله، ومعناه، والدعوة إليه، والتحذير من نقيضه وهو الشرك. ٢. ذكر بعد ذلك جملة من الأبواب في الردِّ على من تعلّق بغيرِ الله من تمائم ورقى وشفعاء، وغير ذلك. ٣. ذكر بعد ذلك جملة من الأبواب عن أمور مناقضة للتوحيد من أصله، أو لكماله كالسحر والكهانة والاستسقاء بالأنواء والتطير، ونحو ذلك. ٤. ذكر بعد ذلك جملة من الأبواب المكملة للتوحيد، إما من باب الألفاظ، كباب سَبِّ الدهرِ، وبابِ ما شاء الله وشئت، ونحوه. أو من باب تعظيم الله، كباب التسمّي بقاضي القضاة، وباب لا يقال: السلام على الله، ونحوه. أو من باب وسائل الشرك وذرائعه، كباب ما جاء في المصورين، أو ما

стр. 23

يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات. رابعًا: منهجه في الكتاب. ١ - التبويب بقضية من قضايا التوحيد. ٢ - ذكر الأدلة عليها من القرآن والسنة، وفي أحيان يسيرة يضيف لذلك آثارًا عن السلف، أو نقولًا عن ابن تيمية وابن القيم. ٣ - يختم الباب بمسائل مستنبطة من أدلّة الباب ونصوصه، فيها دليل على فهم الشيخ، وهذه المسائل غالبها مرتبط بالتوحيد، وبعضها بالدعوة، وبعضها في فوائد عامة. ٤ - ليس في الباب كلام للشيخ إلّا التبويب والمسائل، وهذا من حسن صنيعه، فإن الآيات والأحاديث محل اتفاق بين الناس. خامسًا: أهم شروح كتاب التوحيد: شُرِحَ الكتابُ بشروح كثيرة؛ لعل من أجودها ما يلي: ١. [تيسير العزيز الحميد] للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وهو أول شروح الكتاب، وقد توسع فيه وأسهب، وأتى فيه بما لا يستغني عنه طالب العلم. ٢. [فتح المجيد] للشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، وهو من أجود الشروح، وقد عني به العلماء تدريسًا وقراءة في حلقات العلم. ٣. [القول السديد] للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وهو عبارة عن تعليقات على الأبواب، وعلى اختصاره إلّا أنَّه نافع.

стр. 24

٤. [حاشية كتاب التوحيد] للشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وهي من أجود الحواشي على الكتاب، وقد طبعت في مجلد واحد. ٥. [التوضيح المفيد لمسائل كتاب التوحيد] للشيخ عبد الله بن محمد الدويش (ت ١٤٠٨ هـ)، وقد أفرده للكلام على مسائل الأبواب. ٦. [القول المفيد] للشيخ محمد بن عثيمين، وهو عبارة عن دروس ألقاها في جامعه بعنيزة، وقد طبع في مجلدين، وفيه فوائد غاية في النفاسة. ٧. [التمهيد شرح كتاب التوحيد] للشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، وهو عبارة عن دروس ألقاها في الجامع بالرياض، وقد طبع في مجلد واحد، وفيه فوائد قيمة، وتحريرات نفيسة. هذا باختصار شديد، وإلا فمن أحب التوسع فليراجع كتاب [عناية العلماء بكتاب التوحيد] لعبد الإله الشايع. سادسًا: كان للكتاب أثرٌ في تغيير نظرة البعض عن الشيخ ﵀، فقد ذكر الشيخ محمد المجذوب حكاية لطيفة، عن الشيخ عبد الله القرعاوي داعية الجنوب ﵀، وهي: «أنَّه حين ذهب للهند لطلب العلم، كان أحد شيوخه لا يمر به ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلّا صب عليه سياط غضبه، ثم يختم ذلك بالتضرع إلى الله أن ينقذ الإسلام من شرّ دعوته إلى يوم الدين، حتى إنَّه ليكاد يجعل ذلك وردًا ملزمًا في أعقاب كل درس، فجاء الشيخ عبد الله ووضع على منضدة الشيخ الهندي كتاب التوحيد، ونزع منه غلافه الذي يحوي اسم الشيخ، وشاء الله أن يقرأ الشيخ الكتاب ويستوعبه، فراح يبدي إعجابه به، ويسأل عن مؤلفه، فأخبره الشيخ عبد الله باسمه، فقال الشيخ الهندي: لقد ظلمنا هذا المصلح كثيرًا، ولا نجد كفارةً لما أسلفنا،

стр. 25

إلا أن ندعو له بمقدار ما دعونا عليه» (١). وقريبٌ من هذا: قصة الشيخ علي باصبرين، وقد نقلها الشيخ عبدالله البسام في ترجمة الشيخ مبارك آل مبارك ﵀، فقال: «حدثني الشيخ محمد نصيف ﵀ قال: كان الشيخ علي باصبرين يُدرِّس طلابه ما بين المغرب والعشاء في جامع الشافعي بجدة، ففي إحدى الليالي جاء البحث في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعها، فنال الشيخ باصبرين منها نيلًا فاحشًا، وكان من الطلبة: الشيخ صالح العبد الله البسام، والشيخ مبارك آل مساعد، فلما فرغ الدرس قاما إليه، وقالا له: هل اطلعت يا شيخ على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب حينما نِلت منه ومن دعوته؟ فقال لهما: لا، إنني لم أطلع عليها، ولكني قلتُ هذا نقلًا عن مشايخي، فقالا له: ألا ترغب في الاطلاع على كتبه؟ قال: بلى، فأتياه بنسخ من كتبه، فدرسها نحو أسبوع، وهو لا يأتي للشيخ محمد بن عبد الوهاب بذكر؛ لا بمدح ولا قدح. وبعد ذلك قال للطلبة: إنني في إحدى الليالي السابقة نلتُ من الشيخ محمد بن عبدالوهاب ودعوته، والحقُّ أن كلامي لم يكن عن اطلاع على كتبه، وإنما هو تقليدٌ وحُسن ظنٍّ في مشايخنا، وقد أطلعني بعض إخواننا النجديين على بعض كتبه ورسائله، فرأيت فيها الحق والصواب، وأنا أستغفر الله تعالى عما قلت، ثم صنّف رسالة سمّاها [هداية كُمَّل العبيد إلى خالص التوحيد]» (٢). وقريب من هاتين أيضًا: قصة الشيخ محمد السناني المتوفى سنة (١٢٦٩ هـ) ﵀،

стр. 26

فقد نقل البسام في كتابه [علماء نجد] قائلًا: لم يقرأ كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكان بعض الناس يحذره منها، فسافر إلى الأقطار الشامية والعراقية ورأى من البدع والشرك الأمور الفظيعة، فعلم ما لفضل دعوة الشيخ محمد في نجد من الأثر الطيب، ورجع إلى كتبه، وقرأها، فأولع بها وشغف باتباعها، وقال كلمة وقصيدة في هذه الحال التي مرت به، وهذا نص كلامه: «كنتُ في أول أمري مع أناس نسمي [كشف الشبه] ب (جمع الشبه)! ولم أرها ولم أطالع فيها تقليدًا لمن غروني، فلما سافرت إلى بعض الآفاق ورأيت كثرة من أعرض عن الهدى، دعوت الله أن يهديني لما اختُلف فيه إلى الحق، فأزال الله عني الهوى والتعصب، وأبدله بالإنصاف، وصار عندي الحق أحق أن يُتبع، فعنَّ لي أن أطالع [كشف الشبه] فوجدتها كاسمها، مشتملة على أجل المطالب وأوجب الواجبات، فكانت جديرة أن تُكتب بماء الذهب، ثم قلتُ نظمًا: لقد ضل قوم سمو الكشف بالجمع … وقالوا مقالًا واجب الدفع والرد فجمع الشبه ما لفقوه ببغيهم … وتضليلهم من هد ما شيد من ند وقام بنصر الدين لله وحده … وتجريده التوحيد للواحد الفرد وجاهد فيما قام فيه لربه … بماله والأهلين حقًا وباليد إلى أن قال: فيا طالب الإنصاف بالعلم والهدى … ألا تنظر كشف الشبه درة العقد فقد حل فيها كشف ما كان مشكلًا … بأوضح تبيان ينوف على العد فجازاه رب الخلق خير جزائه … لما قام في التوحيد يهدي ويهتدي (١)

стр. 27

المقدمة الرابعة: معنى التوحيد. والكلام على هذه المقدمة في مسائل: المسألة الأولى: تعريف التوحيد. التوحيد: مصدر وحّدَ يوحد توحيدًا، أي: جعله واحدًا، قال ابن فارس: الواو والحاء والدال أصلٌ واحد يدل على الانفراد (١). وقال الجوهري: فلانٌ واحِدُ دهرِهِ، أي: لا نظير له (٢). وشرعًا: هو اعتقاد أن الله تعالى واحد في ذاته، وواحد في ربوبيته، وواحد في صفاته، لا مثيل له، وواحد في ألوهيته وعبادته، لا شريك له. وهذا التعريف تضمن اعتقاد وحدانية الله من جميع الوجوه، فهو واحدٌ في ذاته لا ولد له ولا والد، وهو سبحانه واحدٌ في ربوبيته لا معاون له ولا ظهير ولا مساند ولا معين، لا في الخلق ولا في التدبير، وهو سبحانه واحد في صفاته، لا مثيل له في شيء من صفاته. كما تضمن التعريفُ وجوبَ إخلاصِ العبادة له وحده لا شريك له؛ إذ لا

стр. 28

معبود بحقٍ سواه. وسمي دينُ الإسلام توحيدًا؛ لأن مبناه على أن الله واحدٌ في مُلكِهِ وأفعالِه لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته، لا ندّ له (١). المسألة الثانية: أقسام التوحيد. لأهل العلم في تقسيم التوحيد طريقتان: الطريقة الأولى: تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: ١) توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله، وذلك بالإقرار والاعتراف بأن الله هو: الخالق، الرازق، المدبر، وهو لا يكفي في إدخال الإسلام، حتى يقرّ العبد بتوحيد الألوهية، قال الشيخ عبد الله أبا بطين: «وأما الإقرار بتوحيد الربوبية: وهو أن الله سبحانه خالق كل شيء ومليكه ومدبره، فهذا يقر به المسلم والكافر، ولابد منه، لكن لا يصير به الإنسان مسلمًا، حتى يأتي بتوحيد الإلهية الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون، وبه يتميز المسلم عن الشرك وأهل الجنة من أهل النار» (٢). * ولهذا النوع أسماء أخرى: فيسمّى توحيد المعرفة والإثبات، والتوحيد العلمي، وغير ذلك. * وهذا النوعُ أقرّ به كثيرٌ من المشركين، وإن كانوا قد يشركون في بعض

стр. 29

أموره، وقد وقع الإشراك به حتى في الأزمان المتأخرة، ومن الأمثلة على ذلك: ما حكاه الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، عن الشيخ مصطفى البولاقي «أن بعض رؤساء الجامع الأزهر عاده لما اشتكى عينيه، وقال له: هلا ذهبت إلى مولد الشيخ أحمد البدوي، فقد حكي أن إنسانًا شكا إليه ذهاب بصره، فسمع قائلًا يقول من الضريح: أعطوه عين كذا وكذا. وقال أيضًا: وقد حدثني الشيخ خليل الرشيدي بالجامع الأزهر أن بعض أعيان المدرسين هناك قال: لا يُدَقُّ وتدٌ في القاهرة إلا بإذن أحمد البدوي، قال: فقلت له: هذا لا يكون إلا لله، أو كلامًا نحو هذا … فقال: حُبّي في سيدي أحمد اقتضى هذا» (١). وهذا كما لا يخفى إشراك في الربوبية، حيث اعتقد مدبرًا مع الله. وعلى كل حالٍ فقد أقرّ بالربوبية كثير من الناس، إلّا من عاند وكابر، كفرعون وأضرابه، ممن نفوا بألسنتهم وجود الرب، وإن كانت قلوبهم تخالف ذلك، ولذا قال الله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل، الآية (١٤)]. * وممن ينكره: الشيوعيون، بناء على عقيدتهم الفاسدة التي تقوم على الكفر بالغيب، والإيمان بالمادة وحدها. ٢) توحيد الإلهية: وهو إفراد الله بالعبادة، فلا يصرف أي عبادةٍ قولية أو فعلية أو قلبية، إلّا للمستحق وهو الله، ولا يشرك مع الله أحد في عبادته. * ولهذا النوع أسماء: فيسمّى: توحيد الألوهية، ويسمّى: توحيد العبادة، ويسمى: توحيد الإرادة؛ لتضمنه الإخلاص، ويسمّى: توحيد القصد؛ لأنَّه

стр. 30

مبنيٌّ على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة لله وحده، ويسمّى: توحيد العمل؛ لأنَّه مبني على إخلاص العمل لله وحده. * وهذا النوع هو أهمُّ أنواعِ التوحيد، فمن أجل تحقيقه أُرسِلَت الرسل وأُنزلت الكتب، وسُلَّتْ سيوفُ الجهاد، وفُرِّقَ بين المؤمنين والكافرين، وإذا أخلّ العبد به لم ينفعه توحيد الربوبية، ولا الأسماء والصفات، قال ابن تيمية: «وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزّهه عن كل ما ينزه عنه، وأقرّ بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا، بل ولا مؤمنًا حتى يشهد أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له» (١). ٣) توحيد الأسماء والصفات: وهو أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ولا تمثيل. * وهذا التوحيد- أيضًا- شرط لتمام الإيمان، فلا يصح إيمان العبد حتى يعتقده، قال ابن القيم ﵀: «لا يستقر للعبد قدَمٌ في المعرفة، بل ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب ﷻ ، ويعرفها معرفةً تخرجه عن حدّ الجهل بربه، فالإيمان بالصفات وتعرّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فمن جحد الصفات فقد هدم أساس الإسلام والإيمان وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان» (٢). الطريقة الثانية: تقسيم التوحيد إلى قسمين: ١. توحيد المعرفة والإثبات: ويتضمن توحيد الربوبية والأسماء والصفات.

стр. 31

٢. توحيد الطلب والقصد: ويتضمن توحيد الإلهية والعبادة. وهذا ما يذكره ابن تيمية وابن القيم في كتبهما، والمؤدَّى واحد. قال ابن القيم: «التوحيد نوعان: نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول: التوحيد العلمي، والثاني: التوحيد القصدي الإرادي؛ لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة، وهذا الثاني- أيضًا- نوعان: توحيد في الربوبية، وتوحيد في الإلهية، فهذه ثلاثة أنواع» (١). المسألة الثالثة: التوحيدُ يكون بالقلبِ، وباللسانِ، وبالجوارحِ. أما القلب: فبإقراره بوحدانية الله. وأما اللسان: فبالنطق بكلمة التوحيد. وأما الجوارح: فبأن يعمل بمقتضاها، قال المجدد ﵀: «لا خلاف بين الأمة، أن التوحيد: لا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم، واللسان الذي هو القول، والعمل الذي هو تنفيذ الأوامر والنواهي، فإن أخلّ بشيء من هذا، لم يكن الرجل مسلمًا، فإن أقرّ بالتوحيد ولم يعمل به، فهو كافرٌ، معاندٌ، كفرعون وإبليس، وإن عمل بالتوحيد ظاهرًا، وهو لا يعتقده باطنًا، فهو: منافق خالصًا، أشرّ من الكافر» (٢). المسألة الرابعة: التوحيد هو مدارُ رسالة الرسل، وهو وصية الله لعباده، وهي الفارقة بين الكفر، والإسلام، قال ابن القيم: «وغالبُ سورِ القرآن، بل كل سورة في القرآن، فهي متضمنة لنوعي التوحيد.

стр. 32

بل نقول قولًا كليًا: إن كلّ آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدةٌ به، داعيةٌ إليه، فإن القرآن: إما خبرٌ عن الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلعِ كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيدُ الإرادي الطلبي، وإما أمرٌ ونهيٌ، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبرٌ عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبرٌ عن أهل الشرك، وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد. فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم» (١). ومعلومٌ أن التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الآلهية لله وحده، ونفي الشرك، وهذا أمرٌ قد يخطيء فيه البعض، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «التوحيد الذي بعث الله به رسوله ﷺ غريب في الناس جدًا، وأكثرهم لا يعرف حقيقته، ولا يعرف الشرك الأكبر المنافي له، وغاية ما عندهم هو أن يعرف أن الله تعالى ربه وخالقه وخالق جميع المخلوقات ورازقها، والمتصرف فيهم» (٢). قال المؤلف ﵀:

стр. 33

١ - كتاب التوحيد وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات، الآية (٥٦)]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]. وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)]. وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء، الآية (٣٦)]. وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام، الآيات (١٥١)]. قال ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اَلَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمِهِ، فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا … ﴾ [الأنعام، الآية (١٥١ - ١٥٣)]». وعن معاذ بن جبل ﵁، قال: «كُنْتُ رَدِيفَ اَلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لِي: يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلَا

стр. 34

أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا» (١) (٢).

стр. 35

(الشرح) هذا أوّل أبواب الكتاب، وذكر فيه المصنّف خمس آياتٍ، وحديثًا، وأثرًا في تبيين معنى التوحيد، والكلام عليه في مسائل: المسألة الأولى: ذكر المصنّف قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. وفيها بيّن الله وظيفة الأمّة التي لأجلها خلقهم، وأنَّ ذلك لأجل أن يتوجهوا له بالعبادة جِنّهم وإنسِهم، فلم يُرد الله منهم تكثرًا ولا استغناءً، وإنما أراد أن يصرفوا له العبادة، ولذلك قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (١١٥)]. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة، الآية (٣٦)]. قال الشافعي: «لا يؤمر ولا ينهى» (١). والعبادة: (اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة) (٢)، فيدخل في العبادة أمران: الأول: أداء كل أمرٍ يحبه الله، ويأمر به، سواء كان قولًا كقراءة القرآن،

стр. 36

والذكر، أو فعلًا كالصلاة والصوم، والبر، أو عملًا قلبيًا كالحبّ لله، والتوكل عليه، وهكذا. الثاني: ترك كل معصيةٍ نهى الله عنها، سواء كانت شركًا أكبر، أو أصغر، أو معصية كبيرة، كالزنا والربا، أو صغيرة. وتأمل كيف ذكر الله الآية بصيغة الحصر، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. واللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ هي لامُ التعليل؛ ليبيّن أنَّه ليس ثمة هدف آخر لخلقهم غير ذلك، فيا خسارة من أمضى حياته في غير عبادة الله. وفي الآية بيان أنَّ ذلك للإنس والجنّ على حدٍّ سواء. المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]، وفيها يبين سبحانه أنَّه أرسل الرسل في الأمم، وكان الأمر المشترك في دعوتهم هو دعوتهم للتوحيد، فكلّ من أُرسِل منهم دعى قومه للتوحيد، وهذا يبيّن لك أهمية التوحيد، وأنَّه آكد الأمور، حيث تضافر عليه الأنبياء والرسل، الذين قد تختلف تفاصيل شرائعهم، ولكنهم يتفقون على التوحيد، وقد قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية (٢٥)]. المسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)]. فحينما ذكر الواجبات بدأ بالتوحيد، ولا شكّ أنَّ هذا يبين أنَّه أهم الأمور، فتقديمه للاحتفاء به والعناية به. * فقوله: ﴿وَقَضَى﴾، أي: وصى وأمر، وقبلها قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)].

стр. 37

وفيه- أيضًا- عظم حق الوالدين، حيث قرنه مع الأمر بعبادته وحده سبحانه، ونظيرها قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان، الآية (١٤)]. المسألة الرابعة: ذكر المصنف قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء، الآية (٣٦)]، وهذه الآية تسمّى آية الحقوق العشرة؛ لأنَّ فيها أمرٌ بعشر وصايا ابتدأت بالأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، ثم حق الوالدين، وذي القربى، وهكذا. فتقديم حق الله دليل على: أنَّه أعظم الحقوق وآكدها، فالعبد مأمور بأن يعبد الله، والعبادة إنّما تصح إذا توافر فيها الإخلاص والمتابعة، ثم زاد ذلك تأكيدًا بالنهي عن أي شيء من الشرك. المسألة الخامسة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا … ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)]. ثم ذكر كلام ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اَلَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُه، فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)]». وهذه الآيات تدل على أهمية التوحيد، من وجهين: ١. أنَّ الله تعالى ذكر في الآيات أمورًا، ذكر ابن مسعود بأنَّها وصيّة النبيّ ﷺ التي عليها خاتمه، والعادةُ: أنَّ الإنسان لا يوصي إلّا بأهم الأشياء، وختمُ الوصية دليلٌ على أنَّها لا تتغيّر، ولذلك قال ابن عباس: «هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء، وهن محرمات على بني آدم كلهم،

стр. 38

وهنّ أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار» (١). ٢. أنَّ الله ابتدأ في الآيات بذكر النهي عن الشرك، والتقديم يفيد التأكيد، فكأنَّه قال: أوّل ما أتلو عليكم أن لا تشركوا بالله شيئًا. المسألة السادسة: ذكر المصنّف حديث معاذ بن جبل ﵁، وفيه أنَّ رسول الله ﷺ قال لي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا». والحديث يدلّ على أهمية التوحيد من وجوه: ١ - أنَّ النبيّ ﷺ جعله حقًا لله على العباد، وهو الحقّ الذي لأجله خلق الله الخلق. ٢ - أنَّ النبيّ ﷺ جعل جزاء من قام به أنَّ الله لا يعذبه، وهذا تفضل من الله، وإلّا فليس للعباد على الله حقّ واجب، وإنّما هو تفضّل منه سبحانه. ٣ - أنَّ النبيّ ﷺ ساق هذا الأمر بصيغة الاستفهام لتتشوّف النفس لما سيذكر، وهو أسلوب متّبع عند إرادة توكيد الكلام. * الخلاصة: أنَّ هذه النصوص تدل بمجموعها على أهمية التوحيد وآكديته والاحتفاء به.

стр. 39

٢ - بابُ فضلِ التوحيدِ وما يكفِّر من الذنوب وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام، الآية (٨٢)]. عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (١). ولهما في حديث عتبان: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ» (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لا إله إلّا الله، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا؟ قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَ (لا إله إلّا الله) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لا إله إلّا الله» (٣).

стр. 40

وللترمذي وحسنه عن أنس ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ آتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» (١) (٢).
следующие страницы →