والذكر، أو فعلًا كالصلاة والصوم، والبر، أو عملًا قلبيًا كالحبّ لله، والتوكل عليه، وهكذا.
الثاني: ترك كل معصيةٍ نهى الله عنها، سواء كانت شركًا أكبر، أو أصغر، أو معصية كبيرة، كالزنا والربا، أو صغيرة.
وتأمل كيف ذكر الله الآية بصيغة الحصر، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية (٥٦)]. واللام في ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ هي لامُ التعليل؛ ليبيّن أنَّه ليس ثمة هدف آخر لخلقهم غير ذلك، فيا خسارة من أمضى حياته في غير عبادة الله.
وفي الآية بيان أنَّ ذلك للإنس والجنّ على حدٍّ سواء.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل، الآية (٣٦)]، وفيها يبين سبحانه أنَّه أرسل الرسل في الأمم، وكان الأمر المشترك في دعوتهم هو دعوتهم للتوحيد، فكلّ من أُرسِل منهم دعى قومه للتوحيد، وهذا يبيّن لك أهمية التوحيد، وأنَّه آكد الأمور، حيث تضافر عليه الأنبياء والرسل، الذين قد تختلف تفاصيل شرائعهم، ولكنهم يتفقون على التوحيد، وقد قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء، الآية (٢٥)].
المسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)]. فحينما ذكر الواجبات بدأ بالتوحيد، ولا شكّ أنَّ هذا يبين أنَّه أهم الأمور، فتقديمه للاحتفاء به والعناية به.
* فقوله: ﴿وَقَضَى﴾، أي: وصى وأمر، وقبلها قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ [الإسراء، الآية (٢٣)].
стр. 37
وفيه- أيضًا- عظم حق الوالدين، حيث قرنه مع الأمر بعبادته وحده سبحانه، ونظيرها قوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان، الآية (١٤)].
المسألة الرابعة: ذكر المصنف قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء، الآية (٣٦)]، وهذه الآية تسمّى آية الحقوق العشرة؛ لأنَّ فيها أمرٌ بعشر وصايا ابتدأت بالأمر بالعبادة والنهي عن الشرك، ثم حق الوالدين، وذي القربى، وهكذا.
فتقديم حق الله دليل على: أنَّه أعظم الحقوق وآكدها، فالعبد مأمور بأن يعبد الله، والعبادة إنّما تصح إذا توافر فيها الإخلاص والمتابعة، ثم زاد ذلك تأكيدًا بالنهي عن أي شيء من الشرك.
المسألة الخامسة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا … ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)].
ثم ذكر كلام ابن مسعود ﵁: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى وَصِيَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ اَلَّتِي عَلَيْهَا خَاتَمُه، فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [النساء، الآية (١٥١ - ١٥٣)]».
وهذه الآيات تدل على أهمية التوحيد، من وجهين:
١. أنَّ الله تعالى ذكر في الآيات أمورًا، ذكر ابن مسعود بأنَّها وصيّة النبيّ ﷺ التي عليها خاتمه، والعادةُ: أنَّ الإنسان لا يوصي إلّا بأهم الأشياء، وختمُ الوصية دليلٌ على أنَّها لا تتغيّر، ولذلك قال ابن عباس: «هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء، وهن محرمات على بني آدم كلهم،
стр. 38
وهنّ أم الكتاب، من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار» (١).
٢. أنَّ الله ابتدأ في الآيات بذكر النهي عن الشرك، والتقديم يفيد التأكيد، فكأنَّه قال: أوّل ما أتلو عليكم أن لا تشركوا بالله شيئًا.
المسألة السادسة: ذكر المصنّف حديث معاذ بن جبل ﵁، وفيه أنَّ رسول الله ﷺ قال لي: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَمَا حَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ؟ قُلْتُ: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: حَقُّ اَللَّهِ عَلَى اَلْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ اَلْعِبَادِ عَلَى اَللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ اَلنَّاسَ؟ قَالَ: لَا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا».
والحديث يدلّ على أهمية التوحيد من وجوه:
١ - أنَّ النبيّ ﷺ جعله حقًا لله على العباد، وهو الحقّ الذي لأجله خلق الله الخلق.
٢ - أنَّ النبيّ ﷺ جعل جزاء من قام به أنَّ الله لا يعذبه، وهذا تفضل من الله، وإلّا فليس للعباد على الله حقّ واجب، وإنّما هو تفضّل منه سبحانه.
٣ - أنَّ النبيّ ﷺ ساق هذا الأمر بصيغة الاستفهام لتتشوّف النفس لما سيذكر، وهو أسلوب متّبع عند إرادة توكيد الكلام.
* الخلاصة: أنَّ هذه النصوص تدل بمجموعها على أهمية التوحيد وآكديته والاحتفاء به.
стр. 39
٢ - بابُ فضلِ التوحيدِ وما يكفِّر من الذنوب
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام، الآية (٨٢)].
عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إله إلّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ؛ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (١).
ولهما في حديث عتبان: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لا إله إلّا الله، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا؟ قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَ (لا إله إلّا الله) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لا إله إلّا الله» (٣).
(الشرح)
هذا هو الباب الثاني في الكتاب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: ذِكرُ الفضائل التي تحصل لمن وحّد الله، ولذا قال: «فضل التوحيد».
وقوله: «وما يكفر من الذنوب»: أي ماذا يُكفّر من الذنوب، وأنَّه يكفر الذنوب كلها، وبهذا تكون (ما) موصولة، أو يكون المعنى: بيان أن التوحيد يكفر الذنوب، فالمعنى: فضلُ التوحيد وتكفيرُه الذنوبَ، فيكون ذكر تكفير الذنوب مِنْ عطف الخاص على العام، لأهميته، وإلا فهو من الفضائل، وعليه
стр. 42
فيجوز في (ما) وجهان:
أ. أن تكون موصولة، ويكون العائدُ محذوفًا، أي: بابُ التوحيدِ والذي يكفِّرُه من الذنوب.
ب. ويجوز أن تكون مصدرية، أي: بابُ التوحيد، وتكفيره الذنوب.
ومناسبة الباب لما قبله: أنَّه لما ذكر معنى التوحيد، وكانت الأنفس لها تشوق وتشوف إلى معرفة المعاني، ونيلِ الفضائل وتحصيلها، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب؛ ترغيبًا فيه، وتحذيرًا من الشرك.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب آيةً وأربعة أحاديث، يتبيّن منها فضائل التوحيد.
أوّل الفضائل: أنَّ الله يجعلُ الأمنَ التامَّ لمن وحّد الله التوحيد التام، ويكون نقصُ الأمنِ عليه بقدر نقص التوحيد عنده.
* واستدل على هذا: بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام، الآية (٨٢)].
فأفادت الآية: أنَّه كلما نقص التوحيد بوقوع المرء في شيء من الظلمِ، نقصَ الأمنُ في حقّه في الدنيا وفي الآخرة، والظلم له صورٌ يجمعها ثلاثة:
١) ظلم العبد لنفسه بالشرك، وهو أعظمُ الظلم، وهو الذي ورد فيه حديث ابن مسعود ﵁: «أنَّ الصحابة استعظموا هذه الآية، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان، الآية (١٣)]» (١).
стр. 43
٢) ظلم العباد في أموالهم وأنفسهم وأعراضهم.
٣) ظلم النفس بما دون الشرك، كالمعاصي.
ثاني الفضائل: أنَّ الله يُدْخِل الموحِّدَ الجنّة وإنْ عمل ما عمل، فيدخل الجنة وإن عُذِب على بعض ذنوبه، إما أن يدخل الجنة دخولًا أوليًا من أوّل وهلة، أو يدخلها بعدما يمحص، فمآل الموحد إلى الجنة.
* واستدل على هذا: بحديث عبادة بن الصامت، وفي آخره: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ» (١).
* وقوله: «عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»: أي وإن كان عنده ذنوبٌ وتقصير، ما لم يكن الشركَ الأكبر، فهذا أخرجته النصوص الأخرى، كقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر، الآية (٦٥)].
ثالث الفضائل: أنَّ الله يُحَرِّمُ الموحّدين على النار، واستدل بحديث عتبان ﵁: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لا إله إلّا الله يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ».
وهذا الحديث له تتمة، وهو في خبر عتبان بن مالك ﵁: «حين سأل النبيّ ﷺ أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، فعلم مَنْ حول عتبان بقدوم النبيّ ﷺ عنده فاجتمعوا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ، قَالَ: قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، يَبْتَغِى بِذَلِكَ
стр. 44
وَجْهَ اللَّهِ» (١).
تنبيه: واعلم أنَّ التحريم على النار لأهل التوحيد، يقال فيه أمران:
١. مَنْ كان من أهل التوحيد وهو تائب من خطاياه، فيحرم على النار مطلقًا، وقد يلحق به من قالها ولم يُصِرَّ على معصيةٍ، فيُرجى أن يغفر الله ذنوبه.
٢. مَنْ كان من أهل التوحيد وهو مُصِرٌّ على الكبائر، فيحرم على النار حُرمةَ تأبيد، فلا يخلد فيها، وأما مجرد الدخول للنار فهو تحت المشيئة، وقد دلّت النصوص الأخرى على أنَّ الله قد يُعَذِّب الموحّد ببعض ذنوبه، لكن تعذيبه لا يدوم، بخلاف المشرك والكافر بالله تعالى.
وحينها يمكن القول بأن من يعذَّب ممن يقول: لا إله إلا الله، إما أنه لم يقلها بصدق ويقين تامّ، وإما أنه قالها واكتسب بعد ذلك سيئاتٍ رجحت على حسناته، وأضعفت صدقه ويقينه (٢).
رابع الفضائل: أنَّ الموحِّدَ يثقُل توحيده في الميزان، ويرجح بما عنده من سيئات إذا قوي توحيده.
* واستدل المصنف على هذا: بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قَالَ مُوسَى ﵇: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لا إله إلّا الله، قَالَ: يَا رَبِّ، كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ وَ (لا إله إلّا الله) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لا إله إلّا الله»، وهذا يدلّ على عظم شأن هذه الكلمة.
стр. 45
ونظير هذا الحديث: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ اللَّهَ سيخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِى عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشر عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصر، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً؛ فَإنَّه لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُر وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شيءٌ» (١).
وإذا كانت الأعمال تتفاضل، فإنَّ أشرفها كلمة التوحيد إذا قالها صاحبها صادقًا.
وفي هذا يقول ابن القيم: «الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها، وإنّما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرَّجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض، وتأمّل حديثَ البطاقة التي توضع في كفّة ويقابلها تسعة وتسعون سجلًّا، كل سجل منها مدّ البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات فلا يعذب، ومعلوم أنَّ كل موحِّدٍ له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه، ولكن السرّ الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات
стр. 46
انفردت بطاقته بالثقل والرزانة» (١).
خامس الفضائل: أنَّ التوحيد سبب لغفران الذنوب، وأسعد الناس بشفاعة النبيّ ﷺ هم الموحدون.
* واستدل المصنف لهذا: بحديث أنس ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ آتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً».
ولكنّ المغفرة هنا مشروطة بأن لا يكون مع الإنسان شيء من الشرك صغيره وكبيره، ولذا قال: «لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا»، قال ابن قاسم: «فمغفرة الذنوب مشروطة بالسلامة من الشرك قليله وكثيره، فالذي لا يسلم من الأكبر لا تنفعه أصلًا، والذي مات ومعه الأصغر تضعف معه، فلا يقوى قولها على تكفير السيئات، والذي معه البدع والمعاصي ينقص ثوابها» (٢).
* الخلاصة: أن في توحيد الله من الفضائل العظيمة، والمزايا الشريفة ما تبين ذكره في الباب، وكل هذا يدعو إلى العناية به، والحرص عليه، والحذر مما يناقضه.
(الشرح)
هذا هو الباب الثالث في الكتاب، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب، ومناسبته للتوحيد ولما قبله.
حينما تكلم المصنّف ﵀ في المقدمة عن التوحيد ومعناه، ثم تكلم في الباب الأوّل عن فضل التوحيد، ذكر هنا أمرًا له ارتباط بالباب قبله، وهو من فضائل التوحيد، يناله من حقق التوحيد، وهو أنَّه يدخل الجنة بغير حساب، وهذا فضلٌ يطمح إليه كل مسلم.
وليس يخفى على الموحد الحقّ أنه إذا ما أراد تحقيق التوحيد، والقيام به على أتمّ فسيؤذى، ويبتلى من الناس، ولكنّ كلَّ هذا العناء يهون إذا استشعر المسلم الموحدُ ثمرة تحقيق التوحيد.
فإن قيل: فما معنى تحقيق التوحيد، وبأي شيء يكون تحقيقه؟
* المراد بتحقيقه: تنقيتهُ وتصفيتهُ وتخليصه من الشوائب والخوارم التي تؤثر فيه، وإذا عرفت أنَّ التوحيد هو الشهادتان، فإنَّ أهل العلم يقررون أنَّ تحقيق الشهادتين يكون بأمور ثلاثة:
أولًا: تركُ الشركِ صغيره وكبيره، وهذا أهم الأمور التي يحقق بها المسلم توحيده.
ثانيًا: اجتنابُ البدع كلها.
ثالثًا: تركُ الذنوب والمعاصي؛ لأنَّ الوقوع في الذنب ينشأ من مرضٍ في
стр. 50
القلب كما قررّ ذلك ابن تيمية، وهذا ناشئ من ضعف تعظيم الله في القلب، إذ لو عظّم اللهَ لما عصاه، ولذا فبقدر تعظيم العبد لربّه تكون طاعته له، وقد أخبر الله أنَّ العلماء هم الذين يخشونه فقال (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، والمراد بهم العلماء به وبأوامره، حينما عرفوه عظموه فلم يعصوه.
إذا عرفت هذا، فإنَّ من أتى بهذه الأمور، فهو محققٌ للتوحيد.
وبعض أهل العلم يزيد أمرًا في تحقيق التوحيد، وهو أمرٌ يتفاضل فيه الناس، وهو أن يكون القلب متوجهًا إلى الله بكُلِّيته، ليس فيه التفاتٌ إلى غير الله، وهذه منزلةٌ يصل لها من كان عَمله وقوله، ونطقه وسكوته، وسائر أعماله يبغي بها الله سبحانه، وليس في قلبه التفاتٌ طرفةَ عينٍ إلى غيره ﷻ .
المسألة الثانية: ذكر المصنّفُ في البابِ مُستدلًا على ما بوبّ عليه قولَه تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل، الآية (١٢٠)]. وهي في الثناء على إبراهيم ﵈، حيث وُصِف بأنَّه كان أمّة، وأنَّه قانت، وأنَّه حنيف، وأنَّه لم يكن من المشركين.
* فأما كونه أمّةً: فالمعنى أنَّه كان قدوةً وإمامًا معلمًا للخير، فهو إمامٌ متبوع، وهو أمّةٌ في رجلٍ؛ لأنَّه حقق التوحيد.
* وأما كونه قانتًا: فالقانت هو الخاشع المطيع المداوم على الطاعة لا يفتر عنها.
* وأما كونه حنيفًا: فالحنيفُ قيل هو المائل عن الشرك.
وقال ابن القيم: «هو المقبل إلى الله المعرض عما سواه، ومَن فسره بالمائل (١)
стр. 51
فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ، وإنما فسّره بلازم المعنى، فإنّ الحَنف: هو الإقبال، ومن أقبل على شيء مال عن غيره» (١).
وإبراهيم ﵈ هو إمام الحنفاء، ودينه الحنيفيّة؛ لأنَّه حنف ومال عن الأديان وعبادة الأوثان إلى دين الله وحده، وحكى الله في القرآن قوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام، الآية (٧٩)].
وأما كونه لم يكن من المشركين: فهي توكيد لما سبق قبلها، فإبراهيم لم يكن من المشركين، بل هو موحّدٌ خالصٌ من شوائب الشرك، وقد خالف المشركينَ وفارقهم بقوله وفعله وبدنه، حيث إنَّه أنكر على قومه شِركَهُم، وحين أبوا اعتزلهم وما يعبدون من دون الله، وقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف، الآية (٢٦)]، فتبرأ من العابد قبل المعبود، وهذه حقيقة التوحيد: (أن تتبرأ من كل معبود دون الله، وكلِ من عبد مع الله غيره) وإبراهيم ﵈ حين بعثه الله كان الناسُ على الشرك والوثنية بعيدين عن عبادة الله وإفراده بالعبادة، فاجتهد في دعوتهم بكل الوسائل، ومع ذلك اجتمعوا على حربه وأذيته، فصبر على ذلك، فضاقوا به ذرعًا، فألقوه في النار، فنجَّاه الله من كيدهم، ثم هاجر عن بلادهم، فهيأ الله له من يستجيب لدعوته.
والمقصود من الآية: أنَّ الله تعالى وصف إبراهيمَ خليله بهذه الصفات الجليلة، التي هي أعلى درجاتِ تحقيق التوحيد، وقد رغبنا في الاقتداء والتأسي به، كما قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة، الآية (٤)]. فمن اقتدى به وحققّ التوحيد، فإنَّه يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب.
стр. 52
ومعلومٌ أنَّه حينَ يُثني الله على عبدٍ من عباده، فإنَّ المقصود من ذلك أمران:
١ - محبةُ الذي أثنى الله عليه.
٢ - الندب إلى الاقتداء بالصفات التي أثنى عليه بها.
المسألة الثالثة: استدل المصنّف للباب أيضًا بآية ثانية، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون، الآية (٥٩)] وهي قد جاءت في مَعرِضِ آياتٍ وصفَ اللهُ فيها عباده الذين يسارعون إلى الخيرات وهم لها سابقون، فمن صفاتهم أنَّهم بربهم لا يشركون، فهم سالمون من الشرك صغيره وكبيره، وهذا هو تحقيق التوحيد.
المسألة الرابعة: استدل المصنّف للباب بحديث ابن عباس ﵄، وهو ما رواه البخاري ومسلم، واللفظ له، من طريق حصين بن عبد الله بن عبد الرحمن قال: «كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ … الحديث، إلى قوله ﷺ : سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
* وقوله: «أَيُّكُمْ رَأَى اَلْكَوْكَبَ اَلَّذِي اِنْقَضَّ اَلْبَارِحَةَ؟»: الكوكبُ هو الشهابُ الذي يُرمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وانقضاض الكوكب: سقوطه، وهو أمرٌ مشاهدٌ.
* وقوله: «اَلْبَارِحَةَ»: هي أقربُ ليلةٍ مَضت، قال ثعلب، وغيره من أهل اللغة: يقال قبل الزوال: رأيتُ الليلة، ويقال بعد الزوال: رأيتُ البارحة، وهي مشتقة من برح إذا زال (١).
стр. 53
* وقوله: «فَقُلْتُ: أَنَا»: القائل حُصين، لأنه كان مستيقظًا في الليل.
* وقوله: «أَمَّا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ»: خاف أن يَظُنّ الحاضرون -وقد أخبر عن رؤيته للكوكب- أنَّه كان يصلي من الليل، فدفع ذلك بقوله: لم أكن إذ سهرت أتهجد، وفيه بُعد السلف عن الرياء وأن يثنى عليهم بما لم يعملوا.
* وقوله: «وَلَكِنِّي لُدِغْتُ»: ذكر السبب في كونه كان مستيقظًا أنَّه لدغته عقرب أو نحوها.
* وقوله: «قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ»: أي طلبت من يرقيني.
* وقوله: «فَمَا حَمَلكَ عَلَى ذَلِكَ؟»: أي ما دليلك وما مستندك في هذا الفعل، وفيه عنايتهم بالدليل في كل أمورهم.
* وقوله: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ» (١): العين: هي إصابة العائن غيرَه بعينه، والحُمة: بالضمّ لدغةُ إحدى ذواتِ السموم، كالعقرب ونحوها.
@ومعنى الحديث، كما ذكر الخطابي: «أنَّه لا رقية أشفى وأولى من رقية العين والحمة». ا. هـ (٢)، وتجوز في غيرهما، لكنها فيهما أنفع.
стр. 54
وفيه إثبات العين، وفي حديث ابن عباس: «الْعَيْنُ حَقٌّ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ، سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ» (١)، ولا يلزم أن يكون العائن حاسدًا، فقد يعين الإنسان نفسه وأولاده، وقد قال الله تعالى في شأن صاحب الجنتين: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف، الآية (٣٩)]. مع أنَّه يدخل جنته، ولذا قال بعض السلف: «من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده، فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (٢) وروي عن هشام بن عروة، عن أبيه عروة: «أنَّه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطًا من حيطانه قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله» (٣)(٤).
стр. 55
* وقوله: «قَدْ أَحْسَنَ مَنِ اِنْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ»: لأنَّه أخذ بما بلغه من العلم، فهو محسن.
* وقوله: «عُرِضَتْ عَلَيَّ اَلْأُمَمُ»: في رواية الترمذي والنسائي أنَّ العرض كان ليلة الإسراء والمعراج، وقيل: «كان في المنام» (١).
* وقوله: «اَلرَّهْطُ»: الجماعة دون العشرة، والمراد: أن بعض الأنبياء لا يتبعه إلا الرهط، وبعض الأنبياء وليس معه إلّا رجلٌ أو اثنان، وبعضهم ليس معه أحدٌ، فالأنبياء متفاوتون في الأتباع كثرةً وقِلّةً، وليست هي القياس في إصابة الحقّ.
* وقوله: «وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»: في هذا أعظم عزاء للدعاة إلى الله، حين لا يستجب لهم الناس أو يقلّ المستجيبون، فلهم أسوة بالأنبياء ما دام منهجهم سليمًا.
* وقوله: «سَوَادٌ عَظِيمٌ»: رُفِع لي أشخاصٌ كثيرةٌ لا أدري من هم، ولم أميزهم لبعدهم.
* وقوله: «فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي»: إنما ظنّ ذلك لِما أوحي إليه، واطّلع عليه من كثرة أمّته.
стр. 56
وكون النبي ﷺ لم يعرف أمّته، وقد أخبر بأنَّه يعرفهم من أثار الوضوء: لأنَّ الذين رآهم كانوا من بُعد، فلم يميز أعيانَهم، فلو قربوا عرفهم.
* وقوله: «وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ»: من ضمن هذه الأمّة سبعون ألفًا يدخلون الجنّة بلا حساب ولا عذاب؛ لتحقيقهم التوحيد، وهؤلاء من أمّة محمد ﷺ ، وقد ورد زيادة على السبعين ألفًا، فقد ورد من حديث أبي هريرة ﵁: «فَاسْتَزَدْتُ، فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا» (١).
* وقوله: «فَخَاضَ اَلنَّاسُ فِي أُولَئِكَ»: أي تباحثوا وتناقشوا في هؤلاء السبعين ألفًا، بأي شيء وصفةٍ نالوا هذه الدرجة والمنزلة.
وفيه: إباحة المناظرة في أمور العلم، ولو كان بغير علم مادام لم يجزم فيه بيقين.
* وقوله: «هُمُ اَلَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ»: أي لا يطلبون من أحدٍ أن يرقيهم، وهذا من تمام توكّلهم على الله، واستسلامِهم لقضائه، وصبرهم بل وتلذذهم بالبلاء.
وقد ورد عند مسلم في صحيحة لفظة: «لا يرقون» وهي خطأ من وجهين:
١ - من جهة الإسناد: حيث إنَّها شاذة، تفرد بها سعيد بن منصور عن هشيم،
стр. 57
ورواه عن هشيمٍ جماعة غير سعيد، ولم يذكروا هذه اللفظة (١).
٢ - من جهة المتن والمعنى: فإنّ معناها أنَّهم لا يرقون أنفسهم ولا غيرهم، وهذا خلاف ما ثبت عن النبيّ ﷺ من فعله، فإنَّه كان يرقي نفسه، ومن قوله، حيث قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» (٢)، «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (٣)، وقد رقى النبيُّ ﷺ بعضَ أصحابه، ورقاه جبريل، بدون طلب منه (٤).
*فإن قيل: هل الرقية ممنوعة إذن؟ وهل يخرج صاحبها من السبعين ألفًا؟
أ- إن كانت بغير طلبٍ فجائزة، وقد رقى جبريلُ النبيَّ ﷺ ، ولا تنافي كمال التوكل.
ب- إن كانت بطلبٍ فجائزةٌ، وهي تنافي كمال التوكل؛ لأنَّه غالبًا يلتفت القلب إلى الرقية مع أنَّها سبب، وهذا مُخِلٌّ بكمال التوكل.
وقد قيل: إنَّ النبيّ ﷺ نبَّه على الاسترقاء وكذا الاكتواء؛ لأنَّ القلوب غالبًا تتعلق بهما، ولكن إذا استرقى أو اكتوى وقلبه معلق بالله فإنَّه لا يخرج
стр. 58
من السبعين ألفًا؛ لأنَّ الحديث معللٌ بِعلّةٍ وهي: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ».
لكن عقّب على هذا بعض أفاضل أهل العلم بقوله: «هذا من مضائق الأمور، التي لا تكاد تحصل لأحدٍ إلّا للنبي ﷺ ، فإنَّه قلّما يُرقى شخصٌ أو يُكوى إلّا ويلتفتُ المرقي والمكوي لهذا الأمر».
• أما ما يتعلق بالراقي نفسه: فإنه محسنٌ لغيره برقيته، وليس هو كالمسترقي الذي طلب من غيره والتفت قلبه لذلك، وعلى هذا فلا يخرج الراقي من السبعين ألفًا، وقد سبق التنبيهُ على شذوذ لفظة: «لا يرقون».
* وقوله: «وَلَا يَكْتَوُونَ»: أي لا يسألون غيرهم أن يكويهم، وكذا لا يكوون أنفسهم، وهذا من تمام توكلهم واستسلامهم لقضائه .
وقد ورد في الاكتواء عدةُ أحاديثَ، منها: حديثُ جابر ﵁: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ طَبِيبًا، فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا، ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ» (١).
وحديث جابر بن عبد الله ﵁: «إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ، فَفِي .. أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «تضمنت أحاديث الكيِّ أربعةَ أنواع: فعله - عدم محبته له - الثناء على من تركه - النهي عنه، ولا تعارض فيها بحمد الله؛ فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، أما الثناءُ على تركه فيدل على أن تركَه أفضلُ وأولى، وأما النهيُ عنه فعلى سبيل الاختيار والكراهية» (٣).
стр. 59
* وقوله: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»: أي لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وسيأتي الكلام على الطيرة في باب مستقل، وأصله من التشاؤم بالطير ولكنه أعمّ، فهو التشاؤم بالمرئيات أو المسموعات، أو الزمان أو المكان المعين، أو الطيور ونحوها، والطيرة كانت موجودة عند العرب، ويأتي بيانها في بابها.
* وقوله: «وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»: هذا الأصلُ الجامع الذي تفرّعتْ عنه هذه الأعمال والخصال، وهو التوكلُ على الله وصدق الالتجاء إليه.
وليس معنى الحديث أن الأخذَ بالأسبابِ يُنافي التوكل، بل إنَّ الأخذ بالأسباب أمَرَ اللهُ به، وقد أمر النبيُّ ﷺ بالتداوي، وقال: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً» (١)، ولذلك فالتوكّل صدق اللجأ إلى الله بدفع الضرّ وجلب النفع مع فعل السبب.
فإن قيل: فكيف نجمع بين كون الأخذ بالأسباب مطلوب، وبين: أن ترك طلب الرقية والاكتواء من التوكل، وفعلهما ينافي كمال التوكل؟
* أما الاسترقاء: فإنْ سببه خفي، فيؤدي ذلك إلى التفات القلب إلى الراقي.
* وأما التداوي: فإنَّه يختلف عنه من وجهين.
١. أنَّ التداوي سببه ظاهر، وهو الدواء المشاهَد، بخلاف الرقية.
٢. أنَّ النبيّ ﷺ تداوى وأمر بالتداوي، ولو كان قادحًا في التوكّل لما أمر به ﷺ .
стр. 60
* وأما الكيّ: فسببه ظاهر كذلك، لكن لم يلحق بالتداوي؛ لأنَّ الشرع نهى عنه وكرهه، والنبيّ ﷺ أثنى على من تركه، وقال: «وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ».
* وقوله: «فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مُحْصَنٍ، فَقَالَ: اُدْعُ اَللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: أَنْتَ مِنْهُمْ»، وفي رواية البخاري: «اللهم اجعله منهم» ويجمع بين الروايتين بأنَّه سأل الدعاء أولًا فدعا له، ثم استفهم هل أجيب؟ فأخبر.
* وقوله: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ»: قال بعضهم: كأنَّ الرسول ﷺ علم أنَّ هذا الرجلَ لا يصل إلى هذه المرتبة فعرّض له بالكلام، ولم يقل له: لست منهم، وقال ذلك أيضًا: سدًّا للذريعة؛ لئلا يتتابع الناس، فيسأل من ليس أهلًا فَيُرَدّ، فيعرفه الحاضرون.
ولا يصح القول بأنَّه منافق؛ لأنَّه قلَّ أن يصدُرَ هذا السؤال إلّا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق الرسول ﷺ ، فكيف يصدر ذلك من منافق؟
* والخلاصة: أنَّ من صفة هؤلاء الذين يدخلون الجنّة بلا حساب أنَّهم أهل توكل وتوحيد، ولذا فهم لا يسترقون ولا يكتوون، ولو كان قد وقع لهم شيء فإنَّهم يتوبون إلى الله من طلب مثل هذه الأمور، وقد أخبر سعيدُ بن جبير حصينًا بهذا الحديث -وقد كان يسترقي- ليتوب منه، فدل على أن من تاب من هذه الأمور يرجى له أن يدخل في زمرة السبعين ألفًا، والله أعلم.
*
стр. 61
٤ - باب الخوف من الشرك
وقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء الآية (٤٨، ١١٦)].
وقال الخليل ﵈: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم الآية: (٣٥)].
وفي الحديث: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، فسئل عنه، فقال: الرِّيَاءُ» (١).
وعن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» (٢).
стр. 62
ولمسلم عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ» (١)(٢).
(الشرح)
هذا الباب الذي عقده المصنّف هو بعنوان الخوف من الشرك، والكلام عليه في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب، ومناسبته لما قبله.
أراد المصنّفُ بالبابِ أن يذكر النصوصَ التي تُبيِّنُ وجوبَ الخوفِ من الشرك والتحذيرَ منه، وما يترتب على الوقوع فيه من الخسران الأبدي، والعذاب السرمدي؛ لأنَّه أعظم ذنبٍ عُصِيَ اللهُ به، فينبغي للمؤمن أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه؛ لئلا يقع فيه، فما خاف الشركَ إلا مؤمنٌ، وما أَمِنَهُ إلّا جاهل.
ومناسبة الباب للتوحيد ولما قبله: أنَّه لما ذكر المؤلف التوحيد ومعناه وفضله وثواب من حققه، ناسب أن يذكر الخوف من ضدّه وهو الشرك، وقد قال المتنبي:
стр. 63
وبضدها تتميز الأشياء (١)
المسألة الثانية: الشركُ لغةً: بمعنى: الحصّةِ والنصيب، وكونِ أحد الشيئين فأكثر خليطًا مع آخرَ في أمرٍ ما، حسّيًا كان أو معنويًا.
والشركُ جمعه أشراك، كشبر وأشبار، والإشراك إفعالٌ، وهو جعل الشيء خليطًا مع آخر في حصة ونصيب (٢).
وأما في الشرع فله معنيان: عامٌ وخاصٌ.
١ - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، وبعبارة أخرى: هو تشبيه المخلوق بالخالق (٣).
стр. 64
ويندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: الشرك في الربوبية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبةُ شيءٍ منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر الآية: (٣)] (١).
стр. 65
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات: وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: (١١)] (١).
الثالث: الشرك في الألوهية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الألوهية، كالصلاة والدعاء والاستغاثة والذبح ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة الآية: (١٦٥)].
٢ - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ للهِ ندًا يدعوه كما يدعو الله، ويسأله الشفاعة كما يسأل الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويحبّه كما يحب الله، وهذا هو المعنى المتبادر من كلمة «الشرك» إذا أُطلِقت في القرآن أو السنة.
* وينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر، وأصغر.
أ) الشرك الأكبر: وهو اتخاذ ندٍّ مع الله، يُعبد كما يُعبد الله، وهو ناقلٌ من ملة الإسلام محبطٌ للأعمال، فمثاله في الاعتقادات: اعتقاد أنَّ غير الله يستحق العبادة، ومثاله في الأعمال: الذبح لغير الله، ومثاله في الأقوال: دعاءُ غيرِ
стр. 66
الله فيما لا يقدر عليه إلّا الله (١).
ب) الشرك الأصغر: وحدّه بعض العلماء بأنه كل ما كان ذريعةً إلى الأكبرِ
стр. 67
ووسيلةً للوقوع فيه، ونهى عنه الشرع وسمّاه شركًا، ولا يُخرِجُ من المِلّة (١).
وقد يكون في الأعمال، ومن ذلك يسير الرياء كما قال ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: الشركُ الْأَصْغَرُ، قَالُوا: وَمَا الشركُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ».
وقد يكون في الأقوال: ومنه الحلف بغير الله، كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (٢).
وقد يصيرُ الشركُ الأصغرُ شركًا أكبر، بحسب ما يقوم بقلب صاحبه (٣)(٤).
المسألة الثالثة: يجب على كل مسلمٍ أن يخافَ من الوقوع في الشرك،
стр. 68
وأن لا يأمن من ذلك، وأورد المصنف قول الخليل ﵈: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم الآية: (٣٥)]، أي: اجعلني وبَنيَّ في جانب، والأصنام في جانب، وباعد بيننا وبينها.
فإذا كان إبراهيم ﵈ وهو سيدُ الحنفاءِ، ومَن حارب الوثنية وأوذي في ذلك أذى كبيرًا، وهاجر من بلده إلى بلد آخر دعوة للتوحيد، ومع هذا يخاف على نفسه الوقوع في الشرك، ويسأل الله أن يجنّبه وبنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟! لا شك أنَّه أولى بالخوف من الشرك وعدم الأمن من الوقوع فيه، ولهذا قال إبراهيم التيمي: «ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟!» (١).
وبهذا تعرف خطأ بعض الناس وجهلَهم حينما قالوا: إن الشرك بعيدٌ منا، ونحن أهلُ توحيد، فوقعوا في الشرك وهم غافلون.
فإن قيل: فما المراد بقوله (وبَنيّ) وهل استجاب الله دعاء إبراهيم ﵈ بذلك؟
* قيل: المراد بهم من كان مِنْ صُلبِه وهم إسماعيل وإسحاق، واختاره صاحب التيسير (٢)، وعليه فإنَّ الله استجاب دعاءه.
* وقيل: المراد بهم من كان من ذريته وما توالد منهم، ورجحه العثيمين، وعليه فإنَّ الله استجاب في بعض ذريته دون بعض.
المسألة الرابعة: ساق المصنّف في الباب حديث محمود بن لبيد مرفوعًا:
стр. 69
«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ، فسئل عنه، فقال: الرِّيَاءُ».
والمصنّف أورد الحديث مختصرًا، وتمامه: «قَالَ: الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟»، وفي هذا الحديث حذّر النبيّ ﷺ أمّته من الشرك وخافه عليهم، مع أنَّ خطابه المباشر كان للصحابة وهم أفاضل الناس، ومع هذا خاف عليهم الشرك.
وأشدُّ ما خافه عليهم ﷺ : الشرك الأصغر، الذي من صوره: الرياء.
والرياءُ: هو أن يأتي بالعبادة؛ ليراه الناس، فيمدحوه على عبادته.
وإنّما اشتد خوفُ النبيّ ﷺ على أصحابِه من الشرك الأصغر وهو الرياء دون الأكبر؛ لأنَّ الداعي إلى الرياء أقوى، فهو أخوف ما يخاف على الصالحين، بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر؛ فإنَّه ضعيفٌ في قلوب المؤمنين الكاملين، وهذا لا يعني أن يأمن الإنسانُ على نفسِه من الشرك الأكبر، فقد أخبر النبيّ ﷺ أنَّه سيقع في أمته عبادة الأوثان (١)، فعلى المسلم أن يحذر من الشرك الأكبر والأصغر.
واعلم أنَّ الرياء أمره عظيم، ولا يأمن منه تمامًا إلّا الموفق، فالإخلاص عزيز، والنفس تحبّ العلو، ولا يتأتّى حجبها وترويضها إلّا بالعلم بالله والمجاهدة للنفس.
стр. 70
وإذا كان حُبُّ الظهورِ داءً بُلي به الكثير، فإنَّ الرياء يقرب ممن أحبّ الظهور، وقد قال ابن القيم: «لَا يجْتَمع الْإِخْلَاص فِي الْقلب، ومحبة الْمَدْح وَالثنَاء والطمع فِيمَا عِنْد النَّاس، إِلَّا كَمَا يجْتَمع المَاء وَالنَّار، والضب والحوت» (١).
والرياء: هو الشرك الخفي، وإنّما صار شركًا؛ لأنَّ فيه نوع إشراك في صرف العبادة، فالمرائي مراده من فعله نظر المخلوق إليه وثناؤه ومدحه، وإنّما صار خفيًا؛ لأنَّه يخفى عن الناس، وقد ورد عند مسلم: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (٢).
المسألة الخامسة: ساق المصنّف في الباب حديثي ابن مسعود، وجابر ﵄، في بيان التحذير من الشرك والتخويف منه.
فأمّا حديث ابن مسعود فهو قوله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهْوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ»، والنّد: هو النظيرُ والشبيهُ والمثيل.
واتخاذ النّدِ من دون الله نوعان:
١ - شركٌ أكبر: بأن يجعل لله ندًا في أنواع العبادة، أو بعضها كالدعاء أو نحوه.
٢ - شركٌ أصغر: وهو ما يكون من نوع الشرك الأصغر، كيسير الرياء، وقول: ما شاء الله وشئت.
وأما حديث جابر ﵁، فهو قول النبيّ ﷺ : «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ».
стр. 71
ومعنى الحديث: أنَّه من مات وعنده شيء من الشرك فإنَّه يدخل النار، وقد يكون دخولًا مطلقًا، وهذا لمن كان شركه أكبر، وقد يكون دخوله مقيدًا، وهذا لمن كان شركه أصغر، وأما من مات غير مشرك، بل موحد فإنَّه يُقطَعُ له بدخول الجنة، لكن إن كان صاحبَ كبائر مُصِّرًا عليها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه ودخل الجنة مباشرة، وإلا عُذِّبَ في النار ثم دخل الجنة، وإن لم يكن صاحب كبائر ولا ذنوب فإنَّه يدخلها مباشرة، وقد ورد عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ، ثلاثًا، وقال في الرابعة: على رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» (١).
* ودلالة الحديثين متقاربة: فكلاهما دلّ على التخويف والتحذير من الشرك؛ لأنّ عقوبة من وقع فيه أن يدخل النار، ولو قلّ شركه؛ لأنَّه أطلق الشرك في الحديث، فيدخل فيه قليل الشرك وكثيره، وهذا يوجب الخوف منه.
* وخلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يكون على خوف من الوقوع في الشرك، صغيره وكبيره، وينبني على خوفه: أن يحذر من كل طرائق الشرك ووسائله، وأن يتعلم التوحيد وضده، كي يأمن من الوقوع في الشرك.
стр. 72
٥ - باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].
عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ لما بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ له: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنَّ لا إله إلّا الله». وفي رواية: «إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ على فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإنَّه لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١).
ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاها، فَلَمَّا أَصْبَحوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ». فقيل: هو يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأْتي بِهِ، فبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ
يدوكون. أي: يخوضون.
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة هذا الباب لما قبله:
لما بيّن المؤلف ﵀ التوحيد وفضله وتحقيقه وذكر ضدّه، وهو الشرك ووجوب الخوف منه، نبّه بهذه الترجمة على أنَّه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، ويكتفي بها عن تصحيح اعتقاد غيره، بل يجبُ عليه أن يعمل بما علم، ويدعو إلى ما علم، والله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت، الآية (٣٣)]. قال الحسن لما تلا الآية: «هذا حبيبُ الله، هذا وليُّ الله، هذا صفوةُ الله، هذا خِيرةُ الله، هذا أحبُّ أهلِ الأرض إلى الله- أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته» (١).
стр. 75
فلذلك ينبغي على المسلم أن يدعو الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهو أعظم أمرٍ يُدعى إليه، وهو الذي أرسلت الرسل لأجله، فيبدأ به في دعوته قبل كل شيء كما فعل النبيّ ﷺ .
المسألة الثانية: ساق المصنف في الباب آية فيها الأمر بالدعاء إلى التوحيد، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].
ومعنى الآية: أنَّ الله يقول لنبيه محمد ﷺ قل -يا محمد-: هذه الدعوة والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، هذه طريقتي وسبيلي ودعوتي، أدعو إلى الله على بصيرةٍ وعلمٍ ويقينٍ ومعرفةٍ أُمَيِّزُ بها بين الحقّ والباطل.
ويتولّى هذا العمل والدعوة أنا ومن اتبعني وصدقني وآمن بي.
* ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أنزّه الله وأجلّه وأعظمه من أن يكون له شريك تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
* ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أنا بريء من أهل الشرك، لست منهم وليسوا مني.
ومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّه بين فيها طريقة النبيّ ﷺ وهو أنَّه يدعو إلى توحيد الله بالعبادة، وأنَّ أتباعه يسلكون طريقته في هذا الأمر، وأنَّ من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة فإنَّه لم يحقق اتباعه للرسول، بل اتباعه فيه نقص عظيم (١).