ومعنى الحديث: أنَّه من مات وعنده شيء من الشرك فإنَّه يدخل النار، وقد يكون دخولًا مطلقًا، وهذا لمن كان شركه أكبر، وقد يكون دخوله مقيدًا، وهذا لمن كان شركه أصغر، وأما من مات غير مشرك، بل موحد فإنَّه يُقطَعُ له بدخول الجنة، لكن إن كان صاحبَ كبائر مُصِّرًا عليها فهو تحت المشيئة، إن شاء الله عفا عنه ودخل الجنة مباشرة، وإلا عُذِّبَ في النار ثم دخل الجنة، وإن لم يكن صاحب كبائر ولا ذنوب فإنَّه يدخلها مباشرة، وقد ورد عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سرقَ، ثلاثًا، وقال في الرابعة: على رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» (١).
* ودلالة الحديثين متقاربة: فكلاهما دلّ على التخويف والتحذير من الشرك؛ لأنّ عقوبة من وقع فيه أن يدخل النار، ولو قلّ شركه؛ لأنَّه أطلق الشرك في الحديث، فيدخل فيه قليل الشرك وكثيره، وهذا يوجب الخوف منه.
* وخلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يكون على خوف من الوقوع في الشرك، صغيره وكبيره، وينبني على خوفه: أن يحذر من كل طرائق الشرك ووسائله، وأن يتعلم التوحيد وضده، كي يأمن من الوقوع في الشرك.
стр. 72
٥ - باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].
عن ابن عباس ﵄: «أن رسول الله ﷺ لما بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ له: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنَّ لا إله إلّا الله». وفي رواية: «إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ على فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإنَّه لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» (١).
ولهما عن سهل بن سعد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يُفْتَحُ الله عَلَى يَدَيْهِ، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاها، فَلَمَّا أَصْبَحوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ». فقيل: هو يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأْتي بِهِ، فبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ
يدوكون. أي: يخوضون.
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة هذا الباب لما قبله:
لما بيّن المؤلف ﵀ التوحيد وفضله وتحقيقه وذكر ضدّه، وهو الشرك ووجوب الخوف منه، نبّه بهذه الترجمة على أنَّه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه، ويكتفي بها عن تصحيح اعتقاد غيره، بل يجبُ عليه أن يعمل بما علم، ويدعو إلى ما علم، والله تعالى قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت، الآية (٣٣)]. قال الحسن لما تلا الآية: «هذا حبيبُ الله، هذا وليُّ الله، هذا صفوةُ الله، هذا خِيرةُ الله، هذا أحبُّ أهلِ الأرض إلى الله- أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحًا في إجابته» (١).
стр. 75
فلذلك ينبغي على المسلم أن يدعو الناس إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وهو أعظم أمرٍ يُدعى إليه، وهو الذي أرسلت الرسل لأجله، فيبدأ به في دعوته قبل كل شيء كما فعل النبيّ ﷺ .
المسألة الثانية: ساق المصنف في الباب آية فيها الأمر بالدعاء إلى التوحيد، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٨)].
ومعنى الآية: أنَّ الله يقول لنبيه محمد ﷺ قل -يا محمد-: هذه الدعوة والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، هذه طريقتي وسبيلي ودعوتي، أدعو إلى الله على بصيرةٍ وعلمٍ ويقينٍ ومعرفةٍ أُمَيِّزُ بها بين الحقّ والباطل.
ويتولّى هذا العمل والدعوة أنا ومن اتبعني وصدقني وآمن بي.
* ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾: أنزّه الله وأجلّه وأعظمه من أن يكون له شريك تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
* ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾: أنا بريء من أهل الشرك، لست منهم وليسوا مني.
ومناسبة الآية للباب: من جهة أنَّه بين فيها طريقة النبيّ ﷺ وهو أنَّه يدعو إلى توحيد الله بالعبادة، وأنَّ أتباعه يسلكون طريقته في هذا الأمر، وأنَّ من لم يدع إلى الله وهو يستطيع الدعوة فإنَّه لم يحقق اتباعه للرسول، بل اتباعه فيه نقص عظيم (١).
стр. 76
المسألة الثالثة: ساق المصنّف في الباب حديث ابن عباس ﵄ في بعث النبيّ ﷺ معاذًا ﵁ داعيًا إلى الله في السنة العاشرة إلى اليمن، ولما أراد أن يذهب أوصاه النبيّ ﷺ بهذه الوصية العظيمة، التي بيّن فيها منهجه الذي يسلكه في الدعوة، وكان مما قال له فيها قوله ﷺ :
* «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»: ويعني بهم اليهود والنصارى، وكانوا متكاثرين في اليمن، وهم أهل كتاب وعندهم علمٌ، بخلاف سائر العرب في عهد النبي ﷺ ، فنبهه بذلك ليستعدّ ويتهيأ لمناظرتهم ويأخذ أهبته لذلك.
* «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَة أَنْ لا إله إلّا الله»: وفي رواية: «إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ» (١)؛ لأنَّه أعظم أمرٍ دَعت إليه الرسل وخَلقَ اللهُ لأجلِه الخلق.
وفيه: التدرجُ في الدعوةِ، والبداءةُ بالأهمِ فالأهمِ، وهكذا كانت دعوة النبيّ ﷺ ، إذ بدأ بالدعوة إلى التوحيد.
* وعلى هذا: فمن الخطأ أن ينشغل الداعية بمعالجة بعض المعاصي، ويدع الدعوة لتصحيح التوحيد، ونبذ الشرك.
* وفي الرواية الثانية «يُوَحِّدُوا اللَّهَ» فائدة عظيمة: وهي بيانُ خطأِ وضلالِ مَنْ
стр. 77
اعتقد أن (لا إله إلّا الله) يكفي فيها النطق باللسان ولو خالفتها الجوارح، أو أنَّ معنى (لا إله إلّا الله) أي: لا خالقَ ولا مدبر ولا مُصرّف إلّا الله، كما يقول كثير من الجهلة، فبيّن بهذه الرواية المختلفة لفظًا المتفقة معنى، أنَّ المراد بشهادة أن لا إله إلّا الله: توحيد الله وإفراده بالعبادة (١).
* ثم قال له ﷺ : «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ»: بأن شهدوا وانقادوا لك.
* «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ»: ثنّى بالأعمال بعد التوحيد؛ لأنَّها لا تصح بدونه، فالتوحيد شرط لصحة جميع الأعمال.
فإن قيل: لم ذكر النبيّ ﷺ الشهادتين والصلاة والزكاة، ولم يذكر الصوم والحجّ؟
* ذكر ابن تيمية: «أنَّ الرسول ﷺ اقتصر على الأركان العظيمة التي يقاتل من تركها، وهي هذه الثلاثة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة، الآية (٥)].
المسألة الرابعة: ذكر المصنّفُ في البابِ حديثَ سهل بن سعد ﵁ في خبر علي ﵁ يوم خيبر، الذي فيه أعظمُ فضيلة لعلي ﵁ وهي أنَّه يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله (٢).
стр. 78
* خلاصة الباب: أنَّ الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وتصحيح الاعتقاد هي من أوجب الواجبات، وهي مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم، وورثة محمد ﷺ ، وحاجة المجتمعات للداعية للتوحيد أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، فليكن لك نصيب من ذلك يا طالب العلم.
стр. 79
٦ - باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ … ﴾ [الإسراء، الآية (٥٧)].
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي … ﴾ [الزخرف الآيات (٢٦ - ٢٧)].
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ … ﴾ [التوبة، الآية (٣١)].
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ … ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)].
وفي الصحيح، عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ قَالَ: لا إله إلّا الله، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مَنْ دُونِ اللهِ، حَرُمَ مَالُهُ، وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ » (١).
وشرح هذا الترجمة: ما بعدها من الأبواب (٢).
стр. 80
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب، بعنوان: (تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا الله) وجعله لتفسير التوحيد، فأورد فيه الآيات والأحاديث التي تفسر التوحيد وتبين معناه، والمراد: توحيد الألوهية.
والعطف في قوله: «وشهادة أن لا إله إلّا الله» لتغاير اللفظتين، أي: من باب عطف المترادفين، وإلّا فالمعنى واحد.
стр. 81
والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: مناسبة الباب لما قبله:
لمّا تكلم عن الدعوة إلى التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا الله وفضيلتها، وبيّن أنَّ الداعي إليها لابدّ أن يكون على بصيرةٍ، ناسب أن يبيّن في هذا الباب المرادَ بالتوحيد، ومعنى لا إله إلّا الله التي يدعون إليها، وَمِنْ حسن صنيع المؤلف أن أخره بعد بيان فضل التوحيد وما بعده من الأبواب؛ لأنَّ النفوس كأنَّها اشتاقت إلى معرفة هذا الأمر الذي خُلِقوا لأجله وهو التوحيد.
والفرق بين هذا الباب، وبين الباب الأول الذي فيه معنى لا إله إلّا الله: أن هذا الباب فيه مزيد بيانٍ لمعنى لا إله إلّا الله، وما دلّت عليه من توحيد العبادة بالذات، وما ذكره في الباب الأوّل كان مُجمَلًا، ولا يكفي لاستمرار الدعوة إلى التوحيد، فذكر في هذا الباب معنى لا إله إلّا الله على التفصيل، والحجةَ على من تعلق بالأولياء والصالحين.
المسألة الثانية: ما هو تفسير التوحيد؟
* قال السعدي ﵀: «حقيقةُ تفسيرِ التوحيدِ العلمُ والاعترافُ بتفرد الربِّ بجميع صفات الكمال، وإخلاص العبادة له، وذلك يرجع إلى أمرين:
١ - نفي الألوهية كلها عن غير الله: بأن يعتقد أنَّه لا يستحق الإلهية ولا شيئًا من العبودية أحدٌ من الخلق، لا نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا غيرهما، وأنَّه ليس لأحدٍ من الخلق في ذلك حظٌ ولا نصيب.
٢ - إثبات الألوهية لله وحده لا شريك له: وتفرده بمعاني الألوهية كلها وهي نعوت الكمال كلها، ولا يكفي هذا الاعتقاد وحده حتى يحققه العبد، بإخلاص
стр. 82
الدين كله لله، ويعلم أنَّ من تمام تفسيرها وتحقيقها البراءة من عبادة غير الله» (١).
المسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ … ﴾ [الإسراء، الآية (٥٧)].
وقد اختلف في سبب نزولها، فقد ورد عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء، الآية (٥٦)]. قال: «كَانَ نَفَرٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ، فَأَسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ، وَاسْتَمْسَكَ الْإِنْسُ بِعِبَادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ هذه الآيات» (٢).
وقيل: إنَّها نزلت في قوم كانوا يعبدون المسيح وأمّه وعزيرًا، وقيل: غير ذلك (٣).
قال شيخ الإسلام: «وهذه الأقوالُ كلها حقٌ، فإنَّ الآية تَعُمُّ من كان معبوده عابدًا لله، سواء أكان من الملائكة أو من الجنّ أو من البشر، والسلف في تفسيرهم يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل» (٤).
ومعنى الآية: يتبين بذكر الآية التي قبلها، وهي قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وهذا عامٌ يشمل كل مدعو من دون الله من الأنداد، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين، فإنَّه يدخل في الآية: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ أي إزالته بالكلية.
стр. 83
* ﴿تَحْوِيلًا﴾: أي ولا يكشفونه عنكم ويحولونه إلى غيركم، فهم عاجزون عن كل هذا، والله سبحانه هو القادر على ذلك وحده لا شريك له.
* ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾: من الأنبياء وغيرهم من المعبودات.
* ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾: هم أنفسهم يطلبون من ربهم القربة والشيء الذي يوصلهم إلى الله وإلى ثوابه، فكيف يطلب ذلك منهم؟!
والوسيلةُ: الطاعة والعبادة.
* ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: كلّ واحدٍ منهم يرجو أن يكون أقربَ إلى الله، فيتقربون إلى الله بطاعته، ويرجون رحمته ويخافون عذابه.
ومناسبةُ الآيةِ للباب: من جهة أنَّ التوحيد هو إفراد الله بالعبادة والدعاء وحده، ونفي الشريك عنه سبحانه، وهؤلاء الذين يدعون الأنبياء والملائكة لم يتبرءوا من الشرك، بل وقعوا فيه ودعوا من لا يملك ضرًا ولا نفعًا، فإذا عرفت هذا تبين لك أنَّ التوحيد لا يكون إلّا بنبذ كل الشرك، وإخلاص العبادة لله.
المسألة الرابعة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي … ﴾ [الزخرف الآية (٢٨)].
وهذه الآية يبين فيها الله موقف إبراهيم ﵈ من والده ومن قومه الذين أشركوا مع الله غيره، كيف دعاهم؟ فلما لم يستجيبوا تبرأ منهم، وهجرهم.
وقال ﵈: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾: أي متبرءٌ من كل ما تعبدون من دون الله من الأصنام والكواكب وغيرها.
стр. 84
* ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي خلقني وأوجدني.
والفَطْرُ: ابتداء الخلق على غير مثال سابق، فالذي فطرني لست ببريء منه، بل أثبت له العبادة وحده.
قال ابن عثيمين: «وإنما قال: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ولم يقل: «إلّا الله»؛ لفائدتين:
١. ليشير إلى سبب إفراد الله بالعبادة، لأنَّه هو الخالق الرازق وحده، فكما أنَّه تفرد بالخلق فيجب أن يفرد بالعبادة.
٢. ليشير إلى بطلان عبادتهم للأصنام؛ لأنَّها لم تخلق ولم تفطر، فلا تستحق العبادة» (١).
* ثم قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف الآيات (٢٦ - ٢٧)]. وعَقِبُه هم ذريته، والكلمة: لا إله إلّا الله، فلا تزال باقيةً في ذريته، فلا تخلو الأرض من موحدٍ لله، قلّ أو كثر.
ومناسبة الآية للباب: من جهة أن هذه الآية هي تفسير لا إله إلّا الله، فالجملة الأولى منها ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ هي معنى (لا إله)، والثانية وهي ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ هي معنى (إلّا الله)، ففيها تفسير التوحيد، وفيها -أيضًا- بيان موقف المسلم من أهل الشرك، وهو أن يتبرأ منهم ومن شركهم، ومن معبوداتهم كما فعل إبراهيم.
المسألة الخامسة: ذكر المصنّف قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة، الآية (٣١)]. وهذه فيها -أيضًا- تفسير للتوحيد.
стр. 85
* وبيان ذلك: أنَّ هؤلاء اليهود والنصارى اتخذوا أحبارهم -وهم العلماء- ورهبانهم- وهم العُبّاد- معبودات من دون الله، وهذه العبادة بيّنها النبيّ ﷺ ، وفسّرها لعديّ بن حاتم حين قال: إنَّهم لم يعبدوهم فقال: «أَلَيْسَ كَانُوا يُحِلُّونَ لَكُمُ الْحَرَامَ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْكُمُ الْحَلَالَ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قَالَ عديّ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ» (١).
فعبادتهم هي من جهة أنَّهم أطاعوهم في التحليل والتحريم؛ إذ التحريم والتحليل حقٌ لا يكون إلّا لله، فمن أطاع غير الله في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه ربًا ومعبودًا، وجعله شريكًا لله، وهذا ينافي التوحيد وشهادة أن لا إله إلّا الله، التي تقتضي إفرادَ الله بالطاعة، وإفرادَ الرسول بالمتابعة.
* وبهذا: تعرف أنَّ من أطاعوا البشر في تحليل الحرام -كما في القوانين - فهم قد اتخذوهم آلهة وقد عبدوهم، وهم قد وقعوا في الشرك الأكبر.
ولكن لابدّ أن يُعلم أنَّ ابن تيمية ذكر: أنَّ طاعة من حلل الحرام، وحرّم الحلال تكون على وجهين:
١ - أن يعلموا أنَّهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرّم الله، وتحريم ما أحل الله؛ اتباعًا لرؤسائهم، مع علمهم أنَّهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر.
٢ - أن يكون إيمانهم واعتقادهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا،
стр. 86
لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعله المسلم من المعاصي التي يعتقد أنَّها معاصٍ، فهو يعلم أنَّ التحليل والتحريم حقٌ لله، ولكن فعله من باب الهوى أو تحصيل بعض المصالح، فهذه معصية عظيمة، لكن لاتصل إلى حدّ الشرك الأكبر (١).
وبالمثال يتبيّن كلام شيخ الإسلام، فمن أطاع الحكام في تحليل الحرام، كالزنا والخمر ومساواة المرأة بالرجل في الميراث، ونحوه، أو في تحريم الحلال كمنع تعدد الزوجات مثلًا، فإن كان دافعه الرضا والاستحلال لما حلّلوه فذاك كفر أكبر، وإن كان دافعه الهوى، وهو يعلم أنَّ هذه محرمّة، فإن هذا ليس بكفر، وإنما معصية كبيرة، والله أعلم.
المسألة السادسة: ذكر المصنّف في الباب قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ … ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)]. وهذه الآية لها ارتباط بتفسير (لا إله إلّا الله) كذلك.
* وبيان ذلك: أنّ الله ذكر فيها أنّ بعض الناس من المشركين يتّخذ من دون الله أندادًا ونظراء وأشباهًا، يحبّونهم كحبّ الله، وهذا هو شركهم، أنَّهم يسوّون معبوداتهم بالله في المحبة المقتضية الذلّ للمحبوب، فوقعوا في الشرك؛ إذ إنَّ المحبة المقتضية الذلّ للمحبوب والخضوع له، عبادةٌ لا تُصرَفُ إلّا لله، ومن صرفها لغير الله فقد أشرك واتخذ من دون الله ندًا.
ولذلك فأمرُ المحبةِ عظيمٌ، وما يقع به البعض من كونه يحب معبوده، أو الوليَّ فلان، أو حتى النبيَّ ﷺ ، كحبِّ الله أو أعظم، فهذا شركٌ، ولربما رأيت أنَّ بعضهم يقدِّم ويفضِّل زيارة قبر النبيّ ﷺ على زيارة الكعبة؛ لأنَّهم
стр. 87
يجدون في نفوسهم حُبًّا للرسول ﷺ كحب الله، أو أعظم، وهذا شركٌ في المحبة.
والله قال عن الكفار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآيات (٩٧ - ٩٨)]، ومعلومٌ أنَّهم ما ساووهم به في الخلق والملك والرزق، وإنما ساووهم به في المحبّة والتعظيم والطاعة.
• وعلى هذا: فمن قال: لا إله إلّا الله، وهو مشركٌ بالله في هذه المحبّة، فما قالها حقّ القول، وإن نطق بها.
وهؤلاء الذين ساووا محبّة الله بمحبّة غيره قد عدّهم الله مشركين جاعلين له أندادًا، وعليه فمن تفسير التوحيد إفراد الله بالمحبّة، فلا يحبّ معه غيره محبة عبادة.
• واعلم أنَّه قيل في معنى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة، الآية (١٦٥)]. قولان:
١. أنهم يحبّون معبوداتهم كما يحبّ المؤمنون ربهم.
٢. أنهم يحبّون معبوداتهم كما يحبّون الله، فهم يحبّون الله لكن ساووا معبوداتهم بالله في المحبّة، وهذا هو الأقرب؛ ولذلك قال المصنف في مسائل الباب: «ذكر أنَّهم يحبّون أندادهم كحب الله، فدلّ على أنَّهم يحبّون الله حبًّا عظيمًا، ولم يُدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحبّ الندّ أكبر من حبّ الله؟! وكيف بمن لم يحبّ إلّا الندّ وحده ولم يحبّ الله؟!».
المسألة السابعة: ذكر المصنّف في الباب حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه ﵁، أنَّ رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»، وهو -أيضًا- داخل في تفسير
стр. 88
التوحيد، وبيان معنى (لا إله إلّا الله).
* وبيان ذلك: أنَّ النبيّ ﷺ علّق فيه عصمة الدم والمال على أمرين:
١ - قول: (لا إله إلّا الله) عن علمٍ ويقين.
٢ - الكفر بما يعبد من دون الله.
فإذا تحقق هذان الأمران حَرُمَ دمُه وماله؛ لأنَّه صار مُسلِمًا، ولا يكفي أحدهما دون الآخر، وفي هذا قال المجدد ﵀: «والحديثُ يُفصِحُ أن (لا إله إلا الله)، لها لفظ ومعنى» (١).
وبهذا تعلم: أنَّه لا يكفي النطق ب «لا إله إلّا الله» مجردةً عن العمل، فالنبيّ ﷺ هنا لم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لابد من قولها، والعمل بها، والبراءةِ مما ينافيها، وهو الشرك والكفر، فإذا تخلَّف العمل لم يعصم دم قائلها ولا ماله.
• وعلى هذا: فمن شهد أن لا إله إلّا الله ولم يكفر بما يعبد من دون الله، بأن كان يعبد القبور، أو يدعو الأولياء والأضرحة، فهذا لم يكفر بما يعبد من دون الله، ولم يحرم دمه وماله (٢).
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ التوحيد الذي يعصم الدم والمال لا يتم إلا بالقولِ والعملِ، والعملُ هو الكفر بما يُعبَدُ من دون الله، وهذا من تفسير التوحيد.
стр. 89
ثم قال المصنف: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب): أي أن ما يأتي بعد هذا الباب من الأبواب كلها في شرح التوحيد، وشهادة أن لا إله إلّا الله، وبيان ما يناقضه وهو الشرك الأكبر والأصغر.
*
стр. 90
٧ - باب من الشرك لبس الحلقة والخيط؛ لرفع البلاء أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٨)].
وعن عمران بن حصين ﵁: أَنَّ النبيّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ، فقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإنَّها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» (١).
وله عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ» (٢)، وفي رواية: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (٣).
стр. 91
ولابن أبي حاتم عن حذيفة: «أنَّه رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾» [يوسف، الآية (١٠٦)] (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالترجمة: لما ذكر في الباب السابق تفسير التوحيد
стр. 92
ومعنى (لا إله إلّا الله)، بدأ هنا بذكر ما يُضادُّ ذلك من أنواع الشرك الأكبر والأصغر.
وقرّر في هذا الباب أنَّ من أنواع الشرك -الذي سبق التحذير منه في الأبواب السابقة- لبس الحلقة والخيط ونحوهما مما يعلق بالبدن، أو على الدابة أو السيارة، أو على الأبواب وغيرها من الأشياء التي يُعتقد أنَّها ترفعُ البلاء وتزيله بعد حصوله، أو تدفع البلاء والشرّ وتمنع وقوعه.
والحلقة: كل شيء استدار من حديد وذهب وفضة ونحوها، والخيط معروف.
ويلحق بهما ما كان نحوهما: كالودعة والتميمة والمسمار والخرزة، وجِلد التمساح يوضع على البيت أو المحل، وكذا من يلبس السوارة باعتقاد دفع الحسد، أو العينِ، ومن يلبس خاتمًا، أو يضع عند رأس المولود سكينًا، أو غير ذلك مما يعتقد فيه دفع الشر والبلاء أو الحسد، فكل هذه الأمور وضعها شرك؛ لأنَّه تعلق بغير بالله، والواجب أن تتعلق القلوب بالله، فهو الذي بيده دفع الضر ورفعه.
واعلم أنه ليس معنى هذا عدم الأخذ بالأسباب، بل إن الشريعة جاءت بإثبات الأسباب، وأنَّ لها تأثيرًا بقدرة الله تعالى وما وضعها فيها، ولكن مثل هذه الأمور ليست أسبابًا لرفع البلاء ودفعه.
• وعلى هذا: فما ثبت أنَّه سببٌ لرفع البلاء أو دفعه، إمّا من جهة الشرع، أو من جهة التجربة بما لا يخالف الشرع فإنَّه يعمل به، وما عدا ذلك فلا يعمل به.
•مثال ما ثبت من جهة الشرع أنَّه سبب: ماء زمزم والعسل، والحبة السوداء،
стр. 93
وغيرها مما ورد في الشرع أنَّه سببٌ للشفاء.
•مثال ما ثبت من جهة التجربة أنَّه سببٌ: بعضُ العلاجات والأدوية مما جُرِّب وثبت انتفاع المريض به بإذن الله، وليس بمحرّمٍ، كالخمر والسحر وغيرها.
فإذا أثبتت التجربة أنَّه ينفع بإذن الله، ولم يكن محرمًا فإنَّه يستعمل.
أمّا ما لم يثبت لا في الشرع ولا في التجربة أنَّه سببٌ لرفع البلاء أو دفعه فلا يستخدم، كتعليق الخيط على اليد أو الرقبة، أو وضع جلود الذئاب والتماسيح وغيرها في البيت أو السيارة ونحو ذلك، أو تعليق المصاحف ونحوها في السيارة أو الدكان، أو غير ذلك مما يكون مخلًا بالعقيدة.
المسألة الثانية: لبس الحلقة والخيط ونحوها؛ لرفع البلاء ودفعه قسمان:
١. إذا علّقها معتقدًا أنَّها بذاتها تنفع وتدفع الضر: فشرك أكبر؛ لأنَّه اعتقد أنَّ هناك متصرفًا بالنفع والضرّ غير الله.
٢. أن يعتقد أنَّها سببٌ لرفع البلاء أو دفعه: فشرك أصغر.
المسألة الثالثة: ذكر المصنّف في الباب آية وثلاثة أحاديث.
* فأمّا الآية: فهي قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر، الآية (٣٨)]. والخطابُ فيها موجّهٌ إلى محمد ﷺ أنْ قُلْ للمشركين الذين توجهوا إلى غير الله: أخبروني عن الذين تدعون من دون الله وتعبدونهم، وتسألونهم من الأصنام والأوثان والأشجار والقبور والأضرحة، وكل ما يُعبد من دون الله، إن أراد الله إصابتي بضرٍّ مِنْ فقر أو شدةٍ أو بلاءٍ أو موتٍ أو غيره، هل تتمكن هذه من كشف الضرّ النازل عمن دعاها؟
стр. 94
وهذا سؤال استنكار ونفي، والمعنى: لا تقدر على كشف الضرّ عمن دعاها، ولذا فالمشركون يمرضون ويُقتلون، ولا تقدر معبوداتهم أن تدفع عنهم ذلك.
وكذلك لو أراد الله أن يأتي بخيرٍ من غنى أو صحة وغيرها من النعم، فهل يقدر أحد من المعبودات أو أحد من الخلق أن يمنع نزول الرحمة علي؟ والجواب: لا يقدر أحدٌ، بل لو اجتمع الخلق على أن يردوا نعمةً أراد إنفاذها ما قدروا.
قال مقاتل: «فسألهم النبيّ ﷺ ، فسكتوا ولم يقدروا على الإجابة».
ولذلك قال الله بعد ذلك السؤال: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ هو كافيني فأفوض أمري إليه، وأتوكل عليه، فعليه يتوكل المتوكلون، ومتى ما صدق توكل العبد على ربه فلن يضره شيء، وفي الحديث: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ» (١).
فإن قيل: إن المشركين لا يعتقدون هذا في معبوداتهم، وإنّما يعتقدون أنَّها وسائط وشفعاء عند الله، وأمّا كشف الضرّ وجلبُ النفعِ فهو من الله وحده؟
* الجواب: وحتى مع هذا فلماذا لا يدعون من بيده جلبُ النفع ودفعُ الضرّ،
стр. 95
أما هذه المعبودات فلا تقدر حتى على نفسها أن تجلب لها نفعًا أو تدفع عنها ضرًّا، فليست جديرة بأن تُعبد.
إذا تقرر هذا: فاعلم أنه إذا كانت الأصنام وغيرها مما يُعبد مِنْ دون الله لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، فليست أسبابًا لرفع البلاء أو حصول المطالب؛ فيقاس عليها كل ما ليس بسببٍ شرعي أو قدري، فيعتبر اتخاذهُ شركًا بالله، ولا فرق بينه وبين اعتقاد المشركين بأصنامهم ومعبوداتهم.
* وأما الأحاديث:
فأولها: حديث عمران بن حصين ﵁: أَنَّ النبيّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَةِ. فقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإنَّها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا». والحديث إسناده ضعيف (١)، ولكن له شواهد، عن ثوبان وأبي أمامة عند الطبراني، وكلاهما ضعيف، إلّا أنّ النهي عن التمائم فيه أحاديث تقويه، ومنها ما ذكره المصنف بعد ذلك.
والحديث فيه النهي عن الخيط ونحوه، وبيان ذلك: أنَّ فيه أنَّه ﷺ رأى
стр. 96
هذا الرجل وفي يده حلقةٌ من صُفْرٍ -والحلقة: الشيء المستدير يدار على العضد أو الذراع، والصُفر: نوع من المعدن معروف-، فاستفهم منه منكرًا، وقال: ما هذه؟! ويحتمل أنَّه استفهامٌ عن سببٍ لبسه لها، فأخبر الرجل: أنه لبسها لتقيه من الواهنة، والواهنة: عرقٌ يأخذ في المنكب، وفي اليد كلها فيرقى منها، قاله ابن الأثير (١)، فأمره أن ينزعها ويطرحها، وقال له: إنَّها لا تزيدك إلا وهنًا.
وهذا الإنكار منه ﷺ يفيد: أن وضع الحلقة لرفع البلاء أو دفعه من الشرك؛ ولذا نفى الفلاح عمن فعل هذا.
فإن قيل: كيف قال له: «إنها لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا» أي: أنها تمرضه وتوهنه، وقد تقرر أنها ليس لها أثرٌ في رفع البلاء ودفعه؟
* أجيب عن هذا بجوابين:
١ - أنَّ هذه الحلقة ليس لها تأثير بذاتها، وإنما يعاقب الله من وضعها على شِركه بنقيض قصده (٢).
٢ - أنَّ من علّق مثل هذه الأمور تجده يتعلق بها، ولا يتعلّق بالله، فيكون دائمًا في قلق وخوف يتخوف من كل شيء (٣)(٤).
стр. 97
وثاني الأحاديث: عن عقبة بن عامر ﵁ مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً، فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً، فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ».
وفي رواية: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ».
فأما اللفظ الأول: فهو من طريق خالد بن عبيد المعافري، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة، وصحّح إسناده الحاكم، وقال المنذري: إسناده جيد.
ولكن هذا فيه نظر؛ إذ فيه خالد بن عبيد، محكوم عليه بالجهالة، لم يرو عنه غير حيوة بن شريح، ولم يوثّقه غيرُ ابن حبان، ولذا ففيه ضعفٌ (١).
وأما اللفظ الثاني: فهو من طريق يزيد بن أبي منصور، عن دخين الحجري، عن عقبة، وإسناده حسن، فيه يزيد قال عنه أبو حاتم: ليس به بأس، وكذا قال
стр. 98
ابن حجر في التقريب، وقال الذهبي: صدوق، وبقيّة رجاله ثقات.
* واللفظان فيهما النهي عن تعليق التميمة معتقدًا فيها النفع، وأنَّ هذا من الشرك؛ لأنَّ جلب النفع ودفعَ الضُرِّ لا يقدر عليه إلّا الله.
* فقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً»: أي علّقها على نفسه أو ولده، أو تعلّق بها قلبه.
والتميمة: خرزاتٌ كانت العرب تُعلِّقُها على أولادهم يتَّقون بها العين، ويُلحَقُ بها كلُ ما يُعَلَّق باعتقاد دفع العين ونحوه.
* وقوله: «فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ»: دعاء من النبيّ ﷺ عليه بألّا يتم الله له أموره، قال بعض العلماء: «وهذه الدعوة أثرها واضحٌ، فأنت ترى من يُعَلِّقون مثل هذه الأمور من أكثر النَّاس خوفًا وحزنًا وهمًا، بعكس الموحدين المعتمدين على الله» (١).
* وأما الوَدَعَةُ: فهي واحدة الودع، وهي أحجارٌ تستخرج من البحر تشبه الصدف، يعلّقونها على صدورهم يتقون بها العين.
* وقوله: «فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ»: أي لا جعله في دعةٍ وسكونٍ، وهذا دعاء عليه من النبيّ ﷺ أن يُعامَل بنقيضِ مقصوده.
* وقوله في اللفظ الآخر: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ»: إنّما كانت شركًا؛ لأنَّه أراد دفع القدر المكتوب عليه، وطلب دفع الأذى من غير الله الذي هو النافع الضار، وتعلق قلبه بغير الله، ومعلوم أنَّ المخلوق عاجز.
وأما كون هذا الشرك أصغر أو أكبر فقد سبق ذكره في المسألة الثانية.
стр. 99
ثالث الأحاديث: حديث حذيفة ﵁: «أنَّه رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى فَقَطَعَهُ وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٦)] «.
والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، وعروة بن الزبير لم يثبت له سماعٌ من حذيفة، ولكن له متابع، وهو أبو ظبيان حصين بن جندب الكوفي، أخرج روايته الخلاّل في السنة، فقد يتقوى الأثر بالوجهين.
ومعناه كذلك له أصلٌ، فالنهي عن تعليق الخيوط، وكذا الإنكار على من وضع ذلك باليد ثابت، والأدلة دالة عليه.
* وقوله هنا: «خَيْطٌ مِنَ الْحُمَّى»: الحمّى: ارتفاعُ الحرارة في الجسم، فهذا الرجل ربط الخيط من أجل أن يتقي الحمى.
* وقوله: «فَقَطَعَهُ»: قال صاحب التيسير: وفيه إزالة المنكر باليد بغير إذن الفاعل، وإن كان يظنّ أنَّ الفاعل يزيله، وأنَّ إتلاف آلات اللهو والمنكر جائزة، وإن لم يأذن صاحبها (١).
* وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف، الآية (١٠٦)]. المراد بهذا: المشركون الذين يؤمنون بتوحيد الربوبية، ويشركون بالألوهية، فلا يؤمن أكثرهم بالربوبية إلا وهم مشركون في الألوهية، قال ابن عباس: «تَسْأَلُهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ وَمَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَيَقُولُونَ: اللَّهُ، فَذَلِكَ إِيمَانهمْ وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَهُ» (٢).
стр. 100
فهم جمعوا بين الإيمان بوجود الله وربوبيته، وبين الإشراك بعبادته، وكذلك بعض المسلمين جمع بين الإسلام، وبين الشرك في وضع هذه التمائم.
وأنت ترى أنَّ الآية هي في الشرك الأكبر، بينما وضع الخيط هو من الشرك الأصغر -على التفصيل السابق- ولكن هذا الصنيعَ من حذيفة ﵁ في استدلاله بآيةٍ في الشرك الأكبر على أمرٍ من الشرك الأصغر استدلال صحيح، وقد قال المصنّف في مسائل الباب: فيه أنَّ الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الشرك الأصغر، وهذا يفعله المؤلّف في هذا الكتاب.
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ حذيفة ﵁ أنكر وضع الخيط، وعدّه من الشرك، وأزاله من اليد.
* خلاصة الباب: أنَّه يجب على الإنسان أن يعلِّق قلبه بالله، وأنَّ من علَّق شيئًا على بدنه أو متاعه من بيت أو سيَّارة أو دابَّة، أو لبس على يده أو عنقه باعتقاد أنَّ ما وضعه يدفع البلاء أو يرفعه، فإنَّ هذا من الشرك بالله على التفصيل المتقدم.
стр. 101
٨ - باب ما جاء في الرقى والتمائم
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنَّه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ» (١).
وعن ابن مسعود ﵁، قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٢).
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (٣).
التمائم: شيء يُعَلّق على الأولادِ يتّقون به العين، ولكن إذا كان المعلّق
стр. 102
من القرآن فرخّص فيه بعضُ السلف، وبعضُهم لم يُرخِّصْ فيه، ويجعله من المنهيّ عنه، منهم: ابن مسعود ﵁.
والرقى: هي التي تسمّى العزائم، وخصّ منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمة.
التولة: شيء يصنعونه، ويزعمون أنَّه يُحبِّبُ المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رويفعٍ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ» (١).
وعن سعيد بن جبير، قال: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً منْ إِنْسَانٍ، كَانَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ» (٢).
وله عن إبراهيم قال: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا، مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ» (٣)(٤).
стр. 103
(الشرح)
عقد المصنّف هذا الباب: (باب الرقى والتمائم) وذكر فيه: ما جاء عن الرسول ﷺ والصحابة من الأحاديث والآثار في حكم الرقى والتمائم، والمقصود في الباب: ذكر الرقى المحرمة والتمائم.
وإنما لم يقل: (مِنْ الشرك) كما في الباب السابق؛ لأنَّ في الرقى ما ليس شركًا، والكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الرقى والتمائم.
الرقى: جمع رقية، وهي العَوذةُ أو العزيمةُ التي يُرقى بها صاحب الآفة.
وفي الشرع: آياتٌ ودعاءٌ وتوسلٌ لله، تُقرأ على المريض بقصد الشفاءِ وذهابِ العلّة من بدنه (١).
والتمائم: جمع تميمةٍ، وتقدم أنَّها خرزاتٌ كانت العرب تُعَلِّقُها على أولادها يتقون بها العين، ويدخل فيها كل ما عُلِّق لدفع ضرٍّ أو رفعه، ولم يثبت أنَّه سبب شرعي ولا قدري، من أي شيء كان، من خشب أو معدن أو قماش
стр. 104
أو غيرها.
ولهذا صور منها:
١. أن يعلّق على يده أو على عنقه، أو على بيته، أو على سيارته آيات؛ باعتقاد أنَّها تدفع العين أو ترفع البلاء، وسيأتي الكلام على هذا في المسألة الخامسة.
٢. أن يضع تميمة مجردة عن الكتابة مع اعتقاد نفعها، أو دفعها.
٣. أن يضع تميمة فيها كتابات ليست من القرآن، كتوسلٍ بأحدٍ، أو طلاسمَ.
٤. أن يضع تميمة فيها دعاء لله أن يحفظ لابسها، ونحو ذلك.
ومناسبة الباب للتوحيد ولما قبله: أنَّه لما كانت التمائمُ شِركًا، ومِن الرقى ما هو شرك لما فيها من التعلق بغير الله في كشف الضرّ وجلب النفع، ناسب أن يذكر ذلك في كتاب التوحيد.
وهذا الباب مكمّل لما قبله، فقد ذكر فيه أنواعًا مكمّلة للباب السابق، لكنّه أفرد الرقى في هذا الباب؛ ليبيّن أنَّها ليست كلها شركًا كالذي تقدّم ذكره في الباب السابق.
المسألة الثانية: حكم الرقى.
أهلُ العلم يُقَرِّرون أنَّ الرُقى قسمان:
١ - رقى جائزة: وهي الرقية الشرعية التي بالقرآن والأدعية والأذكار الواردة في الشرع، والأدلة على هذه كثيرة، منها رقية النبيّ ﷺ لبعض أصحابه، وأمرُه أسماء بنت عميس أن ترقى أبناءها أبناء جعفر بن أبي طالب (١)، وحديث: «لَا
стр. 105
بَأْسَ بِالرُّقَى، مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (١).
وقد ذكر العلماء أنَّه يشترط لجواز الرقية الشرعية ثلاثة شروط:
١) أن تكون من القرآن أو الأذكار أو الأدعية الشرعية، أو بأسماء الله وصفاته.
٢) أن تكون باللسان العربي، وبما يُعرَف ويُفهم معناه.
٣) أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله (٢).
وقد ذكر العلماء أن الرقية تكون من خلال أربع صور:
١/ النفث والتفل على المرقي: كما فعل النبي ﷺ مع من يرقيه، قالت عائشة «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي» (٣).
٢/ الرقية بدون نفث ولا تفل: ودل لها حديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ
стр. 106
أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» (١).
٣/ خلط التراب بالريق: بأن ينفث على الإصبع بشيء من ريقه، ثم يوضع في التراب، ويمسح به المريض أثناء الرقية، ودل لها حديث عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا «بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (٢).
٤/ الرُقية في الماء ثم شربه: وقد أجاز هذا كثير من أهل العلم، ونُقِل هذا عن الإمام أحمد، قال ابنه صالح: ربما اعتللت، فيأخذ أبي قدحًا فيه ماء، فيقرأ عليه، ويقول لي: اشرب منه، واغسل وجهك ويديك.
ونقل عبد الله، أنه رأى أباه يعوّذ في الماء، ويقرأ عليه، ويشربه، ويصب على نفسه منه (٣).
٢ - رقى ممنوعة: وهي ما تخلف فيها شرطٌ أو أكثر من شروط الرقى الجائزة، وقد تكون شركًا، إن كان فيها شرك، وهى التي تسمّى العزائم ويدل لها حديث: «مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ»، وحديث: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ»، وقد تكون حرامًا، بحسب ما تشتمل عليه من ألفاظ، وبحسب اعتقاد الراقي والمرقي فيها.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف خمسة أحاديث، وآثار متعلّقة بالرقى والتمائم.
أولها: حديث أبي بشير الأنصاري ﵁: «أنَّه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي
стр. 107
بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»، والحديث رواه الشيخان (١)، عن أبي بشير الأنصاري ﵁، وقد اختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، كان مشهورًا بكنيته (٢).
* وقوله: «فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ»: لم يرد تعيين هذا السفر، كما ذكر ابن حجر.
* وقوله: «فَأَرْسَلَ رَسُولًا»: هو زيد بن حارثة، كما ورد في رواية، وقد بعثه الرسول ﷺ لينادي بهذه الكلمات.
* وقوله: «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ، أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ»: الشكّ من الراوي، هل نهى عن كل قلادة، أو عن التي من أوتار القوس؟
قال صاحب التيسير: «والأوَّل -يعني: النهي عن القلادة من الوتر- أصحَّ، لاتفاق الشيخين عليها وللرخصة في القلائد إلّا الأوتار» (٣).
وعلى كلّ حال: فالحديث يراد به النهيّ عن كل ما يُعلَّقُ، ويراد به أمرًا شركيًا، مِنْ دفع العين أو رفع بلاء، سواء أكان من وترٍ أو من غيره، أما إذا عُلِّقَت القلائدُ ولم يُقصد بها أمرًا شركيًا، مثل تقليد الهدي الذي يُهدى للبيت العتيق فلا حرج فيها.
وقد نصّ الحديث على القلادة التي من وتر: لأنَّها كانت موجودة عند أهل الجاهلية، حيث إنَّهم إذا اخلولق الوترُ أبدلوه بغيره، وأخذوا القديم وعلّقوه بالدواب، اعتقادًا أنَّه يدفع العين والمكاره عن الدابة.
стр. 108
• واعلم أنَّ النهي عامٌ، سواء كانت معلقة على الرقبة، أو على اليدِ أو الرِجل أو غيرها، وسواء أكانت على البعير أو الآدمي أو غيرهما، وإنّما نصّ على البعير؛ لأنَّه هو الذي كان منتشرًا عندهم.
وثاني الأحاديث: حديث ابن مسعود ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى، وَالتَّمَائِمَ، وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ».
وقد دلّ الحديثُ على تحريم الرُقى الشركية والتمائم والتولة، وأنَّها من الشرك. فأمّا الرقى والتمائم فتقدّم بيانها.
وأما التِوَلَةُ: فقال عنها المصنّف: شيءٌ يصنعونه يزعمون أنَّه يُحبِّبُ المرأة إلى زوجها والزوجَ إلى امرأته، وبهذا فسّره ابن مسعود كما عند ابن أبي حاتم والحاكم، وهو ضربٌ من السحر، وإنّما كان شركًا؛ لما يراد به من دفع المضار وجلب المنافع من غير الله تعالى (١).
وهذه التمائم، والتولة، من حيث حكمها لها حالتان:
أ- تكون شركًا أصغر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور سببٌ، وأنَّها لا تفعل بنفسها.
стр. 109
ب- تكون شركًا أكبر: إذا اعتقد أنَّ هذه الأمور تنفع وتضرّ من دون الله، وأنَّها تفعل بنفسها.
وثالث الأحاديث: حديث عبد الله بن عكيم مرفوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال عنه الترمذي: حديث حسن غريب.
والحديث فيه ضعف، وعبد الله بن عكيم، يكنى أبا معبد الجهني، أدرك زمان النبيّ ﷺ ، ولا يُعرف له سماعٌ صحيحٌ، قاله البخاري وأبو زرعة وغيرهما، فهو مخضرم، وحديثه مرسل (١)، لكن الحديث له شواهد يتقوى بها.
* وقوله: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا»: شيئًا نكرة، فتشمل جميع الأشياء، والتعلق يكون بالقلب، بأن يعتمد عليه ويعتقد أنَّه سينفعه.
ويكون بالفعل، بأن يعلّق على نفسه شيئًا من التمائم والتعاويذ وأشباهها، ويكون بهما جميعًا.
* وقوله: «وُكِلَ إِلَيْهِ»: أي يكله الله إلى هذا الأمر ويخذله، وهذه قاعدة عظيمة، أنَّ كل شيء يُعَلِّق الإنسانُ به قلبه من دون الله من بشرٍ أو حجر أو شجر أو قبرٍ أو حلقةٍ أو خيطٍ أو تميمةٍ أو غير ذلك، فإنَّ الله يَكِلُه إليه، ومن توكَّل على الله فهو حسبه وكافيه.
وبهذا تَعرف ضلال من نسوا التعلّق بالله والتوكّل عليه، فلجئوا إلى أمورٍ لم ترد في الشرع، وهم بهذا وقعوا في الشرك، ووكلهم الله إلى أنفسهم وإلى ما جعلوه من أسباب، وهذا هو غاية الخذلان، وقد قال ابن القيم: «أجمعوا
стр. 110
على أنَّ التوفيق: أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأنَّ الخذلان: أن يخلي بينك وبين نفسك» (١).
ومناسبة الحديث للباب: من جهة أنَّ الحديث دلَّ على أنَّ من علَّق قلبه بشيء دون الله، فإنَّ هذا من الشرك، ويكون جزاؤه من الله أن يكله إلى هذا الذي توكَّل عليه، ولن يجد فيه نفعًا ولا دفعًا.
ورابع الأحاديث: عن رويفع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أنَّه مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مِنْهُ بَرِيءٌ».
ورويفع: هو ابن ثابت الأنصاري، طال عمره وتوفي سنة (٥٦ هـ) (٢)، فوقع ما أخبر به النبي ﷺ من قوله: «لَعَلَّ الْحَيَاةَ تَطُولُ بِكَ».
* وقوله: «فَأَخْبِرِ النَّاسَ»: فيها دليلٌ على وجوب إخبار الناس وتبليغ العلم والعقيدة الصحيحة، وهذا واجب وأمانة يتحمّلها القادرون.
* وقوله: «مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ»: عقدُ اللحية يُفَسّرُ على أحد أوجهٍ أربعة:
١. ما كانوا يفعلونه في الحروب -في الجاهلية- مِنْ عقد لحاهم تكبرًا وافتخارًا وهذا من زِيّ الأعاجم.
٢. ما يفعله أهل الترف من تجعيد لحاهم وتحسينها وكدّها حتى تتجعّد، وهذا للتجمّل، وهذا فعل أهل التأنيث، مع أنَّ إصلاح اللحية ودهنها وإكرامها مطلوب، لكن ما لم يصل إلى الترف والإسراف.