المسألة الثالثة: أقسام منكري القدر، وحكم من أنكر القدر.
* ذكر أهل العلم أن منكري القدر يدخل فيهم صنفان من الناس:
الأول: غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله عن الأشياء قبل وقوعها، وينكرون كتابته سبحانه ما يقع على العباد، ويرون أنَّ الأمر لا يعلمه الله إلّا بعد وقوعه.
وهؤلاء الغلاة كفَّرهم العلماء كمالك والشافعي وأحمد (١)، وهو الذي دلّ له كلام ابن عمر ﵁ في الحديث.
• والعلة: أنَّهم أنكروا علم الله سبحانه، ونسبوه إلى الجهل بالأشياء.
الثاني: من أثبت علم الله وكتابته، لكنّه أنكر مشيئة الله لما يقع من العبد، وخلقه له، وذلك لكي ينزهوا الله -كما يزعمون- من أن يعذب من فعل شيئًا قد شاء الله وقوعه، وهذا خطأ؛ لأنَّ ثمة فرقًا بين المشيئة الشرعية، وبين المشيئة الكونية القدرية، وتفصيل هذا يطول، فليراجع له شرح الطحاوية (٢).
والقائلون بهذا هم القدرية المعتزلة، وقد حكم العلماء عليهم بالبدعة، ولم يكفروهم.
المسألة الرابعة: وردت عن السلف أقوالٌ عديدة في الكلام على القدر ووجوب إثباته.
قال زيد بن أسلم قال: «القدَرُ قُدرة الله تعالى، فمن كذّب بالقدر فقد جحد قدرة الله تعالى»، وقال أيضًا: «ما أعلمُ قومًا أبعد من الله تعالى من قوم يخرجونه
стр. 457
من مشيئته، وينكرونه من قدرته»، وقال مالك بن أنس: «ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة، إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن، الآية (٢)] لكفى به حجة».
وقال البغوي: «القدر سرٌّ من أسرار الله لم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أنَّ الله خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهلُ يمينٍ خلقهم للنعيم فضلًا، وأهلُ شمالٍ خلقهم للجحيم عدلًا (١).
وقد ساق الآجري في الشريعة أقوالًا عديدة للسلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في ذم القدرية (٢).
وأما ما ورد من الأحاديث في ذمِّ القدرية، كحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة … » ونحوها؛ فكلها ضعيفة لا تثبت عن النبيّ ﷺ ، والله أعلم، وقد تكلم عنها بتفاصيلها وبيّن ضعفَها ابنُ الجوزي ﵀ (٣).
المسألة الخامسة: ذكر المصنّف في أول الباب كلام ابن عمر، وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يعمر قال: «كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ: مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ
стр. 458
الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ».
ثم ذكر ابن عمر حديث عمر ﵁ في قدوم جبريل المشهور، وفيه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ … ».
والشاهد منه: أنَّه ذكر أنَّ الإيمان بالقدر خيره وشره من أصول الإيمان الستة، فمن أنكره وجحد به لم يكن مؤمنًا؛ لأنَّ الكافر بالبعض كافر بالكل.
المسألة السادسة: ذكر المصنف حديث عبادة بن الصامت، وقد بيّن فيه عُبادة ﵁ لابنه: أنَّ الإيمان له طعمٌ حلوٌ لا يناله كل أحد، بل يناله من حققوا الإيمان الحق، وذلك بخصالٍ، من أعظمها: الإيمان والتسليم لقضاء الله وقدره، ولازِمُ ذلكَ: أن تعلم أنّ ما أصابك فلا يمكن أن يخطئك، بل لابد أن تجري المقادير ليقع عليك، وما أخطأك ولم يتحصل لك فلا يمكن مهما فعلت من أسباب أن يقع لك، وهذا الإيمان يريح المرء ويجعله راضيًا بتقدير الله، ويغلق عليه باب «لو» وتسويل الشيطان وتأسيفه.
ولذا ورد عن العباس بن عبد المطلب ﵁ مرفوعًا: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضى بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١).
المسألة السابعة: ورد في حديث عبادة ﵁ أنَّ الله لما خلق القلم، وكان
стр. 459
ذلك قبل خلق الناس جرى بتقدير الله، وأمره بكتابة كل ما سيكون، فالقدر متقدم على خلق الناس، وقد اختلف أيهما خُلِقَ أولًا العرش أم القلم؟
* والجمهور: أنَّ العرش خُلِق أولًا، ويدل له حديث عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (١)، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم.
وأما حديث: «أول ما خلق الله القلم» فإما أن يقال بأن المراد أن أول ما خلق الله القلم قال الله له: اكتب، ولا يلزم من ذلك أنَّه أول المخلوقات، فتكون كلمة (القلم) منصوبة، لا مرفوعة.
وإما أن يحمل على أنَّه أول المخلوقات من هذا العالَم، قال ابن القيم:
والناس مختلفون في القلم الذي … كتب القضاء به من الديان
هل كان قبل العرش أو هو بعده … قولان عند أبى العلا الهمداني
والحق أن العرش قبل لأنَّه … عند الكتابة كان ذا أركان (٢)
المسألة الثامنة: أفاد حديث عبادة ﵁ أنَّ في القدر خيرًا وشرًا، وهذا بالنسبة للعبد، أما الربّ سبحانه، فأفعاله خير محض لا شرّ فيه، ولا يقدِّر على عباده إلا خيرًا إما عاجلًا وإما آجلًا، ولذا ورد في الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ … ﴾ فظهور الفساد شرّ لكنه بالنسبة لتقدير الله خير؛ لأنَّه يترتب عليه تكفير الذنوب، ولعل الناس يرجعون، قال ابن القيم: «فالشر راجع
стр. 460
إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته» (١).
وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ويتبيّن ذلك بمثال -ولله المثل الأعلى-، لو أنَّ ملكًا من ملوك العدل كان معروفًا بقمع المخالفين وأهل الفساد، مقيمًا للحدود والتعزيرات الشرعية على أرباب أصحابها، لعدّوا ذلك خيرًا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خيرٌ بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى من أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأنَّ له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات» (٢).
المسألة التاسعة: في حديث عبادة ﵁ قوله: «لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»، وهذا فيه تمثيل على سبيل الافتراض، أي: لو فرض أنّك أنفقت مثل أحد فلن يقبل منك، ففيه مبالغة في البيان، وإنما لا يقبل الله منه؛ لأنَّ من أنكر القدر فهو كافر، والله لا يقبل من الكفار: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٥٤)].
المسألة العاشرة: لفظ الحديث عند ابن ماجه فيه زيادة: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ».
وقد توارد على هذا المعنى رأي ثلاثة من الصحابة، فقد أخرج ابن ماجه الحديث عن ابن الديلمي بلفظ «وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ
стр. 461
ذَلِكَ بِشَيْءٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، فَقَالَ: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ كَانَ لَكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا، أَوْ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا قُبِلَ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، فَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَأَنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا دَخَلْتَ النَّارَ» وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ أَخِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَتَسْأَلَهُ، فَأَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ، فَسَأَلْتُهُ، فَذَكَرَ مِثْلَ مَا قَالَ أُبَيٌّ، وَقَالَ لِي: وَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ حُذَيْفَةَ، فَأَتَيْتُ حُذَيْفَةَ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَا، وَقَالَ: ائْتِ زيْدَ بْنَ ثابتٍ، فَاسْأَلْهُ، فَأَتَيْتُ زيْدَ بْنَ ثابتٍ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لوْ أَنَّ اللَّهَ عذَّبَ أهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ … الحديث».
ولابن القيم كلامٌ نفيس على هذه الجملة، حيث قال: «وليس المراد به لو عذبهم لتصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه غير ظالم، كما يظنه كثير من الناس، فإن هذا يتضمن مدحًا، والحديث إنما سيق للمدح بغير استحقاق، فإن حقه سبحانه عليهم أضعاف اضعاف ما أتوا، ولهذا قال بعده: «وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» يعني: أنّ رحمته لهم ليست على قدر أعمالهم إذ أعمالهم لا تستقبل باقتضاء الرحمة وحقوق عبوديته وشكره التي يستحقها عليهم لم يقوموا بها، فلو عذبهم والحالة هذه لكان تعذيبًا لحقه وهو غير ظالم لهم فيه، ولا سيما فإنَّ أعمالهم لا توازي القليل من نعمه عليهم، فتبقى نعمه الكثيرة لا مقابل لها من شكرهم، فإذا عذبهم على ترك شكرهم وأداء حقه الذي ينبغي له سبحانه عذبهم ولم يكن ظالمًا لهم» (١).
стр. 462
* خلاصة الباب: أنَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وإنكارُه منافٍ لتوحيد الله، وتنقصٌ لله، إذ نفى عنه ما أثبته لنفسه من العلم والمشيئة والخلق والكتابة، فلزامٌ على المسلم أن يؤمن بالقدر، وأنَّه ما يقع في الكون شيء إلّا والله يعلمه وكتبه وقد خلقه وشاءه كونًا وقدرًا.
стр. 463
٦١ - باب ما جاء في المصورين
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؛ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيْرَةً» (١).
ولهما عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ: الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» (٢).
ولهما عن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ» (٣).
ولهما عنه مرفوعًا: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ وَلَيْسَ بِنَافِخٍ» (٤).
ولمسلم عن أبي الهياج قال: «قال لي علي ﵁: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا؛
стр. 464
إِلَّا سَوَّيْتَهُ» (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في أربع مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب:
التصوير: هو جعل شيء على صورة شيء، والمراد هنا: من يُصَوِّرُ شيئًا على هيئة ما خلق الله تعالى من ذوات الأرواح.
فأراد المصنّف هنا أن يبيّن ما ورد من الوعيد والعقوبة للمصورين، وأنَّهم من أشدّ الناس عذابًا.
وعلاقة البابِ بالتوحيد من جهاتٍ ثلاث:
١ - أنّ التصويرَ فيه مضاهاةٌ لخلق الله، فالمصوِّرُ جَعل فِعله ندًا لفعل الله فشاركه في ذلك، وإذا كان هذا فيما صُوِّرَ على شكل ما خلق الله، فكيف بحال من سوّى المخلوقَ بالله وشَبَّهه بخلقه؟!
стр. 465
٢ - أنَّ التصويرَ وسيلةٌ للوقوع في الشرك، والوسائلُ للمحرم يجب سدُّها.
٣ - أنَّ التصوير من الكبائر؛ لأنَّه توعّد عليها، والكبائر تقدح في كمال التوحيد، لا أصلِه، وتُعرِّضُ صاحبه للوعيد.
المسألة الثانية: حينما يُطلَق التصوير فإنَّه يدخل فيه صورتان:
١. النحت: بأن يصنع تمثالًا أو صورة مجسّمة، على شكل صورة ذات روح.
٢. أن يرسم بيده شيئًا من ذوات الأرواح.
والخلافُ في الآلات الحديثة مشهورٌ هل تُلحَقُ بالتصوير أم لا؟ وهذا محله كتب الفقه (١).
* المراد أنَّه ﵀ استدل على حرمة التصوير بأحاديث:
١) حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ اللهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي؛ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيْرَةً»، وفي الحديث أمران:
أ- بيان عظم ظلم المرء حين يذهب ليخلق خلق الله، وأنَّه من أعظم الظلم.
ب- فيه تحدي الله لخلقه أن يخلقوا كخلقه، فتحداهم أن يخلقوا ذرّةً وهي صغار النمل، أو يخلقوا حبة ينفلق منها النبات، وهذا في أقل الأشياء، فما هو أكبر منها هم أعجز عن خلق مثله.
ووجه الشاهد من الحديث: أنَّ المصور بتصويره شيئًا كخلق الله، صار
стр. 466
مضاهيًا لله في خلقه.
٢) حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهِئُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ».
وفي الحديث: بيان أنَّ أشد الناس عذابًا هم الذين يضاهئون بخلق الله، أي: يشابهون بخلق الله، وهم المصورون.
لكن المضاهاة التي يكفر صاحبها، وتُوُعِّدَ بأشدِّ العذاب نوعان:
١ - أن يصوِّر شيئًا من صنم وغيره ليعبد، فهذا شركٌ أكبر.
٢ - أن يصور صورة ويزعم أنَّها أحسن من خلق الله، فهذا كفر.
* أما كونُ الإنسانِ يصور بيده وينحت ونحوه، فهذا لاشك أنَّه ارتكب كبيرةً ومتوعّدٌ بالعقوبة، لكنه لا يخرج من الدين.
٣) حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ».
وفي الحديث: بيان أنَّ كل من صور ما له روحٌ ونفس فإنَّه يدخل النار، ويجعل له بكل صورة صورها نفس، ويقال له: انفخ فيها الروح ويعذّب لذلك، وهذا الدخول في النار ليس مؤبدًا؛ لأنَّ فاعل الكبيرة لا يخلّد في النار، بل هو تحت المشيئة، والحديث يدل على طول تعذيبه، وإظهارِ عجزه عما كان تعاطاه، ومبالغة في تحريمه، وبيان قبح فعله.
٤) حديث أبي الهياج قال: «قال لي علي ﵁: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ أَلَّا تَدَعَ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا؛ إِلَّا سَوَّيْتَهُ»،
стр. 467
وفي هذا الحديث أمران:
١ - أمرُ النبيِّ ﷺ لعلي ﵁ بأن لا يدع صورة إلّا طمسها، والطمسُ: إزالة معالم الوجه، وسواءٌ كان هذا بقطعِها أو حفرِها أو لونها بلونٍ آخر يزيل معالمها.
٢ - أن لا يدع قبرًا مشرفًا مرتفعًا -والإشراف هو الارتفاع- إلّا سوّاه بالأرض على وفق الشرع، وليس المرادُ تسويته بالأرض، وإنما تسويته على سمت القبور المشروعة، وذلك بأن لا يرتفع أكثر من شبر، وأن يردّ إليه ترابه، كما قال بعض الفقهاء، وذلك يرفعه قدر شبر.
ومعلوم أنَّ رفع القبور أوقع البعض في الفتنة بها وتعظيمها، وتطور الأمر بهؤلاء إلى بناء الأبنية عليها، ثم تزيينها بالأنوار والأطياب والسرج والزخارف، وهذا كله -كما لا يخفى- قد يوقع في نفوس الضعفاء من العامة تعظيمها، فلذلك أمر النبيّ ﷺ عليًا بأن لا يدع قبرًا مشرفًا إلّا سوّاه على سمت الشرع، وفيه الإنكار باليد للقادر على ذلك.
المسألة الثالثة: ذكر العلماءُ أنَّ العِلَّةَ من النهي عن التصوير: كونه ذريعةً إلى الشرك، حين يُعَظَّمُ أصحابها مع طول الزمن.
وأصحابُ الأصنامِ -ومنهم قومُ نوحٍ; - كان مبتدأ أمرهم التصوير، حين عظّموا الأموات فصوروهم، ثم جاء مَنْ بعدهم فعبدوهم، ولأجل مثل هذا نُهِيَ عن زيارة القبور في أول الأمرِ سدًّا للذريعة في تعظيمهم، ثم لما تمكن التوحيد في القلوب أذن لهم.
قال ابن تيمية: «من أعظم أسبابِ عبادة الأصنام تصويرُ الصور وتعظيم القبور،
стр. 468
قال: وهل كان أصل عبادة الأصنام في بني آدم من عهد نوح; إلا هذا» (١).
المسألة الرابعة: يستثنى من تحريم التصوير أمران:
١. ما لا روح فيه، كالأشجار والزروع والصحراء ونحوه: وهذا وقع فيه خلاف بين العلماء؛ فاستدل بعض السلف بقوله ﷺ : «أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً .. » على تحريم تصوير ما فيه حياةٌ ولكن لا روح فيه من خلق الله كالزروع والأشجار.
* لكن الجمهور على خلاف ذلك، وأنَّ التحريم إنما هو لما فيه روح، ويشهد له قوله: «كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ … ». «أحيوا ما خلقتم».
* وأما هذا الحديث، فهو على سبيل التحدي والتعجيز.
وقد ورد في الصحيح قول ابن عباس ﵄: «إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ» (٢)، وهذا دليل على الجواز.
٢. ذوات الروح إذا طمس منها ما لا تبقى فيه الحياة بإزالته؛ كالبدن لوحده.
* والدليل: حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «أَتَانِي جِبْرِيلُ;، فَقَالَ لِي: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلاَّ أنَّه كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِى فِي الْبَيْتِ يُقْطَعُ فَيَصيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ مِنْهُ وِسَادَتَيْنِ مَنْبُوذَتَيْنِ تُوطَآنِ … » (٣).
стр. 469
وقال ابن عباس: «الصورة الرأس، فإذا قُطِعَ الرأسُ فليس بصورة» (١)(٢).
* خلاصة الباب: أنَّ التصوير فيه مضاهاة لخلق الله، وهو ذريعة للوقوع في تعظيم المصور، وقد يلج الشيطان منه إلى إيقاع الناس بالشرك بالله، ولذا نهى النبيّ ﷺ عنه.
стр. 470
٦٢ - باب ما جاء في كثرة الحلف
وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة، الآية (٨٩)].
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اَلْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ» (١).
وعن سلمان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اَللَّهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أُشَيمِطٌ زَانٍ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ، وَرَجُلٌ جَعَلَ اَللَّهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ» (٢).
وفي الصحيح عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؟ ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ» (٣).
стр. 471
وفيه عن ابن مسعود ﵁: أن النبيّ ﷺ قال: «خَيْرُ اَلنَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ اَلَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ» (١).
وقال إبراهيم: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار» (٢)(٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: ذمُّ إكثارِ الإنسانِ من الحلف.
وعلاقته بالتوحيد: من جهة أنَّ الإنسان لا يحلف إلّا بمعظم وهو الله، والمعظِّمُ لله كمالَ التعظيم لا يكثر الحلف به سبحانه؛ لأنَّ كثرة الحلف يترتب عليها أن يتساهل المرء فيها فيكذب أو يقع فيها حنثٌ، وهذا فيه عدم تعظيمٍ لله، وهو منافٍ
стр. 472
لكمال التوحيد، ولأجل ذلك ذكر في الباب ما يدل على أنَّه ينبغي حفظ اليمين، وأن لا يحلف إلّا عند الحاجة لذلك.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب عدّةَ نصوصٍ في الأمر بحفظ اليمين، وهي:
١) قول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ وللمفسرين في تفسير الآية أقوال: والأولى أن يقال حِفْظُ اليمين يكون بأمورٍ ثلاثة:
١. حفظها قبل الحلف بأن لا يحلف إلّا على أمر شرعي بيّن، ولا يكثر من الحلف.
٢. حفظها بعد الحلف بأن لا يحنث، ما لم يحلف على معصية.
٣. حفظها بعد الحنث بعدم تركها بلا تكفير.
٢) حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «اَلْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ»
والمراد: أنَّه إذا حلف على سلعة أنَّه أعطي فيها كذا، أو أنَّه اشتراها بكذا، وقد يظنه المشتري صادقًا فيما حلف عليه، فيأخذها بزيادةٍ على قيمتها، والبائع إمّا أن يكون كاذبًا في ذلك، وإنما حلف طمعًا في الزيادة، فيكون قد عصى الله، وإمّا أن يكون صادقًا فالإشكال من جري الحلف على اللسان، وهذا ينافي كمال التعظيم، ونتيجةً لكثرة الحلف إمّا صادقًا أو كاذبًا، فالسلعة قد تنفق وتباع، لكن يعاقبه الله بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك الزيادة.
٣) حديث سلمان ﵁: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اَللَّهُ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ … وَرَجُلٌ جَعَلَ اَللَّهَ بِضَاعَتَهُ، لَا يَشْتَرِي إِلَّا بِيَمِينِهِ، وَلَا يَبِيعُ إِلَّا بِيَمِينِهِ».
стр. 473
وفيه توعُّدُ من تَعامُلُه لا يتم إلّا بالحلف، فهو لا يشتري ولا يبيع ولا يتعامل إلّا بحلف، وإنما ذُمَّ هذا لأنَّه لا يخلو -كما سبق- من حالين:
أ- أن يكون كاذبًا: فلكذبه وأكل أموال الناس بالباطل واستخفافه باليمين.
ب- أن يكون صادقًا: فلأنَّ كثرة الحلف تُشعِرُ -كما سبق- باستخفافه بالله.
ولأنَّه إذا تعوّد كثرة الحلف في الدنيا -ولو صادقًا- ربما استمرأ فحلف كاذبًا.
وإنما ذُكِرَ هؤلاء الثلاثةُ في الحديث؛ لأنَّ داعي المعصية في حقِّهم ضعيفٌ، ومع هذا فعلوها، فاستحقوا تغليظ العقوبة.
٤) حديث عمران بن حصين ﵁ وفيه: «ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ».
والشاهد فيه: أنَّ القرون المفضولة -وهي التي بعد القرون الثلاثة- يكون فيهم من يستخفُّ بالشهادة، والشهادة يقترن بها الحلف غالبًا.
أو يقال: بأنَّ من سِمات هؤلاء استخفافهم بأوامر الشرع، ولذا فهم يستخفون بالشهادة وبالأمانة وبالنذر، وقد يدخل في ذلك الحلف، ولذلك في حديث ابن مسعود ﵁ بعده قوله: «ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»، فيخفُّ أمرُ اليمينِ والشهادةِ عندهم تحملًا وأداءً، لقلّة خوفهم من الله، وعدم مبالاتهم بذلك.
فإن قيل: كيف يجمع بين قوله: «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ» وبين قوله ﷺ «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا؟» (١).
стр. 474
لعل أقوى الأجوبة في الجمع بينهما: أن الثناء في خير الشهداء هو في حق من أُشْهِدَ، بأن لا يكتم الشهادة، وأما الذم فهو في حق من يشهد بالباطل.
قال الترمذي: «ومعنى حديث النبيّ ﷺ : «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا» هو عندنا إذا أشهد الرجل على الشيء أن يؤدي شهادته، ولا يمتنع من الشهادة» (١).
وقال ابن تيمية: «قوله في هذه الأحاديث «يشهدون قبل أن يستشهدوا» قد فهم منه طائفة من العلماء أن المراد به أداءُ الشهادة بالحقّ قبل أن يطلبها المشهود له، وحملوا ذلك على ما إذا كان عالمًا؛ جمعًا بين هذا وبين قوله: «ألا أنبئكم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها».
وحملوا الثاني على أن يأتي بها المشهود له فيعرفه بها.
والصحيح أنَّ الذم في هذه الأحاديث لمن يشهد بالباطل، كما جاء في بعض ألفاظ الحديث: «ثم يفشو فيهم الكذب، حتى يشهد الرجل ولا يستشهد»، ولهذا قرن ذلك بالخيانة وبترك الوفاء بالنذر، وهذه الخصال الثلاثة هي آية المنافق» (٢).
* وقوله: «وَيَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ»: وهذا لا ينافي حديث النهي عن النذر، وأنَّه لا يأتي بخير، وإنما هو تأكيدٌ لأمره، وتحذير من التهاون به بعد إيجابه.
стр. 475
* وقوله: «وَيَظْهَرُ فِيهِمْ اَلسِّمَنُ» والسِمن إنما يذمّ منه ما كان بسبب الإكثار من المآكل والمشارب، والاشتغال بإصلاح الأبدان والغفلة عن الآخرة، فهذا هو المذموم، وأما إذا حدث السِمَنُ لا عن قصدٍ واختيارٍ، ولا عن انشغال بالمتع الدنيوية عن الآخرة فلا يذمّ.
المسألة الثالثة: ذكر في الباب قول إبراهيم النخعي ﵀: «كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار» لأن الصغير إذا تعود الإقدام على الشيء استهان به، وإذا غرس فيه منذ الصغر التحرز والاحتياط من هذا الشيء كبر عليه.
والسلف كانوا يحرصون أن يربوا أبناءهم على فضائل الأمور منذ صغرهم، فلا يتركون شيئًا مما يكره إلا أنكروه، وما يحب إلا أمروا به، وفيه تمرين الصغار على طاعة ربهم، ونهيهم عما يضرهم.
* خلاصة الباب: أنَّه لا يُحلف إلا بعظيم وهو الله، وحينها فلا ينبغي الإكثار من الحلف بالعظيم سبحانه، فإن هذا يترتب عليه أنَّه ربما كذب في يمينه فاستخف هو بالله، ولبّس على من سمع يمينه، ولو صدق فإنَّ الإكثار من الحلف ليس من فعل أهل الكمالات، ومن تأمّل حال النبيّ ﷺ وجد أنَّه لم يكن كثير الحلف، بل إن أيمانه تعدّ عدًّا، لقلّتها.
*
أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ.
وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أَتُصيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» (١)(٢).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بذمّة الله ضمانه وعهده، ومنه قوله ﷺ : «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ» (٣).
فالذمّة: هي العهد، وذمَّة الله؛ عهده، وإخفار الذمّة: نقضها وعدم حفظها.
فأراد المصنّف بالباب: أن يبين أنَّه يجب على المسلم حفظُ ذمَّةِ الله وذمَّةِ نبيّه والوفاء بهما، والتحذير من إخفارها أو جعلها للناس، وأنَّ ذلك عدم تعظيم لهما، وأنَّ ولي الأمر لا ينبغي أن يجعل للناس ذمّة الله وذمّة نبيّه، بل يجعل لهم ذمّته وذمم أصحابه؛ لأنَّ في انتهاكهم وإخفارهم لذمّة الله
стр. 478
وذمّة نبيّه؛ تهوينًا للإسلام في نفوس الكفار وتزهيدًا به من جهة، وقرينة على استخفاف مَنْ نقضه من المسلمين بربّه من جهة أخرى، إذ لو عظّمه لما نقض عهده، إلّا أنَّ نقض عهد الله لا يصدر ممن تمكن الإيمان من قلبه، ولكن قد يقع من بعض الأعراب أو من لم يتمكن الدين من قلبه.
ومناسبة الباب للتوحيد: أنَّ عدم الوفاء بعهد الله تنقص له، وهو دليل على عدم تعظيمه، وهو قادح في التوحيد.
المسألة الثانية: ذكر المصنف في الباب قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل، الآية (٩١)].
وفي الآية: أمرٌ من الله بالوفاء بالعهود والمواثيق التي يجعلها المسلم على نفسه، سواءٌ كان فردًا كما يحصل في العقود ونحوها، أو كان عن جماعة المسلمين وهذا أشدّ، كما يحصل من المعاهدات بين المسلمين وبين الكفار، فإذا عاهدوهم على شيء فلا يجوز أن ينقضوه إلّا بموجب معتبر، فالمسلم ليس بخوّانٍ ولا ناقض للعهود.
وفي الآية أيضًا: الأمرُ بالمحافظة على الأَيمان المؤكدة وتحريمُ نقضها، والوفاء بالعهود، وعدم نقض الأيمان المؤكدة يدلّ على تعظيم الله.
المسألة الثالثة: ذكر المصنّفُ في البابِ حديث بريدة ﵁، والشاهد فيه قوله: «وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّه، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ».
والمراد: أنَّه إذا حاصر المسلمون عدوهم فطلبهم العدو أن يُنزِلوهم على عهد الله ورسوله فإنَّه لا يجوز لهم ذلك؛ لأنَّهم إذا فعلوا ذلك فحصل من
стр. 479
المسلمين إخفار للذمة فكونها لذمّة الله ورسوله عظيمة عليهم، ولها أثر على عدوهم كونهم أخفروا ذمة ربهم وذمة نبيهم ﷺ ، وهذا قد يرجع على الإسلام بالنقص.
وليس معنى هذا أن إخفار الذمّة يجوز، بل كله لا يجوز، لكنه لو حصل فأن تخفر ذمّة المجاهدين أهون من أن تخفر ذمّة الله ورسوله، فبعض الشر أهون من بعض.
ثم قال في الحديث: «وَإِذَا حَاصرتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِى أَتُصيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا».
وذلك لأنَّه إذا حصل غلط فيكون الغلط منسوبًا إلى حكم البشر، لا إلى حكم الله، فيصد الناس عن دين الله.
стр. 480
٦٤ - باب ما جاء في الإقسام على الله
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ» (١)، وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: «تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ، أَوْبَقَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ» (٢)(٣).
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: الإقسام على الله: هو الحلف على الله أن يفعل كذا، كأن يقول: أقسمتُ عليك يا ربِّ أن تفعل لي كذا، ونحو ذلك، والمصنّف ذكر في
стр. 481
الباب ما جاء من الأدلة على تحريم الحلف على الله؛ لأنَّ من تألى وحلف على الله، فقد أساء الأدب معه سبحانه وتجرأ عليه.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة: «أنّ الإقسام على الله غالبًا يقع من باب العجب بالنفس والإدلال على الله وسوء الأدب معه، ولا يتمُ الإيمانُ حتى يَسلم من ذلك كله». قاله السعدي (١).
ولما فيه من التحجير على الله، كما فعل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ»
المسألة الثانية: الإقسام على الله تعالى لا يخلو من حالات:
الحالة الأولى: يكون جائزًا، إذا كان الإقسام على الله هو على جهة حسن الظنِّ به، وباعثُه الطمعُ في رحمة الله وقوةِ الرجاء به، وصادرٌ من عبدٍ من أولياء الله، وفي أمر طاعةٍ ومصلحة لا في معصية فيجوز، وقد يجيب الله قسمه لكرامته عليه، وسابقة طاعاته، وخبيئة من صالحاته.
ويدل له قوله ﷺ في حديث أنس بن مالك: «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ» (٢)، وحديث حارثة بن وهب ﵁ مرفوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» (٣).
قال ابن تيمية: «وأما الذين يُقسِمون على الله فيبرّ قسمهم، فإنَّهم ناسٌ مخصوصون» (٤).
стр. 482
ومن هذا ما وقع للبراء بن مالك ﵁ حين أقسم على الله لينصرهم، وليجعلنه شهيدًا، فأجاب الله دعاءه.
ومنه قول ابن تيمية ﵀ في بعض مغازيه: «لَنُنْصرنَّ، فقيل له: قل: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا» (١).
الحالة الثانية: يكون ممنوعًا؛ إذا صدر:
١ - على وجه التحجير على الله في فضله، كمن يقول: والله لا يغفر الله لفلان، أو والله لا يرزق فلانًا.
٢ - أو يقع من غير أهله -وهم أهل الصلاح-.
٣ - أو يقع ودافعه العجب بالنفس، والكِبر، ونحو ذلك.
قال السعدي ﵀: «أما الإقسام على الله، فهو في الغالب من باب العجب بالنفس والإدلال على الله، وسوء الأدب معه، ولا يتم الإيمان حتى يسلم من ذلك كله» (٢).
الحالة الثالثة: الإقسام على الله بحق شخصٍ من الناس، كمن يقول: أقسمتُ عليك يا رب بحق الولي فلان ونحو ذلك، فهذا منهيٌ عنه باتفاق العلماء.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب قوله: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ».
والحديث يظهر منه: أنَّ هذا الذي حلف على الله حلف متحجرًا نعمة الله
стр. 483
وفضله ومغفرته، ففيه تحجيرٌ على الله، ولا يصدر ذلك من قلب معظِّم لله كمال التعظيم فعاقبه الله بما ذكر، وهو إحباط عمله، وهذا الإحباط يحتمل أنَّه إحباطٌ لجميع العمل، وذلك لأنَّه لم يذل لله.
ويحتمل أن المراد: أحبطت عملك الذي كنت تفتخر به على هذا الرجل، لكن ظاهر الحديث الأول.
*
стр. 484
٦٥ - باب لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم ﵁ قال: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى اَلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! نُهِكَتِ اَلْأَنْفُسُ وَجَاعَ اَلْعِيَالُ، وَهَلَكَتِ اَلْأَمْوَالُ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ، وَبِكَ عَلَى اَللَّهِ، فَقَالَ اَلنَّبِيُّ ﷺ : سُبْحَانَ اَللَّهِ! سُبْحَانَ اَللَّهِ! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اَللَّهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ»، وذكر الحديث (١)(٢).
стр. 485
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب:
الاستشفاع: طلبُ الشفاعةِ، والأصلُ أنَّ الشفاعةَ تكون من الأسفلِ للأعلى، فالإنسانُ قد يتمكن مثلًا من الوصول إلى الوزير، لكنه لا يملك أن يصل إلى الملك، فيطلب من الوزير أن يشفع له عند الملك، وملوكُ الدنيا يُشَفِّعونَ من له عليهم حقٌ، أو من يحتاجون له.
ومَن عرف ربّه وقَدَره حقّ قدرِه علم أنَّ شأن الله عظيم، فالخلق كلهم بيده، وكلهم محتاجون له، وليس لأحدٍ عليه حق.
فالمراد بهذا الباب: بيان أنَّه لا يجوز أن يَجْعل أحدٌ اللهَ شفيعًا على الخلق، يشفع له عندهم؛ لأنَّ شأن الله أعظم وأجل من أن يستشفع به على أحد من خلقه.
وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أن هذا الفعل فيه تنقص لله، وسوء أدب معه سبحانه وهذا ينافي كمال التوحيد.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب حديث جبير بن مطعم ﵁، وقد أخرجه أبو داود وغيره من طريق مُحَمَّد بن إِسْحَاق عن يَعْقُوب بن عُتْبَة، عن جُبَيْر بن مُحَمَّد بن جُبَيْر بن مُطْعِم، عن أبيه، عن جبير ﵁، وقد أُعل الحديث بأن مداره على ابن إسحاق، وهو مشهور بالتدليس، وقد عنعن.
وفيه جبير بن محمد بن جبير؛ لم يُذكَر بجرحٍ ولا تعديلٍ، فهو مجهول الحال، وقد أورده ابن حبان في الثقات على قاعدته في إيراد المجاهيل
стр. 486
في ثقاته (١).
لكن مع ضعف الحديث إلّا أن معناه صحيح، فالعلماء يمنعون من الاستشفاع بالله على خلقه؛ لما يأتي:
المسألة الثالثة: حديث جبيرٍ ﵁ فيه: فقال النبيّ ﷺ : «سُبْحَانَ اَللَّهِ! سُبْحَانَ اَللَّهِ! فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ! أَتَدْرِي مَا اَللَّهُ؟ إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاَللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ».
حيث أنكر النبيّ ﷺ على هذا الرجلِ قولَه: «نَسْتَشْفِعُ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ»، وعاتبه في ذلك، وسبّح حتى عُرِفَ كراهةُ ذلك في وجوه أصحابه، وذلك لشناعة الكلمة، ثم قال: «إِنَّ شَأْنَ اَللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ … » فالمراد:
أ- أنّ كون الإنسان يجعلُ اللهَ شفيعًا له على أحدٍ من الناس: لا يجوز، لأمرين:
١. أنَّه سوء أدبٍ مع الله وتنقّص له، فالله أعظم شأنًا من أن يتوسل به إلى خلقه؛ إذ رتبة المتوسل به غالبًا دون رتبة المتوسل إليه، والمخلوق داعٍ وسائل.
٢. أنَّ الشافع لا تجب طاعته، والله منزّه عن ذلك، فالأمر كلّه بيده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن (٢).
ب- أما التوسل برسول الله ﷺ أو الاستشفاع به عند الله: ففي حياته يجوز ذلك، وتكون شفاعته بطلب الدعاء منه.
стр. 487
وأما بعد حياته فلا يجوز، ولو كان جائزًا لفعله الصحابة حين اشتدت بهم الأمور، وعمر ﵁ حين أراد الاستسقاء توسل بدعاء العباس ﵁ لا بذات العباس، ولو كان الاستشفاع بالرسول ﷺ جائزًا بعد وفاته لفعلوه، وهم في تلك الحالة الشديدة، ولذا فما يقع من بعض الناس اليوم من الاستشفاع بالنبيّ ﷺ ، والطلبِ منه أن يشفع لهم عند ربهم كل هذا من الخطأ الفادح التي انحرف فيه فئام من المسلمين اليوم، والله المستعان.
стр. 488
٦٦ - باب ما جاء في حماية النبيّ ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك
عن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «اِنْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: اَلسَّيِّدُ اَللَّهُ ﵎، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ» (١).
وعن أنس ﵁: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا يَا رَسُولَ اَللَّهِ! يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي اَلَّتِي أَنْزَلَنِي اَللَّهُ » (٢)(٣).
стр. 489
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: مَنْ تأمّل في سنة محمد ﷺ وجد من النصوص الشيء الكثير، التي تدل على حرصه ﷺ على حماية حمى التوحيد، والسعي لصدّ طرق الشرك وإغلاق منافذه، وأنَّه ربما منعَ من أشياء سدًّا لذريعة الوقوع في الشرك، وما ذاك إلّا لنصحه للأمة، ولعلمه أنَّ الشركَ إذا وقع فهو ذو أثرٍ شنيع، وفي هذا الباب ذكر المصنّف بعض النصوص الدالّة على حرصه على حماية حمى التوحيد، وهكذا ينبغي أن يكون عليه أتباع الأنبياء وورثتهم.
المسألة الثانية: ذكر المصنّف في الباب حديث عبد الله بن الشخير، والحديث مداره على مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه، وفيه قوله: «فقلنا: أَنْتَ سَيِّدُنَا فَقَالَ: اَلسَّيِّدُ اَللَّهُ ﵎، قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَولًا، فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ». وفي هذا الحديث أمور:
١. إثبات أنَّ السيادة المطلقة الكاملة إنما هي لله سبحانه.
٢. حكم قول: «سيدنا» للنبي ﷺ ؟
* منع من ذلك بعضُ أهل العلم، لظاهر الحديث.
* وأجازه بعضهم، وقد نُقِل الجوازُ عن السخاوي والقاسمي (١).
فإن قيل: لماذا لم يقرهم النبيّ ﷺ على قولهم: «سيدنا «مع أنَّه ﷺ قال: «أَنَا
стр. 490
سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» (١)؟
* أجيب عن هذا بأجوبة:
١ - من باب التواضع.
٢ - خوفًا عليهم من الغلو، وتطور الأمر واستجراء الشيطان لهم حتى يقعوا فيما هو محرم، ولذا قال ﷺ : «قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ … ».
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: «المنع من أجلِ حماية حمى التوحيد، والثاني -أي: سيد ولد آدم-: قاله على وجه التحدث بنعمة الله تعالى» (٢).
٣ - أنَّ الذي نبه إليه رسول الله ﷺ هو أنَّ السيادة بلفظ السيد لفظ مطلق، يدل على السيادة المطلقة العامة، وهي لا تكون إلّا لله، أمّا إذا أضيفت وخصصت، كسيد ولد آدم، أو سيد الخلق أو سيد بني فلان فهذا جائز، فنهاهم ﷺ ؛ لئلا ينسبوا له السيادة المطلقة (٣).
٣. وفي الحديث تحذير رسول الله ﷺ أمته من أن يستجرينهم الشيطان ويوقعهم في الضلال، عبر بوابة تعظيم الصالحين والمرسلين.
٤. أنَّه ينبغي لمن قيل له: «سيدنا» أن يقول: السيّدُ الله.
المسألة الثالثة: ذكر المصنف في الباب حديث أنس ﵁: «أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! يَا خَيْرَنَا وَابْنَ خَيْرِنَا، وَسَيِّدَنَا وَابْنَ سَيِّدِنَا! فَقَالَ: يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ! قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ اَلشَّيْطَانُ، أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اَللَّهِ وَرَسُولُهُ، مَا أُحِبُّ أَنْ
стр. 491
تَرْفَعُونِي فَوْقَ مَنْزِلَتِي اَلَّتِي أَنْزَلَنِي اَللَّهُ ».
وهذا الأمر الذي ذكره هؤلاء في رسول الله ﷺ هو به، ومستحق له، لكنه ﷺ خشي أن يتدرّج بهم الشيطان حتى يقعوا في الغلو، ولربما صُرِفَ مثلُ هذا المدح لأحدٍ فافتتن.
وبيّن لهم الميزان الذي يجب عند التعامل مع رسول الله ﷺ : أن لا يُرفع فوق ما جعل الله له من المنزلة، ولا يجفى فيه ﷺ ، ويكون ذلك باعتقاد أنَّه عبد الله ورسوله ﷺ .
وإذا كانت هذه الأحاديثُ منه ﷺ لسدِّ ذريعةِ الشرك في الأقوال، فإن في الشريعة نهيًا عن أفعال عديدة؛ سدًا لذريعة الوقوع في الشرك، فنهى ﷺ عن الصلاة في المقابر، وعن تجصيص القبر وعن اتخاذ السرج على القبور، ونهى عن التصوير، وكل هذا ليسد على المسلم كل باب قد يلج فيه الشيطان إلى قلوب العباد بالشرك بالله سبحانه.
стр. 492
٦٧ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر، الآية (٦٧)].
عن ابن مسعود ﵁ قال: «جَاءَ حَبْرٌ مِنَ اَلْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اَللَّهَ يَجْعَلُ اَلسَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ اَلْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ، فَضَحِكَ اَلنَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِ اَلْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر، الآية (٦٧)]».
وفي رواية لمسلم: «وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ، فَيَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ، أَنَا اَللَّهُ».
وفي رواية للبخاري: «وَيَجْعَلُ اَلسَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ اَلْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ» (١).
ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: «يَطْوِي اَللَّهُ اَلسَّمَاوَاتِ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اَلْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ أَيْنَ اَلْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ اَلْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ
стр. 493
يَطْوِي اَلْأَرْضِينَ اَلسَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا اَلْمَلِكُ، أَيْنَ اَلْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ اَلْمُتَكَبِّرُونَ؟» (١).
وروي عن ابن عباس ﵁ قال: «مَا اَلسَّمَاوَاتُ اَلسَّبْعُ وَالْأَرْضُونَ اَلسَّبْعُ فِي كَفِّ اَلرَّحْمَنِ، إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ» (٢).
وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : «قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ : مَا اَلسَّمَاوَاتُ اَلسَّبْعُ فِي اَلْكُرْسِيِّ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ» (٣).
وقال: قال أبو ذر ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا اَلْكُرْسِيِّ فِي اَلْعَرْشِ، إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ اَلْأَرْضِ» (٤).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: «بَيْنَ اَلسَّمَاءِ اَلدُّنْيَا وَاَلَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَسَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ اَلْكُرْسِيِّ وَالْمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ اَلْمَاءِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ اَلْعَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ»، أخرجه ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر عن عبد الله، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم، عن
стр. 494
أبي وائل عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى-. قال: «وله طرق» (١).
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْنَا: اَللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، مَسِيرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ اَلسَّمَاءِ اَلسَّابِعَةِ وَالْعَرْشِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَاَللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ» (٢)(٣).
стр. 495
(الشرح)
الكلام على الباب في مسائل:
المسألة الأولى: المراد بالباب: جَعَلَ المصنّفُ ﵀ هذا البابَ خاتمًا للكتاب، وهو من أجلِّ الأبواب؛ إذ فيه بيان شيء من عظمة الله وقدرته ومُلكه، وأنَّ كثيرًا من العباد ما قدروه حقَّ قدره، وما عظّموه حقَّ تعظيمه، وإلّا فلو أنَّ العباد عظّموه وخضعوا له وذلّوا له حقًا، لما وقعوا في شيء من الشرك به سبحانه.
المسألة الثانية: اعلم أنّ هذه الآية التي بوّب عليها الشيخ ﵀ وهي قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ - أصلٌ يدخل تحته صورٌ عديدة تقع من العباد، والأصل في هذا أن تعلم أنَّ الرب وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتألّه والخضوع والذلّ، وهذا خالص حقّه، فمن أقبح الظلم أن يُعطى حقُّهُ لغيره، أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيّما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه، وذكر ابن القيم صورًا عديدة في هذا، ومنها: