← Акыда

Акыда · id 1251

بغية المستفيد في شرح كتاب التوحيد

منصور الصقعوب

Полный текст (499 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

إلى دعاء الناس له بأن يَسلم من الآفات والنقائص. ويقال للمخلوق: «السلام عليك» لأنَّه محتاج، ولذا فأهل الجنة حين يسلِّمُ عليهم اللهُ يقولون: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام». قال ابن تيمية: «السلام إنّما يُطلَبُ لمن يحتاج إليه، والله هو السلام، فالسلام يُطلب منه لا يُطلب له» (١). المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهتين: ١. من جهة أنَّ الأدب مع أسماء الله وصفاتِه ألّا يخاطَبَ اللهُ بهذا الخطاب، فهو الغني عن عباده، وفي هذا اللفظ تنقص في تحقيق التوحيد. ٢. من جهة أنَّ أسماءه سبحانه وصفاته كاملة، فليس بحاجة إلى من يسلِّمُه من النقائص، وأعقبه للباب السابق، والمناسبة فيهما ظاهرة. المسألة الثالثة: مما يتبع هذا أنَّ الناس عند التقائهم نُدِبَ لهم أن يقولوا: «السلام عليكم»، وفي معنى السلام في التحية قولان: الأول: السلام هنا هو الله ، ومعنى الكلام: نزلت بركته عليكم، ونحو ذلك، فاختير هذا المعنى من أسمائه اسم السلام دون غيره من الأسماء. الثاني: السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند التحية. قال ابن القيم: «وفصل الخطاب أن يقال: الحقُّ في مجموع القولين، فكل منهما بعض الحق، والصواب في مجموعهما، فتضمن معنيين: (أحدهما: ذكر الله، والثاني: طلب السلامة) وهو مقصود المُسَلِّم» (٢).

стр. 422

٥٣ - باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: اَللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اَللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ اَلْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا مُكْرِهَ لَهُ» (١). ولمسلم: «وَلْيُعَظِّمْ اَلرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اَللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (٢) (٣). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: أنَّ المرء ينبغي له إذا أراد تحقيق التوحيد أن يتضرع لله بتمام الذلّ والخضوع والتعظيم لله، ومن ذلك أن لا يقول في دعائه: اغفر لي إن شئت، وعِلّةُ النهي مِنْ وجهين: ١. أنَّ العبد لا غنى له عن الله، وتعليقهُ الدعاءَ بالمشيئةِ فيه إيهامٌ بالاستغناءِ

стр. 423

عن ذلك، فكأنَّه يقول: إن شئت فافعل وإلّا فلا تفعل. ٢. وأنَّه يُشْعِرُ بأنَّ هناك من يُكرِهُ اللهَ على ذلك، فقال: «إِنْ شِئْتَ». المسألة الثانية: علاقة الباب بالتوحيد من جهة: ١ - أنَّ تعليقَ الدعاءِ بالمشيئةِ سوءُ أدبٍ مع الله، حيث يوهم الاستغناءَ عن المغفرة، وهذا ينافي كمال التوحيد. ٢ - وأيضًا: فإنَّ من أتى بما يُشعِرُ بأنَّ الله له مكرهٌ لم يقم بتمام الربوبية؛ لأنَّ تمام الربوبيةِ أنَّه لا مكره له، بل لا يُسأل عما يفعل. المسألة الثالثة: ورد في الحديث النهيُ عن هذه الكلمة، واختُلِفَ في الحُكمِ، فظاهر كلام ابن عبد البر: «أنَّه للتحريم» (١)، وذهب النووي: «إلى أنَّه للتنزيه» (٢)، والصارف من التحريم للكراهة ما ورد في حديث زيارة المقابر: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (٣)، قال ابن حجر: «وهو أولى» (٤). ولعل الأقرب أنَّه يحرم قولها؛ لصراحة الحديث، والأصلُ في النهي إذا تجرّد أنَّه للتحريم. وأما ما ورد في حديث زيارة المقابر، فيحمل على أنَّه على وجه الإخبار، والمنهي عنه حال الدعاء، وفرق بينهما.

стр. 424

وأما ما ورد في السنّة في زيارة المريض من قول: «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (١) فليست من تعليق الدعاء بالمشيئة، وإنما لها توجيهان: ١) أنَّها من باب مخاطبة العائد للعليل بما يُسلّيه من ألمه، ويذكّره بالكفارة لذنوبه والتطهير لآثامه (٢). ٢) أنَّ هذا ليس من باب الدعاء، وإنّما من باب الخبر والرجاء. مال إليه ابن حجر، حيث قال حين تكلم عن قول: «يرحمك الله» للعاطس: «ويحتمل أن يكون إخبارًا على طريق البشارة، كما قال في الحديث الآخر «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» أي: هي طهر لك» (٣)، وكذا قاله ابن عثيمين (٤). فإن قيل: كيف يُجابُ عن بعض الأدعية التي لم يعزم فيها الداعي، كما في دعاء الاستخارة (٥)، وكما في قوله: «فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي .. »؟ (٦). * أجاب السعدي ﵀ بما خلاصته: أن الأدعية نوعان: ١. أدعيةٌ فيها مطالب دينيةٌ كسؤال المغفرة، أو فيها مطالب دنيويةٌ معينة على الدين، كالعافية والرزق ونحوه، فهذه يَطلُبها العبدُ طلبًا مُلِحًّا جازمًا.

стр. 425

٢. بعض المطالب المعيّنة التي لا يُتحقق مصلحتها ومنفعتها، ولا يجزم أنَّ حصولها خير للعبد، فالعبد يسأل ربَّه ويعلقه على اختيار ربه له أصلح الأمرين، كما ذكرنا من الأدعية. ثم قال ﵀: «فافهم هذا الفرق اللطيف البديع بين طلب الأمور النافعة المعلوم نفعها وعدم ضررها، وأنَّ الداعي يجزم بطلبها ولا يعلقها، وبين طلب الأمور التي لا يدري العبدُ عن عواقبها، ولا رجحانِ نفعها على ضررها، فالداعي يعلّقها على اختيار ربه الذي أحاط بكل شيء علمًا وقدرةً ورحمةً ولطفًا» (١). المسألة الرابعة: أمر النبيُّ ﷺ الداعي أن يَعزِم المسألةَ، وأن يُعَظِّمَ الرغبة، والعزمُ في المسألة: الجزمُ فيها، مع الإلحاح، وتيقن الإجابة، وهذا دليل على اهتمامه بما يطلب، قال القرطبي: «نهى عن هذا القول؛ لأنَّه يدل على فتور الرغبة وقلة الاهتمام بالمطلوب» (٢). وأما تعظيم الرغبة: فهي الطِّلبَةُ والحاجةُ التي يريد في سؤاله ربه؛ لأن الله عنده خزائن السماوات والأرض، ولا يعجزه شيء، ولا مُكرِهَ له، وهذا من أدب الدعاء.

стр. 426

٥٤ - باب لا يقول: عبدي وأمتي في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: معلومٌ أنَّ الإنسان ينبغي أن يوحِّدَ الربوبية لله بقلبه، وأن يتحرز من الألفاظ التي توهم جعل شيء من الربوبية بلسانه. فالمراد بالباب: النهي عن هذه الألفاظ، وبيانُ أنَّ تحقيق التوحيد وكمالَه يكون بالتحرز منها، وتركُ قولها هو أدبٌ مع الله، وحمايةٌ لجناب التوحيد.

стр. 427

المسألة الثانية: نهى في الحديث عن قول: «أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ»؛ لما فيها من إضافة الربِّ لغير الله، والربُّ هو المالكُ المدبِّرُ القائمُ بأمور العباد، وهذا لا يكون حقيقةً إلّا في الله سبحانه، وهذه أمثلة، وإنّما ذُكِرَت دونَ غيرها لكثرة استعمالها في المخاطبات، وقد ذكر أهل العلم أنَّ لهذه الإضافة حالات: ١. إضافة الربِّ إلى ضمير المخاطب، كقول: أطعم ربك، ونحوها، فينهى عن ذلك؛ لأنَّ الإنسانَ -العبدَ أو الأمةَ- مربوبٌ له، وإطلاقُ هذا اللفظِ على المخلوقِ فيه مضاهاةٌ بالاسم لله. * والنهي هنا: منهم من حمله على التحريم أخذًا من ظاهر اللفظ، ولكن الأكثر على أن النهي للتنزيه، ورجحه السعدي والعثيمين (١). وقيل: النهي في حقّ من استعمل هذه اللفظة واتخذها عادةً شائعةً، بخلاف من نطق بها نادرًا، وذلك جمعًا بين الحديث، وبين ما ورد في الصحيح أنه ﷺ قال في أشراط الساعة «أن تلد الأمةُ ربتها، أو ربها» (٢). فإن قيل: أليس هذا اللفظ صحيحًا لغةً، فهو ربُّهُ أي سيِّدُه؟ * الجواب: أنَّه وإن صحّ لغة، فالنبيُّ ﷺ نهى عنه تحقيقًا للتوحيد، وسدًّا لذرائع الشرك، أمّا لو قاله معتقدًا الربوبية، فهذا شرك أكبر. ٢. إضافة الربِّ إلى الاسم الظاهر: فإن كان لغير آدمي فيجوز، ك (ربّ الدار، ربّ السيارة، ربّ السفينة)، وإن كان لآدمي، كقول: هذا ربّ الغلام، فظاهر الحديث الجواز، مالم يوجد محذور، فيمنع، كما لو ظنّ السامعُ أنَّ السيدَ

стр. 428

ربّ حقيقيّ خالق، ونحو ذلك (١). المسألة الثالثة: حكم قول: «سيدي»؟ أولًا: قولها من قِبَلِ السيد لمملوكه، أو من المملوك لمالكه، تجوز، والدليل: حديث الباب: «وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ». فإن قيل: كيف جاز أن يقول: «سيدي ومولاي»، ولم يجز قول: «ربك» ونحوها، مع أنَّه ورد في الحديث: «السَّيِّدُ اللهُ» (٢)؟ أ- أنَّ المراد بقول: «السَّيِّدُ اللهُ» أي أنَّه الأحقُ بهذا الاسم، ولا يعني أنَّ غيره لا يطلق عليه ذلك. ب- أننا إن قلنا: إن السيدّ ليس من أسماء الله فلا إشكال، وإن قلنا: إنَّه من أسماء الله فهو ليس في الشهرة والاستعمال كلفظ الربِّ، فيحصل الفرق. ج- أنَّ السيدَ يُطلَق على معانٍ، منها الزوجُ والشريفُ المطاع والمالكُ، والسيادةُ هنا ليست مطلقةً، بل مضافة لياء المتكلم فجاز. ثانيًا: قولها في مخاطبات الناس فيما بينهم، وهذه فيها خلاف: القول الأول: المنع من ذلك، والدليل: ما سبق أنَّ النبيّ ﷺ أنكر على من قال له: سيدنا.

стр. 429

وقد سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية، فقال السائل: هل يجوز أن أقول للضابط في الشرطة أو القوات المسلحة: حاضر يا سيدي؟ * فأجابت: يجوز أن تقول له: حاضر، ولا يجوز أن تقول له: يا سيدي؛ لقول النبيّ ﷺ لما قال له بعض الصحابة: «أنت سيدُنا، قال: السيّد الله ﵎» (١) (٢)، وبالحديث نفسه استدل الشيخ محمد بن إبراهيم على المنع من قول: «يا سيدي» (٣). القول الثاني: جواز ذلك، واستدلوا بقول النبيّ ﷺ للأنصار: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (٤)، وهذا أصح من حديث المنع منها (٥). وفي حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: «كان عمر ﵁ يقول: «أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي: بِلَالًا» (٦). ثالثًا: قول الرجل للمرأة: «سيدتي»: هذا من الخطأ الشائع، بل الرجالُ هم الأسياد لا النساء، وفي الآية قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾، وقال النبيّ ﷺ : «فإنَّهن عوان عندكم»

стр. 430

(١) أي: أسيرات. وقد قال ابن عثيمين ﵀: «إطلاقُ السيدةِ على المرأة، والسيداتِ على النساء متلقاة فيما أظن من الغرب، حيث يسمّون كل امرأة سيدة وإن كانت من أوضع النساء؛ لأنَّهم يسوِّدون النساء، أي: يجعلونهن سيّدات مطلقًا، والحقيقة أنّ المرأة امرأة، وأنَّ الرجل رجلٌ، وتسميةُ المرأة بالسيدةِ على الإطلاق ليس بصحيح، نعم من كانت منهن سيدةً لشرفها في دينها أو جاهها أو غير ذلك من الأمور المقصودة فلنا أن نسميها سيدة، ولكن ليس مقتضى ذلك أننا نسمي كل امرأة سيدة. ولا شك أنّ تسمية كل امرأة: سيدة، مسلمة كانت أم كافرة، صالحة أم فاسقة، هذا لا يجوز؛ لأنّ تسويد الفاسق والكافر مما نهى عنه الشرع المطهر. وأما التعبير بالسيدة عائشة، والسيدة خديجة، والسيدة فاطمة، وما أشبه ذلك، فقال: لم يكن معروفًا عند السلف، بل كانوا يقولون: أم المؤمنين عائشة أم المؤمنين خديجة، فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ونحو ذلك» (٢). رابعًا: إطلاق الأسياد، أو السادة؛ على آل البيت. لم أجد لهذه التسمية أصلًا عن الصحابة، ولذا فالأولى أن لا تطلق، لأمرين: ١ - عدم وجود دليل عليها، بل إن النبيّ ﷺ لم يُقِرّ من سمّاه سيدًا. ٢ - أنَّ آل البيت ليس لهم سيادةٌ على الناس.

стр. 431

وقد نص ابن تيمية، وابن حجر أن هذه التسمية حادثةٌ لا أصل لها، ولم تكن في الزمن الأول (١). فإن قيل: قوله ﷺ : «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ .. » (٢) يقصد الحسن، ألا تكون دليلًا؟ * أثبت النبيّ ﷺ ذلك للحسن ﵁، ولا يلزم أن تثبت لأبنائه، ولذا لم يكن السلف يُلَقِّبون أبناء الحسن ﵁ بالسادة. ثم أنَّه ليس الحديث عن النهي عن إطلاقها مطلقًا، وإنّما الكلام أن تكون شعارًا تُذكَر مع أسمائهم مطلقًا، فهذا الذي ليس له أصل فيما أعلم، والله أعلم. خامسًا: إطلاقها على النبيّ ﷺ ، وهذه يأتي حكمها في الباب قبل الأخير، عند ذكر حديث: «أنت سيدنا … ». المسألة الرابعة: في الحديث النهي عن قول: «عَبْدِي وَأَمَتِي»، والاستغناء عنها بقول: «فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي»، والنهي هو للتنزيه بإجماع العلماء (٣). وقد ورد في القرآن: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ وقد بوّب البخاري على الحديث: (باب كراهة التطاول على الرقيق، وقولِه عبدي وأمتي) (٤)، فلا يُخاطب الرقيق بهذا، ولا ينادى؛ والعلة: ١. أنَّ هذه الألفاظ فيها إشعارٌ بالعبودية لغير الله، والأصلُ أنَّ العبودية

стр. 432

يستحقها الله، ولأنَّ فيها تعظيمًا لا يليق بالمخلوق، ولأنَّ فيها تشبّهًا بالله، فهو سبحانه يقول: «اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ … » (١) فسدًّا لذريعة التشبّه، ولكي يبعد السيدُ عن التعاظم نُهي عنها، قال الخطابي: «المعنى في ذلك كلِّه راجعٌ إلى البراءة من الكبر، والتزام الذلّ والخضوع لله، وهو الذي يليق بالمربوب» (٢). ٢. مراعاةً لنفس الرقيق، وبُعدًا عن كسر خاطره. * وله أن يقول: «فتاي، وغلامي، وجاريتي»؛ لأنَّها ليست دالةً على الملك كدلالة (عبدي وأمتي)، وإن كان قد ملكه امتحانًا وابتلاءً من الله لخلقه. المسألة الخامسة: ما سبق هو في نهي الإنسان أن يقول مثل هذه الألفاظ، فما حكم قول الغير: «هذا عبد فلان»؟ * قال صاحب مصابيح الجامع: «قول الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وقول النبي ﷺ : «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»؛ تنبيهٌ على أن النهيَ إنما جاء متوجِّهًا على السيد؛ إذ هو في مَظِنة الاستطالة، وأن قول الغير: هذا عبدُ زيد، وهذه أَمَةُ خالدٍ جائزٌ؛ لأنه يقوله إخبارًا وتعريفًا، وليس في مظنة الاستطالة، والآيةُ والحديثُ مما يؤيد هذا الفرقَ» (٣)، قال صاحب التيسير: «وهو حسن» (٤). * خلاصة الباب: أنَّه يجب على المسلم أن يتحرّز في ألفاظه، ويصون لسانه عن كل لفظ يشعر بانتقاص ربوبية الله، أو تعظيم المخلوق فوق منزلته.

стр. 433

٥٥ - بابٌ لا يرد من سأل بالله عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ سَأَلَ بِاَللَّهِ، فَأَعْطُوهُ، وَمَنِ اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ، فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: أنّ من تعظيم الله وإجلاله أنَّ السائل إذا

стр. 434

سأل بالله أن يجاب إلى طلبه ولا يردّ؛ لأنَّ ردَّه -وقد سأل بالله- فيه منافاةٌ لكمال التوحيد، مِنْ جهة أنَّ هذا دليل على عدمِ تعظيم الله تعالى. • ومن هنا نقول: بأنَّ من سأل بالله فإنَّه تجب إجابته، وإن لم يكن مستحقًا؛ لأنَّه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم الله، إلّا إذا سأل إثمًا أو ما في إجابته ضررٌ على المسؤول فلا يجاب. وهذا الوجوب ليس على إطلاقه: وإنما قيّده ابن تيمية بما إذا سأل معينًا في معين، أي: توجه بالسؤال لإنسان معين، ولم يتجه لعموم الناس، وسأله أمرًا معينًا، وكان المسئول قادرًا، فتجب إجابته (١). فإن لم يُجب من سأل بالله فإنَّه ليس عليه كفارة؛ لأنَّ هذا الكلام سؤال، وليس بقسم، كما قرر ذلك ابن تيمية (٢). المسألة الثانية: ذكر في الحديث أمورًا أخرى غير داخلة في الباب، وهي: ١. قوله: «وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ» أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه، والحديث أعمّ من الوليمة وغيرها، وهو يدل على الوجوب إلى وليمة العرس وغيرها، وإن كانت وليمة العرس آكد وأوجب، ومن أهل العلم من أوجب الإجابة في وليمة العرس دون غيرها. ٢. قوله: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ». المعروف: اسمٌ جامعٌ لأمور الخير، أي: من أحسن إليكم أيَّ إحسانٍ، فكافئوه على إحسانه بمثله أو خيرٍ منه، كي تكافئ المعروف، وتردَّ الإحسان بمثله، وتزيل عنك ذلّ الحاجة لغيرك،

стр. 435

وقد كان هديُ النبيِّ ﷺ أنَّه يَقبلُ الهديةَ ويثيبُ عليها. ٣. قوله: «فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ». أي بالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المكافأة، ولعل ذلك لأنَّه لما عجز عن مباشرة مجازاته أحالها إلى الله، وهو نعم المجازي سبحانه، وقد ورد عن أسامة ابن زيد ﵁ مرفوعًا: «مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» (١).

стр. 436

٥٦ - باب لا يُسأل بوجه الله إلا الجنةُ عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ، إِلَّا الْجَنَّةُ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: أراد المصنف بالباب: أن يبين أن مِنْ كمال التوحيد، وتعظيم الله، ألا يُسأل بوجه الله العظيم إلا عظيم، وهي الجنةُ وما يُقرِّبُ لها، فلا يُسأل بوجهه سبحانه أمرٌ دنيويٌ ونحو ذلك، بل يُنزَّهُ اللهُ عن ذلك. المسألة الثانية: أورد المصنف حديث جابر بن عبد الله، وهو من طريق سليمان ابن قرم بن معاذ، حدثنا ابن المنكدر، عن جابر ﵁ مرفوعًا. والحديث إسناده ضعيف؛ لأن مداره على سليمان بن قرم بن معاذ التميمي، وهو ضعيف، ضعفه ابن معين، والنسائي، وقال أبوحاتم: «ليس بالمتين»، وقال أبوزرعة: «ليس بذاك»، وقد تفرد به، قال ابن عدي: «وهذا الحديثُ لا

стр. 437

أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم» (١). المسألة الثالثة: قرر العلماء أن السؤال بوجه الله له حالتان: أ- أن يتوجه به للمخلوق: كأن يقول: أسألك بوجه الله أن تعطيني كذا، أو أعطني كذا بوجه الله، فهذا منهي عنه؛ لأنَّ المخلوق ليس بيده إلّا الدنيا، والله أعظم من أن يُسأَلَ به الدنيا. ب- أن يتوجه به للخالق: فيجوز إذا سأل اللهَ الجنة، أما ما عداها فلا. فإن قيل: ما المراد بالجنة التي يجوز أن يسأل الله بها، ولماذا أجيز السؤال بها دون غيرها؟ * الأقرب: أنَّ المراد الجنة، وما يقرب إليها، وما هو وسيلةٌ لها، وحينها فيجوز السؤالُ بوجه الله الجنة وما يقرب لها، ومنه الاستعاذة بوجه الله من غضبه، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ .. أن يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ» (٢). وإنّما أُجِيزَ الجنةُ دون غيرها؛ لأنَّ الجنةَ هي أعلى المطالب وفيها النظرُ لوجه الله، والنعيمُ المقيم، ووجه الله له شرفه العظيم، فلا يُسأل به إلّا الجنة، وما يقرب إليها، كالإخلاص، والتوفيق للخير، والاستقامة على الطاعة، ونحوه.

стр. 438

٥٧ - باب ما جاء في ال"لو" وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران، الآية (١٦٨)]. في الصحيح عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: أراد المصنّف بالباب: أن يبين ما جاء في قول: «لو» عند

стр. 439

الأمور المكروهة، والمصائب ونحوها من النهي. ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ كمال التوحيد يكون باستسلام المؤمن لقضاء الله وقدره ورضاه به، ويقينه أنَّ ما أصابه فهو بقضاء الله وقدره، ولن يعجز على ردّ أمرٍ قدّره ربُّه. وأيضًا: لأنَّه ربما فُهم من قوله: «لو» اعتراض على القدر، ومن اعترض على القدر، فهو لم يرض بالله ربًا، ولم يحقق توحيد الربوبية. المسألة الثانية: ذكر بعض العلماء أنَّ استعمال «لو» له حالاتٌ ثلاث: الأولى: مذمومٌ، وهذا له صور: أ- أن تُستَعمل في الندم: وذلك كما لو عَرض له مصيبةٌ، أو وقع في بليةٍ، فقال: لو فعلتُ كذا لما وقع لي كذا، فهذا منهي عنه، وفيه محذوران: ١. أنَّها تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن، الذي ينبغي إغلاقُه، وليس فيه نفع. ٢. أنَّ في ذلك سوء أدبٍ مع الله وعلى قدَره، فإنَّ الأمورَ والحوادث كلها بقضاء الله وقدره. قال ابن القيم: «لأنَّ قوله: لو كنتُ فعلتُ كذا وكذا، لم يفتني ما فاتني، أو لم أقع فيما وقعت فيه كلام لا يجدي عليه فائدة البتة، فإنَّه غير مستقبل لما استدبر من أمره وغير مستقيل عثرته ب «لو»، وفي ضمن «لو» ادّعاء، أنَّ الأمر لو كان كما قدّره في نفسه، لكان غير ما قضاه الله وقدّره وشاءه، فإنَّ ما وقع مما يتمنى خلافه إنما وقع بقضاء الله وقدره ومشيئته، فإذا قال: لو أنّي فعلتُ كذا لكان خلاف ما وقع فهو محالٌ؛ إذ خلاف المقدَّرِ المقضي

стр. 440

محالٌ، فقد تضمّن كلامه كذبًا وجهلًا ومحالًا، وإن سلم من التكذيب بالقدر لم يسلم من معارضته بقوله: لو أني فعلت كذا، لدفعت ما قدَّر الله علي» (١). ب- أن يقولها متمنيًا الشر: كقوله: لو أنَّ لي مال فلان لفعلت به فِعْلَ فلان، فهو بنيته فهما في الوزر سواء، كما ورد هذا في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁. الثانية: محمود: وذلك بأن يقولها متمنيًا الخير، كما في حديث أبي كبشة الأنماري ﵁ مرفوعًا: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ … وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ … » (٢)، وحديث: «لَوْ صَبَرَ مُوسَى لَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ نَبَأِهِمَا (٣)» (٤). الثالثة: جائز: وذلك: ١. إذا استعملها على سبيل الإخبار المحض، وليس في قصده تندم أو تحسّرٌ أو تمني أو غيره: فهذا جائز، ومنه قول الإنسان: لو أني وصلت قبلك لهيأت المكان، أو لو حضرت الدرس لاستفدت، وليس في قلبه ندمٌ وتحسرٌ ونحوه، فالفارقُ بين هذا وبين المذموم ما يقع في القلب من الندم والاعتراض على القدر ونحوه. ٢. قولها على أمر مستقبل، ومنه: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ

стр. 441

حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ» (١)، وحديث: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي … » (٢).، فهذا أمرٌ مستقبلٌ لا اعتراض فيه على قدر؛ لأنَّه أخبر عما يعتقد ويريد، لولا المانع. المسألة الثالثة: أنَّ الله ذمّ في النصوص من تحسّر على الماضي، أو اعترض على القدر، بقول: «لو»، وساق المصنف في الباب بعض النصوص: ١) قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فذمّ الله المنافقين على الاعتراض على القدر ب «لو» ورد الله عليهم بأنَّ هذا قدرٌ لا يمكن التخلف عنه. ٢) قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ وهذه الآية قالها المنافقون ومن رجع من المؤمنين معهم من الجيش يوم أحد؛ تحسرًا على الماضي، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾. ٣) حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا، لَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ اَلشَّيْطَانِ»: فقوله: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ» أمر ﷺ بالحرص، مع الاستعانة بالله؛ لأنَّه لا يحصل له ذلك إلّا إذا كان مستعينا بالله، فإذا كان حريصًا على ما ينفعه، وكان مستعينًا بالله وحده، معتمدًا عليه، تم مراده بإذن الله. وقوله: «وَلَا تَعْجَزَنْ» والعجز هنا هو التفريط والتضييع، وليس المراد به

стр. 442

ضدّ القدرة. قاله ابن تيمية (١). وقوله: «وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ»: أي وإن غلبك أمر، ولم يحصل المقصود بعد بذل الجهد والاستطاعة، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، فإنَّه لا يجدي عليك شيئًا. وقوله: «وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اَللَّهُ»: لأنَّ ما قدّره لا بد أن يكون، والواجب: التسليم للمقدور. وقوله: «وَمَا شَاءَ فَعَلَ»: لأنَّ أفعاله لا تصدر إلّا عن حكمة. والحديث دلّ على تحريم الاعتراض على القدر، والنهي عن قول: «لو» والأمر بالاستسلام للقدر؛ لأنَّه من تمام التوحيد. قال ابن القيم معلقًا على الحديث: «والعبد إذا فاته المقدور»، له حالتان: * حالة عجز: وهي عمل الشيطان، فيلقيه العجز إلى «لو»، ولا فائدة فيها، بل هي مفتاح اللوم والعجز والسخط والحزن، وهذا من عمل الشيطان، فنهاه عن افتتاح عمله بهذا الافتتاح. * وأمره بالحالة الثانية: وهي النظر إلى القدر وملاحظته، وأنَّه لو قدر لم يفته ولم يغلبه عليه أحد، فقال: «وإن أصابك … إلخ»، فأرشده إلى ما ينفعه حال حصول مطلوبة وحال فواته، ونهاه عن قول: «لو»، وأخبره أنَّها تفتح عمل الشيطان، لما فيها من التأسف على ما فات، والتحسر والحزن ولوم القدر، فيأثم بذلك، وذلك من عمل الشيطان. وما ذاك لمجرد لفظ: «لو»، بل لِما قارنها من الأمور القائمة بقلبه، المنافية

стр. 443

لكمال الإيمان، الفاتحةِ لعمل الشيطان، وأرشده إلى الإيمانِ بالقدر، والتفويضِ والتسليم للمشيئة، فهذا الحديثُ مما لا يستغني عنه العبد، وهو يتضمن إثبات القدر، وإثبات الكسب، والقيام بالعبودية» (١). * خلاصة الباب: أن «لو» تختلف بحسب مقصد قائلها، فإن قصد بقولها اعتراضًا على القدر وتسخطًا له وندمًا فإنَّها لا تجوز؛ لما فيه من السخط، ولأنَّها لا فائدة منها بعد الفوات إلّا الحسرة على ما فات.

стр. 444

٥٨ - باب النهي عن سب الريح عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» (١) (٢). (الشرح) الكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: بيان ما ورد من النهي عن سبِّ الريح، ويدخل فيها سبّ غيرها مما يقدّره الله، ومن جنود الله. ومناسبة الباب للتوحيد: من جهة أنَّ سبّ الريح وغيرها من المخلوقات نقصٌ

стр. 445

في الإيمان، وقدحٌ في التوحيد، فسبُّها اعتراضٌ على الله، إذ هي مُدَبَّرةٌ من الله سبحانه، فهو الفاعل. المسألة الثانية: الأصل في حكم سبِّ الريح: التحريمُ؛ لأنَّه سبٌّ للفاعل وهو الله، ويدخل في سَبِّها لعنُها كذلك. وهو كذلك نقصٌ في التوحيد وفي العقل، فهي مأمورة، ولهذا ورد في الحديث عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ حين نَازَعَتْهُ رِدَاءَهُ عَلَى عهد النبيّ ﷺ فلعنها، فَقَالَ النبيّ ﷺ : لَا تَلْعَنْهَا فَإنَّها مَأْمُورَةٌ، وَأنَّه مَنْ لَعَنَ شيئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ» (١). قال الشافعي: «لا ينبغي شتمُ الريحِ، فإنَّها خلقٌ مطيعٌ لله، وجندٌ من أجناده، يجعلها الله رحمةً إذا شاء، ونقمةً إذا شاء» (٢). • واعلم أنَّ سبَّ الريحِ يأتي على وجهين: أ. أن يسبّها باعتقاد أنَّها مأمورةٌ مخلوقة، فهذا حرامٌ، وعليه يحمل النهي في حديث الباب: «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ»، والأصل في النهي إذا تجرد عن القرائن التحريم. ب. أن يسبّها باعتقاد أنَّها هي الفاعلةُ، فهذا شركٌ في الربوبية؛ لأنَّه اعتقد لمخلوقٍ من مخلوقات الله -وهي الريح- تصريفٌ وتدبيرٌ في الكون.

стр. 446

المسألة الثالثة: ساق المصنّف في الباب قوله ﷺ : «لَا تَسُبُّوا اَلرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ، فَقُولُوا: اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ». وفي الحديث النهي عن سبِّ الريح؛ لما سبق من أنَّها مأمورةٌ لا تدبير لها إلّا بأمر الله، فسبُّها سبٌّ للمدبّر وهو الله.

стр. 447

ثانيًا: ماذا يفعل عند هبوبها؟ ١) الدعاء الوارد في حديث الباب: «اَللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ اَلرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ» وفيه من الحكمة: أمر النبيّ ﷺ بالرجوع إلى خالق الريح، فهو الذي بيده كل شيء. وفي حديث أبي هريرة: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا، فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا» (١). ٢) التعوذ بالمعوذتين وغيرها: لحديث عقبة بن عامر ﵁: «أنَّهم غشيتهم رِيحٌ، وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يتعوذ بهما، وَيَقُولُ: «يَا عُقْبَةُ، تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (٢). المسألة الرابعة: الريح لا تأتي بالشرِّ فقط، بل فيها من المصالح للعباد والأرض ما لا يحيط به إلّا الله، ولو ركد الجوُ لَلَحِقَ العبادَ من المشقةِ والبلاءِ ما لا يعلمه إلا الله، فسبحانَ مَنْ جعل هبوب الرياح تأتي بِرَوحِه ورحمته ونعمته. ومع هذا فينبغي على المرءِ عند تغيير الأجواء والحوادث أن يخاف، كما كان النبيّ ﷺ إذا تخيلت السماء، فربما أتت الريح بأمر الله بعذابٍ من الله للعباد، وقد قال الله عن قوم ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ … ﴾ [الأحقاف، الآية (٢٤)]. * خلاصة الباب: أنَّ الريح من عند الله، وما هو من عند الله لا يجوز سبه، بل تدعو الله عند حلوله، وكم في الرياح من خير وأرباح.

стр. 448

٥٩ - باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]. وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [الفتح، الآية (٦)]. قال ابن القيم في الآية الأولى: «فُسِّر هذا الظنُّ بأنَّه سبحانه لا ينصر رسوله، وأنَّ أمره سيضمحل، وفُسِّرَ بأنَّ ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتمّ أمرُ رسوله، وأن يُظهِره الله على الدين كله، وهذا هو ظنّ السوء الذي ظنّ المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا الظنّ السوء؛ لأنَّه ظنّ غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق. فمن ظنّ أنَّه يُدِيلُ الباطل على الحق إدالةً مستقرةً يضمحل معها الحقُّ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. وأكثرُ الناسِ يظنّون بالله ظنّ السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم،

стр. 449

ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده. فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتّشت من فتّشت لرأيت عنده تعنتًا على القدر وملامةً له، وأنَّه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا؛ فمستقلٌ ومستكثرٌ، وفتِّش نفسك، هل أنت سالم. فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيًا» (١) (٢). (الشرح) عقد المصنّف هذا الباب في الكلام على الظنّ الحسن والظنّ السيء بالله تعالى، والكلام على الباب في مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: تنبيه المؤمنين إلى وجوب حسن الظن بالله، وأنَّ ذلك من واجبات التوحيد، فالموحِّدُ هو الذي يعتقدُ أنَّ الله كاملٌ في أسمائه، وفي أفعاله، ولازِمُ ذلك أن يحسن الظنَّ بالله سبحانه، ويعتقد أنَّ أفعاله تامّة الحسن. وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ ظنّ السوء بالله ينافي كمال التوحيد له والتسليم له، وينافي الإيمانَ بأسمائِه وصفاته.

стр. 450

المسألة الثانية: ساق المصنفُ قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]. وظنُّ الجاهلية: هو الظنُّ المنسوبُ إلى أهلِ الجهل، الذين يعترضون على القدر ويسيئون الظنّ به، ويزعمون أنَّ الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، ولما قُتِلوا. وسبب نزول الآية: ما نقل عن ابن عباس قال: «إن معتّب قال يوم أحدٍ لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتِلنا هنا، فأنزل الله: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران، الآية (١٥٤)]» (١). المسألة الثالثة: ساق المصنّف كلام ابن القيم، وقد اختصره، وهو مذكور بأطول من هذا في زاد المعاد. والشاهد: أنَّه ﵀ ذكر في ظنِّ السوء وظنِّ الجاهليةِ ثلاث تفسيراتٍ وصور: ١. أن يظن أن الله يُديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحِلّ معها الحق، وهذا ظنُّ المشركين والمنافقين: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ [الفتح، الآية (١٢)]. ٢. إنكارُ القدر: بأن ينكر أنَّ ما وقع هو بقضاء الله، وهذا يتضمن أن يكون في ملكه مالا يريد. ٣. إنكار الحكمة: بأن ينكر أنَّ يكون ما قدّره، قدّره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد؛ لأنَّ هذا يقتضي أن يكون تقديره عبثًا بلا حكمة، وقد قال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ

стр. 451

الْحَقُّ﴾ [المؤمنون، الآية (١١٥ - ١١٦)]. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ [الدخان، الآية (٣٨)]. وقد ذكر ابن القيم صورًا عديدة من سوء الظنّ بالله تقع عند بعض الناس، ثم قال: «وبالجملة فمن ظنّ به خلاف ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، أو عطّل حقائق ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، فقد ظنّ به ظنّ السوء». ثم ذكر البيت من كلام الفرزدق: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيًا (١). أي: لا أظنك ناجيًا من الاعتراض على القدر، بل أكثرُ الخلق إلا من شاء الله يظنون بالله غير الحقّ ظنّ السوء، بلسان الحال أو المقال. المسألة الرابعة: وردت آيتان توعد الله بهما من أساء الظنّ به بأعظم وعيد. ١. قوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح، الآية (٦)]. ٢. قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ (٢٣)﴾ [فصلت، الآية (٢٢ - ٢٣)]. قال ابن القيم: «ولم يجئ في القرآن وعيدٌ أعظم من وعيدِ من ظنَّ به ظنّ السوء» (٢).

стр. 452

المسألة الخامسة: الطريقُ للسلامةِ من الظنِّ السيء بالله تعالى يكون بمعرفة الله بأسمائه وصفاته، فإنَّ هذا يقوي القلب، ومن عرف الله سبحانه لم يظنَّ به إلّا الخير، ومن لم يتعرف على الله فقد يسيئ به الظن، قال ابن القيم: «ولا يَسلم عن ذلك -أي: الظنّ السيء بالله- إلّا من عرف الله، وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته» (١). * خلاصة الباب: أنَّه يجب على المؤمن الموحد أمور: ١ - حسن الظنّ بالله: وفي الخبر: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» (٢). ٢ - عدم الاعتراض على قدرٍ يقدره الله، وأن يرضى ويسلم، وأن لا يسخط شيئًا قدره الله عليه. ٣ - أن يعتقد أنَّ جميع ما يفعله الله، يفعله لحكمة ربما علمناها وربما لم تبلغها عقولنا. ٤ - أن يتعاهد المرء نفسه وقلبه فكم من صالح وقع في سوء ظن بالله، فإذا وقع في شيء فعليه بالاستغفار والتوبة إليه سبحانه مما وقع في قلبه.

стр. 453

٦٠ - باب ما جاء في منكري القدر وقال ابن عمر ﵁: «وَاَلَّذِي نَفْسُ اِبْنِ عُمَرَ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمْ مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، ثُمَّ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اَللَّهِ مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْهُ، حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ». ثم استدل بقول النبيّ ﷺ : «اَلْإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» (١). وعن عبادة بن الصامت أنَّه قال لابنه: «يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ اَلْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ اَلْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اُكْتُبْ، فَقَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ" يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي» (٢). وفي رواية لأحمد: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اَللَّهُ تَعَالَى اَلْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَجَرَى فِي تِلْكَ اَلسَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ» (٣).

стр. 454

وفي رواية لابن وهب قال رسول الله ﷺ : «فَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَحْرَقَهُ اَللَّهُ بِالنَّارِ» (١). وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: «أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: شَيْءٌ مِنَ اَلْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اَللَّهَ يُذْهِبُهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَكُنْتَ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَبْدَ اَللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ بْنَ اَلْيَمَانِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي بِمِثْلِ ذَلِكَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ » (٢) (٣).

стр. 455

(الشرح) عقد المصنّف الباب في الكلام على القدر، والكلام عليه في عدة مسائل: المسألة الأولى: المراد بالباب: بيان ما ورد في النصوص من الوعيد الشديد على من أنكر القدر الذي قدره الله، وحكم من أنكره. وعلاقة الباب بالتوحيد: من جهة أنَّ الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، وإنكارُه منافٍ للتوحيد، ومِن جهة أنَّ تعظيم الله يكون بالتسليم له، والإيمان بربوبيته يقتضي عدم إنكار ما يقدِّرُه، ومن أنكرَ القدَر فقد تنقّص ربوبيته. المسألة الثانية: القدَرُ لغة: له عدة معانٍ ترجع إلى التقدير. وشرعًا: تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنَّها ستقع في أوقات معلومة عنده وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له ووقوعها على حسب ما قدرها. وقد حوى التعريفُ مراتبَ القدر الأربع: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة، التي وردت في القرآن والسنة، وقد بيّنها العلماء، وهي: ١ - علمه السابق بما هم عاملوه قبل إيجادهم. ٢ - كتابة ذلك في اللوح المحفوظ عنده قبل خلق السموات والأرض. ٣ - مشيئته المتناولة لكل موجود، فلا خروج لكائن عن مشيئته كما لا خروج له عن علمه. ٤ - خلقه له وإيجاده وتكوينه، فإنه لا خالق إلا الله، والله خالق كل شيء (١).

стр. 456

المسألة الثالثة: أقسام منكري القدر، وحكم من أنكر القدر. * ذكر أهل العلم أن منكري القدر يدخل فيهم صنفان من الناس: الأول: غلاة القدرية الذين ينكرون علم الله عن الأشياء قبل وقوعها، وينكرون كتابته سبحانه ما يقع على العباد، ويرون أنَّ الأمر لا يعلمه الله إلّا بعد وقوعه. وهؤلاء الغلاة كفَّرهم العلماء كمالك والشافعي وأحمد (١)، وهو الذي دلّ له كلام ابن عمر ﵁ في الحديث. • والعلة: أنَّهم أنكروا علم الله سبحانه، ونسبوه إلى الجهل بالأشياء. الثاني: من أثبت علم الله وكتابته، لكنّه أنكر مشيئة الله لما يقع من العبد، وخلقه له، وذلك لكي ينزهوا الله -كما يزعمون- من أن يعذب من فعل شيئًا قد شاء الله وقوعه، وهذا خطأ؛ لأنَّ ثمة فرقًا بين المشيئة الشرعية، وبين المشيئة الكونية القدرية، وتفصيل هذا يطول، فليراجع له شرح الطحاوية (٢). والقائلون بهذا هم القدرية المعتزلة، وقد حكم العلماء عليهم بالبدعة، ولم يكفروهم. المسألة الرابعة: وردت عن السلف أقوالٌ عديدة في الكلام على القدر ووجوب إثباته. قال زيد بن أسلم قال: «القدَرُ قُدرة الله تعالى، فمن كذّب بالقدر فقد جحد قدرة الله تعالى»، وقال أيضًا: «ما أعلمُ قومًا أبعد من الله تعالى من قوم يخرجونه

стр. 457

من مشيئته، وينكرونه من قدرته»، وقال مالك بن أنس: «ما أضل من كذب بالقدر، لو لم يكن عليهم فيه حجة، إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن، الآية (٢)] لكفى به حجة». وقال البغوي: «القدر سرٌّ من أسرار الله لم يُطلِع عليه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل، بل يُعتقد أنَّ الله خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهلُ يمينٍ خلقهم للنعيم فضلًا، وأهلُ شمالٍ خلقهم للجحيم عدلًا (١). وقد ساق الآجري في الشريعة أقوالًا عديدة للسلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في ذم القدرية (٢). وأما ما ورد من الأحاديث في ذمِّ القدرية، كحديث: «القدرية مجوس هذه الأمة … » ونحوها؛ فكلها ضعيفة لا تثبت عن النبيّ ﷺ ، والله أعلم، وقد تكلم عنها بتفاصيلها وبيّن ضعفَها ابنُ الجوزي ﵀ (٣). المسألة الخامسة: ذكر المصنّف في أول الباب كلام ابن عمر، وقد أخرجه مسلم عن يحيى بن يعمر قال: «كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ: مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ -أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ- فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ

стр. 458

الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، قَالَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي»، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ «لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ». ثم ذكر ابن عمر حديث عمر ﵁ في قدوم جبريل المشهور، وفيه قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ … ». والشاهد منه: أنَّه ذكر أنَّ الإيمان بالقدر خيره وشره من أصول الإيمان الستة، فمن أنكره وجحد به لم يكن مؤمنًا؛ لأنَّ الكافر بالبعض كافر بالكل. المسألة السادسة: ذكر المصنف حديث عبادة بن الصامت، وقد بيّن فيه عُبادة ﵁ لابنه: أنَّ الإيمان له طعمٌ حلوٌ لا يناله كل أحد، بل يناله من حققوا الإيمان الحق، وذلك بخصالٍ، من أعظمها: الإيمان والتسليم لقضاء الله وقدره، ولازِمُ ذلكَ: أن تعلم أنّ ما أصابك فلا يمكن أن يخطئك، بل لابد أن تجري المقادير ليقع عليك، وما أخطأك ولم يتحصل لك فلا يمكن مهما فعلت من أسباب أن يقع لك، وهذا الإيمان يريح المرء ويجعله راضيًا بتقدير الله، ويغلق عليه باب «لو» وتسويل الشيطان وتأسيفه. ولذا ورد عن العباس بن عبد المطلب ﵁ مرفوعًا: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضى بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (١). المسألة السابعة: ورد في حديث عبادة ﵁ أنَّ الله لما خلق القلم، وكان

стр. 459

ذلك قبل خلق الناس جرى بتقدير الله، وأمره بكتابة كل ما سيكون، فالقدر متقدم على خلق الناس، وقد اختلف أيهما خُلِقَ أولًا العرش أم القلم؟ * والجمهور: أنَّ العرش خُلِق أولًا، ويدل له حديث عبد الله بن عمرو ﵁ مرفوعًا: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» (١)، فهذا صريح أن التقدير وقع بعد خلق العرش والتقدير وقع عند أول خلق القلم. وأما حديث: «أول ما خلق الله القلم» فإما أن يقال بأن المراد أن أول ما خلق الله القلم قال الله له: اكتب، ولا يلزم من ذلك أنَّه أول المخلوقات، فتكون كلمة (القلم) منصوبة، لا مرفوعة. وإما أن يحمل على أنَّه أول المخلوقات من هذا العالَم، قال ابن القيم: والناس مختلفون في القلم الذي … كتب القضاء به من الديان هل كان قبل العرش أو هو بعده … قولان عند أبى العلا الهمداني والحق أن العرش قبل لأنَّه … عند الكتابة كان ذا أركان (٢) المسألة الثامنة: أفاد حديث عبادة ﵁ أنَّ في القدر خيرًا وشرًا، وهذا بالنسبة للعبد، أما الربّ سبحانه، فأفعاله خير محض لا شرّ فيه، ولا يقدِّر على عباده إلا خيرًا إما عاجلًا وإما آجلًا، ولذا ورد في الآية: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ … ﴾ فظهور الفساد شرّ لكنه بالنسبة لتقدير الله خير؛ لأنَّه يترتب عليه تكفير الذنوب، ولعل الناس يرجعون، قال ابن القيم: «فالشر راجع

стр. 460

إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته» (١). وقال الشيخ سليمان بن عبد الله: «ويتبيّن ذلك بمثال -ولله المثل الأعلى-، لو أنَّ ملكًا من ملوك العدل كان معروفًا بقمع المخالفين وأهل الفساد، مقيمًا للحدود والتعزيرات الشرعية على أرباب أصحابها، لعدّوا ذلك خيرًا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خيرٌ بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه، وإن كان شرًّا بالنسبة إلى من أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأنَّ له الكمال المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات» (٢). المسألة التاسعة: في حديث عبادة ﵁ قوله: «لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا قَبِلَهُ اَللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»، وهذا فيه تمثيل على سبيل الافتراض، أي: لو فرض أنّك أنفقت مثل أحد فلن يقبل منك، ففيه مبالغة في البيان، وإنما لا يقبل الله منه؛ لأنَّ من أنكر القدر فهو كافر، والله لا يقبل من الكفار: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة، الآية (٥٤)]. المسألة العاشرة: لفظ الحديث عند ابن ماجه فيه زيادة: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ». وقد توارد على هذا المعنى رأي ثلاثة من الصحابة، فقد أخرج ابن ماجه الحديث عن ابن الديلمي بلفظ «وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، خَشِيتُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ دِينِي وَأَمْرِي، فَأَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ: أَبَا الْمُنْذِرِ، إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ، فَخَشِيتُ عَلَى دِينِي وَأَمْرِي، فَحَدِّثْنِي مِنْ
следующие страницы →