← Акыда

Акыда · id 1252

تقريب الوصول إلى ثلاثة الأصول

منصور الصقعوب

Полный текст (185 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله ربِ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلا يخفى على طالب العلم أهمية العناية بمتون العقيدة، وتفهمها، وقد درج علماء بلادنا على أنهم يبدؤون في تعليمهم برسالة ثلاثة الأصول، للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فيبدأ بها طالب العلم المبتدئ، ومن بعدها ينطلق لما هو أرفع منها، ككتاب التوحيد في توحيد العبادة، والعقيدة الواسطية في الاعتقاد العام. وقد كنتُ كتبتٌ على هذه الرسالة شرحاً متوسطاً، حرصت أن يكون بلا إيجاز مخلٍّ، ولا إطالة مملة، يكون القصد فيه فك العبارات، وتفهم المعاني، ولم أشأ أن أطيل فيه بأمورٍ قد يجدها طالب العلم في غيره، وإنما اكتفيت بما يتعلق بعباراته مباشرة، وليس المقصد تكثير الصفحات، وإنما فهمُ هذا المتن، والترقي بعده لمتون العلم الأخرى، وأسميت هذا التعليق [تقريب الوصول إلى ثلاثة الأصول]، وها هو بين يديك أخي الكريم، وأنا على يقينٍ أنه جهدٌ قابلٌ للتعقب، وعملٌ مليء بالثغرات، والقلب مفتوحٌ، والأذن مصغيةٌ، لكل مصوِّبٍ، وناقدٍ، ومتعقبٍ، علّ الله أن يجعلنا من الذين ينتظمون في سلك أهل العلم والعمل به إنه سميع مجيب. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين كتبه د. منصور بن محمد الصقعوب M0505148411@hotmail.com

стр. 2

تمهيد * قبل الشروع في كلام المؤلف لا بد من ذكر ثلاث مقدمات: المقدمة الأولى: تعريف موجز بمؤلف الرسالة: مؤلف هذه الرسالة، هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف التميمي. والده من أعلم أهل زمانه، وكان شيخاً وقوراً جليلاً متواضعاً، تولى القضاء في حريملاء، وكذلك كان جده سليمان من أكبر علماء نجد، كان محبوباً وبحراً في العلوم، تولى جده منصب الفتيا، وأخذ على يديه كثير من العلماء. ولد الشيخ محمد عام (١١١٥) من هجرة النبي ﷺ ، وكان محباً للعلم منذ صغره، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره، وأدرك ما يدرك الرجال، قدّمه أبوه في إمامة الصلاة، وكان والده شديد التعجب من قوة وسرعة حفظه، لكل ما يطالعه ولو لمرة واحدة، ويعترف علَناً بالاستفادة منه في بعض الأحكام، حتى قال: استفدت من ولدي محمد فوائد من الأحكام قبل بلوغه. وكانت الجزيرة آنذاك فيها بعض مظاهر الشرك، والتعلق بغير الله، والبدع، فسعى -رحمه الله تعالى- للدعوة إلى التوحيد، وتصحيح العقائد، ونبذ الشرك بقوله وبفعله، بقلمه ورسائله ومؤلفاته، وبجهده أيضاً، وتنقله

стр. 3

في البلدان ودعوته الناس إلى التوحيد، وبجهاده في سبيل الله في تحقيق هذا الأمر، عاش واستمر على ذلك حتى مات في أواخر سنة (١٢٠٦) من هجرة النبي ﷺ ، وكان عمره حينها واحداً وتسعين عاماً. وخلفه من بعد ذلك أبناؤه وتلاميذه وحملوا راية الدعوة إلى التوحيد وسلامة الاعتقاد. * ألّف الشيخ كتباً عديدة في الاعتقاد، من أشهرها: ١ - كتاب التوحيد: ويحتوي على (٦٦) باباً من أبواب توحيد العبادة، وله شروح كثيرة، وشهرة واسعة. ٢ - كشف الشبهات: وهي عبارة عن رسالة تضمنت كشف شبهات الذين يتوجهون لغير الله من أصحاب القبور وغيرهم. ٣ - القواعد الأربع: وهي عبارة عن رسالة لطيفة ضمّنها أربع قواعد في توحيد العبادة. ٤ - ثلاثة الأصول: وهي هذه الرسالة التي نحن بصدد التعليق عليها. وله أيضاً: مفيد المستفيد في تارك التوحيد، والمسائل التي خالف فيها أهل الإسلام الجاهلية، ونواقص الإسلام، وغيرها كثير. رحم الله الشيخ وجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة.

стр. 4

المقدمة الثانية: تعريف موجز بهذه الرسالة: رسالة ثلاثة الأصول، كما يسميها مؤلفها غالباً، أو الأصول الثلاثة، هي رسالة ميسرة مبسطة، كان الشيخ وتلاميذه من بعد ذلك يعنون بتلقينها للعامة، ولجماعات المساجد، وكان أئمة المساجد يلزمون بسؤال الجماعة عن هذه الرسالة (١)، وكان العلماء يخرجون إلى القرى والبلدان يعلمون الناس هذه الأصول الثلاثة (٢)؛ لأنها على يسرها واختصارها إلا أنها حوت أهم الأصول التي يحتاجها الإنسان في دينه. * وقد اعتنى العلماء المعاصرون بهذه الرسالة، عبر صور متعددة: ١) شرحها والتعليق عليها: وهذا أكثر من أن يحصر، غير أن من أشهر شروحها المطبوعة: حاشية ثلاثة الأصول لابن قاسم النجدي، وشرح الأصول الثلاثة لابن عثيمين، وحصول المأمول شرح ثلاثة الأصول، للشيخ عبد الله الفوزان، وغيرها. ٢) عنايتهم بتحفيظها للطلاب، وهذا معلوم من هدي العلماء مع طلابهم، حيث كانوا يعنون بتحفيظهم المتون الصغيرة، لا سيما متون العقيدة، ومن هؤلاء الشيخ محمد بن إبراهيم، حيث كان يبدأ بتحفيظ طلابه هذه الرسالة. ٣) عنايتهم بتلقينها للعوام، وسبق ذكر ذلك.

стр. 5

٤) نظمها، وممن نظمها: أ. الشيخ عمر بن إبراهيم البري المدني، المتوفى سنة (١٣٧٨ هـ)، بعنوان: تسهيل الحفظ والوصول، نظم ثلاثة الأصول. ب. الشيخ سعود الشريم، في نظم سمّاه: إسراج الخيول نظم ثلاثة الأصول. ٥) اختصارها، وممن اختصرها: الشيخ عبد العزيز بن محمد الشثري، المتوفى سنة (١٣٨٧ هـ)، وطبعت أخيراً مع تعليق لحفيده، وهو الشيخ سعد الشثري، بعنوان: المصقول في التعليق على مختصر ثلاثة الأصول.

стр. 6

المقدمة الثالثة: موضوع الرسالة ومضمونها: تدور هذه الرسالة حول تحقيق توحيد العبادة، والإجابة عن الأسئلة الثلاثة التي يسأل المرء عنها في قبره. * وقد تضمنت هذه الرسالة أربعة أمور: الأمر الأول: مقدمة: ذكر فيها المؤلف أربع مسائل وهي: العلم والعمل والدعوة والصبر. الأمر الثاني: مقدمة: ذكر فيها المؤلف ثلاث مسائل وقواعد في تحقيق توحيد العبادة. الأمر الثالث: مقدمة: ذكر فيها مسألة واحدة بيّن فيها معنى الحنيفية التي هي دين إبراهيم ودين محمد عليهم الصلاة والسلام. الأمر الرابع: الأصول الثلاثة: وهي معرفة العبد لربه، ولنبيه، ولدين الإسلام، وذكر كل واحدٍ من هذه الأصول الثلاثة بالتفصيل، وبالأدلة. * * * * *

стр. 7

متن الأصول الثلاثة قال المؤلف ﵀: اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلَّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ: المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ﷺ وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ. المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ. المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ. المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. قَالَ الشَّافِعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ». وَقَالَ البُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ (قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ). * اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ هَذِهِ الثَّلاثِ مَسَائِل، والْعَمَلُ بِهِنَّ: الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل: ١٥، ١٦].

стр. 8

الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضى أَنْ يُشركَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]. اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ، أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وَمَعْنَى ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾: يُوَحِّدُونِ، وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ. وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْه الشركُ، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ .

стр. 9

* * الأَصْلُ الأوَّلُ * * معرفة الرب: فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ: اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشياءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ.

стр. 10

وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشيةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا. كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. فَمَنْ صرفَ مِنْهَا شيئًا لِغَيْرِ اللهِ؛ فَهُوَ مُشركٌ كَافِرٌ؛ وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. وَفِي الْحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ». وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. وَدَلِيلُ الْخَوْفِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ودَلِيلُ التَّوَكُلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وَدَلِيلُ الْخَشيةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية [البقرة: ١٥٠].

стр. 11

وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية [الزمر: ٥٤]. وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَفِي الْحَدِيثِ: « … وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ». وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]. وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]. وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]. وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وَمِنَ السُنَّةِ: «لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ». وَدَلِيلُ النَّذْرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧].

стр. 12

* * الأَصْلُ الثَّانِي * * مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ وَهُوَ: الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشركِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ. المرتبة الأولى: الإسلام: فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ. فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران، ١٨]. وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ، وَحَدُّ النَّفْيِ مِنْ الإِثْبَاتِ ﴿لَا إِلَهَ﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شريكٌ فِي مُلْكِهِ. وَتَفْسيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ

стр. 13

مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شرعَ. وَدَلِيلُ الصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَتَفْسيرُ التَّوْحِيدِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ودَلِيلُ الصيامِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. ودَلِيلُ الْحَجِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ: وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ. وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: كما في الحديث: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ». وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ودليل القدر: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الإِحْسَانُ: وله رُكْنٌ وَاحِدٌ. كما في الحديث: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».

стр. 14

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]. وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ: عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ فَقَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم».

стр. 15

* * الأَصْلُ الثَّالِثُ * * مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ - وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ، وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشرونَ في النبوة. نُبِّئَ ب ﴿اقْرَأْ﴾، وَأُرْسِلَ ب ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ. بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشركِ، وَبالَدْعُوة إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدثر: ١ - ٧]. وَمَعْنَى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشركِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشركِ. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلُهَا، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشر سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشر عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشركِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ. وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشركِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].

стр. 16

قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: نزلت هَذِهِ الآيَةُ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ : «لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شرائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شرائِعِ الإِسْلامِ، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشر سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ -صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وَدِينُهُ بَاقٍ. وَهَذَا دِينُهُ، لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شر إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَالشر الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ الشركُ، وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُه اللهُ وَيَأْبَاهُ. بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]. وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧، ١٨].

стр. 17

وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشرينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵈، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شيئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا إله إِلا اللهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَاللهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلى آله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. * ** * *

стр. 18

* وهذا أوان الشروع في الكلام على هذه الرسالة فأقول: * قوله: (الأصول الثلاثة). الأصول جمع أصلٍ، على وزن فَعْلٍ، يُجمع على فُعُول، وأَصْل يجمع على أصول. والأصل في اللغة: ما يُبنى عليه غيره، كأصل الجدار -أي أساسه- لأن الفرع لا ينشأ إلا عن أصل، فكل فرع لا بد وأن يكون له أصل قد نشأ منه وتفرع عنه. والمراد هنا بالأصول الثلاثة: الأسس التي يقوم عليها الدين، وهي الأسئلة التي يُسأل عنها العبد في قبره.

стр. 19

* قوله: (بسم الله الرحمن الرحيم، اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلَّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ). بهذه الجملة ابتدأ المؤلف ﵀ رسالته، وتحتها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: (بسم الله الرحمن الرحيم). بدأ المصنف على عادة أهل العلم بما استقر في عرفهم بالبسملة وذلك لأمور: أولاً: اقتداءً بالكتاب العزيز، حيث بدأ ب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ (الفاتحة ١، ٢). ثانيًا: اقتداءً وتأسيا بالسنة الفعلية، فإن مكاتباته ﷺ كان يصدّرها بالبسملة، ككتابه لهرقل، حيث بدأه بقوله: «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» (١). ثالثًا: اقتداءً بالأئمة المصنفين، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وَقَدِ اسْتَقَرَّ عَمَلُ الْأَئِمَّةِ الْمُصَنِّفِينَ عَلَى افْتِتَاحِ كُتُبِ الْعِلْمِ بِالْبَسْمَلَةِ وَكَذَا مُعْظَمُ كُتُبِ الرَّسَائِلِ» (٢). وأما ما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُو أَبْتَر»، فإن هذا الحديث إسناده ضعيف (٣).

стр. 20

المسألة الثانية: (اعْلمْ رَحِمَكَ اللهُ). وهذا تلطفٌ من المؤلف -رحمه الله تعالى- حينما ابتدأ بالدعاء له بالرحمة، وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يتلطف تجاه مدعويه، فيدعو لهم ويتلطف معهم بالعبارة، فإن هذا أدعى لقبول الكلام الذي سيطرحه بعد ذلك، وقد أمر الله نبيه بأن يتلطف في دعوته، فغيره من أتباعه، الدعاة لدينه، ينبغي أن يقتدوا به، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. المسألة الثالثة: (أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلَّمُ أَرْبَع مَسَائِلَ). هذه طريقة المؤلف في ذكر المسائل، وهي: حصر عدد المسائل، فيقول: ثلاث مسائل، أو أربع مسائل، وذلك أحسن في التعليم، وأرتب لذهن السامع. وذكر هنا أن حكم تعلم هذه المسائل التي سيوردها واجب، ولا يتم الدين إلا بها، ولا ينال العلم إلا بتحقيقها، ثم بعد ذلك ذكرها المصنف ﵀.

стр. 21

* قوله: (المسألة الأُولَى: الْعِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ ﷺ وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بالأَدِلَّةِ). المسألة الأولى التي يجب على الإنسان تعلمها هي العلم، والكلام عليها في خمسة مسائل: ١/ تعريف العلم: العلم هو معرفة الحق والهدى بالدليل، قال ابن القيم: الْعِلْمُ مَعْرِفَةُ الهُدَى بِدَلِيْلِهِ … مَا ذَاكَ وَالتَّقْلِيْدُ يَسْتَوِيَانِ (١) وإذا أطلق العلم فإن المراد به العلم الشرعي، واعلم أن أول واجب على الإنسان أن يتعلم أحكام دينه فكان لزاماً على المسلم أن يتعلم ليتعبد لربه على بصيرة، فلا يصح إسلام وتعبّدٌ حتى تتعلم التوحيد لله؛ لتعبده بلا إشراك وبعد هذا يتعلم بقية الشرائع والواجبات. ٢/ العلماء يذكرون أن أول واجب على المكلفين هو: أن يتعلم توحيد الله تعالى، وهذا يكون بمعرفة معنى لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وقد ذكر بعض أهل العلم أنه لا يصح أن يقلد في اعتقاده فيقول: أنا أعتقد كما يعتقد فلان، بل يجب عليه أن يعرف ماذا يعتقد في دينه. ولكن ذهب الجماهير من أهل العلم إلى جواز التقليد في العقائد لمن لا يعرف، ونُقِلَ عن الأئمة الأربعة، ونسبه شيخ الإسلام ﵀ إلى جمهور الأمة، قال ﵀: «أما في المسائل الأصولية فكثير من المتكلمة والفقهاء من أصحابنا وغيرهم من يوجب النظر والاستدلال على كل أحد وأما جمهور الأمة فعلى خلاف ذلك، فإن ما وجب علمه إنما يجب على من يقدر على

стр. 22

تحصيل العلم، وكثير من الناس عاجز عن العلم بهذه الدقائق، فكيف يكلف العلم بها؟ (١). وهذا هو الأقرب، أنه يجوز التقليد في العقائد للعامي الذي لا يستطيع النظر والاستدلال، كما أنه يجوز له التقليد في الأحكام ولا فرق، وقد كان الصحابة يسلمون، فكان النبي ﷺ يكتفي منهم بالنطق بالشهادتين، وأما من يستطيع الاستدلال فلا يجوز له التقليد في العقائد أو الأحكام (٢). ٣/ العلم نوعان: أ. نوع تعلّمه فرض على الكفاية. ب. ونوع تعلمه فرض عين. * أما العلم الذي تعلمه فرض على الكفاية، فهو علوم الوسائل كعلم الفرائض وعلم اللغة وعلم المصطلح وعلم أصول الفقه وعلم أبواب من أبواب الفقه، وقد لا يحتاجها كل الناس كالبيوع والنكاح والقضاء والطلاق ونحو ذلك من الأبواب، فهذه من العلوم التي هي فرض على الكفاية، إذا وجد من يعرفها أسقط الوجوب عن البقية. * وأما النوع الثاني هو العلم الذي يكون فرضاً على الأعيان، ويجب على الإنسان تعلمه، وهو نوعان: أ- العقيدة: بأن يتعلم كيف يوحد الله، وطريقة ذلك، وأن يتعلم ضد ذلك وهو الشرك حتى لا يقع فيه. ب- العبادات التي تجب على المكلف: كصلاته، وطهارته، وصيامه،

стр. 23

وحجه وزكاته، فهذه واجبات على الإنسان يجب عليه أن يتعلمها، ولا يجوز له أن يجهل هذه الأشياء؛ لأنه لا يستطيع أن يحقق العبادة إلا بها. ٤/ ذكر المصنف أن العلم يشمل ثلاثة أشياء: ١. معرفة الله: بأن تتعرف على الله في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته. ٢ معرفة النبي ﷺ ؛ لأنه هو الواسطة بيننا وبين الله عز و جل في تبليغ الرسالة. ٣. معرفة دين الإسلام بالأدلة، وما سيأتي في الأصول الثلاثة هو لبيان هذه المسألة، مسألة العلم بهذه الثلاث. واعلم أيها المبارك أن طلب العلم من أشرف ما قضيت به الأوقات، وعمرت به الساعات، فبه يعبد المسلم ربه على بصيرة، وبه يدحض الشبهات التي تطرأ عليه، وينقذ الناس من الغواية إلى الرشد، ومن الضلالة إلى الهدى، وهو عبادة لله، ولو لم يكن منه إلا أنه يشغله بالخير، وفوق ذلك كله هو طريق إلى الجنة، لكفى. قال الزهري: «ما عُبِدَ الله بمثل العلم» (١)، وقال سفيان الثوري: «لَا أَعْلَمُ مِنَ الْعِبَادَةِ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ تُعَلِّمَ النَّاسَ الْعِلْمَ» (٢)، وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ: «يَا إِسْحَاقُ عَلَيْكَ بِالْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْدِمُكَ مِنْهُ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى هُدًى أَوْ أُخْرَى تَنْهَى عَنْ رَدًى» (٣)، وقال الحسن: «لأن يتعلم الرجل باباً من العلم فيعبد به ربه فهو خير له من أن لو كانت الدنيا من أولها إلى آخرها له فوضعها في الآخرة» (٤).

стр. 24

قال محمد بن الربيع الموصلي ﵀: الناس في صورة التّشبيه أكفاءُ … أبوهُمُ آدمٌ والأُمُّ حوَّاءُ فإن يكن لهُم في أصلها شَرَفٌ … يفاخرون به فالطِّين والماءُ ما الفضل إلا لأهل العلم إنهمُ … على الهُدَى لمن استهدَى أَدلاّءُ ووَزْنُ كل امرئ ما كان يُحسنه … والجاهلون لأهل العلم أعداءُ (١) فاحرص على طلبه، لا سيما في أزمان الفراغ، وأوقات صفاء البال، وفراغ الإنسان من الشغل، واعلم أن الجهل من رديء الخصال، فكم يقبح بالإنسان جهله بأمور من العلم يعرفها الصغار. فَإِنِّي رَأَيْت الْجَهْل يزري بأَهْله … وَذُو الْعلم فِي الأقوام يرفعهُ الْعلم يُعدُّ كَبِير الْقَوْم وَهُوَ صَغِيرهمْ … وَينفذ مِنْهُ فيهم القَوْل وَالْحكم (٢) وقد كان السلف يفرحون بمجالسة العلماء، ويحرصون على مجالسهم، قال مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: «بِنَفْسِي الْعُلَمَاءُ هُمْ ضَالَّتِي فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وَهُمْ بُغْيَتِي إِذَا لَمْ أَجِدْهُمْ، وَجَدْتُ صَلَاحَ قَلْبِي فِي مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ»، وقال أيضاً: «إِنَّ مَثَلَ الْعَالِمِ فِي الْبَلَدِ كَمَثَلِ عَيْنٍ عَذْبَةٍ فِي الْبَلَدِ» (٣). وقال الحسن البصري: «الدُّنْيَا كُلُّهَا ظُلْمَةٌ إِلَّا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ» (٤). وما من شك أنهم لا يعنون بهذا من حصّل المعلومات، وهو عريٌ عن العمل، وإنما يعنون به من كان عالماً عاملاً، والله المستعان.

стр. 25

* قوله: (المسألة الثَّانِيَةُ: الْعَمَلُ بِهِ). المسألة الثانية التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها هي: العمل بالعلم، فإذا تعلمت وعرفت وأدركت، بقي عليك أن تعمل بما علمت، فالعمل بالعلم هو ثمرة العلم، فعلم الإنسان بلا عملٍ علمٌ لا يفيده، وترك العمل بالعلم مصيبة؛ لأن من يعلم ليس كالجاهل الذي لا يعلم، فالحجة عليه قد قامت، والمحجة له قد بانت، ولذلك قد قال الناظم (١): فعالم بعلمه لم يعملن … معذب من قبل عباد الوثن (٢) لأن الإنسان إذا عَلِمَ وعرف الحق وميز، ثم بعد ذلك لم يعمل بما علم فإنه لا يخلو من أحد حالين: * إما أن يكون قد تعلم لكي يثنى عليه ويمدح فقط، وهذا من أشنع الأشياء والعياذ بالله، وقد قال النبي ﷺ في أول من تسجر بهم النار: «وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ … » (٣).

стр. 26

* وإما أن يكون قد تعلّم ولم يعمل، لا لقصد الرياء، وإنما تكاسلاً وإعراضاً، وهذا مصيبة أيضاً؛ لأنه ليس كالجاهل، فقد ميّز وأدرك، وعرف الحق بدليله، فقامت عليه الحجة. فلا تكن يا طالب العلم كالوعاء الذي يحمل العلم ويوصله إلى غيره وهو لا ينتفع به، فإذا أردت أن تنال البركة في العلم، وأن تنال الزيادة فيه، وأن تحقق الثمرة منه فاعمل بما تعلمته من الواجبات ومن السنن، فإذا تعلمت أحكام الصلاة فكن لها مطبقاً، وإذا تعلمت سنة، أو واجباً فكن بما تعلمته عاملاً، وقد ورد في الحديث وإسناده ضعيف عند أهل العلم؛ لكنه مما يذكر هنا: «مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ» (١)، وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع: «كُنَّا نَسْتَعِينُ بِالْحَدِيثِ عَلَى حِفْظِهِ بِالْعَمَلِ» (٢)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْعِلْمَ أَصْلُ الْعَمَلِ وَصِحَّةُ الْأُصُولِ تُوجِبُ صِحَّةَ الْفُرُوعِ» (٣). واعلم أنه ينبغي على طالب العلم أن يكون تعبده أكثر من غيره، فإن لديه من العلم ما يبصره بربه، ثم إن العلم نعمة، ونعم الله تقابل بالشكر، وذلك يكون بالعبادة، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل عَنِ الرجل يكتب الحديث فيكثر، فقَالَ: «ينبغي أن يكثر العمل به عَلَى قدر زيادته فِي الطلب»، ثم قَالَ: «سبيل العلم مثل سبيل المال إن المال إذا زاد زادت زكاته» (٤). وما أعظمها من كلمة من هذا الإمام، تجعل طالب العلم يقف طويلاً أمام نفسه وحاله مع ربه سبحانه.

стр. 27

* قوله: (المسألة الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ). المسألة الثالثة التي يجب على كل مسلم ومسلمة تعلمها: الدعوة إلى ما تعلمه، والمراد أن الإنسان إذا تعلم وعرف الحق وميز، ثم عمل بما علم فإنه يبقى عليه أمر ثالث وهو أن يدعو إلى هذا العلم الذي حصله، وإلى هذا الخير الذي ناله، و ذلك لأن العلم خير ونور، فلا ينبغي أن تحبسه على نفسك ولا توصله إلى غيرك؛ لأن العلم لم يصل لك إلا بالدعوة إليه، فالعلم الذي وصل إليك، وصل بعدما بلّغه الصحابة عن النبي ﷺ ، وبلّغه التابعون عن الصحابة، وتابعوهم كذلك حتى وصل إليك، ولأجل ذلك فاشكر الله على تعليمه إياك، وواجب العلم الذي نلته أن تسعى إلى الدعوة إلى هذا العلم، وإلى هذا الدين، وإلى هذا الاعتقاد الذي نلته. ومن المصيبة أن ترى الإنسان قد وهبه الله علماً، وجعل في صدره فهماً وإدراكاً وعملاً، ووفّقه بعد ذلك لأن يعمل بهذا العلم، لكنك تجده ليس له أثر فيمن حوله، فمِنْ حولِهِ أناسٌ مشركون، أو مفرّطون، فلا يدعو أحداً، وليس هذا هديُ النبي ﷺ بل هديه أنه إذا تعلم الإنسان فعليه أن يسعى لأن يعلم وينقذ الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الغواية إلى الرشد، ولذلك قال النبي ﷺ : «نَضر اللَّهُ (١) امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شيئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ،

стр. 28

فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (١). مقالةٌ سمعها من النبي ﷺ ، فيدعو النبي ﷺ لمن بلّغها بعدما سمعها بالرحمة، فكيف بمن عنده من المعلومات، ومن الأحاديث، ومن الاعتقاد، ومن المعرفة الشيء الكثير، ثم هو لا ينفع أحداً، ولا يُعلِّمُ أحداً ممن حوله، وأحسنُ الناس قولاً وهدياً هو ذلك الرجل الذي علم، ثم عمل، ثم دعا، قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣). • واعلم أن الدعوة إلى هذا العلم الذي تعلمته تكون بأمرين: * بالقول: سواء كان باللسان، أو بما تؤلفه وتصنفه أو بغير ذلك. * وبالفعل: بأن تدعو الناس إلى الله بفعلك، بأن تكون قدوة، فتسعى إلى أن تزيل مظاهر الشرك ومظاهر المعاصي قدر استطاعتك، ما لم يترتب على ذلك مفسدة أعظم، ونحو ذلك من طرائق الدعوة إلى الله . • وأمرٌ آخرُ ينبغي على طالب العلم أن يعتني به في الدعوة: وهو أن يبدأ بالأهم فالأهم، فلا يليق بطالب علم يرى أناساً مِنْ حوله قد وقعوا في الشرك، وعندهم بعض المعاصي، ثم هو ينكر عليهم المعصية، ويترك إنكار الشرك، إذ من الخطأ أن تقدم المفضول على الفاضل، وإنما الواجب أن تدعو الناس إلى ما هو أهم، وهو توحيد الله ، ومن تأمل دعوة النبي ﷺ ، وجد أن جلّ تركيزه في دعوته إنما كانت دعوةً إلى التوحيد وإلى نبذ الشرك، حتى تحقق ذلك منهم، ثم دعاهم بعد ذلك إلى ما هو دون ذلك.

стр. 29

* قوله: (المسألة الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ). المسألة الرابعة: الصبر، فالداعية إلى الله لابد أن يوطن نفسه على أن هذا الطريق ليس مفروشاً بالورود، وإنما هو طريقٌ محفوفٌ بالأذى وبالمكاره، ولأجل هذا فعلى الداعية إلى الله أن يضع نصب عينه أنه قد يؤذى، ويبتلى، ويحارب، وقد يناله من الأذى أشد أنواعه في الدنيا، لكن عليه أن يصبر ويتحمل، لأمرين: ١ - لأنه يسلك طريق الأنبياء والمرسلين، فهم قد سبقوه بالدعوة، وسبقوه أيضاً بما نالهم من الأذى والنصب، وقد قال الله : ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ (العنكبوت: ١ - ٣). والناظر في سيرة النبي ﷺ يجد أنه ناله الأذى والشدائد حتى بلغ هذا الدين إلى الناس إلى هذا اليوم، وما ذاك إلا بتوفيق الله، ثم بصبر النبي ﷺ ومن بعده من الدعاة. ٢ - لأنه بصبره على هذه المشاق ينال الثواب من ربه سبحانه، وبقدر البلاء يرفعه الله ويأجره، وقد قال النبي ﷺ حين سئل عن أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشي عَلَى الْأَرْضِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ» (١). ولأجل هذا؛ فصبرك على طريق الدعوة وعلى المكاره التي تأتيك بهذا

стр. 30

الطريق هو الواجب عليك، وهذه المكاره والأذى امتحان من الله لك؛ لينظر أتثبت أم تتراجع، أتصبر أم تتسخط، فعليك يا طالب العلم أن تصبر، وتصابر، حتى تلقى الله . * والصبر أنواع ثلاثة: ١. صبر على الطاعة: كالصبر على الصلاة، والحج، والصوم، ففيها بعض المشقة. ٢. صبر عن المعصية: كالصبر عن حبس النفس عما تهواه من المحرمات. ٣. صبر على الأقدار المؤلمة: ومما يدخل فيه -وهو المراد هنا- صبرك على الأذى الذي ينالك في طريق تبليغك لدين الله. وهذه الخصال الأربع ذكرها ابن القيم حين ذكر جهاد النفس، حيث قال: «جهاد النفس أربع مراتب: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح لها ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به، ومتى فاتها عِلْمُه شقيت في الدارين. الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها. الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل الله من الهدى والبينات، ولا ينفعه علمه، ولا ينجيه من عذاب الله. الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله، ثم قال: فإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه، فمن علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماوات» (١).

стр. 31

* قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]). * بعدما ذكر المؤلف المسائل الأربع، استدل لها بسورة العصر فقال: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ والعصر هو: الدهر والزمان (١)، وقد أقسم الله به؛ لشرفه، وإنما شَرُفَ الدهرُ؛ لأنه هو الوقتُ الذي به يتعبد العبد لربه . ثم قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ -أي جميع الناس في خسارة- لأنه قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ و (ال): جنسية، يعني جنس الناس، أو جنس الإنسان كلهم في خسارة عظيمة، إلا ما استثني. وتأمل أن الله أكد هذه الآية وهذا المعنى بثلاث مؤكدات: ١ - والعصر: قسم مؤكد. ٢ - إنَّ: حرف نصب وتوكيد. ٣ - لفي خُسر: اللام واقعة في جواب خبر إنَّ فهي مؤكدة. ثم قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾: إلا ما استثني، وهؤلاء المستثنون هم الذين حققوا هذه المسائل الأربع التي مرت قبل قليل، امنوا، فتعلموا، فعملوا فصبروا. ثم قال: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أي عملوا بعدما علموا،

стр. 32

ثم قال: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ دعوا إلى الله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ صبروا على ما يأتيهم من الأذى في طريق هذا الدين العظيم. وخلاصة السورة: أن الناس قسمان: أ خاسرون. ب ورابحون. فالرابحون هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر؛ فمن أكمل هذه الصفات الأربع، فهو من الفائزين بالربح الكامل، والسعادة الأبدية، والعز والنجاة في الدنيا والآخرة؛ ومن فاته شيء من هذه الصفات، فاته من الربح بقدر ما فاته منها؛ وأصابه من الغبن والفساد، بقدر ما معه من التقصير والغفلة والإعراض عن ما يجب عليه (١).

стр. 33

* قوله: (قَالَ الشَّافِعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ»). * الكلام على هذه الجملة في أربع مسائل: الأولى: الشافعي: هو محمد بن إدريس الشافعي، الإمام العلم المعروف، صاحب المذهب، قال: «لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم». وإنما قال ذلك لأجل عظم شأن هذه السورة، فمع أنها مختصرة وقليلة الآيات، إلا أنها حوت معانٍ جليلة عظيمة، ولو لم ينزل الله إلا هذه السورة تكون طريقاً لهم ونبراساً يستنيرون به في حياتهم لكانت كافية؛ لأنها تضمنت هذه المراتب الأربع. قال ابن القيم ﵀: «وبيان ذلك -يعني كلام الشافعي-: أن المراتب أربعة، وباستكمالها يحصل للشخص غاية كماله، إحداها معرفة الحق، الثانية عمله به، الثالثة تعليمه من لا يحسنه، الرابعة صبره على تعلمه والعمل به وتعليمه. فذكر تعالى المراتب الأربعة في هذه السورة، وأقسم سبحانه في هذه السورة بالعصر إن كل أحد في خسر، الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهم الذين عرفوا الحق وصدقوا به فهذه مرتبة، وعملوا الصالحات وهم الذين عملوا بما علموه من الحق فهذه مرتبة أخرى، وتواصوا بالحق، وصى به بعضهم بعضاً تعليماً وإرشاداً فهذه مرتبة ثالثة، وتواصوا بالصبر، صبروا على الحق، ووصى بعضهم بعضا بالصبر عليه والثبات، فهذه مرتبة رابعة، وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه،

стр. 34

مكملاً لغيره، وكماله بإصلاح قوتيه العلمية والعملية، فصلاح القوة العلمية بالإيمان، وصلاح القوة العملية بعمل الصالحات، وتكميله غيره بتعليمه اياه وصبره عليه وتوصيته بالصبر على العلم والعمل فهذه السورة على اختصارها هي من أجمع سور القرآن للخير بحذافيره، والحمد لله الذي جعل كتابه كافياً عن كل ما سواه، شافياً من كل داء، هادياً الى كل خير» (١). الثانية: قال العلماء: في هذه السورة وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس، إلا من كان آتيا بهذه الأشياء الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، والنجاة معلقة بمجموع هذه الأمور. وقد كرر التواصي في الآية، للتأكيد والاهتمام، فتضمن الإيصاء الأول (وتواصوا بالحق) الدُّعَاءَ إِلَى اللَّهِ، والثاني (وتواصوا بالصبر) الثباتَ عليه، فالأول: أمرٌ بالمعروف، والثاني: نهيٌ عن المنكر. الثالثة: إن قيل: كيف يقول الشافعي أن الناس تكفيهم هذه السورة، والله سبحانه أنزل القرآن فيه الأحكام والمواعظ والأخبار مما لا يغني بعضه عن بعض؟ فالجواب: أراد ﵀ أن هذه السورة تكفيهم في الوعظ، قال العثيمين ﵀: «فكل إنسان عاقل يعرف أنه في خُسر إلا إذا اتصف بهذه الصفات الأربع، فإنه سوف يحاول بقدر ما يستطيع أن يتصف بهذه الصفات الأربع، وإلى تخليص نفسه من الخسران» (٢)، وقال أيضاً: «وليس مراده أن هذه السورة كافية للخلق في جميع الشريعة» (٣).

стр. 35

الرابعة: قال الشافعي أيضاً عن هذه السورة: «النَّاسُ فِي غَفْلَةٍ عن هذه السورة ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)﴾» (١)، فما أحرى طالب العلم خصوصاً، وكل مسلم عموماً أن يتأملوا في هذه السورة، وأن يعملوا بها، ويحققوا معناها، كي يربح المسلم في زمن الخسران، وما أكثر الذين سيخسرون، وتتفاوت أسباب الخسارة، فمنهم من سيخسر لأنه لم يؤمن، ومنهم من سبب خسرانه عدم العلم، ومنهم من سببه عدم العمل، ومنهم من يخسر لأنه لم يصبر على ما ناله من أذى، والموفق حقاً من طبّق الأربع، جعلنا الله منهم.

стр. 36

* قوله: (وَقَالَ البُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ (قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ)). البخاري: هو إمام المحدثين، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، صاحب الصحيح، وهو أصح كتاب بعد القرآن، قال: «بابٌ العلم قبل القول والعمل»، ومعلوم دقة البخاري في تراجمه، فهي من ميزات كتابه، وتبويباته غاية في النفاسة، تتميز بالاستنباط، وجودة العبارة. وقد بوب بهذا التبويب، واستدل له بقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله): ووجه الاستنباط: أن الله قدم العلم قبل القول، وهو قوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وهذا يدلك على أهمية العلم. وقدم المصنف ﵀ هذه المسائل الأربع قبل ذكر الأصول الثلاثة؛ لأن فيها تأكيداً على أهمية العلم، حتى تحتفي وتعتني بما سيذكره لك بعد ذلك، فإذا عرفت قدر العلم، وشرفه، وأن الله قدمه على العمل كنت مستعداً لما سيذكره بعد ذلك.

стр. 37

* قوله: (اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ هَذِهِ الثَّلاثِ مَسَائِل، والْعَمَلُ بِهِنَّ). بعد ذلك ذكر المصنف ﵀ المقدمة الثانية، وفيها: أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث مسائل والعمل بهن، وهذه المسائل الثلاث هي مسائل غاية في النفاسة والأهمية، على طالب العلم أن يفهمها، وأن يدركها وأن يراجع نفسه في تحقيقها، فهي وإن كانت معروفة، فإن الإشكال في تحقيق الإنسان لها.

стр. 38

* قوله: (الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (المزمل: ١٥ - ١٦)). * هذه المسألة الأولى التي ذكرها المؤلف ﵀، والكلام عليها في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قد بين المؤلف ﵀ في هذه المسألة الحكمة والمقصد من خلق الله عزو جل للناس، وبين فيها طريق تحقيق هذا المقصد. فأما الحكمة والمقصد والغاية التي أوجد الله لأجلها العباد، فهي أنه أوجدهم لكي يعبدوه سبحانه، فالله ما خلق الخلق عبثاً، ولم يوجدهم سدىً، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥) كلا، بل حاشا الله سبحانه أنه يصنع شيئاً لغير حكمة، وإنما أوجدهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، ولأجل هذه الحكمة خلق الأرض، والجبال، وسخر الأشياء لابن آدم، ليتفرغ هو لعبادة ربه سبحانه، ولأجل هذا تأتي في القرآن آيات عديدة فيها أن الله خلق الأشياء، وذرأها، وسواها، وسخرها، لبني آدم، أما ابن آدم فما خلق إلا لشيء واحد، وأمر عظيم، ومقصد شريف، وهو أن يتعبد لله سبحانه. وإذا عرفت أن هذا المقصد -وهو عبادة الله تعالى- فما هو الطريق لتحقيق هذا المقصد وهذه الغاية؟ الطريق لتحقيق العبادة: هو أن تتبع الرسول ﷺ في أوامره، وتجتنب نواهيه، فهو الطريق الذي به نعرف أحكام ربنا، ونتعبد لربنا على بصيرة كما

стр. 39

أراد سبحانه، والرسل إنما كانت مهمتهم توضيح الطريق للعباد، كي يتعبدوا لرب العباد، فلا طريق إلى الوصول إلى الله وإلى تحقيق دين الله، إلا بأن تتبع محمداً ﷺ وأن تعلم أن من عصاه دخل النار، ومن أطاعه دخل الجنة. وهذه الحكمة، وهذا المقصد تتابع الرسل على الأمر به وتبيينه للناس، قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦). المسألة الثانية: استدل المصنف على هذه المسألة بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (المزمل: ١٥ - ١٦). وقوله: (وبيلاً): أي شديداً مهلكاً، وذلك لأن الله أغرق فرعون وجنوده في البحر حينما كفروا بموسى الذي أرسله الله لهم رسولاً، وفي هذا تحذير لأهل مكة وغيرهم، أن عاقبة معارضي الأنبياء، والذين يقفون في وجه دعوتهم، أن الله يهلكهم في الدنيا، وفي الآخرة مآلهم إلى النار، كما فعل بفرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: ٤٦). نسأل الله السلامة والعافية. ولأجل هذا فالواجب تجاه الأنبياءِ اتّباعهم، وعبادة الله على مقتضى ما بينه الأنبياء، ومآل من فعل ذلك الجنة بإذن الله وبرحمته وفضله. المسألة الثالثة: ذكر المؤلف في هذه المسألة ما يتعلق بالربوبية، وبالألوهية، حيث قال في الربوبية: أن الله خلقنا ورزقنا، فإفراد الله بالخلق والرزق هو توحيد الربوبية، وهو أمر لم يخالف فيه الناس، ولأجل هذا لم يعرج عليه، فلم يقل: فمن اعتقد أنه لا خالق ولا رازق إلا هو دخل النار، وإنما قال: فمن أطاعه … ، وهذه هي المحك، وهي ما يتعلق بالألوهية.

стр. 40

* قوله: (الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضى أَنْ يُشركَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]). هذه المسألة الثانية التي ذكرها المصنف، والمراد بها: أنك إذا عرفت أن الله خلقك للعبادة، فطريق تحقيقك لعبادة الله هو أن توحده سبحانه وتفرده بالعبادة، فتجعل قصدك ووجهتك في أعمالك وعباداتك وجه الله ، ولا تشرك معه أحداً، ولو كان ملكاً، وليس أي ملك، وإنما ملكٌ مقربٌ، كجبريل، وحتى ولو كان نبياً رسولاً، جمع بين النبوة والرسالة، وإذا عرفت أنه حتى هؤلاء لا يشركون مع الله في العبادة، فغيرهم من باب أولى. * وحقيقة العبادة: لغة: «مأخوذة من التذلل والخضوع، والعِبَادَةُ: بالكسر الطَّاعةُ، وقال بعضُ أَئِمَّةِ الاشتقاق أَصْلُ العُبُودِيّةِ الذُّلُّ والخُضُوعُ» (١)، يقال: طريق مُعَبّد: أي مذلّل، أي وَطَّأَتْهُ الأقدام وذَلَّلَتْهُ بكثرة المشي عليه. قال القرطبي: «سميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى» (٢). وأما في الاصطلاح فلها نظران: ١) العبادة بمعنى التَّعَبُّد وهي فعل العابد: تفسر بالتذلل والخضوع لله
следующие страницы →