* قوله: (وَقَالَ البُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: بَابُ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ (قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ)).
البخاري: هو إمام المحدثين، أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل، صاحب الصحيح، وهو أصح كتاب بعد القرآن، قال: «بابٌ العلم قبل القول والعمل»، ومعلوم دقة البخاري في تراجمه، فهي من ميزات كتابه، وتبويباته غاية في النفاسة، تتميز بالاستنباط، وجودة العبارة.
وقد بوب بهذا التبويب، واستدل له بقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله):
ووجه الاستنباط: أن الله قدم العلم قبل القول، وهو قوله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وهذا يدلك على أهمية العلم.
وقدم المصنف ﵀ هذه المسائل الأربع قبل ذكر الأصول الثلاثة؛ لأن فيها تأكيداً على أهمية العلم، حتى تحتفي وتعتني بما سيذكره لك بعد ذلك، فإذا عرفت قدر العلم، وشرفه، وأن الله قدمه على العمل كنت مستعداً لما سيذكره بعد ذلك.
стр. 37
* قوله: (اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّه يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ هَذِهِ الثَّلاثِ مَسَائِل، والْعَمَلُ بِهِنَّ).
بعد ذلك ذكر المصنف ﵀ المقدمة الثانية، وفيها: أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلم ثلاث مسائل والعمل بهن، وهذه المسائل الثلاث هي مسائل غاية في النفاسة والأهمية، على طالب العلم أن يفهمها، وأن يدركها وأن يراجع نفسه في تحقيقها، فهي وإن كانت معروفة، فإن الإشكال في تحقيق الإنسان لها.
стр. 38
* قوله: (الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولاً، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (المزمل: ١٥ - ١٦)).
* هذه المسألة الأولى التي ذكرها المؤلف ﵀، والكلام عليها في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: قد بين المؤلف ﵀ في هذه المسألة الحكمة والمقصد من خلق الله عزو جل للناس، وبين فيها طريق تحقيق هذا المقصد.
فأما الحكمة والمقصد والغاية التي أوجد الله لأجلها العباد، فهي أنه أوجدهم لكي يعبدوه سبحانه، فالله ما خلق الخلق عبثاً، ولم يوجدهم سدىً، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٥) كلا، بل حاشا الله سبحانه أنه يصنع شيئاً لغير حكمة، وإنما أوجدهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، ولأجل هذه الحكمة خلق الأرض، والجبال، وسخر الأشياء لابن آدم، ليتفرغ هو لعبادة ربه سبحانه، ولأجل هذا تأتي في القرآن آيات عديدة فيها أن الله خلق الأشياء، وذرأها، وسواها، وسخرها، لبني آدم، أما ابن آدم فما خلق إلا لشيء واحد، وأمر عظيم، ومقصد شريف، وهو أن يتعبد لله سبحانه.
وإذا عرفت أن هذا المقصد -وهو عبادة الله تعالى- فما هو الطريق لتحقيق هذا المقصد وهذه الغاية؟
الطريق لتحقيق العبادة: هو أن تتبع الرسول ﷺ في أوامره، وتجتنب نواهيه، فهو الطريق الذي به نعرف أحكام ربنا، ونتعبد لربنا على بصيرة كما
стр. 39
أراد سبحانه، والرسل إنما كانت مهمتهم توضيح الطريق للعباد، كي يتعبدوا لرب العباد، فلا طريق إلى الوصول إلى الله وإلى تحقيق دين الله، إلا بأن تتبع محمداً ﷺ وأن تعلم أن من عصاه دخل النار، ومن أطاعه دخل الجنة.
وهذه الحكمة، وهذا المقصد تتابع الرسل على الأمر به وتبيينه للناس، قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).
المسألة الثانية: استدل المصنف على هذه المسألة بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ (المزمل: ١٥ - ١٦).
وقوله: (وبيلاً): أي شديداً مهلكاً، وذلك لأن الله أغرق فرعون وجنوده في البحر حينما كفروا بموسى الذي أرسله الله لهم رسولاً، وفي هذا تحذير لأهل مكة وغيرهم، أن عاقبة معارضي الأنبياء، والذين يقفون في وجه دعوتهم، أن الله يهلكهم في الدنيا، وفي الآخرة مآلهم إلى النار، كما فعل بفرعون وقومه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (غافر: ٤٦). نسأل الله السلامة والعافية.
ولأجل هذا فالواجب تجاه الأنبياءِ اتّباعهم، وعبادة الله على مقتضى ما بينه الأنبياء، ومآل من فعل ذلك الجنة بإذن الله وبرحمته وفضله.
المسألة الثالثة: ذكر المؤلف في هذه المسألة ما يتعلق بالربوبية، وبالألوهية، حيث قال في الربوبية: أن الله خلقنا ورزقنا، فإفراد الله بالخلق والرزق هو توحيد الربوبية، وهو أمر لم يخالف فيه الناس، ولأجل هذا لم يعرج عليه، فلم يقل: فمن اعتقد أنه لا خالق ولا رازق إلا هو دخل النار، وإنما قال: فمن أطاعه … ، وهذه هي المحك، وهي ما يتعلق بالألوهية.
стр. 40
* قوله: (الثَّانِيَةُ: أَنَّ الله لا يَرْضى أَنْ يُشركَ مَعَهُ أَحَدُ فِي عِبَادَتِهِ، لا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]).
هذه المسألة الثانية التي ذكرها المصنف، والمراد بها: أنك إذا عرفت أن الله خلقك للعبادة، فطريق تحقيقك لعبادة الله هو أن توحده سبحانه وتفرده بالعبادة، فتجعل قصدك ووجهتك في أعمالك وعباداتك وجه الله ، ولا تشرك معه أحداً، ولو كان ملكاً، وليس أي ملك، وإنما ملكٌ مقربٌ، كجبريل، وحتى ولو كان نبياً رسولاً، جمع بين النبوة والرسالة، وإذا عرفت أنه حتى هؤلاء لا يشركون مع الله في العبادة، فغيرهم من باب أولى.
* وحقيقة العبادة:
لغة: «مأخوذة من التذلل والخضوع، والعِبَادَةُ: بالكسر الطَّاعةُ، وقال بعضُ أَئِمَّةِ الاشتقاق أَصْلُ العُبُودِيّةِ الذُّلُّ والخُضُوعُ» (١)، يقال: طريق مُعَبّد: أي مذلّل، أي وَطَّأَتْهُ الأقدام وذَلَّلَتْهُ بكثرة المشي عليه.
قال القرطبي: «سميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات؛ لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى» (٢).
وأما في الاصطلاح فلها نظران:
١) العبادة بمعنى التَّعَبُّد وهي فعل العابد: تفسر بالتذلل والخضوع لله
стр. 41
بفعل الأوامر وترك النواهي، يقال: هذا مُتَعَبِّدٌ لله أي أنه متذلل لله تعالى بالخضوع والذل، وقال ابن عثيمين في تعريفها: «هي التذلل لله محبة وتعظيماً بفعل أوامره واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه» (١)، وعرفها ابن القيم في نونيته فقال:
وعبادة الرحمن غاية حبه … مع ذل عابده هما قطبان
وعليهما فلك العبادة دائر … ما دار حتى قامت القطبان
ومداره بالأمر أمر رسوله … لا بالهوى والنفس والشيطان
٢) العبادة بمعنى المُتَعَبَّدُ به من صلاة وصيام وغير ذلك من أنواع العبادة، وهذا ما يصدق عليه تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنها: «اسْم جَامع لكل مَا يُحِبهُ الله ويرضاه من الْأَقْوَال والأعمال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة» (٢)، قال الشيخ الحكمي ﵀:
ثُمَّ الْعِبَادَةُ هِيَ اسْمٌ جَامِعُ … لِكُلِ مَا يَرْضى الْإِلَهُ السَّامِعُ
* وتنقسم العبادات إلى:
١ عبادات محضة: وهي كل فعل لا يعلم إلا من الشارع.
٢ عبادات غير محضة: وهي الأفعال والأقوال التي ليست عبادات من أصل مشروعيتها، ولكنها تتحول بالنية الصالحة إلى عبادات (٣).
* وللعبادة شرطان:
١) الإخلاص: فإن الله لا يقبل من العمل إلا الخالص لوجهه ،
стр. 42
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: ٥)، وقَال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (الزمر: ٣).
٢) المتابعة للرسول ﷺ : فإن الله لا يقبل من العمل إلا الموافق لهدي الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، وقَال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: ٦٥).
* وللعبادة ركنان:
الأول: كمال الخضوع والذل، والمراد أن يستكين العبد لله ويخضع ويذل و ينقاد له، كلما سمع أمرًا أو نهيًا انقاد سمعاً وطاعةً
الثاني: كمال المحبة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، قال ابن تيمية: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذل، فالعابد محب خاضع، بخلاف من يحب من لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف من يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم، فإن كلا من هذين ليس عبادة محضة» (١).
* والعبادة نوعان:
١) عبادة كونية: وتسمى عبودية الربوبية، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الكوني وهذه عامة وشاملة لجميع الخلق لا يخرج عنها أحد، لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فهي شاملة للمؤمن والكافر، والبر والفاجر.
стр. 43
٢) عبادة شرعية: وتسمّى عبادة الطاعة والامتثال، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي وهذه خاصة بمن أطاع الله تعالى، واتبّع ما جاءت به الرسل، مثل قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
* والعبادة بحسب ما تقوم به من الأعضاء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: عبادات اعتقادية: كالمحبة والخوف والرجاء والإنابة والخشية والرهبة والتوكل ونحو ذلك.
القسم الثاني: عبادات لفظية: كالحمد والتهليل والتسبيح والاستغفار وتلاوة القرآن والدعاء ونحو ذلك.
القسم الثالث: عبادات بدنية: كالصلاة والصيام والزكاة والحج والصدقة والجهاد، ونحو ذلك (١).
بعد هذا أقول: الواجب أن تحقق العبادة لله ؛ وذلك: لأن الله هو المستحق وحده للعبادة، وما سواه من الناس ومن الخلق، فهم مخلوقات له، فالشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب كلها تسجد لله، وتذل له، وتسبح له، فكيف تشرك مع الله أحدا؟! كيف تدعو مع الله غيره؟!، فالعبادة لا تسمى عبادة إلا إذا اقترنت بالتوحيد لله تعالى، قال المجدد ﵀ في قواعده الأربع: «فاعلم أن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة».
وجماع القول: أن تعلم أن العبادة لا تصح حتى توحّد الله، وبدون
стр. 44
التوحيد تكون العبادة لاغية، وعبادة الإنسان المشرك لا اعتبار لها؛ لأن شرط قبول العمل أن يوحّد العبدُ قصدَه ويخلصَ عمله لله .
ثم استدل على ذلك: بقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨).
وقوله: (أحداً): نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، أي أنه لا يدعى مع الله أحدٌ أياً كان، ملكاً، أو نبياً، أو جبلاً، أو حجراً، أو رجلاً صالحاً، أو غير ذلك لا تدعو مع الله أحداً.
* والدعاء عند أهل العلم نوعان:
١) دعاء المسألة. ٢) دعاء العبادة.
ويأتي الكلام عليهما عند ذكر عبادة الدعاء.
وخلاصة المسألة: أن تعلم أن العبادة لا تعتبر صحيحة، حتى تخلصها لله، ولا تشرك معه سبحانه غيره، ولو كان أفضل الخلق.
стр. 45
* قوله: (الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: ٢٢)).
* هذه هي المسألة الثالثة، والكلام عليها في أربع مسائل:
الأولى: معنى هذه المسألة: أن من تمام تحقيق الدين أن توالي وتعادي في الله ، فالإسلام يتم بأن تتعبد لله وتوحده، وأن توالي المسلمين وتعادي الكفار، ولأجل ذلك فإن تعريف الإسلام: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (الممتحنة: ٤)، فالدين فيه أن تعبد، وفيه موالاة ومعاداة.
الثانية: الموالاة أصلها من الولاية، والولاية: هي المحبة، فالمسلم يحب كل مسلم، ويواليه بقدر ما عنده من الدين، وهذا من الوسائل التي تنال بها السعادة، قال النبي ﷺ : «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: … ، وذكر منها: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ» (١).
وأيضاً أن تعادي في الله، فتبغض الكفار وتبغض ما هم عليه من الكفر
стр. 46
وينطوي قلبك على بغضهم؛ لأنهم يبغضون دينك، ولم يطيعوا نبيك ﷺ ، ولم يعبدوا ربك ، فلا يجوز أن يكون في قلبك حب لهم لما هم عليه من كفر وشرك.
الثالثة: اعلم أن الموالاة للكفار قد تكون مخرجة من الدين، وقد تكون محرمة، فهي تنقسم إلى قسمين:
١) موالاةٌ كبرى، وهي ما تسمى بكفر التولي.
٢) موالاة صغرى.
النوع الأول: الموالاة الكبرى وهي ما تسمى بكفر التولي، أو الموالاة المطلقة أو مظاهرة المشركين، وهي مخرجةٌ من الملة: وهذا النوع دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وهذه الموالاة تقع بعدة أمور:
أولاً: محبة الكفار والمشركين لأجل دينهم.
ثانياً: الرضا بكفرهم.
ثالثاً: عدم تكفيرهم سواء كانوا من اليهود أو النصارى أو المجوس أو غيرهم من الطوائف.
رابعاً: تصحيح مذهبهم.
خامساً: الشك في كفرهم.
سادساً: مدح دينهم.
وربما صحب ذلك بغض المسلمين، والسعي لأن يقصم ظهر الإسلام، وأن يتغلب الكفر على الإسلام فهذا لا يجوز، وهو مخرج من الدين، ويدل على كونه كفراً عدة أدلة، منها:
١ - قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٥١).
стр. 47
٢ - أن الله عدّ الولاء للكفار من صفات المنافقين فقال: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ … ﴾ (المائدة: ٥٢).
٣ - أن الله عدّ الموالاة للكفار لا تجتمع مع الإيمان فقال: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة: ٨١).
٤ - أن حاطب بن أبي بلتعة ﵁ حين وقع له ما وقع قال للنبي ﷺ : «وَلَمْ أَفْعَلْهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ» (١)، فدل على أنه قد يكون الفعل هذا كفراً بما يحتف به.
النوع الثاني: الموالاة الصغرى، وهي صغرى باعتبار الأولى، وإلا فهي في نفسها من أكبر الكبائر، وهي محرمة غير مخرجة من الدين إذا توافر فيها أمران:
١ - إذا كانت لأجل أمر دنيوي، مثل أن تكون لأجل شيء من تعامله، أو سياسته، أو غير ذلك من الأشياء.
٢ - أن لا يترتب عليها نصرتهم على شركهم وكفرهم.
فبهذين القيدين تكون المحبة للكافر محرمة، لكنها لا تُخِرجُ من الدين.
والدليل على أنها ليست بكفر: قول الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (الممتحنة: ١)، فذكر في أول الآية أنهم مؤمنون، وناداهم بالمؤمنين، ونهاهم أن يقعوا في مثل هذا الأمر.
وقصة حاطب ابن أبي بلتعة ﵁، التي وقعت في فتح مكة حينما أرسل إلى قوم من المشركين يخبرهم باستعداد النبي ﷺ لغزو مكة، كان ذلك منه ليس لأجل أنه يوافقهم على كفرهم، ولذلك قال يا رسول الله: والله ما حملني
стр. 48
على هذا محبة الشرك وكراهة الإسلام، ولكن ما من أحد من أصحابك إلا وله يد يحمي بها ماله وليس لي يدٌ أحمي بها مالي، فأردت أن يكون لي بذلك يدٌ أحمي بها مالي، فقال النبي ﷺ : «صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا» (١)، وذلك لأنه قد شهد بدرا، وأما فعله فكان لا يجوز كما دلت عليه النصوص.
الرابعة: استدل المصنف على هذه المسألة بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: ٢٢). قال ابن الجوزي: «وهذه الآية قد بينت أن مودة الكفار تقدح في صحة الإيمان وأن من كان مؤمنا لم يوال كافراً، وإن كان أباه أو ابنه أو أحداً من عشيرته» (٢).
فالمؤمنون لا يوادون من حاد الله، و إنما لا يوادون إلا المؤمنين ويعادون الكفار والمشركين، هذه صفات المؤمنين، ولو كان هذا الكافر قريباً من أقاربهم لو كان أخاً أو ابناً أو زوجاً أو عماً، فإن قلبه ينطوي على بغض هذا الكافر لما هو عليه من الكفر. ولذلك كان الإمام أحمد يقول: «لا أطيق أن أنظر إلى نصراني كيف أنظر إليه وهو يقول إن الله ثالث ثلاثة … ؟»، فما بالك بمن يحبهم ويواليهم ويخالطهم ويمازحهم وليس في قصده دعوتهم للإسلام، وإنما حبه لهم، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 49
* قوله: (اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ، أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ (١) إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وَمَعْنَى ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾: يُوَحِّدُونِ، وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوْحيِدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ. وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْه الشركُ، وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]).
هذه هي المقدمة الثالثة التي ذكرها الشيخ قبل كلامه عن الأصول الثلاثة.
* والكلام عليها سيتضمن خمسة أمور:
أولها: معنى الحنيفية: الحنيفية مأخوذة من الحنف وهو الميل، قال ابن منظور: «الحنيفية فِي اللُّغَةِ المَيْلُ، والمعنَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَنَفَ إِلَى دينِ اللَّهِ وَدِينِ الإِسلامِ» (٢).
والمراد بالحنيفية: عبادة الله ، وتوحيده، وإخلاص العبادة له.
وإنما سميت عبادة الله على وجه الإخلاص والتوحيد حنيفية: لأنها ميل عن الشرك إلى الإسلام والتوحيد.
قال ابن القيم: «الحنيفية تتضمن الإقبال على الله بالعبادة والإجلال والتعظيم والمحبة والذل» (٣).
стр. 50
وقد كان الناس على دين إبراهيم، ثم انحرفوا، فعبدوا غير الله تعالى، ومن هؤلاء أهل مكة، فقد كان قوم من أهل مكة قد بقوا على الحنيفية، منهم أربعةٌ ذكر ابن هشام خبرهم فقال: «اجتمع وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَلَّمُوا وَاَللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ! لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ! مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، يَا قَوْمِ الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ دِينًا، فَإِنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الْحَنِيفِيَّةَ، دِينَ إبْرَاهِيمَ» (١).
فلما جاء محمد ﷺ دعا الناس لهذه الحنيفية، وهي ملة الإسلام.
الأمر الثاني: قد نسب الشيخ ﵀ الحنيفية إلى إبراهيم ﵈ فقال: «أن الحنيفية ملة إبراهيم»، وإنما نسبت لإبراهيم ﵈؛ لأمرين، والله أعلم:
أولهماً: لأنه أبو الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وثانياً: لأن إبراهيم هو المذكور في آيات القرآن التي ورد فيها الأمر بالحنيفية، قال الله : ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (النساء: ١٢٥)، وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠)، وقال أيضاً: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (آل عمران: ٦٧).
وقد يضاف إلى هذا أنه من أولي العزم، وقد تكرر ذكر منهجه في مواضع كثيرة للاقتداء به.
стр. 51
ولذلك فإبراهيم ﵈ قد عُرِفَ عنه أنه وقف الوقفة الصارمة تجاه قومه وعبادتهم لغير الله ، وخبره مع أبيه آزر ومع قومه مشهور، وهذا دليل على توحيده وقيامه به حق قيامه وجهاده به حق جهاده في شأن تحقيق التوحيد، والحنيفية، ونبذ الشرك ونحو ذلك.
الأمر الثالث: الحنيفية هي دين الأنبياء جميعاً، ولأجلها خلق الله الناس، ولذلك قال الشيخ ﵀: وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها -أي الحنيفية- فالله خلق الناس ليعبدوه على وجه الإخلاص والتوحيد، والعبادة لا تصح حتى يعبد العبد ربه موحداً له، أما من عبده و هو مشرك فلا تصح عبادته.
فهذه العبادة -التي هي الحنيفية- هي الأمر الذي لأجله خلق الله الناس.
ثم استدل الشيخ ﵀ بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، ومعنى يعبدون -أي يوحدون- وقد نقل عن ابن عباسٍ أنه قال: «كل موضعٍ في القرآن، اعبدوا الله، فمعناه: وَحِّدوا الله» (١).
واللام في قوله (ليعبدون) للتعليل، ففيها بيان سبب خلق الله تعالى للجن والإنس.
والآية جاءت بأسلوب الحصر، فإن الاستثناء بعد النفي يفيد الحصر -وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه- والمعنى: خلقت الجن والإنس لغاية واحدة هي العبادة لله وحده دون ما سواه.
وقال أيضاً: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).
стр. 52
وهذا في العموم، أما في خصوص دعوات الأنبياء فقد تبين في القرآن أن دعوتهم كان مدارها على التوحيد.
قال تعالى حكاية عن نوح ﵈: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (المؤمنون: ٢٣).
وقال حكاية عن هود ﵈: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ٦٥).
وقال حكاية عن صالح ﵈: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٧٣).
وقال حكاية عن شعيب ﵈: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف: ٨٥).
فالتوحيد هو أساس دعوات الرسل جميعاً، والداعي إلى التوحيد مقتدٍ بهؤلاء الأنبياء.
الأمر الرابع: مما ذكره الشيخ ﵀ في هذه المقدمة، أنه أشار فيها إلى أعظم الأوامر وإلى أعظم النواهي، فنبينا ﷺ أمر بأوامر مبلغاً عن الله، ونهى عن نواهي، وليست هذه الأوامر على درجة واحدة، وكذا النواهي ليست على درجة واحدة، والإنسان يميز بين الأوامر، فيقدم بعضها على بعض، وأعظم أمرٍ أمر الله به هو التوحيد.
والتوحيد الذي أمر الله به هو: إفراد الله بألوهيته وربوبيته وبأسمائه وصفاته، وهذا يشمل أنواع التوحيد الثلاثة، الألوهية، والربوبية، والأسماء والصفات.
فإفراد الله بالربوبية: أن تعتقد أن الله وحده هو الربّ الخالق الرازق المدبر.
стр. 53
وإفراده بالألوهية: بأن تعتقد بأنه وحده الإله المستحق للعبادة، فلا تصرف شيئاً من العبادة إلا له .
وتوحيد الأسماء والصفات هو: أن تصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله ﷺ .
وأما النواهي فأعظمها: الشرك، وهو دعوة غيره معه، أياً كان هذا الغير، فإن قيل: فما حقيقة الشرك؟
الشرك له في الشرع معنيان: عام وخاص.
١ - المعنى العام: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه، ويندرج تحته ثلاثة أنواع:
الأول: الشرك في الربوبية: وهو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الربوبية، أو نسبة شيء منها إلى غيره، كالخلق والرزق والإيجاد والإماتة والتدبير لهذا الكون ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (فاطر: ٣).
الثاني: الشرك في الأسماء والصفات: وهو تسوية غير الله بالله في شيء منها، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصيرُ﴾ (الشورى: ١١).
الثالث: الشرك في الألوهية: وهو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الألوهية، كالصلاة والصيام والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر ونحو ذلك، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٦٥).
٢ - المعنى الخاص: وهو أن يتخذ للهِ نداً يدعوه كما يدعو الله ويسأله الشفاعة كما يسأل الله ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، وهذا
стр. 54
هو المعنى المتبادر من كلمة «الشرك» إذا أطلقت في القرآن أو السنة.
* وينقسم الشرك إلى قسمين: أكبر وأصغر.
أ) الشرك الأكبر هو: اتخاذ ند مع الله يعبد كما يعبد الله، وهو ناقل من ملة الإسلام محبط للأعمال، فمثاله في الاعتقادات: اعتقاد أن غير الله يستحق العبادة، ومثاله في الأعمال: الذبح لغير الله، ومثاله في الأقوال: دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله (١).
стр. 55
ب) الشرك الأصغر هو: كل ما كان ذريعة إلى الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، ونهى عنه الشرع وسماه شركاً، ولا يخرج من الملة.
وهو قد يكون في الأعمال، ومن ذلك يسير الرياء كما قال ﷺ : «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشركُ الْأَصْغَرُ. قَالُوا: وَمَا الشركُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الرِّيَاءُ» (١).
وقد يكون في الأقوال: ومنه الحلف بغير الله كما ثبت عن النبي ﷺ قوله: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشركَ» (٢).
وقد يصير الشرك الأصغر شركاً أكبر بحسب ما يقوم بقلب صاحبه (٣).
* والفرق بين الشرك الأكبر والأصغر من وجوه:
١ - أن الشرك الأكبر لا يغفر الله لصاحبه إلا بالتوبة، وأما الأصغر فاختلف
стр. 56
فيه العلماء، فمنهم من جعله تحت المشيئة، ومنهم من قال لا يغفر إلا بتوبة.
٢ - أن الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
٣ - أن الشرك الأكبر مخرج لصاحبه من ملة الإسلام، وأما الأصغر فلا يخرجه منها.
٤ - أن الشرك الأكبر صاحبه خالد في النار ومحرمة عليه الجنة، وأما الأصغر فكغيره من الذنوب.
واعلم أن الوعيد على الشرك يشمل النوعين، وإنما كان الشرك أعظم أمر نهى الله عنه؛ لأن فيه هضما لربوبية الله وتنقصا لألوهيته، ولأن فيه تسوية للخالق بالمخلوق.
* فإن قيل: ما الدليل على أن أعظم الأوامر التوحيد، وأعظم النواهي الشرك؟
= دل على ذلك نصوص عديدة.
منها: أن الله حين أوصى العباد بالوصايا العشر ابتدأها بالتوحيد والتحذير من الشرك فقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (الأنعام: ١٥١).
وأيضاً فإن الله ذكر أن الشرك هو محبط الأعمال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥).
ومنها أن الله حين ذكر الشرك بيّن أنه لا يغفر، فدل على عظمه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: ١١٦)، وذكر أنه أعظم الظلم فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣).
стр. 57
قال السعدي: «فكان أعظم مقامات دعوته ﷺ دعوته إلى التوحيد الخالص والنهي عن ضده، دعا الناس لهذا، وقرره الله في كتابه، وصرفه بطرق كثيرة واضحة تبين وجوب التوحيد وحُسنه، وتعينه طريقاً إلى الله وإلى دار كرامته، وقرر إبطال الشرك والمذاهب الضارة بطرق كثيرة احتوى عليها القرآن، وهي أغلب السور المكية» (١).
وقال الشيخ حافظ الحكمي في منظومته (٢):
أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ … مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ
إِذْ هُوَ مِنْ كُلِ الْأَوَامِرِ أَعْظَمُ … وَهْوَ نَوْعَانِ أَيَا مَنْ يَفْهَمُ
إذا علمت هذا فالواجب عليك يا طالب العلم أن تعنى غاية العناية بالدعوة إلى توحيد الله، ونبذ الشرك كبيره وصغيره، فالأرض في زماننا قد كثر فيها الإشراك، والداعية إلى الله هو الطبيب الذي يداوي هؤلاء المرضى، واعلم أن هدي النبي ﷺ الأمر بالتوحيد، والبداءة به قبل كل شيء، فلم يقل إن دعوتي للتوحيد ستهيج الناس علي، وتجعلهم يعرضون عني، بل ابتدأ به، فصارت المفاصلة بينه وبين قومه، وكذا إبراهيم ﵈، فإن الله تعالى قال عنه في القرآن: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: ٤).
وإذا علمت أن الدعوة للتوحيد هي طريق الأنبياء، فاعلم أن من سلك طريقهم فلربما ناله بعض ما نالهم من أذى، فليستعد لذلك، فالأنبياء نالهم من الأذى في سبيل ذلك الكثير، قال ابن القيم: «وَالطَّرِيق طَرِيق تَعب فِيهِ آدم
стр. 58
وناح لأَجله نوح وَرمي فِي النَّار الْخَلِيل وأضجع للذبح إِسْمَاعِيل وَبيع يُوسُف بِثمن بخس ولبث فِي السجْن بضع سِنِين وَنشر بِالْمِنْشَارِ زَكَرِيَّا وَذبح السَّيِّد الحصور يحيى وقاسى الضّر أَيُّوب وَزَاد على الْمِقْدَار بكاء دَاوُد وَسَار مَعَ الْوَحْش عِيسَى وعالج الْفقر وأنواع الْأَذَى مُحَمَّد ﷺ » (١).
الأمر الخامس: قد يتبادر سؤال، وهو إذا عرفنا أن التوحيد يشمل أنواعاً ثلاثة فهنا ذكر المصنف إفراد الله بالعبادة، فلِمَ لم يذكر إلا توحيد الألوهية؟ وكذا في الشرك؟!
والجواب: أن المصنف ﵀ لا يخفى عليه أن التوحيد يشمل الأنواع الثلاثة، وإنما نبه على واحد؛ لأن الاختلاف قد وقع عليه، وهو توحيد الألوهية، ولذلك قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦)، فدعوة الأنبياء ودعوة الرسل غالبها يدور على توحيد الألوهية.
* أما توحيد الربوبية فكثير من الناس، حتى كفار قريش يؤمنون به ويصدقون به ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (الزخرف: ٨٧)، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون: ٨٤ - ٨٥)، إنما الإشكال والخلل وقع في توحيد الألوهية فنبه الشيخ على ذلك، وهذا من باب ذكر بعض أفراد العام، وإلا فالتوحيد يشمل توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، كلها داخلة في توحيد الله .
* خلاصة الكلام: أن الحنيفية هي أن تعبد الله مخلصاً له وموحداً، ولا تقع في شيء من الشرك.
стр. 59
* قوله: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟
فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
* الكلام على هذه الجملة في مسألتين:
المسألة الأولى: قوله: (الأصول الثلاثة).
سبق بيان معنى الأصول، وأن الأصل: هو ما ينبني عليه غيره، وقد يكون حسياً، وقد يكون معنوياً، والأصول هنا أصول معنوية وليست حسية.
والمؤلف ﵀ أتى بالأصول الثلاثة على طريقة السؤال والجواب؛ لأن ذلك أدعى للفهم وأبقى للحفظ وأنشط للطالب وللمستمع، وفيه تشويق، وتسهيل لحصر المعلومة، وهو أسلوب معروف من أساليب التعليم.
المسألة الثانية: ذكر المؤلف ﵀ هذه الثلاث -معرفة العبد ربه ومعرفة دينه ومعرفة نبيه محمد ﷺ لأنها الأمور التي سيسأل عنها في القبر، وهذه الثلاث إذا تأملتها وجدت أنها تشمل الدين كله.
وتأمل قوله: (معرفة): والمعرفة هي العلم، بأن يعرف ذلك بدليله، بأن لا يقلد في هذه الأمور الثلاثة، وإنما يعرفها بدليلها، لذلك عقد هذه الأصول الثلاثة، وساق أدلتها، فلزامٌ على طالب العلم وغيره أن يعتقد هذه الثلاث ويعرف دليلها.
واعلم أن المؤلف ذكرها أولاً مجملة، ثم شرع في ذكرها بالتفصيل.
*
стр. 60
قوله: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟
فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. وَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ).
* الكلام على هذه الجملة في ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أول أمرٍ ينبغي أن يعرفه الإنسان هو أن يعرف ربه سبحانه، وذلك لأنه سبحانه الخالق، المدبر، الذي بيده كل شيء، فأهم أمرٍ تعرفه أن تعرف ربك، ولو علم الإنسان كل شيء وجهل ربه فهو الجاهل حقاً، وإذا عرف العبد ربه حق المعرفة فلا يضره لو جهل علوم الدنيا.
* فإن قيل: وما المراد بمعرفة الله سبحانه؟
هذا أصلٌ يدخل تحته ثلاثة أمور:
١/ أن يعرف العبدُ ربه بربوبيته، فتفرده بما يختص به من معاني الربوبية من الخلق والملك والتدبير.
٢/ أن يعرف العبدُ ربه بألوهيته، بأن يعرف أنه هو الذي ينبغي أن يفرد بكل العبادات القلبية والبدنية والقولية.
٣/ أن يعرفه بأسمائه وصفاته، بأن يعرف ما يختص الله به من الأسماء والصفات، وما يجب على الإنسان تجاه هذه الأسماء والصفات
المسألة الثانية: قال المؤلف: إذا قيل لك من ربك.
السائل هنا مبهم، ولا يحتاج إلى أن تعرفه، وإنما إذا قال لك أي قائل، مسلم، أو كافر، مَلَك، أو غيرُ ملَكٍ، في القبر، أو في الدنيا، من ربك؟
стр. 61
= فليكن جوابك: ربي الله، ثم زاد المؤلف ذلك إيضاحاً بقوله: الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمه، أي أنه سبحانه هو الذي أجزل علي النعمة، وربى جميع العالمين بنعمه، وجميع الخلق هم داخلون تحت نعم الله ، لا يستغني أحد عن إنعامه، فمن الناس من يرزقه الله النعم الدينية والدنيوية، ومن الناس من يرزقه النعم الدنيوية فقط، لكن الجميع يتنعم بنعم الله ، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: ٥٣).
ثم قرر أن هذا المعبود سبحانه هو معبودي وليس لي معبود سواه، فكونك تعرف أن الله هو الذي أجزل لك النعم، هذا لا يكفي، بل لابد أن تعلم أنه هو المعبود الذي ليس لك معبود سواه، وتقرّ بذلك بلسانك وأفعالك فلا تتوجه لغيره بشيء من العبادات.
المسألة الثالثة: استدل المؤلف على هذا الكلام الذي قرره بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: ٢)، ثم قال: وكل ما سوى الله عالم.
والمعنى: أن الله خلق في الأرض أنواعاً متعددة من العوالم، أو العالمين (١)، فالجن عالم، والإنس عالم، والحيوانات كل واحدة منها عالم، عالم الطير، وعالم الزواحف، وهكذا، من أنواع أعلمها وأخرى لا أعلمها، وأنواعٍ يعلمها الناس، وأنواع لا يعلمها أحد من الناس، لكن أنا واحد من واحد من أنواع هذه العوالم، وهذا يدلك على أمرين:
١. أنه ضعيف، فهو لا شيء أمام عظم وكثرة مخلوقات الله تعالى.
٢. أنه داخل تحت قول الله : ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الفاتحة: ٢)، وحينها فهو عبد مربوب لله .
стр. 62
* قوله: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟
فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ: اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَا بَيْنَهُمَا).
التعرف على الله سبحانه لا بد له من وسيلة، فجاء السؤال عن هذه الوسيلة: بم عرفت ربك، وكيف عرفته؟
= الجواب: أن العبد يعرف الله بأمرين:
١ - آيات الله سبحانه: والآية هي العلامة والبرهان، وآياته تعالى نوعان:
أ- الآيات الشرعية: وهي وحي الله المنزل على عبده، فالآيات الشرعية هي الوحي المنزل على النبي ﷺ ، وما أكثر الآيات التي في القرآن، تُعرِّفُ العبد بربه سبحانه، ففي القرآن آياتٌ فيها تعظيم الله، وفيها ذكر أسمائه وصفاته، وفيها بيان أنه الخالق الرازق ونحو ذلك، ولأجل هذا: فإن من أعظم أسباب تعظيم الله، ومعرفته حق المعرفة، أن يتأمل الإنسان في القرآن، ويقرأه قراءة تدبر وتأمل، فكم حَيت بآيِه من قلوب، وزالت من جهالات، وما طالع أحدٌ القرآن إلا وخرج منه بزيادة إيمان، وسعة علم، وانشراح صدر، والموفق من وفقه الله.
ب- الآيات الكونية: وهي ما خلقه الله وما يحدثه في الكون، إيجاداً وخلقاً، وإعداماً ونقصاً، ونحو ذلك، وكم في الكون من آياتٍ تدل على وجود الله سبحانه، وعلى ملكه وربوبيته واستحقاقِهِ العبادة دون من سواه، وتقليبُ العبد بصره إلى الكون يزيده تعظيماً لله تعالى، فسير الشمس بانتظام، ثم يعقبها القمر، لا يسبق هذا على هذا، في دقة متناهية، وتعاقب الفصول،
стр. 63
وحركة الرياح، وانتظام معاش الناس، ونزول المطر، وخروج الثمار، بعد بذرها، وغير ذلك، كله دالٌ على أن الله وحده لا شريك له، فلا أحد يستحق العبادة إلا مبدع هذه الأشياء.
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه الواحد
٢ - مخلوقات الله تعالى: فيتعرف العبد على الله بمخلوقاته، والمخلوقات: كل ما وجد بعد أن لم يكن موجوداً، وهي داخلة في آياته الكونية، ولكنه تخصيص بعد تعميم، ومن أمثلة ذلك: خَلقُ اللهِ للجبال، وللطيور، وللأشجار، وغير ذلك، مع انتظام في المعيشة، ورزق كل شيء بحسبه، كله يدل على أن الله هو الخالق سبحانه.
ثم ذكر مثالاً على الآيات، فقال: الليل والنهار، والشمس والقمر، ومثالاً على المخلوقات، فقال: من مخلوقاته السماوات السبع، والأرضون السبع، ومن فيهن وما بينهما.
стр. 64
* قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]).
ذكر المؤلف آيتين استدل بهما على أن من طرائق التعرف على الله النظر في آياته ومخلوقاته.
أما الأولى: فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ (فصلت: ٣٧).
وقد تضمنت الآية ذكر بعض آيات الله الكونية، فالعبد الذي يرى الشمس والقمر والليل والنهار وتغييرها وتقليبها، نهار يعقب ليل، وليل يعقب نهار، وآيات ومعجزات، يوقن بأن الله هو وحده الذي يستحق العبادة، لا أحد سواه، فكيف يتوجه بعد رؤيته لكل هذه المعجزات والآيات، فيتعبد لغير الله ؟!
وأما الثانية: فقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، إلى أن قال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: ٥٤).
وقد تضمنت الآية أيضاً ذكراً لبعض آيات الله الكونية، فذكر الشمس، والقمر، والنجوم، والجبال، وبيّن أنها على عظمها وضخامتها مسخرات
стр. 65
بأمره ، فإذا استقر في ذهن المسلم هذا، وأيقن بأن هذه الأشياء العظيمة يدبرها الله ويقلبها كيف يشاء، دلّه هذا على وجود ربٍ ، فلا يمكن أن يدار الكون بانتظام، إلا بوجود خالق له مدبر، ولا يمكن أن تسير أمور العباد، إلا وثمة من يدبرها وحده، ولا يشاركه معه غيره، وهذا الواحد هو الله ، ولو فرض معه من يدبره معه لاضطربت الأمور، وما استقرت، فلا يمكن أن تستقيم أمور قرية ولها مدبران، فكيف تستقيم أمور الكون بأكمله بوجود مدبر مع الله، كما قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: ٩١).
إذن فهذا المدبر -وهو الله هو وحده هو الذي يستحق منك أن تعبده.
стр. 66
* قوله: (وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]).
حينما يأتي في الآيات ذكر الرب، فاعلم أن الرب هو المعبود سبحانه، وحينما يأتي ذكر خلق الله وربوبيته، فاعلم أن خالق هذه الأشياء هو الرب المستحق للعبادة دون من سواه.
وكثيراً ما يأتي في القرآن آيات فيها ذكرٌ وإثباتٌ لربوبية الله، ليستدل بها على توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك: الآية التي ذكرها، وهي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ (البقرة: ٢١ - ٢٢).
فتأمل أن الله سبحانه جعل تفرده بخلق الناس حاضرهم وسابقهم، ووضعه الأرض للأنام، وتذليله إياها ليمشوا في مناكبها وينعموا برزقه، ورفعه السماء بغير عمد يرونه، وإنزال المطر، وإخراج الثمار على إثره، جعل هذا سبباً وباباً إلى توحيد الإلهية، وآية بينة على استحقاقه وحده العبادة.
ولا شك أن هذا طريقٌ نافعٌ لإثبات الألوهية، فإن قلب الإنسان يتعلق أولاً بمصدر خلقه، ومنشأ نفعه وضره، ثم ينتقل بعد ذلك إلى الوسائل التي تقرب إليه وترضيه عنه وتوثق صلته به.
стр. 67
فتوحيد الربوبية بابٌ إلى توحيد الإلهية، ومن أجل ذلك احتج الله به على المشركين وقررهم به، وأرشد إليه رسله، وأمرهم أن يدعوا به أممهم، قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ (المؤمنون: ٨٤ - ٨٧)، فاستدل بتفرده بالربوبية وكمال التصرف على استحقاقه وحده العبادة ووجوب تفرده بالإلهية، وفي هذا كله وصية للداعية إلى الله، أن يُعنى بهذا الأسلوب القرآني في الدعوة إلى التوحيد، حين يقرر في النفوس ربوبية الله، وتفرده بالخلق والرزق والإحياء والإماتة، وسائرِ التدبيرات، ومن ثم بيان أن فاعل هذه الأشياء هو المستحق للعبادة، كما نقل المصنف عن ابن كثير ﵀ قوله: الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
стр. 68
* قوله: (قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشياءَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ).
كلام ابن كثير قد ساقه المؤلف بالمعنى، ونصه أنه ﵀ حين فسر الآية المذكورة قال بعدها: ومضمونه: «أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ مَالِكُ الدَّارِ وَسَاكِنِيهَا وَرَازِقُهُمْ، فَبِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾» (١).
يعني إذا عرفتم خلق الله لهذه الأشياء، فمن الخطأ الشنيع أن تعبدوا غيره.
стр. 69
* قوله: (وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا مِثْلُ: الإِسْلامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ).
أشار المصنف ﵀ إلى جملة من العبادات، وأراد أن يبين أن هذه العبادات لا تكون إلا لله، فهي حق لله فذكر بعض أنواع العبادة، وذكر قبل ذلك مراتب الدين بإيجاز، وهي الإسلام، والإيمان، والإحسان، وسيأتي الكلام عنها عند الكلام على الأصل الثاني.
стр. 70
* قوله: (وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشيةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا. كُلُّهَا للهِ تَعَالَى، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. فَمَنْ صرفَ مِنْهَا شيئًا لِغَيْرِ اللهِ؛ فَهُوَ مُشركٌ كَافِرٌ؛ وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]).
* الكلام على هذه الجملة في مسألتين:
المسألة الأولى: ذكر المصنف أنواعاً من العبادة إجمالاً، وليس ذلك منه للحصر، وإنما للتمثيل، وسيتكلم على كل واحدةٍ منها بدليلها.
وهذه العبادات التي ذكرها كلها قلبية، ولم يذكر العبادات البدنية، ولعل ذلك لأمرين:
١. خفاءُ أمر العبادات القلبية، مما يجعل صرفها لغير الله أكثر من غيرها، من حيث الجهل بوجوب التوحيد فيها، ومن حيث عدم ظهورها غالباً، فلا يتنبه لها، بخلاف العبادات البدنية، قولية أو فعلية، فإن الإشراك فيها أقل، وإذا وقع فهو ظاهر.
٢. أن مدار العبادات القلبية على القلب، فإذا تعلق القلب بغير الله توكلاً ورهبة ورغبة ورجاء وخوفاً ونحو ذلك فسد القلب، ولم تنفعه العبادات البدنية، فلأهمية العبادات القلبية ذكرها هنا.
стр. 71
المسألة الثانية: ذكر المؤلف دليلين على أن من صرف شيئاً من العبادات لغير الله فقد وقع في الشرك، وهما:
١. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨).
وقوله: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾، إما أن يراد بها المواضع التي بنيت لعبادة الله، وإما أن يراد بها الأعضاء التي خلقها فليس لأحد أن يدعو مع الله غيره من خلقه.
إذن فمعنى الآية: أن المساجد كلها لله، فلا يجوز أن يقصد بها أحدٌ غير الله، وسواء أريد بالمساجد أعضاء السجود، أو المواضع التي بنيت للعبادة.
٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧).
ومعنى الآية يتبين بما قبلها، وهي قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: ١١٦)، فإنه سبحانه لما قرر أنه الملك الحق لا إله إلا هو، قال بعدها أن من ادعى إلها آخر فقد ادعى باطلاً لا برهان له فيه، وكل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (المؤمنون: ١١٧)، قال بعض المفسرين (١): «إِنَّ عِقَابَهُ بَلَغَ إِلَى حَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى حِسَابِهِ إِلَّا اللَّه تَعَالَى» (٢).
стр. 72
واعلم أن كل من دعا غير الله فليس له برهان على ذلك، بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه.
والخلاصة: أن من دعا غير الله مع الله فقد وقع في الشرك، وقد كان أهل مكة يدعون الله ولكنهم يدعون غير الله تعالى معه، فعدّ صنيعهم شركاً.
فالمراتب ثلاث:
١ - عبدٌ يَعبد اللهَ وحده: فهذا هو الموحد.
٢ - وعبدٌ يَعبدُ غير الله مطلقاً: فهذا كافر لم يسلم ولم يتعبد لله .
٣ - وعبدٌ يَعبدُ الله ويعبدُ معه غيره: فهذا هو المشرك.
стр. 73
* قوله: (وَفِي الْحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ». وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]).
* أول عبادة ذكرها المؤلف عبادة الدعاء، والكلام عليها في ست مسائل:
المسألة الأولى: الدعاء عبادة عظيمة، وهو من أشرف أنواع العبادة لله تعالى، فليس للعبد غنى عن الله ، فأنت ترى المهموم يتوجه للحي القيوم سبحانه فتتفرج بإذن الله كرباته، وترى المريض يتوجه له فيشفيه، وترى العقيم يقصده بالمسألة فيرزقه، والمهموم يقصده فيزيل الله همه، والمديون يتوجه لله ، فيجيبه الله ويسدّ حاجته.
لذا على المسلم أن يتوجه بكليته إلى الدعاء، وهو في ربحٍ مع الله مطلقاً، فهو حين يدعو لن يخرج عن أحد أحوالٍ ثلاث:
١. أن تجاب دعوته.
٢. أن يدّخر له ثوابها.
٣. أن يردّ عنه من السوء مثلها، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: «ما عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» (١).
стр. 74
المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أن للدعاء نوعان:
١ - دعاء المسألة. ٢ - ودعاء العبادة.
* فأما دعاء المسألة: فهو ما صُدِّرَ بياء النداء: مثل (يا الله، يا أرحم الراحمين)، مثل أن يقول: أعطني كذا، ارزقني كذا، يسر لي كذا، فقد طلب شيئاً ينفعه، أو طلب دفع شيء يضره.
* والنوع الثاني دعاء العبادة: هو أفعال وأفراد التعبدات التي تكون باللسان، وبالأفعال، ويدخل فيه جميع أنواع الطاعات والقربات، كالصلاة والصيام والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك، فالمتعبِّد لله بالأعمال الصالحة أعظم مطلوبة فيها أن يدخله الله الجنة، فأنت حينما تصلي فكأنما تدعو الله أن يدخلك الجنة بفضله سبحانه وبرحمته؛ لأن الذي يتعبد لله بالصلاة أو الصيام أو بالحج أو بغير ذلك، لو سألته لِمَ تفعل ذلك؟ لكان قلبه ناطقاً، ولسانه ناطقاً أيضاً، بأن مقصده في ذلك أنه يبحث عن رضى الله ، وعن نيل ثوابه، وعن السلامة من عقابه، فهذا دليل على أن العبادات كلها إذا فعلها الإنسان على وجه التذلل والتضرع أنها تكون عبادات لله .
وكلا الأمرين -دعاء العبادة ودعاء المسألة- لا يجوز أن يصرفا لغير الله ، فالأول سؤالٌ باللسان، والثاني سؤالٌ بالحال.
المسألة الثالثة: الدعاء إنما يكون دعاءً إذا كان على وجه التذلل والخضوع، ومن الأسفل للأعلى، أما من يدعو بتكبر، أو أنه يطلب من أحدٍ دونه، كمن يطلب من ولده، فهذا لا يسمى دعاء.
المسألة الرابعة: حين يتوجه العبد لغير الله بالدعاء، فيرفع يديه ويطلب قبراً، أو رجلاً صالحاً ولياً، أو غير ذلك، فإن هذا دليل على سوء ظنه بالله، وعلى إشراكه به، فكيف يطلب غير الله؟! وهو يعلم أن الخزائن
стр. 75
كلها من عند الله، بل حتى المشركين يعلمون أن الخزائن من عند الله، وأن الرزق من عنده سبحانه، فوا عجباً لأمرِئٍ يعلم أن الله بيده الرزق، وبيده الجنة، وبيده النار، وبيده كل شيء من أمور الدين والدنيا، ثم تجده يرفع يديه عند قبر، أو عند ولي، أو عند شجرة، أو غير ذلك، ويدعو غير الله .
المسألة الخامسة: إذا عرفت أن الدعاء لله عبادة، فدعاء غيره شرك، ويدخل في دعاء الشرك صور ثلاث:
الصورة الأولى: أن يدعو ميتاً، فيقول مثلاً عند رجل صالح، أو عند قبر، أو غير ذلك: يا ولي فلان ارزقني ولداً، يسّر لي وظيفة، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله ، ولو كان ناطقاً للشهادتين، لأنه خالف مقتضاها.
ويلحق بذلك كل من دعا غائباً؛ لأنه ما دعا الغائب إلا لاعتقاده أن له تصرفاً وتدبيراً في الكون، كمن يدعو رجلاً لكنه في أقصى الأرض، وهو لا يسمع! أو يدعو جنّياً أو غير ذلك فهذا من الشرك الأكبر.
قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون، ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا» (١).
الصورة الثانية: دعاءُ الميت بالشفاعة، بأن يقول لرجل ميت: يا ولي فلان اشفع لي عند الله أن يعطيني كذا: فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه طلبٌ