فقد أثبت سبحانه معيته للمحسنين، وأرفع الإحسان: الإحسان في حق الله، بأن تعبده سبحانه ولا تشرك به شيئاً.
٢/ قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٧ - ٢١٩)، وهذه الآية فيها بيان حقيقة الإحسان، بأن تعبد الله وأنت موقن أنه يراك وأنت تقوم، ويراك وأنت تتقلب في السجود، وغير السجود، فهو السميع العليم، فمن حقق هذا فقد حقق أرفع مراتب الدين.
٣/ قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ (يونس: ٦١). أي ما تكون على أي حال، ولا تعمل أي عمل خيراً أو شراً إلا والله مشاهد ذلك، وتحقيق هذا في القلب يوصل العبد لأرفع مراتب الدين وهي الإحسان.
стр. 142
* قوله: (وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ: عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ فَقَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم»).
استدل المصنف ﵀ لهذه المراتب الثلاث بحديث جبريل الشهير الذي ثبت في الصحيح، وقد ساقه ﵀ بتمامه، وهذا الحديث يسمى عند أهل العلم [أم السنة] وهو حديث عظيم ينبغي على طالب العلم أن يحفظه وأن يتفهم معانيه، وقد أشرت إلى معانيه ضمن الكلام على مراتب الدين.
стр. 143
قوله: (الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ).
هذا هو الأصل الثالث الذي يُسأل الإنسانُ عنه في قبره، ولذا كان مما يجب على الإنسان أن يتعرف على نبيه ﷺ ، ومعرفة النبي ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب.
* وقد ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- عدة أمور تدخل تحت معرفة النبي ﷺ :
الأمر الأول: نسبه واسمه: والمراد أن يعرف الإنسانُ اسمَ النبي ﷺ ، فإنه سيسألُ عنه في قبره، ثم إنه يقبح به أن يجهل اسم نبيه ﷺ ، وهو الذي دله على الله، وله ﷺ علينا جميعاً فضلٌ كبير.
والواجب من معرفة الاسم: اسمه المفرد ﷺ ، وأما بقية الاسم واسم آبائه فهذا مما يستحب للإنسان، ولا يجب.
واعلم أن الله قد جعل نبينا ﷺ أفضل الناس نسباً، قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (١)، فهو قرشي هاشمي عربي ﷺ ، والله أعلم حيث يجعل رسالته.
стр. 144
فإن قيل: فما ثمرة ذلك؟
= الجواب: منصب الرسالة منصبٌ شريفُ القدر، فلا يليق إلا برجلٍ شريفِ القدر، وقد كانت العرب الذين أرسل إليهم محمد ﷺ يفاخرون بالأحساب، فلكي لا يكون في نسبه ﷺ وسيلةٌ لهم للطعن فيه، وردِّ دعوته، والإعراض عنه، اختاره الله من نسب شريف عندهم، وهو من سلالة أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ .
وإلا ففي الإسلام لا فرق بين شريف نسب ووضيعه، فالتمايز هو بالتقوى لا غير، وليست الأنساب سبباً للتفاخر، ولا وسيلة لِلَّمزِ والطعن، ولذا فإن النبي ﷺ كان أشرف الناس نسباً، فما تفاخر ولا ترفع على قومه، بل كان أكثر الناس تواضعاً.
стр. 145
* قوله: (وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشرونَ في النبوة).
الأمر الثاني: مما يدخل في معرفة النبي ﷺ : معرفة سِنّه.
عاش ﷺ ثلاثاً وستين سنة، وكانت سن النبي ﷺ عندما أرسله الله أربعون سنة وهو الأشد ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (الأحقاف: ١٥)، ومكث على ذلك حتى توفي وعمره ثلاثة وستون سنة، فكان ثلاثاً وعشرين سنة نبياً رسولاً.
стр. 146
* قوله: (نُبِّئَ ب ﴿اقْرَأْ﴾، وَأُرْسِلَ ب ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، وَبَلَدُهُ مَكَّةُ).
الأمر الثالث: أن تعرف بأي شيء أرسل النبي ﷺ ؟ وبأي شيء نُبئ،
وقد قال المصنف: (نبئ بِإقْرَأْ). أي أنه صار نبياً حينما أنزل الله عليه صدر سورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١) في قصة شهيرة ثبتت في الصحيح من حديث عائشة ﵂ قالت «كان أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قال: قلت: «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: «ما أنا بقارئ»، فأخذني، فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ (العلق: ١ - ٥)، فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة، فقال: «زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع» (١).
وأُرسل بالمدثر -أي أنه أُمر بالتبليغ والإنذار للناس- حينما أنزل الله عليه سورة المدثر: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (المدثر: ١ - ٢)، وكان بينهما
стр. 147
فترة ليست بالطويلة، وقد أُمر حينما نزلت عليه المدثر بالتبليغ للدين، ولهذه الرسالة التي أرسله الله بها.
* والصواب من أقوال أهل العلم أن أول ما نزل من القرآن هو: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: ١)، وليس المدثر، خلافاً لمن قال أنه المدثر.
وقد ورد في صحيح مسلم، قال أبو سلمة لجابر ﵁: «أي القرآن نزل أول؟ قال: يا أيها المدثر، قال: فقلت: أو اقرأ؟ قال: أخبرك ما أخبرني النبي ﷺ ، ثم ذكر له أن الله أنزل عليه ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (المدثر: ١ - ٢)» (١).
ولكن هذا يجاب عنه بأن يقال: أن نزول سورة المدثر كان هو أول ما أمر به من التبليغ والإنذار، وكان نزول (يا أيها المدثر) بعدما توقف الوحي فترة بنزول: ﴿اقْرَأْ﴾ (العلق: ١).
قوله: (وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة).
الأمر الرابع: معرفة بلده التي ولد فيها، والبلد الذي هاجر إليه.
أما بلده فهي مكة، فيها عاش وترعرع، وكان يحبها حباً شديداً، حتى ورد في حديث عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: «رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على الحَزوَّرة فقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (٢)، ومع كون مكة أحب البلاد إلى الله، وأحب أرض له ﷺ ، حيث فيها نشأ وعاش، إلا أنه ضحى بكل هذا لما وقف
стр. 148
أهل مكة في وجه دعوته، فالإنسان يعيش لله، ولأجل الله يضحى بكل ما يحبه إذا خالف مراد الله، وهذا ما فعله النبي ﷺ ، وما ينبغي أن يعنى به كل مسلم، فلربما لم تستطع أن تعبد الله في بلدك، أو لم تستطع أن تدعو إلى الله في أرضٍ، فالواجب حينها أن تخرج حيث تستطيع أن تنشر دين الله، ولك بالنبي ﷺ أسوة.
خرج النبي ﷺ بعد ذلك إلى المدينة، وكان قد رأى رؤيا أنه يخرج إلى أرضٍ كثيرة النخل، فقد روى الشيخان من حديث أبي موسى ﵁ أنه ﷺ قال: «رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي (١) إِلَى أَنَّهَا اليَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ» (٢).
وكان ﷺ قد بقي في مكة ثلاثة عشر سنة، ثم بعد ذلك هاجر إلى المدينة وكان خروجه إليها بأمر الله، فقد كانت ناقته مأمورة، وقد اختار الله له هذه البقعة التي امتن على أهلها بأن يكونوا أنصار نبيه، ولله في ذلك حكمة، فكما أن اختيار الأنبياء من الله بحكمة، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، فكذلك اختيار أصحاب نبيه كان بحكمة، قال ابن مسعود: «إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، ثُمَّ اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاخْتَارِهُمْ لِدِينِهِ» (٣).
وبقي في المدينة عشر سنين، ثم توفي ﷺ فيها، في سنة إحدى عشرة من هجرته في شهر ربيع الأول.
стр. 149
* قوله: (بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشركِ، وَبالَدْعُوة إِلَى التَّوْحِيدِ).
الأمر الخامس: بأي شيء بعثه الله، وما هي رسالة محمد ﷺ ؟
= رسالته ﷺ تختصر في هذين الأمرين:
١. النذارة عن الشرك، يعني التحذير عن الشرك وأهل الشرك.
٢. الدعوة الى توحيد الله .
فخلاصة رسالة النبي محمد ﷺ وخلاصة رسالة الأنبياء أيضاً تدور حول هذين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، فكل نبي اعتنى بالدعوة إلى عبادة الله وأمر بتوحيده سبحانه، وحذّر عن الشرك صغيره وكبيره.
وهكذا ينبغي أن تكون دعوة كل مصلح، فالإصلاح أولاً يكون بإصلاح العقائد، وإذا صلحت العقائد وعظم الناس الأمر وهو الله عظّم اتبعاً لذلك أوامره، ولنا في نبينا ﷺ أسوة.
стр. 150
* قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾ [المدثر: ١ - ٧]. وَمَعْنَى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشركِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾: أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشركِ. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا).
ذكر المؤلف الدليل على نبوة محمد ﷺ ، وبأي شيء أرسل، وساق أول سورة المدثر، وذكر معنى آياتها، وهي أول آياتٍ أنزلت عليه ﷺ تدعوه إلى الأمر بتبليغ الدين، والدعوة إلى الله.
قال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ أي يا أيها المتدثر المتغطي؛ لأنه ﷺ حين فزع من رؤية جبريل، رجع إلى بيته فتدثر، فأنزل الله الآيات، فقد روى الشيخان من حديث جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول وهو يحدث عن فترة الوحي: «بَيْنَا أَنَا أَمْشي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصري، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾» (١).
﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ أي: انطلق بالدعوة والنذارة.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظِّمه عما يقول عبدة الأوثان.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وتطهير الثياب يدخل فيه: التطهير الحسي، بتطهيرها
стр. 151
عن النجاسات الحسية، وتطهيرها التطهير المعنوي، بتطهير الأعمال عن الشرك، وهو المراد هنا.
قال: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز قيل أنها الأصنام والأوثان، وقيل الشرك، ولا يمنع أن يراد بها كل هذا.
* قوله: (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشر سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ).
لما كان النبي ﷺ في مكة لم تنزل عليه التشريعات، وإنما كلها دعوة إلى الإيمان، وإلى التوحيد، فلم يأت تشريع بقية أركان الإسلام إلا في المدينة، ما عدا الصلاة فقد فرضت قبيل الهجرة.
إذا تصورت هذا، وأنه ﷺ في كل يومٍ يأمرهم بالتوحيد، ويرغِّبهم فيه، ويحذرهم من الشرك، ويذكر ثواب الموحد في الجنة، وعقوبة المشرك في النار، إذا تصورت كل هذا تبين لك أهمية أن يعتني الداعية بغرس الإيمان وتوحيد الله وتعظيمه في القلوب، وقد ورد في الصحيح أن عائشة ﵂ قالت: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبداً .. » (١).
стр. 152
* قوله: (وَبَعْدَ الْعَشر عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَواتُ الْخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاثَ سِنِينَ).
بعدما دعا النبي ﷺ في مكة عشر سنين، حصلت له أحداثٌ عسيرة، أولها موت عمه أبي طالب، وهو نصيره أمام زعماء مكة، ثم موت زوجته خديجة وهي نصيره في البيت، فأراد أن يبحث عن بيئة جديدة للدعوة، وخرج للطائف، فقوبل بالصدود من عقلائها، والحجارة والطرد من سفهائها، ورجع مرة أخرى للأرض التي لم يلق من أغلب أهلها إلا الإعراض وهي مكة، فحزن النبي ﷺ لذلك، فأراد الله أن يسلّيه، ويظهر له معيته، ويبين له أنه إن طرد في الأرض، فإن أبواب السماء تفتح له، فجاءت حادثة الإسراء والمعراج، وقد ثبتت في أحاديث كثيرة، ومنها حديث أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه»، قال: «فركبته حتى أتيت بيت المقدس»، قال: «فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء»، قال: «ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵈ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﷺ : اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل ﵈، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا، صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة،
стр. 153
فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ ، إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل ﵈، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (مريم: ٥٧)، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﷺ ، فرحب، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵈، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﷺ ، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ ، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﷺ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ ، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف على أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎،
стр. 154
وبين موسى ﷺ حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة"، قال: "فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﷺ ، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله ﷺ : فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه» (١).
стр. 155
قوله: (وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْهِجْرَةُ الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشركِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.
وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشركِ إِلَى بلد الإِسْلامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾ [النساء: ٩٧ - ٩٩]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦].
قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: نزلت هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ : «لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»).
* بعدما ذكر المؤلف هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة، أشار إلى الهجرة، والكلام على الهجرة في مسائل:
المسألة الأولى: تعريف الهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام،
والهجرة بهذا المعنى باقية، لم تنسخ، قال ﷺ : «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (١)، وهذا دليل على أن الهجرة باقية لم تنقطع، وإنما الذي نُسخ في قوله ﷺ : «لَا هِجْرَةَ
стр. 156
بَعْدَ الفَتْحِ» (١) الهجرة من مكة إلى غيرها من البلاد، وهذا بيان أن مكة ستظل أرض إسلام، ولن تعود أرض كفر بعد ذلك، وأما الهجرة من غيرها إلى بلاد الإسلام فهو باقٍ ولكنه يختلف حكمه.
المسألة الثانية: إذا علمت أن الهجرة تكون من بلد الكفر إلى بلد الإسلام فما الضابط في تحديد بلد الشرك، وبلد الإسلام؟
= اختلف أهل العلم في تحديد بلد الشرك من بلد الإسلام:
* فمنهم من علق الأمر بالحاكم فقال: إذا كان الحاكم مسلماً فهي بلد إسلام، وإذا كان الحاكم كافراً فهي بلد كفر، كذا قال بعض أهل العلم.
* والأقرب من أقوال أهل العلم في هذه المسألة أن يقال: أن الأمر معلق بالشعائر والأعمال، فبلد الشرك هي البلد التي يكون فيها الشرك ظاهراً منتشراً غالباً، وأما بلد الإسلام فهي البلد التي تكون فيها شعائر الإسلام منتشرة ظاهرة غالبة ويتعبد الإنسان فيها بظهورٍ بلا مضايقة.
قال السعدي ﵀: «فبلاد الإسلام التي يحكمها المسلمون وتجري فيه الأحكام الإسلامية، ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفاراً، وبلاد الكفر ضدها فهي التي يحكمها الكفار وتجري فيه أحكام الكفر ويكون النفوذ فيها للكفار، وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين، وبلاد كفار مهادنين بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، فتصبح إذا كانت الأحكام للكفار والنفوذ لهم دار كفر ولو كان بها كثير من المسلمين» (٢).
* فإن قال قائل: أنا أحياناً أكون في بلد، وهي بلاد ينتشر فيها الكفر، لكني أستطيع أن أتعبد فيها لله بدون مضايقة، هل هذه بلد إسلام؟
стр. 157
= الجواب: ليست هذه ببلد إسلام، وإنما بلد الإسلام هي التي تكون شعائر الإسلام فيها منتشرة ظاهرة، غالبة، وأما بلد الكفر، فهي التي يكون فيها الكفر ظاهراً غالباً، وهذه البلاد التي تذكر إنما الغلبة فيها والشيوع لشعائر الكفر.
المسألة الثالثة: ما حكم الهجرة؟
= الهجرة يختلف حكمها باختلاف الأحوال، ويمكن القول بأن الناس تجاه الهجرة أصناف
١ - صنف تكون الهجرة عليهم واجبة: وهم من يقدر عليها ولا يُمكنهم إظهار دينهم ويخشون على أنفسهم.
ودليل وجوبها في حق من لا يستطيع إظهار الدين وشعائره، ما ذكره المصنف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ (النساء: ٩٧ - ٩٨).
وأيضاً قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (العنكبوت: ٥٦). قال البغوي: «سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا ناداهم الله باسم الإيمان -أي أنهم باقين على الدين- إلا أنهم أثموا حين لم يهاجروا وهم مستضعفون في الأرض».
٢ - وصنف تكون مستحبة في حقهم: وهم من يقدر عليها ويتمكن من إظهار دينه في بلده بلا مضايقة.
٣ - وصنف لا هجرة عليهم: وهم من عجز عنها، إما لمرض أو إكراه كالأسير أو الضعيف من النساء والولدان وشبههم (١).
стр. 158
المسألة الرابعة: قد يكون الإنسان في بلاد تنتشر فيها المعاصي، ولكنها بلاد إسلام، ويستطيع أن يقيم شعائر الدين فيها، فهل يجب على الإنسان الهجرة منها؟
اختلف العلماء في هذا، والأقرب والله أعلم أنه لا يجب، وذلك للنصوص الواردة في الأمر بالمعروف، حيث لم تلزم بترك البلاد، وهو الآن قادر على إظهار شعائر الدين، وهذا مذهب الحنابلة، قال ابن مفلح: «ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي، وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت: ٥٦] أن المعنى إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرجوا منها، وبه قال عطاء، وهذا خلاف ظاهر قوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» الحديث وعلى هذا العمل» (١).
стр. 159
* قوله: (فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شرائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شرائِعِ الإِسْلامِ).
لما استقر النبي ﷺ في المدينة بعد الهجرة بدأت التشريعات يأتي بها جبريل ﵈ من رب العالمين، ففرض الصوم، والزكاة، والجهاد، وهكذا، وهذا يفيد أمرين:
الأمر الأول: أهمية التوحيد، فإنه أشرف الأمور التي قامت عليها الدعوة
الأمر الثاني: أن من الحكمة التدرج في الأمر، فإنه قد لا يكون من المناسب أن تُدخل على المدعو أموراً عديدة، وأن تطلب منه أشياء عدة، وإنما من المناسب أن تتدرج في الدعوة معه، فتبدأ بأهم الأمور، ثم تنتقل بعد ذلك إلى أمور أخرى، حين تتوطن نفسه.
* قوله: (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشر سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ -صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ- وَدِينُهُ بَاقٍ).
استمرت الدعوة في المدينة عشر سنوات، كانت حافلة منه بالبذل والنصح والتعليم والجهاد، حتى توفي بالمدينة وقد أكمل الله الدين.
стр. 160
* قوله: (وَهَذَا دِينُهُ، لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شر إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَالشر الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ الشركُ، وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُ اللهُ وَيَأْبَاهُ).
النبي ﷺ كانت أوامره ونواهيه ظاهرة، فهو لم يأمر إلا بما فيه مصلحة، ولم ينه إلا عما فيه مفسدة، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (الأعراف: ١٥٧)، وهذا أوسع من كونه في المآكل، بل في كل شيء.
* ومن تأمل ما ورد عن النبي ﷺ وجد أنه لا يخلو من حالتين:
١ - ما فيه مصلحة: فهذا يأمر به النبي ﷺ ، وسواء كانت مصلحته خالصة كالتوحيد، أو مصلحة غالبة، بحيث يكون فيه مصلحة ومفسدة، والمصلحة أغلب، فيأمر به النبي ﷺ ، وذلك كالجهاد في سبيل الله وقتال الكفار.
٢ - ما فيه مفسدة: فهذا ينهى عنه النبي ﷺ ، وسواء كانت مفسدته خالصة كالشرك، إذ لا مصلحة منه أبداً، أو مفسدته راجحة، بأن يكون فيه مصلحة ومفسدة ولكن مفسدته أغلب وأرجح، كشرب الخمر، واللعب بالميسر وغير ذلك، قال تعالى: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ففي الخمر والميسر مصالح ومنافع كالتجارة بها، والنشوة في شرب الخمر، لكنها بالنسبة لما فيها من المفاسد تكون المصلحة مرجوحة فلا أثر لها، لكن مفسدتها ليست كمفسدة الشرك.
وجماع الأمر: أن أعظم أمرٍ أمر الله به هو التوحيد وجميع ما يحبه الله ويرضاه.
وأعظم نهيٍ نهى عنه النبي ﷺ هو الشرك بالله.
стр. 161
* قوله: (بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]).
من خصائص النبي ﷺ التي اُختص بها عن بقية الأنبياء: أنه بعث إلى جميع الناس، وعموم رسالته ﷺ عموم زمان وعموم مكان.
* أما عموم الزمان: فهو مبعوث إلى الناس في جميع الأزمان إلى قيام الساعة.
* وأما عموم المكان: فهو مبعوث إلى جميع أهل الأرض في كل مكان، الجن والإنس في الجزيرة وفي غير الجزيرة، بخلاف بقية الأنبياء الذي كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، أما النبي ﷺ فقد بعث إلى الناس عامة.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁ أنه ﷺ قال: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (١).
وقد ثبت للنبي ﷺ جملة من الخصائص اختص بها عن بقية الأنبياء، جمعها ابن الملقن في كتاب أسماه: غاية السول في خصائص الرسول، وللسيوطي رسالة زاد فيها على ما ذكر ابن الملقن، رحم الله الجميع.
стр. 162
* قوله: (وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]).
النبي ﷺ ما مات إلا وقد أكمل الله الدين وأتمه في جميع الشؤون، وفي جميع التشريعات، فدين النبي ﷺ دين شامل تام كامل لا يحتاج إلى من يتمه أو يستدرك عليه.
قال الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: ٣)، وقد قال أبو ذر ﵁: «توفي رسول الله ﷺ ، وما طائر يطير في السماء يقلب جناحيه إلا وترك لنا منه خبراً «(١).
وهذا من تمام تشريع الدين، أنه ما جعل في دين الإسلام من أشياء فيها علامات استفهام أو خفاء، إنما كل شيء واضح، ظاهر، يجد الإنسان فيه جواباً وإزالة لما يشكل عليه، بخلاف سائر المعتقدات، فتجد النقص، إما أن فيها علامات استفهام لا يجد لها أحدٌ جواباً، وإما أن فيها ما لا يستقيم مع العقل السوي، وكلا الأمرين بحمد الله لا تجده في الإسلام، بل هو تام شامل، ويوافق العقل السوي.
стр. 163
* قوله: (وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]).
يعتقد أهل السنة أن النبي ﷺ مات، بعدما أدى الأمانة، وأنه بشرٌ، وجميع البشر يموتون.
والدليل على موته: قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (الرحمن: ٢٦)، وقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (الزمر: ٣٠)، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٤)، ولحديث عائشة ﵂ أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرسٍ من مسكنه بِالسُنْح، حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: «بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك، فقد متها» (١).
ولأجل هذا كله فقد أجمعت الأمة على موته ﷺ ، وكفنه الصحابة ودفنوه.
وهذا الأمر خالف فيه بعض الصوفية الخرافية، الذين يرون أن النبي ﷺ لم يمت، وأنه موجود، وأن مشايخ الصوفية يتلقون عنه مباشرة ويجتمعون به.
ولا شك أن هذا ضلال عظيم، لا يرضاه عقل ولا يصدقه نقل، ولكنه الضلال والهوى نسأل الله العافية والهدى.
وأما ما ورد من أنه ﷺ يردّ على من سلم عليه في قبره، وأنه رأى الأنبياء حين عرج به إلى السماء: فهذه حياة برزخية، وهي تختلف عن الحياة الدنيا،
стр. 164
فروحه في أعلى عليين، وجسده في الأرض، والله على كل شيء قدير، ولا يعلم كيف هي حياة البرزخ إلا الله، ولذلك فإن الشهداء أحياء كما قال الله، فهل يمكن لعاقل أن يقول بأنهم لم يموتوا.
стр. 165
* قوله: (وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: ٥٥).
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ (نوح: ١٧ - ١٨)).
مما يجب على المسلم اعتقاده: أنه إذا مات الناس فإنهم سيبعثون، وسيعودون مرة أخرى، كما قال الله : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (طه: ٥٥)، وهو داخل بالإيمان باليوم الآخر.
لكن هذه الحياة التي يعودون إليها هي حياة من نوع آخر، وهي الحياة الأخرى، فالمرء تمر به ثلاثة أنواع من الحياة: الدنيا، والبرزخ، والآخرة.
فمن أنكر البعث بعد الموت، وزعم أن الناس لا يعودون، فإنه كافر لأمرين:
١ - لأنه كذّب الله الذي ذكر أنه سيعيد الخلق، كقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ (الأنعام: ٦٠)، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (الزمر: ٣١)، وغيرها
٢ - ولأنه كذّب النبي ﷺ الذي ذكر في الأحاديث أن الناس سيعودون.
* وأيضاً في اعتقاده بعودة الناس في البعث بعد الموت محفزٌ له إلى أن يتعبد لله ، حيث أنه يعلم أنه ليس من الحكمة أن يعيش الناس ثم يموتون ولا يجازون، مسيئهم ومحسنهم سواء، وإنما الحكمة أنهم يعودون بعد ذلك، ويجازي الله المحسن بالثواب، والمسيء بالعقاب
стр. 166
، قال الله : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ﴾ (المؤمنون: ١١٥)، أي تعالى الله أن يفعل شيئاً من ذلك، وأن يخلق خلقاً بلا حكمة، وأن يأمر ثم لا يجازي ولا يحاسب.
стр. 167
* قوله: (وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (النجم: ٣١)).
من حكمة الله تعالى أنه لا يساوي بين المحسن والمسيء، والعاصي والمطيع، والمسلم والكافر، بل يجازي كل عامل بما عمل، إن خيراً وإن شراً.
وهذه المجازاة بالأعمال تكون بعد البعث، فالناس يعودون بعد موتهم كما سبق، وعودتهم هي للحساب، وحينها فمآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار:
فالدار جنة عدن إن عملت بما … يرضي الإله وإن فرطت فالنار
هما محلان ما للمرء غيرهما … فانظر لنفسك ماذا أنت مختار
ولا يظلم ربك أحداً، بل يحاسب المرء على ما سُطِّر عليه في صحائف أعماله، فستظهر الصحف، ويبين ما فيها، وتنطق الجوارح، أسأل الله أن يرحمنا برحمته، وأن يعاملنا بعفوه.
стр. 168
* قوله: (وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: ٧)).
مما يجب على الإنسان اعتقاده: أن الناس سيعودون بعد موتهم، فمن أنكر البعث بعد الموت فقد كفر، وذلك لأنه كذب الله تعالى، وكذب النبي ﷺ .
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر: ٦٨).
وقال مقسماً على وقوع البعث بعد الموت: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (التغابن: ٧).
وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ فِي أَوَّلِ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسى بَاطِشٌ بِجَانِبِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ مُوسى فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ» (١) فدل على البعث بعد الموت.
ولأجل هذه النصوص فقد عدّ العلماء إنكار البعث بعد الموت كفراً، لما سبق، ولأن الله وصف الكفار بإنكارهم البعث، فدل على أن هذا الوصف سبب لوصفهم بالكفر، كما ورد في الآية
стр. 169
واعلم أن البعث بعد الموت مِنْ عدل الله، إذ كونه يعيد العباد كما بدأهم، ثم يقتص للمظلوم من ظالمه، ويجزي المطيع الذي منع نفسه من شهواتها لأجل الله، يجازيه بالجنة، ويعاقب العاصي والكافر الذي كفر به وبرسله، والعاصي الذي لم يرتدع عن معصية، فتمام عدله سبحانه أن لا يساوي بين هؤلاء، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم: ٣٥)، وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١].
стр. 170
* قوله: (وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشرينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]).
* جعل الله الحكمة من إرسال الرسل أمرين:
١ - إقامة الحجة على الناس: وهذا من عدل الله، فإنه سبحانه لا يعذب من لم تبلغه الحجة، ولم يصله الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
٢ - التبشير لمن أطاعه بالجنة، والنذارة لمن عصاه بالعذاب: ولذلك فالقرآن مليء بنصوص الوعد، ونصوص الوعيد، وأخبار المنعمين الناجين، وأخبار الهالكين المعذبين.
قال الله ذاكراً حكمة إرسال الرسل: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٦].
وهذا يجعل الداعية إلى الله يُعنى بهذين الأمرين، ويكون همّه إقامة الحجة على العباد، بالكلمة المناسبة، والأسلوب الأمثل، ويرغّب في طاعة الله، ويرهِّبُ من الكفر بالله ومن عصيانه.
стр. 171
قوله: (وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵈، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٥]).
أول رسول أرسله الله للعباد هو نوح ﵈، ويدل لذلك أمران:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الإسراء: ٧٣].
٢ - حديث أبي هريرة ﵁ في خبر الشفاعة أن الناس يأتون نوحاً فيقولون: «يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى الْأَرْضِ» (١).
• فإن قيل: آدم ﵈ أليس قبله، حيث إنه أبو البشر؟
= آدم نبي، وهو أول الأنبياء كما في المسند عن أبي ذر ﵁ قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلُ؟ قَالَ: "آدَمُ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَنَبِيٌّ كَانَ؟ قَالَ: "نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ» (٢).
أما نوح فهو أول الرسل، وفرق بينهما بأن الرسول هو من أوحي إليه بشرعٍ وأمر بتبليغه (٣).
стр. 172
وكان الناس قبل نوح على التوحيد، كما روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄، قال: «كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» (١).
стр. 173
* قوله: (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]).
حين خلق الله الخلق فإنه لم يتركهم هملاً، وإنما يرسل لهم نبياً ورسولاً يأمرهم بعبادة الله وينهاهم عن عبادة الطاغوت، فمن أطاع هذا النبي دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فالله لا يعذب أحدا بلا حجة.
واستدل المؤلف على هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومن أعظم نعم الله على العباد أن بعث لهم الرسل يبشرون وينذرون، وإلى توحيد الله يدعون، فلا تستقيم أمور العباد إلا بالرسل، وحاجة الناس لهم أعظم من الحاجة للطعام والشراب، ولا بقاء لأهل الأرض إلا ببقاء آثار الرسالات.
وقد ذكر الله في الآية أن الناس يصيرون تجاه دعوات هؤلاء الرسل إلى إحدى طائفتين:
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ [النحل: ٣٦]: أي منهم من يوفقه الله لتصديق رسله، والقبول منهم، والإيمان بالله، والعمل بطاعته، فيفوز، وينجو من عذاب الله
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]: أي ومنهم آخرون حقَّت عليهم الضلالة، فكفروا بالله وكذّبوا رسله، واتبعوا الطاغوت، فأهلكهم الله بعقابه، وأنزل عليهم بأسه الذي لا يردّ عن القوم المجرمين، ولذلك ختم الآية
стр. 174
بقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وهذا خطاب لمشركي قريش ولغيرهم، فإن الإنسان ينبغي عليه حينما يسير في الأرض أن يتذكر من مشى عليها ممن عصى الله فعذبه وأهلكه، برغم قوتهم وشدة بأسهم، فهذه ديار قوم ثمود، شاهدة على قوة أبدانهم، ولكنهم عذبوا في الدنيا حين عصوا ربهم، وغيرهم من الأمم، كل هذا يجعل الإنسان على خوف ووجل من العذاب، ويبادر بطاعة رب الأرباب، واتباع محمد ﷺ .
واعلم أن الله اختصر رسالة الأنبياء بكلمتين حين قال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وهذه هي العبادة كما سبق.
стр. 175
* قوله: (وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ).
أمر الله جميع العباد بهذين: عبادته وحده لا شريك، والكفر بالطاغوت
والمراد بالكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتترك عبادة غير الله، وتبغض من يعبد غير الله، وتعاديه لأنه عبد غير الله، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «ومعنى الكفر بالطاغوت: أن تبرأ من كل ما يعتقد فيه غير الله، من جنى، أو أنسى، أو شجر، أو حجر، أو غير ذلك; وتشهد عليه بالكفر، والضلال، وتبغضه، ولو كان أنه أبوك أو أخوك; فأما من قال أنا لا أعبد إلا الله، وأنا لا أتعرض السادة، والقباب على القبور، وأمثال ذلك، فهذا كاذب في قول لا إله إلا الله، ولم يؤمن بالله، ولم يكفر بالطاغوت» (١).
стр. 176
ثم عرّف الطاغوت، ونقل كلام ابن القيم في هذا حيث قال:
* قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ).
ذكر ابن القيم هذا الكلام في كتاب إعلام الموقعين، وهو كتاب نفيس، حري بطالب العلم أن يعتني به.
وقد ذكر فيه هذا التعريف للطاغوت، وبيّن أن الطاغوت يدخل فيه كل من تجاوز في حدود العبودية، سواء كان مبعوثاً من الله، أو شخصاً يطاع فيما يخالف أمر الله، أو يتبع فيما يأمر به على خلاف شرع الله، قال ابن القيم: فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله. (١)
стр. 177
* قوله: (وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شيئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ).
منذ أن وُجِد إبليس في الأرض بتسويله وإغوائه، والطواغيت موجودون، يقلّون ويكثرون، لكن لهم رؤوساً خمسة:
أولهم: إبليس عليه لعنة الله وهو رأس الطواغيت، فمن أطاعه فقد عبده من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ (يس: ٦٠ - ٦١)، فمن أطاع الشيطان طاعة مطلقة كاملة، فإنه قد اتخذه معبوداً من دون الله ، إذ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله.
الثاني من الطواغيت: من عُبد من دون الله تعالى، وهو راضٍ بهذه العبادة، فهو طاغوت، حيث رضي الكفر بالله، ولو لم يدع الناس إلى عبادته.
واعلم أن من عُبد من دون الله فهو لا يخلو من حالتين: إما أن يكون عاقلاً أو يكون غير عاقل، فالعاقل كالآدميين والجن والملائكة، وهم قسمان:
١ - من رضي بذلك كفرعون وإبليس وغيرهم.
٢ - من لم يرض بذلك كعيسى وعزير ومريم، فهؤلاء عُبِدوا من دون الله ولم يرضوا، إنما الطاغوت من عُبد من دون الله وهو يرضى بذلك، فيرى الناسَ يفعلون ذلك، وهو يفرح، ويرى الناسَ يسجدون له ويدعونه من دون الله وهو راضٍ بذلك، فهذا طاغوت؛ لأنه تجاوز حدّه، إذ هو عبد لله لا معبود مع الله.
стр. 178
الثالث: من دعا الناس إلى عبادة نفسه فإنه طاغوت، ولو لم يعبده الناس، وقد يدخل في ذلك: من يقول للناس: إذا متّ فتوجهوا إلى قبري واطلبوا مني الحوائج فإني سأجيب حاجاتكم وسأفرج كرباتكم، فإنه دعوة للناس إلى أن يعبدوه نسأل الله السلامة والعافية.
الرابع: من ادّعى شيئاً من علم الغيب.
والغيب: هو ما غاب عن الناس عموماً، فمن ادعى شيئاً من علم الغيب مما سيكون في المستقبل فإنه طاغوت، والغيب نوعان:
١ - غيب مطلق: وهو الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
٢ - غيب نسبي: وهو الغيب الذي يعلمه أحد دون أحد، كالشيء الذي يقع مثلاً الآن في أقصى الأرض، أنا لا أعلمه، وغيري ممن يكون هناك يعلمه، فهذا غيب نسبي.
فالطاغوت هو الذي يدعي معرفة علم الغيب المطلق، ومن ادعى معرفة علم الغيب المطلق فقد كفر؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: ٦٥).
الخامس: من حكم بغير ما أنزل الله.
وذلك لأن الله جعل تشريعاً وجعل أحكاماً وهو أعلم بما يصلح عباده، وما يردعهم وما ينفعهم، وحينما يأتي الإنسان ويخالف ما أنزل الله ويحكم بغير ما أنزله سبحانه، فإنه طاغوت قال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٤٧)،
وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: ٤٥)، وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤).
стр. 179
فالحكم بغير ما أنزل الله كفرٌ بالإجماع، كما هو ظاهر الآية، وأدلة أخرى عديدة، ساقها الشنقيطي ثم قال: «وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله ﷺ ، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم» (١)، لكنه ليس بكفرٍ على الإطلاق، إنما يختلف حكمه كما ذكر العلماء.
وفي فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء: والمراد بالطاغوت في الآية: كل ما عدل عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ إلى التحاكم إليه من نظم وقوانين وضعية أو تقاليد وعادات متوارثة أو رؤساء قبائل ليفصل بينهم بذلك، أو بما يراه زعيم الجماعة أو الكاهن.
ومن ذلك يتبين: أن النظم التي وضعت ليتحاكم إليها مضاهاة لتشريع الله داخلة في معنى الطاغوت (٢).
واعلم أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس صورة واحدة:
أ-فمن حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله مساوٍ للحكم بما أنزل الله، أو أنه أفضل منه، أو أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يصلح فهذا كفر.
ب-ومن حكم بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أنه عاصٍ وأنه آثم، وأن الحكم بما أنزل الله أحسن وأفضل، وأنه الأنفع للناس، فهذا له حالتان:
стр. 180
١ - إن كان تبديلاً كاملاً للشريعة وجعل محله الحكم بغير ما أنزل الله ، فهذا كفرٌ وردةٌ، حكى الإجماع على هذا جماعة، منهم إسحاق بن راهويه.
٢ - إن كان ذلك في قضايا بسيطة حكم بغير ما أنزل الله بالهوى، ولم يغير التشريع كاملاً، ويعتقد أن ما أنزل الله أفضل، فهذا ليس بكفر إنما فسق ومعصية.
قال ابن تيمية ﵀: «أما من كان ملتزماً لحكم الله ورسوله باطناً وظاهراً، لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة» (١).
وقال ابن القيم: «والصحيح أن الحكم بغير ما أنزل الله يتناول الكفرين، الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم، فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة، وعدل عنه عصياناً، مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب، وأنه مخير فيه، مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر، وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ، له حكم المخطئين «(٢).
ومع هذا فلا بد أن تعلم أن الواجب الذي لا يجوز العدول عنه هو أن يلتزم المسلمون شرع الله، ولا يحكمون غير شرعه، ففي شرعه سبحانه السعادة، واستقامة أمور العباد، ولا يمكن لأي تشريع وقانون، ولو اجتمع الناس كلهم على وضعه، لا يمكن أن يضبط الناس، ويردعهم عن المخالفات، ولنا في الواقع عبرة وأي عبرة، فكم تتكرر السرقة في الأرض، ولو قطعت يد سارق لارتدع أمم من ورائه، ولو قُتِلَ قاتل لحيا بقتله أمم، وصدق الله إذ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (البقرة: ١٧٩).