← Акыда

Акыда · id 1252

تقريب الوصول إلى ثلاثة الأصول

منصور الصقعوب

Полный текст (185 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

* قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩)). * ذكر هنا عبادة الاستغاثة، وهي نوع من العبادات، والكلام عنها في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريفها: الاستغاثة: مصدر استغاث، وهي مأخوذة من الغوث والنصرة عند وقوع المكروه، ولذلك يقال الغيث يطلق على المطر؛ لأنه فيه إغاثة للناس عند الشدة. * أما في الشرع: فقد قال ابن تيمية: «الاسْتِغَاثَةُ طَلَبُ الْغَوْثِ، وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ، كَالِاسْتِنْصَارِ طَلَبُ النَّصْرِ» (١). المسألة الثانية: ثمة استغاثة وثمة استعاذة، فما الفرق بينهما؟ = الفرق: أن الاستعاذة هي أن تطلب من الله أن يعصمك ويحميك، وأن يمنعك ويحفظك. - أما الاستغاثة: فأنت تطلب منه أن يزيل ما فيك من شدة. فالاستعاذة تكون قبل وقوع المكروه، أما الاستغاثة: تكون بعد وقوع المكروه. فالغريق مثلاً: يستغيث ولا يستعيذ لأنه وقع عليه المكروه، والذي يريد أن يدخل في مكان مخوف يستعيذ، لأنه يريد أن يُحفظ قبل أن يقع فيه المكروه، هكذا قال أهل العلم في الفرق بين الاستغاثة والاستعاذة.

стр. 107

المسألة الثالثة: الاستغاثة بالله عبادة يتقرب بها العبد لربه، وسواء كانت الاستغاثة به سبحانه باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، كرحمته، فكله جائز، وهي نوع دعاء، يؤجر عليها كما يؤجر الداعي لله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩). وأما الاستغاثة، أو الاستعاذة بغير الله فلها حالتان: الأولى: تكون جائزة: إذا كانت لحي قادر، كاستغاثة غريق أو واقع في حفرة، برجل لينقذه ويسعفه، فهذا كله جائز؛ لأنه موجه لحي، في أمر يقدر عليه الحي. ومن ذلك ما وقع لموسى ﵈، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥). و كذا صح خبر الذي استعاذ بالنبي ﷺ وهو حي، وهو ما ورد أن أبا مسعود ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي فقال: أعوذ برسول الله، وهو يرى النبي ﷺ فوقفت، فقال رسول الله: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» (١) فهو استعاذ بالنبي ﷺ وهو موجود. الثانية: تكون غير جائزة: إذا كانت بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله. مثال ذلك: يقول يا فلان يا ولي فلان أعذني من الأعداء، وأعذني من المرض، وأغثني من المصيبة التي وقعت بي، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، وهو شرك بالله، سواء كانت الاستعاذة أو الاستغاثة بميتٍ مقبور، أو حيٍّ غائب. ومثال ذلك: ما قاله أحد الكتّاب، حيث قال: ركبنا في السفينة، فمالت بنا وكدنا نغرق، فبدأ بعض أصحاب السفينة يقولون: يا ولي فلان أنقذنا من

стр. 108

الغرق، فقلت لهم: في مثل هذه الحالة والشدة تستغيثون بغير الله!!، فهذه استغاثة بغير الله. وسواء كان المستغاث به ميتٌ، أو حيٌّ بعيدٌ لا يسمعك ولا يمكن أن يصله كلامك، أو حيٌ في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله، فكل هذا شرك، وذلك لأنه صرف الاستغاثة والاستعاذة لغير الله. قال بعضهم: استغاثه المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق! وقال غيره: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة السجين بالسجين. وما أحسن هذا التعبير، فالسجين لا تنفعه استغاثته بسجين مثله، إذ لو نفع لنفع نفسه. قال ابن تيمية: «قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا غِيَاثَ وَلَا مُغِيثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ كُلَّ غَوْثٍ فَمِنْ عِنْدِهِ» (١). * خلاصة الكلام: أن تعلم أن الاستغاثة والاستعاذة بالله عبادة، فأنت تتعبد بها لله و تؤجر عليها، وحين تصرفها لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقعت في الشرك، حيث صرفت العبادة لغير الله تعالى.

стр. 109

* قوله: (وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣)، وَمِنَ السُنَّةِ: «لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»). * أشار المصنف هنا الى عبادة الذبح، والكلام عليه في مسألتين: المسألة الأولى: تعريف الذبح. الذبح: هو إزهاق الروح على وجه مخصوص، ويراد به هنا: ذبح بهيمة الأنعام، الإبل والبقر والغنم. والذبح لله تعالى تقرباً إليه عبادة يؤجر المسلم عليها، حينما يهريق هذا الدم لله. ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣)، فدل على أنها عبادة لله. وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: ٢)، أي له لتكن صلاتك ونحرك لا لأحد سواه. * والذبح المشروع يدخل فيه صورتان: الأولى: أن يذبح تقرباً إلى الله معظماً له، فهو مأجور على هذا كما سبق، ويدخل في ذلك: الهدي، والأضحية، والذبح بقصد الصدقة ونحوه. الثانية: أن يذبح للأكل، لكنه يذكر اسم الله عليها، فصنيعه مباحٌ من حيث الأصل، لكنه مأجورٌ على تسميته على الذبيحة، وكذا على إطعامه نفسه وأهل بيته، أو أضيافه، فتلك صدقةٌ يؤجر عليها.

стр. 110

المسألة الثانية: مَنْ ذبح وقصد بذبحه تعظيم أحدٍ غير الله، كولي صالح ميت أو جنٍّ أو غيره، فإن هذا شرك؛ لأن الذبح عبادة، ومن صرف العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك. واستدل المصنف على ذلك: بحديث علي ﵁ في الصحيح وفيه: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ «(١). واللعن إذا وقع على فعل فإنه يدل على تحريم ذلك الفعل الذي لُعن صاحبه. * واعلم أن الذبح المنهي عنه له أربع صور: ١) أن يذبح لغير الله قصداً ولفظاً، فيقصد بذبيحته غير الله، مِنْ جنٍ، أو صنم، أو ولي ميت، ويسمي بغير الله، فيقول: باسم الولي فلان، أو باسم الملك فلان، فهذا لا يجوز وهو شرك أكبر. ٢) الذبح لله بقصده ونيته، لكنه عندما ذبح ذكر عليه اسم غير الله. مثال ذلك: أتى بذبيحة يوم العيد فذبحها ونوى بها أنها لله، لكنه قال باسم الولي فلان، أو باسم الملك فلان، أو باسم الجني فلان، وهذا شرك لأنه صرف العبادة لغير الله. ٣) أن يقصد بذبيحته غير الله، ويذكر اسم الله عليها. مثلاً: يأتي بذبيحة ويقول باسم الله عند الذبح، ولكن مقصده أنها تعظيم لذلك الولي الميت أو لذلك الجني، فهذ لا يجوز، لأنه صرف العبادة لغير الله.

стр. 111

٤) أن يذبح ولا يذكر اسم الله عليها، أي بدون تسمية، ويقصد بذلك التقرب لغير الله، فهذا شرك بالله. مثال على ذلك: ما يقع من بعض ضعاف النفوس حينما يطلب الساحر من أحدهم مثلاً ذبح ديكٍ أو شاةٍ ولا يذكر اسم الله عليه، فيفعل ذلك، فيكون قد وقع في الشرك وهو في الحقيقة يتقرب بذلك إلى الجن. جماع القول: أنه يجب عليك إذا أردت أن تذبح، أن تعظم الله ولا تعظم أحداً غيره، فإذا ذبحت فاذكر اسم الله عليه، ولا تنوي بذلك شيئاً غير وجه الله.

стр. 112

* قوله: (وَدَلِيلُ النَّذْرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ (الإنسان: ٧)). * هذه آخر عبادة ذكرها المؤلف هنا مقرراً أنها يجب أن تكون لله، وهي عبادة النذر، والكلام عليها في مسألتين: المسألة الأولى: تعريف النذر. النذر: هو أن يُلزِمَ المكلفُ نفسه شيئاً لم يجب عليه بأصل الشرع. مثال ذلك: لله عليّ نذر أن أصوم شهراً، فهذا الصيام ليس واجب عليه في أصل الشرع. والأصلُ في النذر أنه عبادة، فلا يجوز أن تصرفها لغير الله، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك، وذلك لأنه ما نذر لغير الله إلا لمّا وقع في قلبه التعظيم للمنذور له، أو أنه اعتقد أن له تصرفاً في الكون فهو إذا نذر له ينفعه حينها. مثال النذر المشروع: لله عليّ نذر أن اقرأ القرآن، أو أن أصوم شهراً، أو أن أحج، سواء علقه بشيء كقول: إن شفى الله مريضي فلله عليّ نذرٌ أن أحج، أو لم يعلقه بشي إنما أطلقه، وقال لله عليّ نذر كذا. وأما ما ورد في حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن النذر، وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» «(١)، وحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَرِّبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ شيئًا لَمْ يَكُنِ اللهُ قَدَّرَهُ لَهُ، وَلَكِنِ النَّذْرُ يُوَافِقُ الْقَدَرَ، فَيُخْرَجُ بِذَلِكَ مِنَ الْبَخِيلِ مَا لَمْ يَكُنِ الْبَخِيلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ» «(٢)،

стр. 113

فقد أجاب العلماء عن ذلك بأحد جوابين: ١ - أن النذر المنهي عنه هو المعلق بشيء، كقوله: إن رزقني الله كذا فله علي نذر، وهذا يوهم المشارطة، فكأنه يظن أن الله لن يعطيه إلا إذا نذر له، وهذا فيه سوء أدب مع الله، فأما إن كان نذراً مطلقاً غير معلق بوقوع شيء فهو جائز. ٢ - أن النذر مطلقاً منهي عنه، ولكن إذا نذر الإنسان نذر عبادة فلا يجوز أن يجعل ذلك إلا لله، وهذا الجواب أقرب، وقال به من يرى النهي عن النذر ثم منهم من كرهه، وهو مذهب الحنابلة ومنهم من عدّه محرماً، وهو اختيار ابن تيمية. المسألة الثانية: إذا تقرر هذا فاعلم أن النذر لغير الله لا يجوز، وهو من الإشراك به سبحانه، لأنه قصد بعبادته غير وجه الله. مثال النذر الممنوع: أن يقول: عليّ نذر أن أذبح عند قبر فلان ذبيحة، أو إن شُفى مريضي عليّ نذر أن أذبح ذبيحة عند عتبات قبر الرجل الصالح فلان، ونحو ذلك. فهذا نذرٌ لا يجوز، وصاحبه وقع في الشرك بالله سبحانه. وبهذا يكون المؤلف قد أنهى الكلام عن الأصل الأول، وهو آكد الأصول، وهو معرفة العبد ربه سبحانه، ومعرفته تكون بإفراده بالألوهية، بأن يوحد في العبادة ولا يشرك به أحد، في العبادات القلبية، أو القولية، أو العملية، ومعرفته بالربوبية، ومعرفته بأسمائه وصفاته.

стр. 114

* قوله: (الأَصْلُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ: وَهُوَ: الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشركِ وَأَهْلِهِ). شرع في ذكر الأصل الثاني الذي يُسأل عنه العبد في قبره، وهو معرفة دين الإسلام، ولا شك أن مما يجب على الإنسان أن يعرف: ما هو دينه، حتى يعبد الله على بصيرة، وديننا هو الإسلام. * والإسلام له إطلاقان: ١) إطلاق عام. ٢) وإطلاق خاص. • فأما الإطلاق العام للإسلام فهو: الاستسلام لله بالتوحيد، قال ابن القيم مبيناً المراد بالإسلام: «والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاءَ به» (١). ويتحقق هذا بأمور ثلاثة: ١ - تمام الاستسلام لله بالتوحيد: وذلك يكون في الباطن والظاهر، أي بالقلب والجوارح، بأن يوحد الله في كل عباداته، ولا يقع في شيء من الشرك. ٢ - الانقياد لله بالطاعة: فتطيعه في فعل الأوامر، وترك النواهي. ٣ - البراءة من الشرك وأهله: فمقتضى الإسلام أن تتبرأ من الشرك، ومن أهل الشرك، فهما أمران لا بد منهما: أن تتبرأ من الشرك نفسه، وأن تتبرأ من أهل الشرك، فتبغضهم، وتعاديهم من قلبك، ولا يكون في قلبك مودة لهم.

стр. 115

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «وأنت يا مَنْ منّ اللهُ عليه بالإسلام، وعرف أن ما من إله إلا الله، لا تظن أنك إذا قلت: هذا هو الحق، وأنا تارك ما سواه، لكن لا أتعرض للمشركين، ولا أقول فيهم شيئا، لا تظن أن ذلك يحصل لك به الدخول في الإسلام، بل لا بد من بغضهم، وبغض من يحبهم، ومسبتهم، ومعاداتهم، كما قال أبوك إبراهيم، والذين معه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ولو قال رجل: أنا أتَّبِعُ النبي ﷺ وهو على الحق، لكن لا أتعرض لِلّات والعزى، ولا أتعرض لأبي جهل وأمثاله، ما عليَّ منهم؟ لم يصح إسلامه» (١). وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: «فلا يتم لأهل التوحيد توحيدهم، إلا باعتزال أهل الشرك، وعداوتهم وتكفيرهم؛ فهم معتزلة بهذا الاعتبار؛ لأنهم اعتزلوا أهل الشرك، كما اعتزلهم الخليل إبراهيم ﷺ » (٢). وقد أنزل الله في القرآن سورة سماها بعض العلماء سورة البراءة من الشرك، وهي سورة الكافرون، حيث يعلن فيها المسلم المفاصلة بينه وبين المشركين، حين يقول: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا

стр. 116

أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ (الكافرون: ١ - ٦). قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «أصل الإسلام وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه. الثاني: الإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتلفظ في ذلك والمعادة فيه وتكفير من فعله» (١). إذا تقرر هذا فاعلم أن الإسلام بهذا المعنى يدخل ضمنه كل شرائع الأمم السابقة والأنبياء السابقين؛ لأنها استسلام لله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، فالأنبياء السابقون مسلمون بهذا المعنى، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (الزمر: ٥٤)، بالمعنى العام (٢). وبهذا المعنى فيصح أن يسمى من اتبع موسى; أثناء دعوته من اليهود مسلماً، وأما بعد بعثة محمد ﷺ فلا إسلام إلا باتباع دعوته. • وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فالمراد به إتباع دين محمد ﷺ .

стр. 117

* قوله: (وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ). * ذكر المصنف أن الدين له ثلاث مراتب: ١) الإسلام. ٢) الإيمان. ٣) الإحسان. وأن كل مرتبة من هذه المراتب لها أركان، ومعرفة هذه المراتب، وأركانها، لا بد منه لكل مسلم، حتى يقوم بها على مراد الله، ويحقق أعلى المراتب.

стр. 118

* وابتدأ المؤلف بأول المراتب وهي الإسلام فقال: * قوله: (المرتبة الأولى: الإسلام: فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ). أركان الإسلام بالإجماع خمسة، وقد تواترت الأحاديث بذكر هذه الأركان، التي لا يقوم الإسلام إلا بها، ومن ذلك: حديث ابن عمر مرفوعاً: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١) وغيره من الأحاديث. وهذه الخمسة لا يقوم الإسلام إلا عليها، فإذا أخلّ بواحد منها جحداً لوجوبه كفر، وإن أخلّ به مع الإقرار بوجوبه فالأمر يختلف بحسب الركن المتروك كما يأتي ذكره عند ذكر هذه الأركان، لكن بالنسبة للشهادتين إن أخلّ بها فهو لم يدخل في الإسلام أصلاً، إذ لا يدخل في الإسلام إلا بهما.

стр. 119

* قوله: (فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨). وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ، وَحَدُّ النَّفْيِ مِنْ الإِثْبَاتِ ﴿لَا إِلَهَ﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شريكٌ فِي مُلْكِهِ. وَتَفْسيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]). * ذكر المؤلف أدلة ومعنى هذه الأركان الخمسة، وابتدأ بشهادة أن لا اله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، والكلام على هذه الجملة في مسائل: المسألة الأولى: من أوجب الواجبات على المسلم تعلم معنى لا إله إلا الله، إذ هي الكلمة التي بها يدخل في الإسلام، قال ابن القيم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له كلمة قامت بها الأرض والسموات، وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أُسِّسَت الملة، ونُصِبت القبلة، ولأجلها جُرّدت سيوف الجهاد، وبها أمر الله سبحانه جميع العباد؛ فهي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسن رسله إليها، وهي

стр. 120

كلمة الإسلام؛ ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة» (١). وقال المجدد ﵀: «اعلم رحمك الله أن فرض معرفة شهادة أن لا إله إلا الله قبل فرض الصلاة، والصوم؛ فيجب على العبد أن يبحث عن معنى ذلك، أعظم من وجوب بحثه عن الصلاة، والصوم» (٢). إذا علمت هذا؛ فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، وهي جملة فيها نفي وإثبات: ف (لا إله) فيها نفي لكل ما يعبد من دون الله، و (إلا الله) فيها إثبات للعبادة لله ، فالنفي والإثبات ركنان إن تخلف أحدهما لم تصح الشهادة، فمن عبد الله، وعبد غيره لم يحقق (لا إله إلا الله)، لأنه لم يحقق (إلا الله). ولذا قال المؤلف (لا إله نافية لكل ما يعبد من دون الله، إلا الله مثبتاً العبادة لله وحده سبحانه لا شريك له في عبادته كما أنه لا شريك له في ملكه). والمعنى: أنه كما أنك تثبت أنه لا شريك لله في ملكه، وهو ما يتعلق بتوحيد الربوبية، فأثبت أنه لا شريك له في عبادته، وهو توحيد الألوهية. قال المجدد ﵀: «اعلم رحمك الله: أن معنى لا إله إلا الله، نفي وإثبات: (لا إله) نفي، (إلا الله) إثبات; تنفي أربعة أنواع; وتثبت أربعة أنواع; فالمنفيُ الآلهة، والطواغيت، والأنداد، والأرباب. فالإله ما قصدته بشيء من جلب خير أو دفع ضر، فأنت متخذه إلها، والطواغيت: من عبد، وهو راض، أو ترشح للعبادة، مثل: شمسان; أو تاج.

стр. 121

والأنداد: ما جذبك عن دين الإسلام، من أهل، أو مسكن، أو عشيرة، أو مال، … والأرباب: من أفتاك بمخالفة الحق، وأطعته مصدقاً .. وتثبت أربعة أنواع: القصد: كونك ما تقصد إلا الله; والتعظيم، والمحبة، لقوله ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥]، والخوف، والرجاء، لقوله : ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٧]» (١). المسألة الثانية: يجب على المسلم أن يحقق لا إله إلا الله بقلبه ولسانه، وجوارحه، فالقلب أن يعتقد بمعناها، واللسان بأن ينطق بها، والجوارح بأن لا يعمل بما يناقضها، قال ابن سحمان: «فلا بدّ في شهادة ألا إله إلا الله من اعتقاد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان، فإن اختل نوع من هذه الأنواع لم يكن الرجل مسلماً» (٢). المسألة الثالثة: استدل المؤلف للشهادة بقوله تعالى: (﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨). فتضمنت هذه الآية شهادة التوحيد، وبيان معناها، وبيان من شهد بهذه الشهادة مع الله، فتضمنت أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها، من أجلّ شاهد وهو الله والملائكة وأولوا العلم، بأجلّ مشهود به وهو تفرد الله بالألوهية. قال السعدي: «هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، …

стр. 122

وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد، لأن الله شهد به بنفسه، وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادةُ لا تكون إلا عن علمٍ ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليلٌ على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم» (١). المسألة الرابعة: حينما أراد المؤلف أن يذكر التفسير الذي يوضح (لا إله إلا الله) لم يذكر كلاماً من عنده فإن هذا قد يعترض عليه بأن يقال: هذا فهمك، ولكنه جاء بآيتين من القرآن يتبين فيهما معنى الشهادة، وهي: ١ - قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٦). فبيّن أن إبراهيم ﵈ قال لقومه إنني بريء منكم، ومما تعبدون، ثم استثنى من المعبودين ربه فقال بأنني أعبد الله الذي فطرني، أي أوجدني من العدم، ورزقني ودبرني، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨). أي أن البراءة مما يعبد من دون الله، وعبادة الله وحده، هي الكلمة الباقية، وهي كلمة التوحيد، قال ابن كثير: «قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ (الزخرف: ٢٨)، يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها، وروي نحوه عن ابن عباس» (٢). فتبين بهذه الآية: أن معنى (لا إله إلا الله) هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى.

стр. 123

٢ - قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤). * ففي هذه الآية بيان لمعنى كلمة التوحيد، وذلك أنها تتضمن: ١. تحقيق عبادة الله وحده: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (آل عمران: ٦٤). ٢. والتخلص من الشرك: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ٦٤). ٣. والإقرار بالربوبية لله وحده، ولا يتخذ أحدٌ أحداً رباً من دون الله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤). وهذه هي كلمة التوحيد، التي يستوي أمامها الجميع، فمن حققها فقد حقق التوحيد، ودخل في الإسلام، قال ابن كثير: «فسرها -أي هذه الكلمة- بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ (آل عمران: ٦٤) لا وثناً، ولا صنماً، ولا صليباً ولا طاغوتاً، ولا ناراً، ولا شيئاً، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. ثم قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: ٦٤)، وقال ابن جريج: يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة: يعني: يسجد بعضنا لبعض. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤). أي: فإن تولوا عن هذا النَصَف وهذه الدعوة فأشهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم» (١).

стр. 124

واعلم أن كلمة التوحيد ليست مجرد كلمة تقال، وإنما هي قول باللسان، وتحقيق في القلب والأعمال، فالذي تنفعه هذه الكلمة هو من يقولها، ويعمل بمقتضاها، قال المجدد: لا إله إلا الله مع معناها، بمنزلة الروح من الجسد، لا ينتفع بالجسد دون الروح، فكذلك لا ينتفع بهذه الكلمة دون معناها (١) وكم من امرئٍ ربما نطق بها، وهو يخالفها صباحاً ومساءً، فلا تنفع هذه الكلمة من يخالفها، فيتوجه لغير الله في عباداته، القلبية منها والفعلية، ولو كانت هذه الكلمة مجرد لفظ ينطق، لقالها كفار قريش، وأقبلوا على ما هم عليه من شرك، ولكنهم حينما قال النبي ﷺ لعمّه أبي طالب: «يا عمّ إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، فقال أبو طالب: وأي كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: «لا إله إلا الله»، فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم ويقولون أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشيءٌ عُجابٌ (٢). فاحذر أيها المبارك أن تكون ممن يتلفظ بها، ثم يخالفها، ومهمٌ أن نراجع عباداتنا، هل فيها قصدٌ لغير الله، وأن نُخَلِّصَ أعمالنا من أي شائبةٍ من شوائب الشرك. المسألة الخامسة: ذكر الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ أن الناس تجاه (لا إله إلا الله) ثلاث فرق: * فرقةٌ نطقوا بها وحققوها وعلموا أن لها معنى فعملوا بها، وأن لها نواقض فاجتنبوها، وهؤلاء هم الناجون، وهم المؤمنون حقاً.

стр. 125

* وفرقة نطقوا بها بالظاهر، فزينوا ظواهرهم بقول: لا إله إلا الله، وترديدها، واستبطنوا في نفوسهم الكفر والشرك، وهؤلاء هم المنافقون. * وفرقة نطقوا بها ولم يعملوا بمعناها وعملوا بنواقضها، وهؤلاء هم المشركون (١). فتحقيق شهادة (لا إله إلا الله): أن تقولها بلسانك، وتطبقها بأفعالك، فلا تتوجه بها لأحد غير ربك.

стр. 126

قوله: (وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: ١٢٨). وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ وأَلا يُعْبَدَ اللهُ إِلا بِمَا شرعَ). الجزء الثاني من الشهادة: شهادة أن محمد رسول الله ﷺ ، وتحقيق هذه الشهادة يكون بأمور خمسة: ١ - الإيمان به: قال تعالى (وآمنوا برسوله) وقال (آمنوا بالله ورسوله)، والإيمان به يستلزم تصديقه، واعتقاد صحة رسالته، ومحبته الصادقة، وتوقيره، وتعزيره، قال تعالى (لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) ٢ - طاعة النبي ﷺ في أوامره، وقد أمرنا الله بطاعته فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (المائدة: ٩٢)، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (النور: ٥٦)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء: ٦٤)، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: ٧)، وجعل طاعته هي الطريق لطاعة الله فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (النساء: ٨٠)، وقرن معصية الرسول مع معصيته فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الجن: ٢٣)،

стр. 127

وعلى هذا فيجب أن تطيع النبي ﷺ في كل ما أمر به، فإن كان واجباً كالصلاة فطاعته بأن تعتقد وجوب ذلك، وتعمل به. وإن كان ما أمر به مستحباً فطاعته بأن تعتقد أن هذا من الدين، وأنه مستحب، وأن تحرص على العمل به. ٣ - تصديقه فيما أخبر عنه: سواء كان عن الماضي، كذكره لأخبار الأمم السابقة، أو عن المستقبل، كذكره لما يكون في آخر الزمان، وما يكون في يوم القيامة، فهو الصادق المصدوق، وأمين الله على وحيه، فكل شيء أخبر به فهو حق وصدق، لا كذب فيه ولا خُلف. ٤ - اجتناب ما نهى عنه النبي ﷺ : كالربا والزنا وغيرها، قال تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (١). ٥ - وهو داخل فيما سبق، لكنه يذكر باستقلاله لأهميتة، وهو أن لا تعبد الله إلا بما شرع النبي ﷺ . فمن أخلّ بواحدة من هذه الأمور لم يحقق الشهادة. والإخلال في أحد هذه الأمور قد يخرجه من الدين، وقد يبقى معه أصل الدين، ولكنه ينقص ثوابه مثال ذلك: من لم يجتنب ما نهى عنه النبي ﷺ من الشرك فهو غير مسلم، لكن من لم يجتنب ما نهى عنه من المحرمات، فهو مسلم لكنه آثم.

стр. 128

* قوله: (وَدَلِيلُ الصَّلاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَتَفْسيرُ التَّوْحِيدِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة: ٥). ودَلِيلُ الصيامِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣). ودَلِيلُ الْحَجِّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران: ٩٧). هذه بقية أركان الإسلام، ودليلها، ولم يذكر المؤلف تعاريفها لوضوحها، ولأن المراد هنا التأكيد على أهم الأركان وهي الشهادتان. ١/ فأما الصلاة: فهي لغةً: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (التوبة: ١٠٣) أي ادع لهم. وشرعاً: أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم مع النية، بشرائط مخصوصة. وهي آكدُ الفروضِ بعد الشهادتين، وقد فُرِضت الصلوات الخمس في ليلة الإسراء والمعراج، وقد روى مسلم عن ابن مسعود ﵁ قال: «فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أي في السماء السابعة- ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشركْ بِاللهِ مِنْ أُمَّتِهِ شيئًا، الْمُقْحِمَاتُ» (١). وقد ذكر العلماء أن من جحد وجوب الصلاة أو غيرها من الشرائع فقد كفر، لأنه أنكر شيئاً مما جاء به النبي ﷺ ،

стр. 129

أما من ترك الصلاة فله حالتان: الأولى: إن كان قد ترك الصلاة بالكلية: فاختلف العلماء، فالحنابلة، وهو قول أهل الحديث أنه يكفر بتركها بالكلية، قال عمر ﵁: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال عبدالله بن شقيق: «لم يكن أصحاب النبي ﷺ يرون من الأعمال شيئاً تركه كفر إلا الصلاة» (١). والجمهور على أنه يقتل، لكن ذهب المالكية والشافعية إلى أنه يقتل حَدَّاً، لا لكفره، أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين. وأما الحنابلة فحكموا بأنه يقتل لكفره إذا تركها بالكلية. وأما الحنفية فقالوا: تاركها بالكلية فاسق لا يكفر، ولا يقتل، وإنما يعزر ويحبس حتى يموت أو يتوب. الثانية: إن كان يصلي ويترك: فمن أهل العلم -وهو رواية عند الحنابلة- أنه يكفر بترك صلاة واحدة إذا خرج وقتها، والأقرب أنه لا يكفر بذلك، لكنه على خطر عظيم. ٢/ الزكاة: لغة: النماء والزيادة، يقال: زكا الزرع، إذا نما وزاد، وسميت بذلك لأنها تثمر المال وتنميه وشرعاً: حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة، في وقت مخصوص. واعلم أن الزكاة إنما تجب بشروط معروفة عند أهل العلم وهي: ١ - الإسلام فلا تجب على الكافر.

стр. 130

٢ - الحرية: فلا تجب على الرقيق ولو مكاتباً، وتجب على البعض بقدر ملكه. ٣ - ملك النصاب: وتختلف الأنصبة، باختلاف الأموال. ٤ - الملك التام: فلا زكاة على السيد في دين الكتابة، ولا في حصة المضارب قبل القسمة، لعدم تحقق الملك التام. ٥ - تمام الحول: ولا يضر لو نقص نصف يوم. وتجب الزكاة في خمسة أصناف: في سائمة بهيمة الأنعام، وفي الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وفي العسل، وفي الأثمان وهي الذهب والفضة والأوراق النقدية، وفي عروض التجارة. ٣/ الصيام: في اللغة: الإمساك مطلقاً، عن الطعام، والشراب، والكلام، والنكاح، قال تعالى عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (مريم: ٢٦). وشرعاً: الإمساك عن المفطرات تعبداً لله من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقد فرض في السنة الثانية، فصام النبي ﷺ تسع رمضانات. والواجب من الصيام هو شهر رمضان، وقد ثبت في صومه فضائل عديدة، منها حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (١).

стр. 131

٣/ الحج: لغة: القصد وشرعاً: قصدُ موضعٍ مخصوص -وهو البيت الحرام وعرفة- في وقت مخصوص -وهو أشهر الحج- للقيام بأعمال مخصوصة -وهي أعمال الحج- بشروط محددة. وقد شرع على الصواب في السنة التاسعة، وحج النبي ﷺ مرة واحدة، في السنة العاشرة. فإن قيل: فما حكم من ترك واحداً من هذه الأركان الثلاثة؟ = إن كان قد تركها لا جحداً لوجوبها، وإنما كسلاً، أو بخلاً، فإنه لا يكفر ولكنه على خطر عظيم. والدليل: حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في الزكاة أنه قال: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ، لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (١).

стр. 132

فقد ذكر أنه ترك الزكاة، ثم قال بعد ما ذكر تعذيبه «فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ». * قوله: (الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الإِيمَانُ: وَهُوَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا إله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإِيمَانِ. وَأَرْكَانُهُ سِتَّةٌ: كما في الحديث: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ». وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة: ١٧٧). ودليل القدر: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩)). * بعدما انتهى الحديث عن المرتبة الأولى من مراتب الدين أشار المؤلف للمرتبة الثانية، وهي الإيمان، والكلام عنها في مسائل: المسألة الأولى: تعريف الإيمان. الإيمانُ في اللغة: التصديقُ الجازم. وشرعاً: هو اعتقاد وقول وعمل. اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. ولابد من هذه الثلاث، فلا يكفي في الإيمان أن يعتقد بقلبه ولا ينطق بلسانه، ولا يكفي في الإيمان أن يعتقد بقلبه وينطق بلسانه ولا يعمل، بل لابد من الثلاثة. وبعضهم عرّفه فقال هو: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، وهذا بمعنى الأول.

стр. 133

المسألة الثانية: تكلم العلماء عن الفرق بين الإيمان والإسلام. * وخلاصة كلامهم أن يقال: ١ - الصواب أن الإيمان يختلف عن الإسلام، وأنهما ليسا بمعنى واحد، وأن الإيمان أرفع من الإسلام (١). بدلالة: قول الله : ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤). وبدلالة: ما ورد في قصة قوم لوط قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ (الذاريات: ٣٥ - ٣٦)، والتفريق هنا لبيت لوط ﵈، فهو بيت مسلم، حتى زوجته كانت مسلمة، لكنها لم تكن من المؤمنين؛ لأنها خانت، وليست خيانتها خيانة فاحشة، فإنه لم تخن زوجة نبي زوجها في هذا الأمر، وإنما كانت خيانتها بإخبارها لقومها بوجود الملائكة، فكانت من المهلكين والله أنجى المؤمنين فقط، فدل على أن الإيمان أرفع من الإسلام. ٢ - الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في موضع واحد، فَذُكِرَ الإيمانُ والإسلامُ، فإن الإسلام يكون للأعمال الظاهرة، والإيمان يكون للأعمال الباطنة كما هنا، فالإيمان ذكر النبي ﷺ فيه أعمالاً قلبية باطنة، بخلاف الإسلام، وفي الآية: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، وأما الإسلام فيكون للأعمال الظاهرة.

стр. 134

أما إذا افترقا فإنه قد يطلق الإيمان على الإسلام، والإسلام على الإيمان، وقد ثبت في الصحيح في حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال: «آمركم بالإيمان بالله، قالوا: وما الإيمان؟ قال: أن تشهدوا ألا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم» (١)، فذكر لهم في الإيمان خصال الإسلام، فدل على أنهما إذا افترقا فمعناهما واحد. المسألة الثالثة: الإيمان له أركان ستة ذكرها المؤلف ﵀ هنا: الركن الأول: أن تؤمن بالله: ويدخل في ذلك: ١. الإيمان بوجود الله . ٢. الإيمان بألوهية الله: بأن تؤمن أنه سبحانه هو الإله المستحق للعبادة لا سواه. ٣. وتؤمن بربوبيته: بأن تؤمن أنه هو الرب وحده لا شريك له. ٤. وتؤمن بأسمائه وصفاته: فتسميه بما سمى الله به نفسه، وتصفه بما وصف به نفسه، من غير تشبيه له بخلقه، ولا تعطيل للصفة، ولا تكييف لها. الركن الثاني: الإيمان بملائكة الله. والملائكة: هم خلق من خلق الله ، خلقهم لعبادته، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. والإيمان بهم يكون على وجهين: ١ - على سبيل الإجمال: بأن تؤمن أنهم ملائكة خلقهم الله ؛ لحكمة، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم.

стр. 135

٢ - على سبيل التفصيل: وينتظم ذلك معاني: ١/ أن تصدق بوجودهم. ٢/ أن تعتقد أنهم عباد الله وخلقه، لا يقدرون إلا على ما أقدرهم الله تعالى عليه، والموت عليهم جائز، ولكن الله تعالى جعل لهم أمداً بعيداً، فلا يتوفاهم حتى يبلغوه، ولا يوصفون بشيء يؤدي وصفهم به إلى إشراكهم بالله تعالى، ولا يتوجه لهم بشيء من العبادات. ٣/ أن تؤمن بما ثبت من أسمائهم، مما صح في النصوص. ٤/ أن تؤمن بما ثبت من أعمالهم، وبما ورد من أوصافهم، وقد ورد في النصوص جملة من ذلك، فمنهم حملة العرش، ومنهم الصافون، ومنهم خزنة الجنة، ومنهم خزنة النار، ومنهم كتبة الأعمال، ومنهم الذين يسوقون السحاب، ومنهم الذين يبحثون عن مجالس الذكر ويتنادون لها (١). * ثمرة الإيمان بالملائكة: الإيمان بالملائكة يقوي الإيمان، ويورث في القلب تعظيم الله، فإذا تأمل الإنسان أن هؤلاء الملائكة على عظم خلقهم، هم ممتثلون لله، فإن هذا يدله على عظمة الله، فأي نفسٍ تسمع عن عظم خلق الملائكة، كما في حديث جابر ﵁ مرفوعاً: «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» (٢)، وحديث عائشة ﵂ أنه ﷺ قال عن جبريل: «رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ» (٣)، أي نفس تسمع هذا ولا تزداد تعظيماً لله القوي الذي خلق الملائكة، وهم لهم خاضعون.

стр. 136

الثالث: أن تؤمن بكتبه: والكتب: هي الكتب التي أنزلها الله على الأمم بواسطة الرسل. * والإيمان بالكتب يكون على وجهين: مجمل: بأن تؤمن بأن لله كتباً أنزلها على رسله، وأنها حق، ولا تنكرها. ومفصّل: ينتظمه عدة أمور: ١. الإيمان بأنها من عند الله، أنزل لكل أمة ما يناسبها، وما فيه استقامة أمورها، وتصدق بما بقي منها مما لم يحرف. ٢. أن تؤمن بأنها -ولا سيما القرآن- من عند الله ﵎، وليس من وضع محمد ﷺ ، ولا من وضع جبريل ﵈. وأنه معجز لا يستطيع الناس كلهم أن يأتوا بحرف من مثله. ٣. أن تؤمن بأن القرآن مهيمن عليها، فتصدق بأخباره، وتعمل بما لم ينسخ من أحكامه (١). الرابع: الإيمان بالرسل. والرسل: جمع رسول، والرسول: هو من أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه والإيمان بالرسل يكون في أمرين: ١. الإيمان بالرسل عموماً: بأن تؤمن بأن الله أرسل رسلاً لعباده يأمرون الناس بعبادته وحده، وينهون عن الإشراك به، ويبشرون من أطاعهم بالجنة، ويحذرون من عصاهم النار، وتصدق بنبوتهم، فهم صادقون مصدقون. ٢. الإيمان بمحمد ﷺ خصوصاً: بأن تؤمن أنه خاتم الأنبياء، وتعمل

стр. 137

بشريعته، إذ هو المرسل إلينا، ولا نبي بعده، فرسالته نسخت الرسالات قبلها، قال ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (١). الخامس: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة، وسمي آخراً: لأنه لا يوم بعده. ويدخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما يكون في يوم القيامة من البعث والحساب، والجزاء والجنة والنار، وكل ما يكون بعد الموت من فتنة القبر وعذابه وسؤال الملكين، والصراط والميزان وغير ذلك، فالإيمان باليوم الآخر أن تصدق بكل هذا، وتعتقد وقوعه؛ لأن الذي أخبر به هو محمد ﷺ ، وهو الصادق المصدوق (٢). السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره والقدر هو: تقدير الله للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته سبحانه. فالتقدير الذي يقع للكائنات وللخلق عموماً هو من قدر الله وقضائه، والمؤمن يجب عليه أن يؤمن بالقدر خيره وشره، ويعتقد تجاه ما يقع على العباد أربعة أمور: أولاً: أن الله سبحانه علمه جملةً وتفصيلاً. قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى

стр. 138

ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: ٧). وثانياً: أن تعتقد أن الله قد كتب ذلك في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: ٤٩)، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ (القمر: ٥٢ - ٥٣). وثالثاً: أن تعتقد أنه ما يحدث في الكون من شيء، إلا وهو بمشيئة الله سبحانه. ورابعاً: أن تعتقد أن جميع المخلوقات قد خلقها الله تعالى، وخلق أعمالها: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الزمر: ٦٢). وهذه المراتب الأربع هي مراتب الإيمان بالقدر. والمراد: أن هذه الأركان الستة هي أركان الإيمان، كما ورد في حديث جبريل الآتي * فإن قيل: قد ورد في الحديث أن النبي ﷺ ذكر خصال الإيمان وشعبه فقال: «الإيمان بضع وسبعون شعبه»، وهنا ذكر الأركان الستة، فكيف نجمع بينهما؟. = الجواب أن يقال: الإيمان من ناحية الاعتقاد ستة أركان، وأما من ناحية العمل وأنواعه فإنه كما ورد في الحديث: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً» (١). المسألة الرابعة: ورد في الحديث شعب الإيمان، فما المراد بشعبه، وما عددها؟ - أما عددها: فقد ورد الحديث على وجهين: (بضع وستون) (بضع

стр. 139

وسبعون) فعند البخاري «بِضْعٌ وَسِتُّونَ» (١) وعند مسلم بالشك: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ -» (٢) والبضع هو (من ٣ إلى ٩). - وأما الشعب: فجمع شعبة، وهي الطائفة والقطعة من الشيء، وشعب الإيمان خصاله، وقد اجتهد بعض العلماء وحاول عدّ شعب الإيمان، ومنهم الحليمي، وابن حبان، فذكروا جملة من الأعمال التي ورد فيها أنها من الإيمان، سواء كانت قولية أو قلبية أو بدنية، وهذا اجتهاد ولكن كما قال ابن رجب: «وفي القطع علماً أن ذلك هو مراد الرسول ﵈ من هذه الخصال عسر» (٣). * وقد ذكر النبي ﷺ من شعب الإيمان ثلاثاً: - أرفعها: وهي كلمة لا إله إلا الله. - وأدناها: وهي إماطة الأذى عن الطريق. - وثالثة عدها من شعب الإيمان: وهي الحياء. والحياء كله خير، ولا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان كما ثبت في الأحاديث، فقد رأى النبي ﷺ رجلاً يعظ أخاه في الحياء، فقال: «دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ» (٤). ووجه كون الحياء من الإيمان: أنه خلق يحمل المرء على فعل ما يزين، ويمنعه من فعل ما يدنس ويشين.

стр. 140

* قوله: (الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الإِحْسَانُ: وله رُكْنٌ وَاحِدٌ. كما في الحديث: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: ١٢٨). وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ (الشعراء: ٢١٧ - ٢٢٠). وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ (يونس: ٦١)). هذه المرتبة الثالثة من مراتب الدين: وهي مرتبة الإحسان. والإحسان: ضد الإساءة، والمراد بالإحسان هنا: الإحسان في حق الله ، وهو مرتبتان كما دل له الحديث ١. أن تعبد الله كأنك تراه: هذه مرتبة، بمعنى: أنك تتعبد لله كأنك ترى الله ، وهذه أرفع الأحوال، فإن من تعبد لله وفي قلبه كأنه يشاهد الله ويراه سيسعى بأن يأتي بالعمل على أتم وجه. ٢. أن تعبد الله وقد وضعت في قرارة نفسك وقلبك أنه سبحانه يراك: وهذه هي مرتبة الخوف من الله ، فمن حقق هذا فقد قام بالإحسان، وقد قام بعمله لله على أتم وجه، حيث أنه تعبد لله كأنه يرى الله، أو كأن الله سبحانه يراه، أو وضع في قلبه أن الله يراه ويشاهده ويطلع على أعماله. واستدل لذلك بثلاث آيات: ١/ قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل: ١٢٨).

стр. 141

فقد أثبت سبحانه معيته للمحسنين، وأرفع الإحسان: الإحسان في حق الله، بأن تعبده سبحانه ولا تشرك به شيئاً. ٢/ قوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٧ - ٢١٩)، وهذه الآية فيها بيان حقيقة الإحسان، بأن تعبد الله وأنت موقن أنه يراك وأنت تقوم، ويراك وأنت تتقلب في السجود، وغير السجود، فهو السميع العليم، فمن حقق هذا فقد حقق أرفع مراتب الدين. ٣/ قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ (يونس: ٦١). أي ما تكون على أي حال، ولا تعمل أي عمل خيراً أو شراً إلا والله مشاهد ذلك، وتحقيق هذا في القلب يوصل العبد لأرفع مراتب الدين وهي الإحسان.

стр. 142

* قوله: (وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ جِبْرِيلَ الْمَشْهُورُ: عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ فَقَالَ: «أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا». قَالَ: صَدَقْتَ. فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشرهِ». قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ». قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا. قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». قَالَ: فَمَضى، فَلَبِثْنَا مَلِيَّا، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم»). استدل المصنف ﵀ لهذه المراتب الثلاث بحديث جبريل الشهير الذي ثبت في الصحيح، وقد ساقه ﵀ بتمامه، وهذا الحديث يسمى عند أهل العلم [أم السنة] وهو حديث عظيم ينبغي على طالب العلم أن يحفظه وأن يتفهم معانيه، وقد أشرت إلى معانيه ضمن الكلام على مراتب الدين.

стр. 143

قوله: (الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالسَّلامِ). هذا هو الأصل الثالث الذي يُسأل الإنسانُ عنه في قبره، ولذا كان مما يجب على الإنسان أن يتعرف على نبيه ﷺ ، ومعرفة النبي ﷺ منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. * وقد ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- عدة أمور تدخل تحت معرفة النبي ﷺ : الأمر الأول: نسبه واسمه: والمراد أن يعرف الإنسانُ اسمَ النبي ﷺ ، فإنه سيسألُ عنه في قبره، ثم إنه يقبح به أن يجهل اسم نبيه ﷺ ، وهو الذي دله على الله، وله ﷺ علينا جميعاً فضلٌ كبير. والواجب من معرفة الاسم: اسمه المفرد ﷺ ، وأما بقية الاسم واسم آبائه فهذا مما يستحب للإنسان، ولا يجب. واعلم أن الله قد جعل نبينا ﷺ أفضل الناس نسباً، قال ﷺ : «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» (١)، فهو قرشي هاشمي عربي ﷺ ، والله أعلم حيث يجعل رسالته.

стр. 144

فإن قيل: فما ثمرة ذلك؟ = الجواب: منصب الرسالة منصبٌ شريفُ القدر، فلا يليق إلا برجلٍ شريفِ القدر، وقد كانت العرب الذين أرسل إليهم محمد ﷺ يفاخرون بالأحساب، فلكي لا يكون في نسبه ﷺ وسيلةٌ لهم للطعن فيه، وردِّ دعوته، والإعراض عنه، اختاره الله من نسب شريف عندهم، وهو من سلالة أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ . وإلا ففي الإسلام لا فرق بين شريف نسب ووضيعه، فالتمايز هو بالتقوى لا غير، وليست الأنساب سبباً للتفاخر، ولا وسيلة لِلَّمزِ والطعن، ولذا فإن النبي ﷺ كان أشرف الناس نسباً، فما تفاخر ولا ترفع على قومه، بل كان أكثر الناس تواضعاً.

стр. 145

* قوله: (وَلَهُ مِنَ الِعُمُرِ ثَلاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلاثٌ وَعِشرونَ في النبوة). الأمر الثاني: مما يدخل في معرفة النبي ﷺ : معرفة سِنّه. عاش ﷺ ثلاثاً وستين سنة، وكانت سن النبي ﷺ عندما أرسله الله أربعون سنة وهو الأشد ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ (الأحقاف: ١٥)، ومكث على ذلك حتى توفي وعمره ثلاثة وستون سنة، فكان ثلاثاً وعشرين سنة نبياً رسولاً.
следующие страницы →