← Акыда

Акыда · id 1252

تقريب الوصول إلى ثلاثة الأصول

منصور الصقعوب

Полный текст (185 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المسألة الثانية: ذكر المؤلف دليلين على أن من صرف شيئاً من العبادات لغير الله فقد وقع في الشرك، وهما: ١. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (الجن: ١٨). وقوله: ﴿الْمَسَاجِدَ﴾، إما أن يراد بها المواضع التي بنيت لعبادة الله، وإما أن يراد بها الأعضاء التي خلقها فليس لأحد أن يدعو مع الله غيره من خلقه. إذن فمعنى الآية: أن المساجد كلها لله، فلا يجوز أن يقصد بها أحدٌ غير الله، وسواء أريد بالمساجد أعضاء السجود، أو المواضع التي بنيت للعبادة. ٢. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ (المؤمنون: ١١٧). ومعنى الآية يتبين بما قبلها، وهي قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: ١١٦)، فإنه سبحانه لما قرر أنه الملك الحق لا إله إلا هو، قال بعدها أن من ادعى إلها آخر فقد ادعى باطلاً لا برهان له فيه، وكل ما لا برهان فيه لا يجوز إثباته، ثم ذكر أن من قال بذلك فجزاؤه العقاب العظيم بقوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (المؤمنون: ١١٧)، قال بعض المفسرين (١): «إِنَّ عِقَابَهُ بَلَغَ إِلَى حَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى حِسَابِهِ إِلَّا اللَّه تَعَالَى» (٢).

стр. 72

واعلم أن كل من دعا غير الله فليس له برهان على ذلك، بل دلت البراهين على بطلان ما ذهب إليه. والخلاصة: أن من دعا غير الله مع الله فقد وقع في الشرك، وقد كان أهل مكة يدعون الله ولكنهم يدعون غير الله تعالى معه، فعدّ صنيعهم شركاً. فالمراتب ثلاث: ١ - عبدٌ يَعبد اللهَ وحده: فهذا هو الموحد. ٢ - وعبدٌ يَعبدُ غير الله مطلقاً: فهذا كافر لم يسلم ولم يتعبد لله . ٣ - وعبدٌ يَعبدُ الله ويعبدُ معه غيره: فهذا هو المشرك.

стр. 73

* قوله: (وَفِي الْحَدِيثِ: «الدُّعَاءُ مخ الْعِبَادَةِ». وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]). * أول عبادة ذكرها المؤلف عبادة الدعاء، والكلام عليها في ست مسائل: المسألة الأولى: الدعاء عبادة عظيمة، وهو من أشرف أنواع العبادة لله تعالى، فليس للعبد غنى عن الله ، فأنت ترى المهموم يتوجه للحي القيوم سبحانه فتتفرج بإذن الله كرباته، وترى المريض يتوجه له فيشفيه، وترى العقيم يقصده بالمسألة فيرزقه، والمهموم يقصده فيزيل الله همه، والمديون يتوجه لله ، فيجيبه الله ويسدّ حاجته. لذا على المسلم أن يتوجه بكليته إلى الدعاء، وهو في ربحٍ مع الله مطلقاً، فهو حين يدعو لن يخرج عن أحد أحوالٍ ثلاث: ١. أن تجاب دعوته. ٢. أن يدّخر له ثوابها. ٣. أن يردّ عنه من السوء مثلها، كما في حديث عبادة بن الصامت ﵁ مرفوعاً: «ما عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صرفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِذًا نُكْثِرُ، قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» (١).

стр. 74

المسألة الثانية: ذكر أهل العلم أن للدعاء نوعان: ١ - دعاء المسألة. ٢ - ودعاء العبادة. * فأما دعاء المسألة: فهو ما صُدِّرَ بياء النداء: مثل (يا الله، يا أرحم الراحمين)، مثل أن يقول: أعطني كذا، ارزقني كذا، يسر لي كذا، فقد طلب شيئاً ينفعه، أو طلب دفع شيء يضره. * والنوع الثاني دعاء العبادة: هو أفعال وأفراد التعبدات التي تكون باللسان، وبالأفعال، ويدخل فيه جميع أنواع الطاعات والقربات، كالصلاة والصيام والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك، فالمتعبِّد لله بالأعمال الصالحة أعظم مطلوبة فيها أن يدخله الله الجنة، فأنت حينما تصلي فكأنما تدعو الله أن يدخلك الجنة بفضله سبحانه وبرحمته؛ لأن الذي يتعبد لله بالصلاة أو الصيام أو بالحج أو بغير ذلك، لو سألته لِمَ تفعل ذلك؟ لكان قلبه ناطقاً، ولسانه ناطقاً أيضاً، بأن مقصده في ذلك أنه يبحث عن رضى الله ، وعن نيل ثوابه، وعن السلامة من عقابه، فهذا دليل على أن العبادات كلها إذا فعلها الإنسان على وجه التذلل والتضرع أنها تكون عبادات لله . وكلا الأمرين -دعاء العبادة ودعاء المسألة- لا يجوز أن يصرفا لغير الله ، فالأول سؤالٌ باللسان، والثاني سؤالٌ بالحال. المسألة الثالثة: الدعاء إنما يكون دعاءً إذا كان على وجه التذلل والخضوع، ومن الأسفل للأعلى، أما من يدعو بتكبر، أو أنه يطلب من أحدٍ دونه، كمن يطلب من ولده، فهذا لا يسمى دعاء. المسألة الرابعة: حين يتوجه العبد لغير الله بالدعاء، فيرفع يديه ويطلب قبراً، أو رجلاً صالحاً ولياً، أو غير ذلك، فإن هذا دليل على سوء ظنه بالله، وعلى إشراكه به، فكيف يطلب غير الله؟! وهو يعلم أن الخزائن

стр. 75

كلها من عند الله، بل حتى المشركين يعلمون أن الخزائن من عند الله، وأن الرزق من عنده سبحانه، فوا عجباً لأمرِئٍ يعلم أن الله بيده الرزق، وبيده الجنة، وبيده النار، وبيده كل شيء من أمور الدين والدنيا، ثم تجده يرفع يديه عند قبر، أو عند ولي، أو عند شجرة، أو غير ذلك، ويدعو غير الله . المسألة الخامسة: إذا عرفت أن الدعاء لله عبادة، فدعاء غيره شرك، ويدخل في دعاء الشرك صور ثلاث: الصورة الأولى: أن يدعو ميتاً، فيقول مثلاً عند رجل صالح، أو عند قبر، أو غير ذلك: يا ولي فلان ارزقني ولداً، يسّر لي وظيفة، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنه صرف العبادة لغير الله ، ولو كان ناطقاً للشهادتين، لأنه خالف مقتضاها. ويلحق بذلك كل من دعا غائباً؛ لأنه ما دعا الغائب إلا لاعتقاده أن له تصرفاً وتدبيراً في الكون، كمن يدعو رجلاً لكنه في أقصى الأرض، وهو لا يسمع! أو يدعو جنّياً أو غير ذلك فهذا من الشرك الأكبر. قال الشيخ سليمان بن عبد الله: «فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئًا من نوعي الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين يقولون: لا إله إلا الله وهم مشركون، ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعًا» (١). الصورة الثانية: دعاءُ الميت بالشفاعة، بأن يقول لرجل ميت: يا ولي فلان اشفع لي عند الله أن يعطيني كذا: فهذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه طلبٌ

стр. 76

للشفاعة بالإشراك، وقد قال الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (سبأ: ٢٢ - ٢٣). والمشركون لما قيل لهم لم تدعون غير الله؟ قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ومع ذلك فلا يجوز لأحدٍ أن يدعو الميت أن يشفع له عند الله، فإن الله صانعٌ ما شاء لا مكره له. الصورة الثالثة: وهي ليست بشركية ولكنها محرمة: أن يدعو الله بجاه رجل صالح، فيقول: أسألك يا رب بجاه محمد ﷺ أو بجاه فلان الصالح، فإن هذا لا يجوز، ولم نقل بأنه شرك؛ لأنه دعا الله . ولكن لم نقل بأنه يجوز؛ لأن الصحابة ما فعلوه، ولأن النبي ﷺ ما أمر الصحابة أن يفعلوه، وإنما على العبد أن يتوجه إلى الله ، ويخلص قصده إليه ويرفع إليه يديه، فهو الذي قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (غافر: ٦٠)، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: ١٨٦). المسألة السادسة: استدل المصنف لكون الدعاء عبادة بحديث أنس ﵁ مرفوعاً «الدعاء مخ العبادة» (١). قال الحكيم الترمذي: «إِنَّمَا صَار مخا لَهَا لِأَنَّهُ تبرؤ من الْحول وَالْقُوَّة واعتراف بِأَنْ الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ» (٢). لكن الحديث ضعيف، فيه ابن لهيعة (٣)، ولذا قال الترمذي: هذا حديث

стр. 77

غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وأصح منه حديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الدعاء هو العبادة» (١) أخرجه الخمسة إلا النسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح. * خلاصة الكلام في الدعاء: أن تعلم أنه عبادة، وصرفه لغير الله تعالى شرك، فتوجه بدعائك لمن بيده كل شيء، وأنت بدعائه تتعبد له، وتطلب الأمور ممن بيده مقاليد الأمور. فجرب إذا أغلقت عليك الأبواب وادلهمت عليك الأمور، أن تنخلع من علائق الناس، ومن فلان وفلان، وتتوجه بصدق وإخلاص ويقين الى الله، وسترى أن الله على كل شيء قدير، يجيب من أخلص في دعائه.

стр. 78

* قوله: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]). * ذكر المؤلف عبادة أخرى من العبادات، وهي الخوف، والكلام عليها في أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريف الخوف: الخوف: هو انفعال وانزعاج وتألم يعرض للقلب بسبب توقع مكروه أو نزول مصيبة ومكروه، وهذا الخوف عبادةٌ من أعظم العبادات التي يتعبد العبد بها لله تعالى، وقد حث الله عليها فقال: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٧٥). وما دام أن الخوف عبادة، فإن المؤمن لا ينبغي أن يخاف إلا من الله، والخوف يكون عبادة إذا كان مصحوباً بالتعظيم لله والتذلل له واستشعار أن الله بيده التدبير، وبيده العقاب، والنعيم. وثمرة الخوف: القرب من الله، وترك المعصية، والرغبة في الطاعة، فأما خوفٌ مجرد من ذلك فلا ثمرة فيه. المسألة الثانية: إذا تقرر أن الخوف المصحوب بالتعظيم لله تعالى عبادة، فالخوف من غير الله قد يكون شركاً، لكن لا بد أن تعلم أنه ليس كل خوف من غير الله يكون شركاً، فالمرء قد يخاف من عدو، وقد يخاف من الظلمة، بل إن المرء مفطور على الخوف مما يجهله، فموسى ﵈ خاف من الحية حتى قال الله له: ﴿لَا تَخَفْ﴾ (طه: ٦٨)، وخاف من فرعون فقال الله له ولهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (طه: ٤٦).

стр. 79

ولذلك فثمة خوف طبيعي قد يقع على الإنسان، كأن يخاف من عدو أو سبع أو عقرب أو غير ذلك، وهذا لا ملامة عليه فيه. * إنما الخوف المحرم نوعان: الأول: أن يخاف من غير الله أن يصيبه بمكروه؛ لأنه يعتقد أنه ينفع ويضر من دون الله، وهذا يسميه أهل العلم: خوف السِرّ، مثل الخوف الذي يقع من بعض الناس من الأولياء المقبورين، أو أن يخاف من صنم، أو يخاف من جِنّ و نحو ذلك، فهذا كله لا يجوز، وإذا وقع الإنسان في ذلك، واعتقد أن المخوف منه سببٌ لوقوع المكروه، فهذا شركٌ أصغر، ولكن إن خاف من الغير وكان في قرارة نفسه واعتقاده أنهم ينفعون أو يضرّون من دون، الله فهذا شرك أكبر. ولا يقع في هذا الأمرِ الموحدُ الذي يخاف من الله تعالى، إنما قد يقع فيه من نقص تعظيمه لله، فترتب على ذلك الخلل في التوحيد، حين خاف من مخلوق خوفًا لا يليق إلا بالله تعالى، بل إنه ربما خاف من صاحب القبر أشد من خوفه من الله (١).

стр. 80

النوع الثاني: أن يخاف من الناس فيترك ما أمر الله به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشيةً من مخلوق، وهنا ينبغي أن يتذكر الإنسان ألا يخاف إلا الله، قال الله : ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: ١٧٥)، ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١٣). فلا تخف من هؤلاء الناس فإنهم لا يقدمون ولا يأخرون. وهذا النوع ليس بشرك، وإنما هو محرم، إلا إذا كان الذي يخافه قادراً على إيصال المكروه إليه، فإنه قد يكون له أن يترك هذا الواجب لأجل المضرّة التي قد تلحقه فيتركه مكرهاً. المسألة الثالثة: الخوف يكون محموداً، ويكون مذموماً. فالخوف المحمود الصادق: هو ما حال بين صاحبه وبين محارم الله، وبين الوقوع في الذنوب، إذ إن ثمرة الخوف: أن يثمر فيك فعل الطاعات وترك الذنوب والمعاصي. وأما الخوف المذموم: فأن يزيد عليك ذلك حتى يورثك القنوط واليأس من رحمة الله ، نسأل الله السلامة والعافية، ولذلك فإن من الكبائر كما في الأثر عن ابن عباس: اليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله. وإنما كان ذلك من الكبائر لأن فيه سوء ظن بالله، الذي تسمى بالرحيم والتواب ونحو ذلك، فمن زاد خوفه حتى قنط من رحمته فقد ارتكب المحرم. المسألة الرابعة: السلف -رحمهم الله تعالى- كانوا برغم حسن عملهم وطاعتهم لله عندهم الخوف منه ، وقبل ذلك كان النبي ﷺ يخاف من الله تعالى، بل إنه مكث ليلةً يردد آية واحدة، ويبكي، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: ١١٨).

стр. 81

وعمر ﵁ خاف أن يَعُدّه النبيُ ﷺ من المنافقين. وكان من السلف مَنْ إذا مرّ على الخباز بكى وخشي من عذاب الله . وكان منهم من إذا مَرّ بالرؤوس المشوية عند أصحاب الطبخ خشي وتذكر عقوبة الله وتذكر النار، وتذكر قوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (المؤمنون: ١٠٤). تجد أن قلوبهم خائفة وجلة متعلقة بالله ، والإنسان إذا كان صاحب عمل صالح ويخاف من الله فإنه يُرجى له الخير، وإنما المصيبة أنك ترى من عنده تقصير ومع ذلك لا يخاف من الله !. ولذلك قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون: ٦٠)، قالت عائشة ﵂: «أَهُمُ الَّذِينَ يَشربُونَ الخَمْرَ وَيَسرقُونَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ» (١). هل مرّ عليك يوم من الأيام وضعت في قرارة نفسك أن الله قد لا يقبل طاعتك؟ وأنه قد لا يقبل توبتك؟ هل وقر في قلبك يوماً من الأيام أن الله ربما سخط عليك؟ هل وقع في نفسك ذلك؟ إنها أسئلةٌ لا بد أن يتصورها المسلم، وأن يخاف من الله تعالى. نعم هذا الخوف لا ينبغي أن يزيد عن حدّه فيصير قنوطاً، وإنما يكون خوفاً يدعوك ويحدوك إلى أن تترك الذنب وتفارقه، وتبادر بالتوبة إلى الله ، ويدعوك إلى أن تتعبد لله، وتحافظ على الطاعات؛ لأنك تخاف من الله الذي توعد من عصاه بالعقوبة والعذاب.

стр. 82

* قوله: (وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]). * هذه العبادة الثالثة التي ذكرها المؤلف، وهي الرجاء، والكلام عليها في أربع مسائل: المسألة الأولى: تعريف الرجاء: الرجاء: هو الأمل والتوقع، وحقيقته: أن تؤمل في الحصول على شيء مرجو، فترغب أن تحصل على شيء تريد أن تناله. والرجاء بالله عبادة يتقرب العبد بها إلى الله ، بل إنها من العبادات العظيمة التي تنشِّط الإنسان على الطاعة، وتحدوه إليها، فإنه لولا أن الإنسان يرجو الرحمن، ويرجو الجنة، والمغفرة، وثواب الله ورضاه، ورؤية وجهه سبحانه، وإلا لما نشط بالعبادة. ولذلك فأنت ترى مثلاً: المسافر إذا كان قد أقدم على بلدةٍ وهو لا يرجو فيها شيئاً، فلا يرجو أن يرى أحداً من الناس، وليس في قلبه أملٌ ولا رغبة، ولا توقعٌ لشيء من الأشياء المحبوبة إليه، فإنه لا ينشط أن يستعجل، لكنه إذا كان يؤمل أن يلقى حبيبه، أو أن يلقى أمراً من أمور الدنيا يحبه، فإنه ينشط ويبادر، وكذلك السائر إلى الله يحدوه رجاؤه في ثواب الله وحسن ظنه به، ولذلك فإن الرجاء ناشئ من حسن ظنه بالله . المسألة الثانية: قد يكون الرجاء مذموماً؛ وذلك إذا كان العبدُ مستمراً على العصيان، مداوماً على التقصير وعلى المعاصي، والإعراض عن

стр. 83

طاعة الله، والغاً في الكبائر ولم يتب، وهو مع ذلك يرجو الثواب، ويرجو أعلى درجات الجنة، فهذا غرور، حتى قال قائلهم: وأكثِر ما استطعت من الذنوب … إذا كان القدوم على كريم وهذا لا شك أنه باطل، بل إن الغفور الرحيم، هو شديد العقاب، وهو المنتقم، وهو الجبار. قال ابن القيم ﵀: «أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ عَلَى أَنَّ الرَّجَاءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْعَمَلِ» (١)، ومعنى ذلك: أن رجاء عبدٍ يرجو ثواب الله، وربما قال: إن شاء الله سيجعلنا في الفردوس، وهو والغ في الكبائر وفي الذنوب والتقصير فهذا لا شك أنه رجاء مذموم، فإذا كان العبد متمادياً في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والرجاء الكاذب. المسألة الثالثة: الرجاء والخوف أمران هما كجناحي الطائر، فالطائر يطير بجناحين، والسائر إلى الله لا بد له من جناحين يسير بهما إلى الله وإلى جنته، جناح خوف وجناح رجاء، فلا بد للمؤمن أن يجمع بين الخوف وبين الرجاء. وقد نقل ابن القيم عن أبي علي الرُّوذْبَارِيِّ قوله: «الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ كَجَنَاحَيِ الطَّائِرِ إِذَا اسْتَوَيَا اسْتَوَى الطَّيْرُ وَتَمَّ طَيَرَانُهُ، وَإِذَا نَقَصَ أَحَدَهُمَا وَقَعَ فِيهِ النَّقْصُ، وَإِذَا ذَهَبَا صَارَ الطَّائِرُ فِي حَدِّ الْمَوْتِ» (٢). والذي يُغلّب هذا على هذا قد يقع في الخلل والمحظور، فأسماء الله حينما تتأملها قد تملأ قلبك برجائه، أو تملؤُه بخوفه، فحينما تتأمل القوي، القهار، الجبار، المنتقم تخاف الله، وحينما تتأمل اسم الله الحليم، الكريم، العفو، التواب، تملأ قلبك رجاء به .

стр. 84

فينبغي على المؤمن أن يكون قلبه جامعاً بين الخوف من الله وبين رجاء الله، وتأمُلِ ثوابه، وتأمُلِ مغفرته ورحمته وجنته . المسألة الرابعة: إذا تقرر أن رجاء الله عبادة، فإن رجاء غير الله له أحوال، فليس كل رجاء من غير الله يكون محرماً أو يكون شركاً، وإنما رجاء غير الله له أحوال: ١. الرجاء الطبيعي: كأن ترجو أحداً يَملك، فتقول مثلاً: أرجو منك أن تفعل كذا، فهذا رجاء لا بأس به؛ لأنه رجاء طبيعي في أمر يقدر عليه الإنسان. ٢. أن ترجو نفع الأسباب مع تعلق قلبك بالله: كأن تذهب إلى طبيب وقلبك متعلق بالله أنه هو الشافي، فيعطك دواء، فترجو أن ينفع هذا الدواء بإذن الله، فأنت ترجو أن ينفع السبب، مع تعلقك بالله ، فهذا لا إشكال فيه، كمن يذهب من المرضى لطبيب، مع علمه واعتقاده أن الشفاء بيد الله ، ولذلك فهو قد ذهب لطبيبٍ معين دون غيره لا باعتقاده أن الشفاء منه، إنما من الله، لكنه يرجو أن ينفع السبب والتداوي بإذن الله. ٣. الرجاء المحرّم: وهو أن ترجو مخلوقاً أن ينفع، أو أن يدفع، أو أن تتوقع الأمل والتيسير والخير والفرج من قبرٍ أو من رجل صالح من الأولياء، ولا يقدر أن ينفع نفسه، فضلاً عن أن ينفع غيره فإن ذلك شرك أكبر. وذلك: لأنك ما رجوت غير الله بمثل هذه الأمور إلا وقد وقع في قلبك تعظيمه، واعتقاد أنه ينفع ويدبر مع الله ، فأنت صرفت عبادة الرجاء لغير الله، وهذا هو الشرك. وجماع القول: أن رجاء الله تعالى عبادة وقربة، وما خاب من رجى ربه، فعلق القلب به فهو الذي بيده تدبير الأمور كلها، وارج خير الدنيا والآخرة بتعلقك به، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: ١١٠).

стр. 85

* قوله: (ودَلِيلُ التَّوَكُلِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣)). * ذكر المؤلف عبادة التوكل، والكلام عليها في أربع مسائل: المسألة الأولى: التوكل هو الاعتماد: وأما تعريفه في الشرع فهو: صدق الاعتماد واللجأ إلى الله بجلب النفع ودفع الضر مع فعل الأسباب. فالتوكل هو أن تصدق في اعتمادك على الله، باعتقادك أنه هو الذي يجلب النفع، وهو الذي يدفع الضر، مع فعلك للأسباب. * ويتبين في التعريف أن التوكل الصحيح يجمع ركنين: الأول: أن تفوّض أمرك لله، فتعتقد أن التدبير من الله، فالشفاء والرزق وغير ذلك من الأمور هي من الله، فهو الذي بيده كل شيء، والخلق ما هم إلا أسباب. الثاني: أن تفعل السبب، فلا تكتفي بقولك (إني توكلت على الله) ولا تفعل السبب! وإنما التوكل أن تفعل السبب وتعتقد أنه سبب فقط. مثال ذلك: حينما يصاب الإنسان بمرض، فتحقيقه للركن الأول أن يعتقد أن الشفاء من الله، وتحقيقه للركن الثاني يكون بأن يفعل السبب، فيذهب إلى الطبيب ويتناول الدواء، ويعتقد أن هذا الطبيب ما هو إلا سببٌ، وأن الشافي هو الله، ليس الراقي ولا الطبيب ولا العلاج ونحو ذلك.

стр. 86

المسألة الثانية: إذا تبين تعريف التوكل فاعلم أن الناس تجاه التوكل على الله طرفان ووسط، والتوكل الحقيقي وسط بين طرفين مذمومين: • أما الطرفُ الأول: فهو الذي يقول: أنا معتمد على الله، وأنا متوكلٌ عليه، ومع ذلك لا يفعل شيئاً من الأسباب. وليس يخفى أن هذا خللٌ عظيم، كحال الذي يبقى في بيته ويقول: إذا كتب الله لي رزقاً سيأتيني وهكذا. وفي حديث ابن عباس ﵄ قال: «كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: ١٩٧)» (١)، فعوتبوا على تركهم التزود، وأمروا بالزاد، فدل على أن التوكل لابد فيه من صدق الاعتماد مع فعل السبب، فالذي يعتمد على الله ولا يفعل السبب غير متوكل، كحال المزارع: الذي يتوكل على الله ويلقي الحب في الأرض ويجمع بين الأمرين. ولذلك أخرج البيهقي في شعبه عن معاوية بن قُرّة، أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى على قومٍ فقال: «مَا أَنْتُمْ؟» فقَالُوا: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فقَالَ: «بَلْ أَنْتُمُ الْمُتَّكِلُونَ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُتَوَكِّلِينَ؟ رَجُلٌ أَلْقَى حَبَّةً فِي بَطْنِ الْأَرْضِ، ثُمَّ تَوَكَّلَ عَلَى رَبِّهِ» (٢). • وأما الطرف المذموم الآخر: فهو الذي يسعى ويجتهد في فعل الأسباب، ولكنه يطغى عليه ذلك حتى يعتقد أنها هي المؤثرة، وينسى أن التغيير والتدبير هو من الله، فتجد أنه يرى أن فلان هو الذي يرزقه، وإذا قطع فلان رزقه انقطع ومات.

стр. 87

ويرى أن فلاناً هو الذي سيشفيه، وهو الذي سيسعده وهذا لا شك أنه خطأ؛ لأن فلاناً والخلق كلهم ما هم إلا أسبابٌ، فينبغي أن تعتمد على الله ، وأن تتوكل عليه في تيسير أمورك الدينية، وفي تيسير أمورك الدنيوية. المسألة الثالثة: إذا تقرر كل هذا أيها المبارك فلابد أن تعلم أن التوكل عبادة عظيمة يتقرب بها العبد لربه ، ويتجلى ذلك في أمور، منها: ١. أن التوكلَ على الله بتفويضك إلى الله مع فعلك للأسباب علامة على الإيمان. واستدل المؤلف: بقوله : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣). ٢. أن تحقيق التوكل سبب لدخول الجنة بلا حساب ولا عذاب، وقد ذكر النبي ﷺ في خبر السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (١). ٣. أن من حقق التوكل كفاه الله أمره وما أهمه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣)، يعني كافيه. المسألة الرابعة: إذا عرفت أن التوكل عبادة لله، فاعلم أن من توكل على غير الله فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: التوكل على الغير في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالتوكل على الأموات والغائبين ونحوهم من الطواغيت في تحقيق المطالب الخاصة بالله، كالنصر والحفظ والرزق، فهذا شركٌ أكبر.

стр. 88

الثانية: التوكل على الغير فيما يتصرف فيه الغير مع الشعور بعلو مرتبته، وانحطاط مرتبة المتوكل عنه، مثل أن يعتمد عليه في حصول المعاش ونحوه، فهذا نوع من الشرك الأصغر لقوة تعلق القلب به، والاعتماد عليه، نسأل الله العافية (١). الثالثة: الوكالة الجائزة، وهي توكيل الإنسان أخاه في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه، فهي جائزة، بقيد أن يعلق قلبه بالله في تيسير أمره الذي يطلبه بنفسه أو نائبه، وذلك من جملة الأسباب التي يجوز فعلها، ولا يعتمد عليه بل يعتمد على المسبِّب الذي أوجد السبب والمسبب.

стр. 89

* قوله: (وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: ٩٠)). * ذكر المؤلف هنا ثلاث عبادات، ونتكلم عن كل واحدة منهن: الأولى: الرغبة: هي إرادة الشيء بالحرص عليه. قال المناوي: «الرّغبة إرادة الشيء مع حرص عليه، فإذا قيل: رغب فيه وإليه اقتضى الحرص عليه، وإذا قيل رغب عنه، اقتضى صرف الرّغبة عنه والزّهد فيه» (١). والمراد: أن الرغبة محبة الوصول إلى الأمر المحبوب. والعبد يجب عليه أن يرغب إلى الله تعالى، ويطلب ما عنده بحرص، ولا يكون بطلبه غير راغب، وفرق بين من يدعو برغبة، ومن يدعو بدونها، فالأول طامع فيما عند الله، والآخر مستغن عما عند الله. والله تعالى كريم، إذا رأى عبده أتاه راغباً أعطاه فوق ما يريد، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أن النبي ﷺ قَالَ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٍ غَزَا فِي سَبِيلِ اللهِ ، فَانْهَزَمُوا، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ مِنَ

стр. 90

الْفِرَارِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي، فَيَقُولُ اللهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَرَهْبَةً مِمَّا عِنْدِي، حَتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ» (١). واعلم أن الرغبة لها علاقة بالرجاء، فالذي يرجو الله تعالى هو راغب فيما عنده، إلا أن الرغبة أرفع، قال ابن القيم: «الرَّجَاءُ طَمَعٌ، وَالرَّغْبَةُ طَلَبٌ، فَهِيَ ثَمَرَةُ الرَّجَاءِ» (٢). خلاصة القول: أن الرغبة فيما عند الله عبادة وقربة، وبقدر ما ترغب فيما عنده، وتفتقر إليه يعطيك، والدافع للرغبة علمك بغنى ربك، وقرب إجابته لمطلوبك. ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى … وإلى الّذي يعطي الرّغائب فارغب وفي المقابل فكونك ترغب لغير الله، بمعنى أن تتوجه للمخلوق بكليتك، فتعتمد عليه في تلبية مطلوبك، وتعتقد أنه قادرٌ على تلبية حوائجك من دون الله، فهذا شركٌ، لأنك أشركت مع الله غيره في هذه العبادة. والدليل على كون الرغبة عبادة قوله تعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ (الشرح: ٨). • العبادة الثانية: الرهبة: وهي ضد الرغبة، فهي: الصدق في الخوف، فالصادق في الخوف هو راهب، وهذا معنى قول الراغب: الرّهبة والرّهب مخافة مع تحرّز واضطراب.

стр. 91

والمراد: أن العبد ينبغي أن يكون راهباً من ربه سبحانه، يحدوه لذلك علمه بقدرة الله، وشدة بطشه بمن تعدى أوامره، وأنه سبحانه كما أنه غفور رحيم، فكذلك هو شديد العقاب، ولذا أمر عباده برهبته وحده فقال: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وهاتان العبادتان -الرغبة، والرهبة- جمع الله بينهما في آية واحدة، فحينما ذكر الدعوات التي دعا بها الأنبياء فأجيبت دعوتهم، قال بعد ذلك ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: ٩٠). فالمؤمن الموحِّد هو الذي يرغب إلى ربه، ويرهب من ربه، فيجمع بين الخوف، والرجاء، ويجمع بين الرهبة والرغبة، وهذه صفة الأنبياء. فإن قال قائل: كيف لي أن أجمع بين الخوف والرجاء؟ وبين الرغبة إلى الله والرهبة منه؟! = الجواب: لا تنافي بينهما، فأنت -ولله المثل الأعلى- قد تخاف من مخلوق، وترجو ما عنده، والله أعظم وأجل، وهو الذي قال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (الذاريات: ٥٠)، فأنت تفرّ من عذاب الله إلى جنته ورحمته. لكنك ينبغي أن تُغَلِّب جانب الرغبة، وجانب الرجاء عند الطاعة؛ لكي تنشط لها، وتُؤمل في قبولها، وتُغلبها كذلك عند الموت؛ لحديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ » (١). وتُغَلِّبُ جانب الرهبة، وجانب الخوف إذا هممت بمعصية، فتتذكر ما عند الله من العقوبة، حتى ترهب من ربك سبحانه، فلا تقع في ذنب من الذنوب. وإذا عرفت أن الرغبة والرهبة عبادة فإنها لا تكون عبادة كاملة، إلا إذا

стр. 92

صحِبها تعظيم، وذل واجلال لله ، فحينها يتقرب العبد إلى ربه بخوفه منه ورهبته منه، ويتقرب العبد لربه برغبته بما عنده. وما أجمل أن يستصحب الداعي وهو يرفع يديه رغبته فيما عند ربه، ورهبته من ردّ دعواته بسبب تقصيره وعصيانه، فإن ذلك سبب لقبول دعاءه، وهو بهذا يتعبد لربه. • العبادة الثالثة: الخشوع: ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (الأنبياء: ٩٠). والخشوع: قيل: هو قيام القلب بين يدي الرّبّ بالخضوع والذّلّ. وقيل: هو الذل والتواضع لله سبحانه تعالى، ولعل هذا أقرب، فإن الخشوع في القرآن ورد على معانٍ منها: ١ - الذل، كما في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ (طه: ١٠٨)، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ (الغاشية: ٢). ٢ - التواضع، كما في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥). فأنت تذل لله ، وتتواضع لعظمته، وتكون خاشعاً أمام الله، خاشعاً في صلاتك، وفي دعائك، وفي حياتك كلها، ذليلاً متطامناً، لا تترفع، ولا تتكبر؛ لأنك عبد ضعيف لله . وهذا هدي المسلم، تجده مستكيناً لله ، خاشعاً له ، وهو يتقرب الى الله بخشوعه، فالخشوع لله والتواضع له والتذلل له عبادة يتقرب بها العبد لربه. وقد عرف الشيخ العثيمين ﵀ الخشوع بأنه: «الذل والتطامن لعظمة الله، بحيث يستسلم لقضائه الكوني والشرعي» (١).

стр. 93

قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ (المؤمنون: ١ - ٢). وقال أيضاً: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: ٤٥). وقال ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ (الإسراء: ١٠٩). وكلها آيات تدل على أن المؤمن ينبغي أن يخشع لله ، وأن يرى الله منه الذل والتواضع، وإذا رأى الله منك التذلل له وعدم التكبر رفعك، قال ﷺ : «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (١). قال ابن مسعود ﵁: «من تواضع لله تخشّعا، رفعه الله يوم القيامة، ومن تطاول تعظّما، وضعه الله يوم القيامة» (٢). واعلم أن الخشوع الحقيقي ليس خشوع البدن، وإنما خشوع القلب، وليس الخشوع في الصلاة فحسب، بل في سائر الأوقات، ولربما رأيت رجلاً حسن الثياب، جميل الهيئة، لكنه في قلبه من الخشوع الشيء الكثير، والعكس بالعكس، قال علي بن أبي طالب ﵁: «الخشوع في القلب أن تلين كنفك للرّجل المسلم، وأن لا تلتفت في الصّلاة» (٣). وقال ابن القيم ذاكراً بعض صور الخشوع: «الخشوع هو الاستسلام للحكمين: الدّينيّ الشرعيّ، بعدم معارضته برأي أو شهوة، والقدريّ بعدم تلقّيه بالتّسخّط والكراهية والاعتراض. والاتّضاع لنظر الحقّ، وهو اتّضاع القلب والجوارح، وانكسارها لنظر الرّبّ إليها، واطّلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح، وخوف العبد

стр. 94

الحاصل من هذا يوجب له خشوع القلب لا محالة، وكلّما كان أشدّ استحضارا له كان أشدّ خشوعا، وإنّما يفارق الخشوع القلب إذا غفل عن اطّلاع الله عليه ونظره إليه» (١). * وممّا يورث الخشوع: ١. النظر في آفات نفسك، وعملك: وهذا المعنى يجعل القلب خاشعا لا محالة، لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما: من الكبر، والعجب، والرّياء، وضعف الصّدق، وقلّة اليقين، وتشتّت النّيّة وعدم إيقاع العمل على وجه يرضاه الله تعالى وغير ذلك من عيوب النّفس. ٢. رؤية كلّ ذي فضل عليك: وهو أن تراعي حقوق النّاس فتؤدّيها، ولا ترى أنّ ما فعلوه فيك من حقوقك عليهم، فلا تعارضهم عليها؛ فإنّ هذا من رعونات النّفس وحماقاتها، ولا تطالبهم بحقوق نفسك، وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك (٢). أما من ذل وخشع لغير الله ، باعتقاد أن هذا المخلوق يستحق التعظيم والذل والتواضع له، فإنه قد وقع بالشرك.

стр. 95

* قوله: (وَدَلِيلُ الْخَشيةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٣)). * ذكر المؤلف عبادة أخرى، وهي عبادة الخشية، والكلام عنها في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريف الخشية. الخشية قريبة من الخوف، ولكنها أخص منه، فهي: خوف يشوبه تعظيم، فهي مبنية على العلم بعظمة من يخشاه وكمال قدرته. وتختلف عن الخوف من جهة: أن الخشية لا تكون إلا من العالِم، وتكون مبنية على العلم بعظمة من يخشاه، قال الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: ٢٨). أما الخوف فقد لا يكون مقروناً بالعلم بقدرة من يخافه، فقد يخاف من شخص لا يدري هل هو قادراً عليه أم لا. قال الفيروز أباديّ: «الخشية أخصّ من الخوف، فإنّ الخشية للعلماء بالله تعالى، فهي خوف مقرون بمعرفة، قال النّبيّ ﷺ : «إنّي أتقاكم الله وأشدّكم له خشية»، فالخوف لعامّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبّين، والوجل للمقرّبين، وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية» (١)، قال مسروق: «كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله» (٢).

стр. 96

المسألة الثانية: إذا عرفت أن الخشية لله سبحانه عبادة، فينبغي للمسلم أن يتقرب بها لله. وقد وردت في القرآن آياتٌ كثيرة تحث على خشية الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ (الرعد: ٢١). وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ (الأنبياء: ٤٨ - ٤٩). وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ (لقمان: ٣٣). واعلم أن الله قد رتب على خشيته الثواب العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ (المؤمنون: ٥٧ - ٦١). وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (التوبة: ١٨). وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور: ٥٢). وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (تبارك: ١٢). وقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة: ٨). المسألة الثالثة: نهى الله سبحانه عباده أن يخشوا غيره، وقد استدل المؤلف على هذا بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٤٤)، ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ (المائدة: ٣)، ثم قال بعدها: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فدل على أن تحقيق الإيمان يكون بأن تحقق الخشية لله.

стр. 97

وقال أيضاً: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: ١٣). ولذلك فإن الذي يخشى الناس، ويخشى من المخلوق، ومن أعداء الدين خشيةً يترتب عليها تعظيمهم، وترك الدين لأجلهم، لأنه يعلم بأنهم قادرون على أذيته وإلحاق الضرر به، فهذا شرك، وإنما الخشية لا تكون إلا من الله سبحانه. واعلم أن الخشية لله تتحقق من المعرفة بالله، قال ابن القيم: «كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. أي العلماء به، وقال النبي ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» إلى أن قال: ومن عرف الله صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شيء وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس بالله واستوحش من الناس وأورثته المعرفة الحياء من الله والتعظيم له والإجلال والمراقبة والمحبة والتوكل عليه والإنابة إليه والرضا به والتسليم لأمره» (١). وقال ابن كثير: «إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر» (٢). ويقال في أقسام الخشية ما يقال في أقسام الخوف.

стр. 98

* قوله: (وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (الزمر: ٥٤)). * ذكر المؤلف عبادة أخرى، وهي الإنابة، والكلام عليها في مسألتين: المسألة الأولى: تعريف الانابة: الإنابة لغة: هي الرجوع، فإذا أناب الإنسان فإنه رجع. وشرعاً: الرجوع إلى الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي. قال ابن القيّم: «الإنابة الإسراع إلى مرضاة الله مع الرّجوع إليه في كلّ وقت، وإخلاص العمل له» (١). والإنابة عبادة وقربة يتقرب بها العبد لربه سبحانه، فيكون رجاعاً إلى الله، منيباً إليه، مسلّماً له ومستسلماً لأحكامه وأقداره، قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ (الزمر: ٥٤). المسألة الثانية: ذكر ابن القيم أن الإنابة نوعان: ١) إنابةٌ لربوبية الله: وهي إنابة المخلوقات كلها، ويشترك فيها المؤمن والكافر، والبّر والفاجر، قال الله: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ (الزمر: ٨)، فترى حتى الكفار -كما ذكر الله عنهم- إذا دعوا الله دعوه بإنابة وإخلاص ورجوع، فهذا يعّم كل داعٍ أصابه ضرٌّ كما هو الواقع، ولكن الإنابة لربوبية الله لا تكفي، بل لابد أن ينبني على ذلك أمرٌ آخر، وهو: ٢) الإنابة لألوهية الله: فتكون منيباً لله إنابةً مبنيةً على محبتك لله، وخضوعك له، والإقبال عليه، والإعراض عمن سواه سبحانه، فهذه هي الإنابة التي هي العبادة، والتي يتقرب بها العبد لربه» (٢).

стр. 99

* قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥)، وَفِي الْحَدِيثِ: « … وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ»). * ذكر المؤلف عبادةً أخرى وهي عبادة الاستعانة، والكلام عليها في خمس مسائل: المسألة الأولى: تعريف الاستعانة. الاستعانة: لغة: طلب العون. وشرعاً: طلب العون من الله، والأصل أنها لا تكون إلا بالله، ولكنها تطلب من المخلوق في ما يقدر عليه من الأمور كما سيأتي. قال ابن القيّم: «الاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله، والاعتماد عليه، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس، ولا يعتمد عليه في أموره مع ثقته به، لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه -مع عدم ثقته به- لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه، فيحتاج إلى اعتماده عليه، مع أنه غير واثق به» (١). والمراد أن المستعين بأحدٍ يجتمع في قلبه تجاه من استعان به هذان الأمران: ثقته به، واعتماده عليه. المسألة الثانية: الاستعانة بالله عبادةٌ عظيمةٌ من أشرف العبادات التي يتقرب بها العبد لربه، ويكسب بها الثواب من رب الأرباب، وذلك لأن الإنسان بالاستعانة يتخلص من الأسباب، وينخلع من التعلق بالخلق، ويعلق القلب بالله المعين، وقد قال تعالى على لسان موسى ﷺ : ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ

стр. 100

لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨) فبالاستعانة بالله ينتصر المسلمون، ويورثهم الله الأرض، ويجعل لهم العاقبة. وقد أمرنا الله بالاستعانة به سبحانه في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وهي آية نرددها في كل يوم مرات كثيرة، فما أثرها في قلوبنا، وما قدر تحقيقنا لها؟ قال أهل العلم: قدّم الضمير المنفصل (إياك) على الفعل (نستعين)؛ لحكمة وهي أن هذه الصيغة في اللغة تفيد الحصر -أي لا نستعين إلا بك يا ربنا -. وقال ابن القيم ﵀: «قال من قال من السلف: إن الله جمع الكتب المنزلة في القرآن وجمع علم القرآن في المفصل وجمع علم المفصل في فاتحة الكتاب وجمع علم فاتحة الكتاب في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥)» (١). وقد ألف ابن القيم كتاباً نافعاً أسماه [مدراج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين] ذكر فيه منازل السائرين إلى الله، لا يستغني عنه طالب العلم. المسألة الثالثة: أورد المؤلف في الباب حديث: «إذا استعنت فاستعن بالله» وهي جملة من حديث ابن عباس قال فيه: «كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ … »، والحديث أخرجه الترمذي وغيره (٢) من طريق الليث بن سعد، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن ابن عباس، وإسناده حسن، رجاله ثقات، عدا قيس، وهو صدوق، وقال الترمذي عن الحديث: حسن صحيح.

стр. 101

المسألة الرابعة: الاستعانة بغير الله لها حالتان: الأولى: الاستعانة الجائزة: وهي أن يستعين به في أمرٍ يقدر عليه، كأن تستعين بحي حاضر في أمرٍ يقدر عليه، كرفع المتاع، ومساعدة محتاج ونحوه، فهذا جائز، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (١). ثم إن كانت هذه الاستعانة على بر وخير فهي جائزة، والمُعين مثاب على إحسانه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: ٢)، وإن كانت على إثمٍ فهي حرام، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: ٢). الثانية: الاستعانة الممنوعة، وتحتها صورتان: ١. الاستعانةُ بالحي في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله: كأن يستعين بمخلوقٍ حيٍ على الرزق، أو على تفريج الكرب، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، وهو شرك بالله تعالى، لأن هذه الأشياء لا يقدر عليها إلا الله، فطلبها من غيره سبحانه إشراك به، وهو ما استعان بهم إلا لاعتقاده أن لهم تصرفاً في الكون. ٢. الاستعانة بالأموات: فهذه استعانة محرمة لا تجوز، وهي شرك أكبر، لأنها استعانة بمن لا يقدر على دفعٍ ولا نفعٍ، وطلبُ العونِ منهم ما وقع إلا لأنه اعتقد أن لهم تدبيراً وتصريفاً في الكون، وهذا الأمر مما اختص به الله. إنما الاستعانة المطلوبة من المؤمن أن يتعبد لله بها هي الاستعانة التي تتضمن ذلاً وخضوعاً واعتماداً على الله سبحانه. المسألة الخامسة: الاستعانة بالله تكون في أمرين: ١. الأمور الدينية. ٢. الأمور الدنيوية.

стр. 102

فأما الأمور الدنيوية فتستعين بالله عليها أن ييسر لك أمرك، ويوسع لك رزقك، وييسر لك أمور دنياك، ولا يمنع مع هذا أن يطلب الأسباب، ولكن أن يكون قلبه متعلقاً بالله تعالى وحده. علام سؤال الناس والرزق واسع … وأنت صحيح لم تخنك الأصابع وللعيش أوكار وفي الأرض مذهب … عريض وباب الرزق في الأرض واسع فكن طالباً للرزق من رازق الغنى … وخل سؤال الناس فالله صانع فلماذا يحتاج الإنسان للناس، ويعلق قلبه بهم، وهم فقراء، والغني قد فتح بابه، ويفرح بإنزال الحوائج به سبحانه. وأشرف من ذلك أن تستعين بالله في أمور دينك، بأن تسأله أن يعينك على فعل الواجبات، وترك المحرمات، والحرص على المستحبات، فالعبد ضعيف بنفسه، قد يغلبه الشيطان، ويوقعه في المعاصي، أو يصدّه عن الطاعات، وهنا يأتي أثر الاستعانة بالله، حين تتوجه له بكليتك، وتقصده بمسألتك، أن يعينك على فعل الطاعة، وترك المعصية. وهذه الاستعانة بالله في الأمور الدينية أشرف وأعظم، مع أن أغلب الناس غفلوا عنها. وجماع القول: أن الاستعانة عبادة من العبادات التي نحتاجها في كل لحظة، فالعبد ضعيف إلا إن قوّاه الله، ومقصر إلا إن أعانه الله، فاستعن بالله في أمورك الدينية والدنيوية، وحقق الاستعانة بالله، الاستعانة التي تتضمن كمال الذّل، وكمال التوكل، وكمال التفويض له.

стр. 103

* قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]. وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) الناس: ١)). * ذكر المؤلف هنا عبادة الاستعاذة، والكلام عن الاستعاذة في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستعاذة: مصدر استعاذ، فهي تدل على الالتجاء إلى شيء، قال القرطبي: «الاستعاذة في كلام العرب الاستجارة، والتحيز إلى الشيء على معنى الامتناع به من المكروه، يقال عُذت بفلان، واستعذت به، بمعنى التجأت إليه» (١). وهي في الشرع: اللجوء إلى الله والاعتصام به من شر كل ذي شر أيَاً كان. المسألة الثانية: الاستعاذة من تأملها وجد أنها تتضمن مُستعاذاً به، ومُستعاذاً منه، وصيغة، أما الصيغة فقد تكون بلفظ: أعوذ، أو التجأ، أو أعتصم، ونحو ذلك. وأما المُستعاذ به فيسمى: المَعَاذ أو المستعاذ، وهو الله ، ولا يجوز أن يستعاذ بأحد غيره في أمر لا يقدر عليه إلا هو. ويدخل في الاستعاذة بالله أن تستعيذ باسم من أسماء الله أو صفة من صفاته فتقول مثلاً: «أعوذ بعزة الله، أو أعوذ بكلمات الله». فهذه صفات من صفات الله يجوز الاستعاذة بها، سواء باسمه بلفظ

стр. 104

الجلالة (الله)، أو اسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته سبحانه، فكل ذلك جائز. وأما المستعاذ منه: فهو كل ما فيه شر، سواء كان انسياً أو جنياً، أو كان مكلفاً أو غير مكلف، و يدخل في ذلك الهوام والسباع والعقارب والحيات، ويدخل في ذلك الاستعاذة بالله من الشيطان. ومن تأمل المعوذتين -سورة الناس والفلق- وجد أنها تضمنت الاستعاذة من جميع الشرور. فأما سورة الناس فتضمنت الاستعاذة من الشرّ الذي هو سبب ظلم العبد لنفسه، وهي الوسوسة التي تنجم عن الشيطان، وهذا شرٌّ، فيستعيذ الإنسان منه. وأما في سورة الفلق: فهو يستعيذ من الشرّ كله، ومن شرّ السحرة، ومن شرّ الحاسد إذا حسد، فالاستعاذة بهاتين السورتين من أشرف التعويذات، فقد قال الرسول ﷺ لعقبة بن عامر: «يَا عُقْبَةُ تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا» (١). المسألة الثالثة: الاستعاذة عبادة لله يتقرب بها العبد لربه، وقد أمر الله عباده أن يستعيذوا به في أحوال عديدة، ولا سيما عند نزغ الشيطان، وعند تلاوة القرآن قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: ٢٠٠).

стр. 105

وقال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر: ٥٦). وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (المؤمنون: ٩٧ - ٨٩). فإن صرف الاستعاذة لغير الله فثمت تفصيل أذكره في الاستغاثة لتقارب الأمر بين المصطلحين.

стр. 106

* قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩)). * ذكر هنا عبادة الاستغاثة، وهي نوع من العبادات، والكلام عنها في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تعريفها: الاستغاثة: مصدر استغاث، وهي مأخوذة من الغوث والنصرة عند وقوع المكروه، ولذلك يقال الغيث يطلق على المطر؛ لأنه فيه إغاثة للناس عند الشدة. * أما في الشرع: فقد قال ابن تيمية: «الاسْتِغَاثَةُ طَلَبُ الْغَوْثِ، وَهُوَ إزَالَةُ الشِّدَّةِ، كَالِاسْتِنْصَارِ طَلَبُ النَّصْرِ» (١). المسألة الثانية: ثمة استغاثة وثمة استعاذة، فما الفرق بينهما؟ = الفرق: أن الاستعاذة هي أن تطلب من الله أن يعصمك ويحميك، وأن يمنعك ويحفظك. - أما الاستغاثة: فأنت تطلب منه أن يزيل ما فيك من شدة. فالاستعاذة تكون قبل وقوع المكروه، أما الاستغاثة: تكون بعد وقوع المكروه. فالغريق مثلاً: يستغيث ولا يستعيذ لأنه وقع عليه المكروه، والذي يريد أن يدخل في مكان مخوف يستعيذ، لأنه يريد أن يُحفظ قبل أن يقع فيه المكروه، هكذا قال أهل العلم في الفرق بين الاستغاثة والاستعاذة.

стр. 107

المسألة الثالثة: الاستغاثة بالله عبادة يتقرب بها العبد لربه، وسواء كانت الاستغاثة به سبحانه باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، كرحمته، فكله جائز، وهي نوع دعاء، يؤجر عليها كما يؤجر الداعي لله، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ (الأنفال: ٩). وأما الاستغاثة، أو الاستعاذة بغير الله فلها حالتان: الأولى: تكون جائزة: إذا كانت لحي قادر، كاستغاثة غريق أو واقع في حفرة، برجل لينقذه ويسعفه، فهذا كله جائز؛ لأنه موجه لحي، في أمر يقدر عليه الحي. ومن ذلك ما وقع لموسى ﵈، قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (القصص: ١٥). و كذا صح خبر الذي استعاذ بالنبي ﷺ وهو حي، وهو ما ورد أن أبا مسعود ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي فقال: أعوذ برسول الله، وهو يرى النبي ﷺ فوقفت، فقال رسول الله: «اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» (١) فهو استعاذ بالنبي ﷺ وهو موجود. الثانية: تكون غير جائزة: إذا كانت بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله. مثال ذلك: يقول يا فلان يا ولي فلان أعذني من الأعداء، وأعذني من المرض، وأغثني من المصيبة التي وقعت بي، ونحو ذلك، فهذا لا يجوز، وهو شرك بالله، سواء كانت الاستعاذة أو الاستغاثة بميتٍ مقبور، أو حيٍّ غائب. ومثال ذلك: ما قاله أحد الكتّاب، حيث قال: ركبنا في السفينة، فمالت بنا وكدنا نغرق، فبدأ بعض أصحاب السفينة يقولون: يا ولي فلان أنقذنا من

стр. 108

الغرق، فقلت لهم: في مثل هذه الحالة والشدة تستغيثون بغير الله!!، فهذه استغاثة بغير الله. وسواء كان المستغاث به ميتٌ، أو حيٌّ بعيدٌ لا يسمعك ولا يمكن أن يصله كلامك، أو حيٌ في أمرٍ لا يقدر عليه إلا الله، فكل هذا شرك، وذلك لأنه صرف الاستغاثة والاستعاذة لغير الله. قال بعضهم: استغاثه المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق! وقال غيره: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة السجين بالسجين. وما أحسن هذا التعبير، فالسجين لا تنفعه استغاثته بسجين مثله، إذ لو نفع لنفع نفسه. قال ابن تيمية: «قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا غِيَاثَ وَلَا مُغِيثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ كُلَّ غَوْثٍ فَمِنْ عِنْدِهِ» (١). * خلاصة الكلام: أن تعلم أن الاستغاثة والاستعاذة بالله عبادة، فأنت تتعبد بها لله و تؤجر عليها، وحين تصرفها لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقعت في الشرك، حيث صرفت العبادة لغير الله تعالى.

стр. 109

* قوله: (وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣)، وَمِنَ السُنَّةِ: «لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ»). * أشار المصنف هنا الى عبادة الذبح، والكلام عليه في مسألتين: المسألة الأولى: تعريف الذبح. الذبح: هو إزهاق الروح على وجه مخصوص، ويراد به هنا: ذبح بهيمة الأنعام، الإبل والبقر والغنم. والذبح لله تعالى تقرباً إليه عبادة يؤجر المسلم عليها، حينما يهريق هذا الدم لله. ودليل ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣)، فدل على أنها عبادة لله. وقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: ٢)، أي له لتكن صلاتك ونحرك لا لأحد سواه. * والذبح المشروع يدخل فيه صورتان: الأولى: أن يذبح تقرباً إلى الله معظماً له، فهو مأجور على هذا كما سبق، ويدخل في ذلك: الهدي، والأضحية، والذبح بقصد الصدقة ونحوه. الثانية: أن يذبح للأكل، لكنه يذكر اسم الله عليها، فصنيعه مباحٌ من حيث الأصل، لكنه مأجورٌ على تسميته على الذبيحة، وكذا على إطعامه نفسه وأهل بيته، أو أضيافه، فتلك صدقةٌ يؤجر عليها.

стр. 110

المسألة الثانية: مَنْ ذبح وقصد بذبحه تعظيم أحدٍ غير الله، كولي صالح ميت أو جنٍّ أو غيره، فإن هذا شرك؛ لأن الذبح عبادة، ومن صرف العبادة لغير الله فقد وقع في الشرك. واستدل المصنف على ذلك: بحديث علي ﵁ في الصحيح وفيه: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ «(١). واللعن إذا وقع على فعل فإنه يدل على تحريم ذلك الفعل الذي لُعن صاحبه. * واعلم أن الذبح المنهي عنه له أربع صور: ١) أن يذبح لغير الله قصداً ولفظاً، فيقصد بذبيحته غير الله، مِنْ جنٍ، أو صنم، أو ولي ميت، ويسمي بغير الله، فيقول: باسم الولي فلان، أو باسم الملك فلان، فهذا لا يجوز وهو شرك أكبر. ٢) الذبح لله بقصده ونيته، لكنه عندما ذبح ذكر عليه اسم غير الله. مثال ذلك: أتى بذبيحة يوم العيد فذبحها ونوى بها أنها لله، لكنه قال باسم الولي فلان، أو باسم الملك فلان، أو باسم الجني فلان، وهذا شرك لأنه صرف العبادة لغير الله. ٣) أن يقصد بذبيحته غير الله، ويذكر اسم الله عليها. مثلاً: يأتي بذبيحة ويقول باسم الله عند الذبح، ولكن مقصده أنها تعظيم لذلك الولي الميت أو لذلك الجني، فهذ لا يجوز، لأنه صرف العبادة لغير الله.
следующие страницы →