← Книги сунны

Книги сунны · id 12532

ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة - جـ 5

ابن رشيد

Полный текст (385 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيه، ولم يكن عندي ما أعطيه، فجاء بعض بني الدنيا ليسمعه عليه، فبعث ابن مسدي إليّ فسمعته معه. قال ابن رشيد: وهذه جرحة إلا أن يتأول عليه أنه قصد بذلك تنفيق العلم فالله أعلم، فقد كان الرجل معروف الدين والفضل. وكذلك أخبرني أيضًا أنه سمع الموطأ، يعني الليثي، على أبي عبد الله محمد بن عمر القسطلاني، بسماعه من شرف الدين بن أبي الفضل المرسي. وهو سند نازل.

стр. 37

- عفيف الدين بن عزاز البصري وممن لقيته بالمدينة شرفها الله: الشيخ الإمام الفاضل الثقة المرضي النحوي عفيف الدين أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزروع بن أحمد بن عزاز البصري، ثم المدني الحنبلي، جار رسول الله ﷺ سمعت عليه وأجاز لي، ولمن ذكر معي في

стр. 38

الاستدعاء، ولبني أبي القاسم وعائشة وأمه الله، ولأخواتي، وكتب خطه بذلك سمع أبا القاسم ابن القميرة التاجر، والإمام أبا علي بن دوبرة البصري. ومن سماعه على ابن القميرة الجزء الأول والثاني من حديث أبي علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان عن شيوخه. وَسَمِعْتُ أَنَا عَلَيْهِ الْجُزْءَ الأَوَّلَ مِنْ هَذَيْنِ الْجُزْئَيْنِ فِي لَيْلَةٍ يُسْفِرُ صَبَاحُهَا عَنِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ لِذِي قِعْدَةِ عَامِ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ عِنْدَ حَدِّ الْجِدَارِ الْجَوْفِيِّ مِنْ مَسْجِد الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، بِحَقِّ سَمَاعِهِ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ يَحْيَى وَيُدْعَى الْمُؤْتَمَنَ بْنَ أَبِي السُّعُودِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْقُمَيْرَةِ التَّاجِرَ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ، فِي يَوْمِ الثُّلاثَاءِ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ خَمْسِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ بِبَابِ الأَزْجِ، قَالَ: أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الإِبَرِيِّ الْكَاتِبَةُ قِرَاءَةً عَلَيْهَا، وَأَنَا أَسْمَعُ فِي ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ قَالَتْ: أنا أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَاقِلانِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ: أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْبَزَّازُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فِي جُمَادَى الأُولَى مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ فِي مَسْجِدِهِ بِدَرْبِ

стр. 39

الْمَجُوسِ، قَالَ: أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ النَّجَّادُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلاثِ مِائَةٍ، قَالَ قُرِئَ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: أنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَلا يَسْعَى وَلَكِنْ يَمْشِي وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلْيُصَلِّ مَا أَدْرَكَ وَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ» هذا أول حديث في الجزء الأول الذي سمعته عليه، وآخر حديث في الجزء الأول وَبِالإِسْنَادِ إِلَى ابْنِ شَاذَانَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ إِسْحَاقَ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ:

стр. 40

أنا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ صَالِحٍ الْوَزَّانُ، قَالَ: أنا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، قَالَ: أنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: أنا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: « إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ فِيهِ وَخَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَهُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى تَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ رَأْسِهِ» هَكَذَا انْتَهَى هَذَا الْحَدِيثُ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، وَوَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُخْتَصَرًا وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ مُتَمَّمًا مُفَصَّلا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ:

стр. 41

" إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، قَالَ: ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلاتُهُ نَافِلَةً لَهُ " وَقَعَ لَنَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَعْلَى مِنْ هَذَا بِدَرَجَةٍ: أنا الأَدِيبُ الْمُعَمِّرُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الطَّائِيُّ الْقُرْطُبِيُّ، نَزِيلُ تُونُسَ، بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قَالَ، أنا قَاضِي الْجَمَاعَةِ أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَقِيٍّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ أَحْمَدَ الْخَزْرَجِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ فَرَجٍ، أنا الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أنا أَبُو عِيسَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عِيسَى، أنا عَمُّ أَبِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ ﵁ بِهِ قلت والله المرشد: هكذا يقول مالك، في هذا الحديث، عن عبد الله الصنابحي، وقد اختلف الناس في صحة هذا القول وسقمه وأطالوا الكلام في ذلك هذا على أنه وجد في الصحابة من اسمه عبد الله الصنابحي، فيكون الحديث صحيحا مرفوعا، أو لم يوجد وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي المشهور في التابعين، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة فيكون الحديث مرسلًا والتسمية وهما، فذهب الجمهور إلى أنه عن أبي عبد الله الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة، وذهب بعضهم إلى صحة

стр. 42

صحبه عبد الله، وهم الأقلون وقد رأيت أن أورد كلامهم بنصه وإن طال، ليرى الناظر فيه رأيه، مسترشدا بالله، فأقول: قال صاحب الجامع للمصنفات الجوامع من أسماء الصحابة ﵃، وهو الحافظ الرحال أبو موسى الرعيني الأندلسي ﵀ حاكيا عن أبي عمر بن عبد البر وأبي نعيم الحافظ، وأبي عبد الله ابن منده، في باب عبد الله من كتابه ما نصه: عبد الله الصنابحي روى عنه عطاء بن يسار، واختلف عليه فيه، فقيل عبد الله الصنابحي، وقيل أبو عبد الله وهو الصواب، واختلف قول ابن معين فيه: فمرة، قَالَ: حديثه مرسل، ومرة، قَالَ: عبد الله الصنابحي الذي يروي عنه المدنيون يشبه أن تكون له صحبه بر والصواب عندي أنه أبو عبد الله يعني عبد الرحمن بن عسيلة وهو من كبار التابعين لا عبد الله. وقال صاحب الجامع أيضًا في باب عبد الرحمن من كتابه ط ند نع، بر: عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي قبيلة من أهل اليمن من بجيلة، قاله أبو نعيم يكنى أبا عبد الله هاجر إلى النبي ﷺ فلما انتهى إلى الجحفة لقيه خبر موت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 43

وهو معدود في كبار التابعين، روى عن أبي بكر وعمر وبلال وعبادة بن الصامت وكان فاضلًا، كان عبادة كثير الثناء عليه، أراد بالطاء أبا القاسم الطبراني ومن سواه من العلامات فقد تبين. وقال صاحب الجامع في الكنى من كتابه ند برنع: أبو عبد الله الصنابحي اسمه عبد الرحمن بن عسيلة تقدم ذكره لا يصح له صحبة، وقال أيضا فيه ند: أبو عبد الله الصنابحي آخر لم يدرك النبي ﷺ والصنابح بن الأعسر يقال له أيضا الصنابحي له صحبة تقدم في بابه. وقال القاضي المحدث الحافظ أبو طالب عقيل بن أبي عقيل عطية بن أبي أحمد بن جعفر بن أبي عبد الله بن عطية القضاعي، ﵀ في كتابه الذي خرج فيه أحاديث الموطأ مفردة مما سواها مع إبقاء ما هو عليه من الترتيب والتبويب: هكذا روى يحيى بن يحيى وجمهور الرواة هذا الحديث عن مالك، قالوا فيه: عن عبد الله الصنابحي، وهو وهم، فإنه ليس في الصحابة عبد الله الصنابحي ولا في التابعين أيضًا، وإنما هو أبو عبد الله الصنابحي واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، وهو من كبار التابعين، معدود في الشاميين، وأحاديثه مرسلة لأنه لم يلق النبي ﷺ وقد روى عنه أنه خرج من اليمن مهاجرا فلما بلغ الجحفة بلغه وفاة رسول الله ﷺ وحديثه هذا يستند من طرق حسان، من حديث عمرو بن عبسة، وغيره

стр. 44

كذا قَالَ أبو عمر، وحديث عمرو بن عبسة ذكره مسلم في صحيحه وليس فيه ولا في غيره أن خطايا الرأس تخرج من الأذنين وإنما فيه:

стр. 45

«خرجت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء» . قلت: اكتفينا بإيراد كلام القاضي أبي طالب عن إيراد كلام أبي عمر في التمهيد، إذ كأنه ملخصه، وفي قوله " جمهور رواة الموطأ يقتضي أن بعضهم لم يقل ذلك، ولم أقف على اختلاف في ذلك عن مالك. والله أعلم. وقال الحافظ الإمام أبو بكر محمد بن موسى الحازمي ﵀ في كتاب العجالة له في الأنساب ما نصه: " الصنابحي منسوب إلى صنابح بن زاهر بن عامر بن عوثبان بن زاهر بن يحابر، وهو مراد، بطن من مراد، منهم أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، يروي عن أبي بكر وبلال وعبادة بن الصامت، روى عنه عطاء بن يسار وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني وليس له صحبه لأنه قدم المدينة بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس ليال، والصنابح بن الأعسر لا مدخل له مع هذا في الباب، وذاك أحمسي وله صحبة، وهذا صنابحي وهو تابعي انتهى كلام الحافظ أبو بكر. وقد وقفت على كلام جيد في المحاكمة بين هذين القولين في كتاب المآخذ الحفال السامية عن مآخذ الإغفال في شرح ما تضمنه كتاب بيان الوهم من الأخلال أو الإغفال وما أنضاف إليه من تتمير أو إكمال، مما تولى تعليقه الحافظ الناقد أبو

стр. 46

عبد الله محمد بن الإمام أبي يحيى بن المواق ﵀ على كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام الذي صنفه المحدث الحافظ أبو الحسن بن القطان، وتولى ﵀ تخريج بعضه من المبيضة ثم احترمته المنية ولم يبلغ من تكميله الأمنية، فتوليت تكميل تخريجه مع زيادة تتمات وكتب ما تركه المؤلف بياضا والله ينفع بذلك. ونص ما أورده حاكيا كلام شيخه أبي الحسن ﵀ ومستدركا عليه ومتعقبا قَالَ: ومن المتردد فيه هذا الباب الذي رده بالانقطاع وهو يغلب على الظن اتصاله ما ذكر من رواية مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله ﷺ ، قَالَ: «إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه. . . . . .» الحديث. ثم قَالَ: وعبد الله الصنابحي لم يلق النبي ﷺ ، ويقال: أبو عبد الله وهو الصواب، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، قَالَ أبو الحسن ﵀ انتهى ما ذكر وهو كله مقول.

стр. 47

أكثرهم زعموا أن مالكا وهم في قوله عن عبد الله الصنابحي في هذا الحديث، وفي حديث «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان» وفي صلاته خلف أبي بكر المغرب وقراءته في الأخيرة، ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] كل هذه الأحاديث يقول فيها مالك عن عبد الله الصنابحي فيزعمون أنه وهم فيه أو لم يعرفه، فأسماه عبد الله فإن الناس كلهم عبيد الله. ثم ذكر قول الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: وهم مالك في هذا، فقال: عبد الله الصنابحي، وهو أبو عبد الله الصنابحي، واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من النبي ﷺ وهذا الحديث مرسل. ثم قَالَ: وممن تبعه على هذا ونقله كما هو أبو عمر بن عبد البر، وممن

стр. 48

نحا نحو أبو محمد بن أبي حاتم وأبوه، ثم ذكر ما ذكره ابن أبي حاتم إلى قوله: سمعت أبي يقول ذلك. ثم قَالَ: هذا ما ذكره به، وبلا شك أن هذا الذي ذكروه في أبي عبد الله الصنابحي هو كما ذكروه، وهو رجل مشهور الخير والفضل فاتته الصحبة بموت النبي ﷺ قبل وصوله إليه بليال ولكن التكهن بأنه المراد بقول عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي ونسبة الوهم فيه إلى مالك أو إلى من فوقه، كل ذلك خطأ ولا سبيل إليه إلا بحجة بينة، ومالك ﵀ لم ينفرد بما قَالَ من ذلك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، بل وافقه عليه أبو غسان محمد بن مطرف وهو أحد الثقات، وثقه ابن معين وأبو حاتم، وأثنى عليه أحمد بن حنبل، واتفق البخاري ومسلم على الإخراج له والاحتجاج به. ثم ذكر من طريق أبي داود، عن محمد بن حرب الواسطي، قَالَ:

стр. 49

أنا يزيد بن هارون، أنا ابن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، قَالَ: زعم أبو محمد أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد. . . . . الحديث. وَمِمَّنْ وَافَقَ مَالِكًا وَأَبَا غَسَّانَ عَلَى ذَلِكَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ وَذَكَرَ أَيْضًا أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أنا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ قَرْنِ الشَّيْطَانِ فَإِذَا طَلَعَتْ قَارَنَهَا، وَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ثُمَّ قَالَ: هَؤُلاءِ مَالِكٌ وَأَبُو غَسَّانَ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَحَفْصُ بْنُ

стр. 50

مَيْسَرَةَ كُلُّهُمْ يَقُولُ فِيهِ: عَبْدُ اللَّهِ الصُّنَابِحِيُّ، نَصَّ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَلَى سَمَاعِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَتَرْجَمَ ابْنُ السَّكَنِ لاسْمِهِ فِي الصَّحَابَةِ، وَقَالَ: يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ، مَعْدُودٌ فِي الْمَدَنِيِّينَ، رَوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: وَيُقَالُ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الصَّحَابَةِ وسأل عباس الدوري يحيى بن معين عن هذا فقال: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون، يشبه أن تكون له صحبة. ثم قَالَ الشيخ أبو الحسن بن القطان ﵀: والمتحصل من هذا أنهما رجلان: أحدهما أبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ليست له صحبة يروي عن أبي بكر وعبادة، والآخر عبد الله الصنابحي يروي أيضًا عن أبي بكر وعن عبادة، والظاهر منه أن له صحبة ولا أبت ذلك، ولا أيضا أجعله أبا عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة، فإن توهيم أربعة من الثقات في ذلك لا يصح، فاعلمه. قال القاضي أبو عبد الله بن المواق ﵀: تكلم أبو الحسن على هذا الحديث كلاما جيدا، ومع ذلك فعليه فيه أدراك. أحدها: عدة حديث صلاة أبي بكر وقراءته في المغرب ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] مما رواه مالك، فقال فيه عن عبد الله الصنابحي فإنه وهم، وإنما قَالَ فيه مالك «عن أبي عبد الله الصنابحي» ، روى الرواة عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، عن قيس بن

стр. 51

الحارث، عن أبي عبد الله الصنابحي، أنه قَالَ: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن و ﴿ [من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة فدنوت منه حتى أن ثيابي لتكاد أن تمس ثيابه، فسمعته قرأ بأم القرآن وهذه ال::] رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] ، الثاني: قوله: عبد الله الصنابحي روى عن أبي بكر فإنه أيضًا وهم جره وهمه الأول، فإنه لما اعتقد أنه الراوي حديث صلاة أبي بكر في المغرب عد فيمن روى عنه عبد الله الصنابحي أبا بكر وليس كذلك، فإن عبد الله الصنابحي لا تعرف له رواية إلا في الأحاديث الثلاثة: حديث الوضوء، وحديث إن الشمس تطلع، وحديث الوتر، فاعلمه. الثالث: قوله إن مالكا لم يعرفه فأسماه عبد الله، فإن الناس كلهم عبيد الله، ونسبه هذا إلى من يقوله ولم يسم أحدًا وهو خطأ من قائله، فإن مالكا ﵀ أشد الناس تحفظًا وتورعًا في رواية الحديث والإتيان به على نص ما سمعه، ويشهد على صحة ما قلناه وخطأ من قَالَ ذلك أنه ذكره في حديث صلاة أبي بكر المغرب على ما سمعه من أبي عبيد، فقال عن أبي عبد الله الصنابحي، فدل ذلك أنه في الحديثين أتى به على ما سمع من زيد بن أسلم والله أعلم، وقد قَالَ أبو عمر بن عبد البر: ما أظن هذا الاضطراب جاء إلا من زيد بن أسلم، قَالَ القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي يحيى: لو كان مالك هو الذي أسماه في الحديثين لأنه لم يعرفه كما زعم هذا القائل لأسماه في هذا أيضًا كذلك، وإنما نقل ﵀ ما سمع.

стр. 52

الرابع: أنه أغفل من قول ابن معين وغيره في عبد الله الصنابحي ما يقوي مذهبه فيه، وذلك ما روى ابن أبي خيثمة، قَالَ: قَالَ لي يحيى بن معين: الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة لم يلق النبي ﷺ ، وعبد الله الصنابحي، ويقال أبو عبد الله الصنابحي لقي النبي ﷺ ، قَالَ القاضي أبو عبد الله: ففرق ابن معين بينهما، وأثبت لأحدهما الصحبة ونفاها عن الآخر، وذكر البخاري في التاريخ حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن النبي ﷺ في الوضوء، ثم قَالَ وتابعه ابن أبي مريم، عن أبي غسان، عن زيد، قَالَ القاضي أبو عبد الله: وأخرج النسائي، الحديثين في مسند مالك، ولو كانا عنده على الوهم ما أخرجهما، وكذلك خرجهما في المصنف ولم يذكر أنهما مرسلان، وذكر مسلم في التمييز أحاديث نسب الوهم فيها إلى مالك، ولم يذكر هذين الحديثين فيها، وذكره أبو القاسم ابن عساكر في الأطراف فجعله في عداد الصحابة من العبادلة، وذكر ابن ماجه القزويني روى حديث الوضوء منها عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، نحو رواية مالك، وأنه روى حديث «إن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان» ، عن إسحاق

стр. 53

الكوسج، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم نحوه وَرَوَى رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ الْعَنْبَرِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ بِقَرْنَيِ الشَّيْطَانِ» فَذَكَرَ الْحَدِيثَ خرجه الدراقطني في اختلاف الموطآت فقال: أنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، قَالَ: أنا إسماعيل بن أبي الحارث، وأنا روح فذكره، ففي هذا سماعه من النبي ﷺ من رواية مالك وزهير بن محمد كما في رواية سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، ورواه الحارث بن أبي أسامة عن روح بإسناده، وفيه

стр. 54

سمعت رسول الله ﷺ ذكره قاسم، وروح بن القاسم أحد الثقات وإسماعيل بن أبي الحارث شيخ للبزار روى عنه في مسنده، وقال: ثقة مأمون، وأحمد بن محمد الزعفراني أحد الثقات ذكره الخطيب ووثقه، وحكى أن يوسف القواس، ذكره في جملة شيوخه الثقات، فاعلم ذلك. قال القاضي أبو عبد الله: فهذه روايات كلها عاضدة لما ذكره ولكنه أغفلها والإحاطة لله وحده. الدرك الخامس: إنه ذكر هنا رواية زهير بن محمد، واعتضد بها، ووثقه في جملة من شملهم إطلاق لفظه بل نصه، وقد ضعفه في حديث عائشة في التسليمة الواحدة وقد ضعف به غير حديث، ونقله هنا أصوب. انتهى كلام القاضي أبي عبد الله، أوردناه بجملته وإن كان فيه بعض ما لا تمس حاجتنا إليه في الموضع، ولكنه اشتمل على فوائد ومحاسن فاخترنا إيراده بكماله، والله ينفع بذلك الجميع، ويتغمدنا برحمته إنه منعم كريم رءوف رحيم. تتميم: ومما يشهد لصحة سماع الصنابحي من النبي ﷺ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ إِخْبَارًا جَمَلِيًّا، وَقَرْأَتُ عَلَيْهِ الإِسْنَادَ، أَبُو الْمَاضِي عَطِيَّةُ بْنُ مَاجِدٍ قَالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 55

عِمَادٍ، قَالَ: أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ غَدِيرٍ، قَالَ: أنا أَبُو الْحَسَنِ الْخِلَعِيُّ، قَالَ: أنا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَاجِّ بْنِ يَحْيَى الشَّاهِدُ، أنا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنا أَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانَ الرَّمْلِيُّ، أنا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، أنا مُجَالِدٌ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: « أَنَا فِرْطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَأَنَا مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلا تَرْجِعَنَّ بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضَكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» من الجزء التاسع من الخلعيات

стр. 56

وأسمعني شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن محمد بن مزروع المذكور قارئا على الشيخين الإمام العالم الفاضل أبي محمد عبد الرحيم بن الزجاج وابن أخيه الشيخ الفاضل أبي القاسم عبد الحميد جميع ثلاثيات البخاري عند علامة الجدار الجوفي من مسجد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه في ليلة أسفر صباحها عن الخامس والعشرين لذي قعدة حسب ما تقدم سندهما فيه، والشيخ أبو محمد بن مزروع سمع بقراءتي، فلما فرغت من جميعها، قَالَ لي: اروها عني، بحق سماعي لها بالبصرة على الشيخ الإمام أبي علي الحسن بن أحمد بن دويرة المقري البصري بسماعه لها من أبي الوقت بسنده. وأخبرني صاحبي ورفيقي الوزير الكاتب الجليل أبو عبد الله بن أبي القاسم، حرس الله مجده، أنا شيخنا جمال الدين بن الظاهري، لما وقف على هذا الإسناد أنكر سماع ابن دويرة من أبي الوقت، والشيخ أبو محمد بن مزروع ثقة، فإن لم يصح السماع فهو من الغلط لا من التعمد والله أعلم، وابن دويرة هذا لا أعرفه. أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَزْرُوعٍ النَّحْوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ سَمَاعًا بِالْقِرَاءَةِ الْمَوْصُوفَةِ، أنا الشَّيْخُ الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دُوَيْرَةَ الْمُقْرِي الْبَصْرِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ، أنا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ الْهَرَوِيُّ، قَالَ: أنا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الدَّاوُدِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، أنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: « مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»

стр. 57

ومن سماعات شيخنا عفيف الدين ابن مزروع جميع صحيح مسلم على أبي العباس أحمد بن عمر بن عبد الكريم الباذبيني، وأجازه له ابن أبي الفضل المرسي بسماعهما من المؤيد الطوسي، بسنده. ومن سماعه أيضا الأربعون حديثا، على مذهب المحققين لابي نعيم الحافظ، سمعه علي أبي عبد الله محمد بن عثمان بن حميد الموصلي، بروايته عن أبي الفرج يحيى بن محمود الثقفي، بروايته عن الحداد، عن أبي نعيم. ومن سماعاته الجزء الثالث من الفوائد المسلسلات الأسانيد تخريج أبي بكر بن مسدي بشرطها من التسلسل. ومن سماعاته مسند أبي داود الطيالسي سمعه من أبي الحسن علي بن معالي ابن أبي عبد الله الرصافي، بسماعه من أبي القاسم يحيى بن موسى، بإجازته من أبي على الحسن بن أحمد الحداد، بسماعه من أبي نعيم، وبإجازة الرصافي من أبي المكارم أحمد بن محمد اللبان، بسماعه من الحداد، بسماعه من أبي نعيم،

стр. 58

عن أبي محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس، عن أبي بشر العجلي الإصبهاني، عن أبي داود الطيالسي. ومن سماعاته مسند العدني، سمعه من أبي عبد الله، عن الحافظ أبي الفتوح بن عَلِيٍّ بن أبي الفرج بن الحصري بسماعه من أبي محمد عبد الغني بن الحافظ أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمذاني، بسماعه من أبي الفرج سعيد بن أبي الرجاء بن أبي منصور الصيرفي الإصبهاني، بسماعه من أبي العباس أحمد بن محمد بن النعمان، بسماعه من أبي بكر محمد بن إبراهيم بن عَلِيٍّ بن عاصم بن

стр. 59

المقري، بسماعه من إسحاق بن أحمد بن نافع الخزاعي، بسماعه من العدني ﵏ ونفعهم. أخبرنا أبو محمد بن مزروع فيما أذن لي فيه في الجملة وأنشده لنا صاحبنا عبد الكريم بن عبد النور الحلبي، بمصر، قَالَ: أنشدنا أبو محمد بن مزروع ببدر قَالَ: أنشدني ابن مسدي، قَالَ: أنشدني ابن أبي الشوارب: اصبر على الدهر أن نابتك نائبة ... ولا تقولن ذرعي منه قد ضاقا فبالنوائب يزداد الفتى شرفا ... كالبدر يزداد في الإظلام إشراقا قال لي عبد الكريم وكتبه لي بخطه: سألت ابن مزروع عن مولده فقال: سنة خمس وعشرين وست مائة بالبصرة. -

стр. 60

عماد الدين الشقاري وممن لقيته بالمدينة شرفها الله، وسلم على ساكنها أفضل السلام: الشيخ الجليل الفاضل عماد الدين أبو نصر وأبو الحجاج يوسف بن أبي نصر بن أبي الفرج بن أبي نصر بن الشقاري بشين مضمومة وقاف مخففة قدمها زائرا في ركب الشام.

стр. 61

سمعت عليه وأجاز لي، ولبني أبي القاسم وعائشة وأمة لله، وأخواتي، ومن ذكر معي في الاستدعاء، وكتب خطه في الرابع والعشرين لذي قعدة سنة أربع وثمانين وست مائة. أخبرني بمسجد النبي ﷺ أنه سمع جامع البخاري على أبي عبد الله الزبيدي كرتين، وأنه سمع عليه جزء أبي الجهم، والأربعين حديثا للطائي. قرأت على الشيخ عماد الدين أمام الروضة المشرفة المطيبة زادها الله شرفا وطيبا، ويسر العود إليها قريبا، في الرابع والعشرين لذي قعدة من عام التاريخ جميع ثلاثيات البخاري، بسماعه على ابن الزبيدي بسنده المشهور. أنا عِمَادُ الدِّينِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ أَمَامَ الرَّوْضَةِ الْكَرِيمَةِ قُلْتُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْدِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ، أنا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ الْهَرَوِيُّ، قَالَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الدَّاوُدِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، أنا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: " كُنْتُ آتِي سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّي عِنْدَ الأُسْطِوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطِوَانَةِ، قَالَ: «فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلاةَ عِنْدَهَا» وقرأت عليه أمام الروضة المشرفة في الرابع والعشرين لذي قعدة من عام التاريخ، قلت له: أَخْبَرَكُمُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْدِيِّ سَمَاعًا عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ قَالَ: أنا شَيْخُ الْوَقْتِ أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيْبٍ السِّجْزِيُّ الصُّوفِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، قَالَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ

стр. 62

الدَّاوُدِيُّ الْبُوشَنْجِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ بِبُوشَنْجَ، قَالَ: أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَطَرٍ الْفَرَبْرِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الأَحْنَفِ الْجُعْفِيُّ مَوْلاهُمْ، قَالَ: أنا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: « مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الشَّاقرِيِّ الشَّقارِيُّ، الْمَذْكُورُ إِذْنًا فِي جُمْلَةِ جُزْءِ أَبِي الْجَهْمِ الْعَلاءِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَطِيَّةَ الْبَاهِلِيِّ، وَسَمِعْتُ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ إِبْرَاهِيمَ الْبَطَائِحِيِّ، قَالا: أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْدِيُّ سَمَاعًا عَلَيْهِ، قَالَ: أنا أَبُو الْوَقْتِ السِّجْزِيُّ فِي سَنَةِ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ قِيلَ لَهُ، أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أنا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الصَّالِحُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُرَيْحٍ الأَنْصَارِيُّ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، أنا أَبُو الْجَهْمِ هُوَ الْعَلاءُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَطِيَّةَ الْبَاهِلِيُّ يَعْنَي إِمْلاءً مِنْ كِتَابِهِ، أنا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ خَيْرَ مَا رُكِبَتْ إِلَيْهِ الرَّوَاحِلُ مَسْجِدِي هَذَا وَالْبَيْتُ الْعَتِيقُ» -

стр. 63

أحمد بن عثمان المصري وممن لقياه أيضا بالمدينة شرفها الله خطيب مسجد النبي ﷺ وإمامه الشيخ الخطيب الأديب اللغوي أحمد بن عثمان بن عمر الشافعي المصري، في الخامس والعشرين من ذي قعدة من سنة التاريخ. قرأت عليه ثلاثيات البخاري، وأجاز لي ولبني عائشة وأبي القاسم وأمة الله، ولأخواتي، ولمن ذكر معي في الاستدعاء، وكتب خطه بذلك، وهو من جيد الخطوط، قَالَ لَنَا الْخَطِيبُ أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ وَكَتَبَ الإِسْنَادَ بِخَطِّهِ إِلَى الْبُخَارِيِّ، نا بِكِتَابِ الْبُخَارِيِّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أُسَامَةَ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أنا الشَّيْخُ الْمُسْنِدُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ سَعْدِ بْنِ صَدَقَةَ بْنِ كُلَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: أنا الشَّرِيفُ نُورُ الْهُدَى

стр. 64

الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ الزَّيْنِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَخْبَرَتْنَا أُمُّ الْكِرَامِ كَرِيمَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيَّةُ، قَالَتْ: أنا أَبُو الْهَيْثَمِ الْكُشْمَهِينِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، قَالَ: أنا الْفَرَبْرِيُّ، أنا الْبُخَارِيُّ. قَرَأْتُ عَلَيْهِ بِالإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ إِلَى الْبُخَارِيِّ أنا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: « كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا» وقرأت عليه بالإسناد المذكور إلى البخاري ﵀، قَالَ: أنا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: « مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي» ذكر سفرنا من المدينة إلى مكة شرفها الله ذاكر سفرنا من طيبة زادها الله طيبا، ويسر العود إليها قريبا، متوجهين إلى مكة حرم الله الشريف، قرب الله منه البعيد، وبلغ المراد فيه للمريد، ومنحنا من إحسانه وامتنانه الجديد فالجديد، بمنه وفضله.

стр. 65

كانت إقامتنا بالمدينة شرفها الله يوم الأحد والاثنين والثلاثاء وليلة الأربعاء وانصرفنا غدوة يوم الأربعاء السادس والعشرين لذي قعدة، صلينا الصبح بذلك المحل الكريم، راجين فضله العميم، وودعناه وما ودعناه، وأودعناه الأرواح وسرنا بالأشباح، والضلوع تتقد، والدموع تطرد، ولسان المقال ينشد: لئن أصبحت مرتحلا بشخصي ... فروحي عندكم أبدًا مقيم ولسان الحال يردد: محبتي تقتضي مقامي ... وحالتي تقتضي الرحيلا فوافينا ذا الحليفة، وهي موضع إحرام المدنيين وجوبا، ومن اجتاز بها من غيرهم ندبا، وهي على ستة أميال من المدينة، وقد قيل على سبعة، وظاهر التقدير أنها ستة، وهي بضم الحاء المهملة وفتح اللام وفتح الفاء بينهما ياء ساكنة مخففة، وهي ماء من مياه بني جشم، وكان بينهم وبين خفاجة العقيليين وهي الآن يعرفها الناس ببئر على، وذو الحليفة أيضا موضع بتهامة، وقد جاء ذكره في الحديث، في حديث رافع بن خديج. «كنا مع النبي ﷺ بذي الحليفة من تهامة فأصبنا نهب غنم. . . . .»

стр. 66

فهو موضع بين حاذة وذات عرق من أرض تهامة، وهذه ليست المهد الذي قرب المدينة. فلبثنا بها يسيرا وتغسلنا هناك للإحرام، تركعنا في مسجدها لما روي عنه في ذلك ﵊، وإن كان ذلك الموضع اليوم ليس هو الذي

стр. 67

صلى فيه النبي ﷺ بعينه، ولكنه بمقربة منه لأن ذلك قد اجتحفته السيول قديما، ولكن محل الكرام كل منه يعد كريما. وأهللنا بحجة مفردة لم نضف لها قرانا ولا تمتعا على ما اختاره إمام المدينة مالك، ورآه أتم الأعمال وأحسن المسالك، وارتفعت الأصوات بالتلبية ورجي من المنعم الوهاب قبول تلك الأدعية. ورحلنا من هناك قريب الظهر راغبين من الله في قبول الزيارة، وتتميم ما شرعنا فيه من العمل الرابح التجارة، داعين إلى الله أن يصحبنا السلامة في كل حل وترحال، في الأبدان والأقوال والأفعال، اللهم أتمم علينا نعمك، وبلغنا حرمك، وأفض علينا كرمك، وعرفنا القبول بعرفات، واجعل أفعالنا وأقوالنا مبلغة إلى سكنى الجنان والغرفات. ثم لما ظهرنا على البيداء عصفت ريح شديدة ملأت الشعور والأثواب بما سفت عليها من التراب، واشتدت الحال، وعجز الناس لشدة القر عن الاحتمال، فلاذ بعضهم بلبس المخيط، ونزلوا مع الغروب، ورمت التحمل فكدت أعجز ثم من الله الكريم بالإلهام إلى لف بطني بعمامة كانت لي، أدرتها على بطني طاقة فوق طاقة، فمنح الله القوة والطاقة، وقرت بي الحال ونمت صالحا، والحمد لله.

стр. 68

ثم لم نزل نرحل منزلا فمنزلا، وفضل الله لا يزال علينا منزلا، إلى أن وافينا وادي الصفراء، غدوة يوم السبت التاسع والعشرين، وهو واد فيه خصب ونخل وزرع وبطيخ ودباء وقطاني، وتمادى بنا السير نلاقي القرية بعد القرية إلى ظهر ذلك اليوم فوافينا بدرا، المبارك مشهد نصر الله نبيه ﵊. الذي أعز الله به دين الإسلام، فوردنا ماءه، وزرنا شهداءه، وحييناهم بالسلام، وبتنا هناك ورحلنا منه قبيل الصبح من ليلة الأحد، الموفية ثلاثين لذي قعدة، فأهل علينا هلال ذي الحجة داعين إلى الله تعالى في تتميم الحجة ليلة الاثنين، وتمادينا على المسير إلى محل النزول لم نعرفه ثم منه إلى رابغ، وافيناه ضحوة يوم الأحد ثاني ذي الحجة، وهو في هذه المدة موضع إحرام الركب

стр. 69

المصري، وهو دون الجحفة بنحو عشرة أميال إلى جهة المدينة، والجحفة عن يسار الطريق اليوم، ومن رابغ يرفع الناس الماء. ذكر غريبة عنت لنا به وما عنت بل أغنت في معنى الآية الكريمة واقتت وهي قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: ٩٤] الآية. صحبني في الطريق، من المدينة على ساكنها الصلاة والسلام قاصدين إلى البيت الحرام أحد الشيوخ من شرفاء المدينة، فلما وافينا رابغ رأيت أمرا عجبا من تخلل الوحش: الغزال والأرنب بين الجمال والرحال، بحيث يناله الناس بأيديهم، والناس ينادون: حرام، حرام، والجوارح قد سلسلت خيفة تعدي جاهل يعتسف المجاهل، فقال في ذلك الشيخ الشريف: تأمل تر عجبا، هكذا جرت عادتنا في هذا الطريق، يؤمنا ونحن محرمون يمر به الوحش ما ترى، فإذا عدنا محلين لم نجد به شيئا، فلما عدنا كان كما قَالَ، فبان لي من معنى الآية الكريمة ما لم يكن غير بالمشاهدة، وكلام المفسرين على الآية معلوم يصدق على ما تناله الأيدي كالبيض والفراخ مما لا يستطيع أن يفر، وما ينال بالرماح ونحوها ككبار الصيد.

стр. 70

ثم رحلنا عنه منزلا منزلا إلى آن وافينا خليصا يوم الأربعاء ضحوة الثالث من ذي حجة، فقلنا هناك ورفعنا عشي النهار. وفي وصف خليص أقول من قصيد. وخليص إذ وردنا خلصه ... فرعى الله أويقات الورود ومطلع القصيد أهل ودي لا تدينوا بالصدود ... بذمام كان في وادي زرود وخليص البيت. وهذا البيت اتفقت فيه موافقة حسنة في التصغير، كرعت في مورد من الحسن لا تحلا عنه، وذلك أن الشعراء أكثروا من التصغير في محال، إما لضرورة وزن، أو لقصد ضعيف غير قوي، وربما ندر منهم فيما صدر عنهم ما يستحسن. كان شيخنا بحر البلغاء وحبر الأدباء أبو الحسن حازم بن محمد، ﵀ يقول، وقرأته بخطه: كان أبو الطيب المتنبي مولعا بالتصغير، ولم يوفق من ذلك إلا في قوله:

стр. 71

ظللت بين أصحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل فحسن هذا لما كان الموطن مظنة لقلة الصحب، فكثيرا ما يستعملون ذكر الخليلين في هذا الموضع. قلت: ووجه حسن البيت الذي أنشدته من طريقين: أحدهما: المناسبة اللفظية فإن خليصا مصغر وأويقات كذلك، والمناسبة اللفظية مما تعتبر، ومن مستحسن ذلك قول الأديب البارع أبي عبد الله محمد بن غالب الرصافي، ﵀: بلادي التي ريشت قويدمتي بها ... فريخا وآوتني قرارتها وكرا فحسن موقع تصغير القادمة لمكان تصغير فرخ. والثاني وهو أقوى للحظ المعنوي، وهو أن أوقات السرور توصف بالقصر، وقد أكثر الشعراء من ذلك حتى قلت: ولم يزل زمن الأفراح مختصرا فناسب ذلك التصغير.

стр. 72

ومما كان شيخنا أبو الحسن ﵀ يستحسنه من ذلك قول الشريف. يولع الطل بردينا وقد نسجت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم فإن لقوله رويحه حسن موقع من النفس، لأنهم لما كانوا يقولون نسيم عليل، ونفس خافت، كان تصغير لفظ الريح في هذا البيت مستحسنا مختارا ولذلك سمعنا شيخنا أبا الحسن ﵀ يعيب قول ابن عمار: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى لأن الانبراء كأنه اعتراض بقوة، والنسيم من شأنه أن يوصف باللدونة والرقة ومن التصغير الذي له طلاوة وحسن موقع قول أبي العلاء صاعد بن عِيسَى الكاتب: إذا لاح من برق العقيق وميضة ... تدق على لمح العيون الشوائم فحسن تصغير الوميضة لما وصفها بالدقة والخفاء ومن المستحسن قول أبي العلاء المعري:

стр. 73

إذا شربت رأيت الماء فيها ... أزيرق ليس يستره الجران لما وصفها برقة الأعناق ودفتها حسن تحقير ما يمر عليها من الماء لضيق مسلكه، فمقداره لذلك نزر. ومن المستحسن قول عمر بن أبي ربيعة: وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سمر فحسن تصغير القمر هنا لأنه دل بإخباره أنه غاب عند ترويح الرعيان، ونوم السمار، على أنه كان هلالا. ومما استحسن قول أبي نصر بن نباتة: ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا ... أغيبر يأوي في صدوع الشواهق لأن الحية توصف بالضئول والدقة وحسبك قول النابغة. فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع

стр. 74

ونحو منه قول الشريف: زال وأبقى عند وراثه ... جزيم مال عرفته الحقوق وقد رأينا أن نورد القصيد الخليصي بجملته ثم سرنا من خليص بقية النهار نرتحل منزلا منزلا إلى أن وافينا بطن مر ليلة السبت، عند ربع الليل الأول، في الليلة السادسة من ذي حجة، فلله هو لقد حلي بالعين مرآه، وحلا بالفم ماؤه ومرعاه. ثم رحلنا منه عند ربع الليل الآخر من تلك الليلة، فوافينا مكة شرفها الله ضحاء يوم السبت، حامدين لله تعالى على تسهيل المسير، وتيسير العسير، فتلقانا أهل مكة وأطفالها متعلقين بالناس، ليعلموهم المناسك ويهدوهم المسالك، قد درب صبيانهم على ذلك، وحفظوا من الأدعية والأذكار ما يحسن هنالك. ولقينا من تقدمنا إليها من الإخوان، كرفيقنا الأعز علينا، الكاتب البليغ الوزير الماجد أبي عبد الله بن الفقية الوزير الفاضل الصدر أبي القاسم بن الحكيم،

стр. 75

لكونه كان قد تقدمنا من مصر على طريق الصعيد، فلله ذلك الملتقى السعيد، الذي قضت به النفس مناها، ولله تلك الأمكنة الشريفة التي اكتحلت العين برائق سناها. اللهم لك الحمد على هذه النعمة التي عظمت وجلت، وجلت عرائس السرور على منصات الحبور لما تجلت. وكان دخولنا من كداء من الثنية العليا، هناك تلقانا صاحبنا ورفيقنا أبو عبد الله بن أبي القاسم حفظه الله، وشكر له، إذ الدخول منها مستحب لمن كانت على طريقة، ولمن لم تكن، فينبغي أن يعرج إليها ويعوج عليها، وكداء هذه هي بفتح الكاف ممدودة وكدى، بضم الكاف منونة ومقصورة بأسفل مكة، وهاتان اللفظتان يضطرب المحدثون في ضبطهما في الأحاديث الصحيحة في الأمهات، والذي صح عندنا في ذلك ويشهد له الاختبار ما ذكره الإمام أبو عمرو بن الصلاح، ﵀، وهو تحرير بليغ في الموضع، قَالَ ﵀:
следующие страницы →