← Книги сунны

Книги сунны · id 12532

ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة - جـ 5

ابن رشيد

Полный текст (385 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ظللت بين أصحابي أكفكفه ... وظل يسفح بين العذر والعذل فحسن هذا لما كان الموطن مظنة لقلة الصحب، فكثيرا ما يستعملون ذكر الخليلين في هذا الموضع. قلت: ووجه حسن البيت الذي أنشدته من طريقين: أحدهما: المناسبة اللفظية فإن خليصا مصغر وأويقات كذلك، والمناسبة اللفظية مما تعتبر، ومن مستحسن ذلك قول الأديب البارع أبي عبد الله محمد بن غالب الرصافي، ﵀: بلادي التي ريشت قويدمتي بها ... فريخا وآوتني قرارتها وكرا فحسن موقع تصغير القادمة لمكان تصغير فرخ. والثاني وهو أقوى للحظ المعنوي، وهو أن أوقات السرور توصف بالقصر، وقد أكثر الشعراء من ذلك حتى قلت: ولم يزل زمن الأفراح مختصرا فناسب ذلك التصغير.

стр. 72

ومما كان شيخنا أبو الحسن ﵀ يستحسنه من ذلك قول الشريف. يولع الطل بردينا وقد نسجت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم فإن لقوله رويحه حسن موقع من النفس، لأنهم لما كانوا يقولون نسيم عليل، ونفس خافت، كان تصغير لفظ الريح في هذا البيت مستحسنا مختارا ولذلك سمعنا شيخنا أبا الحسن ﵀ يعيب قول ابن عمار: أدر الزجاجة فالنسيم قد انبرى ... والنجم قد صرف العنان عن السرى لأن الانبراء كأنه اعتراض بقوة، والنسيم من شأنه أن يوصف باللدونة والرقة ومن التصغير الذي له طلاوة وحسن موقع قول أبي العلاء صاعد بن عِيسَى الكاتب: إذا لاح من برق العقيق وميضة ... تدق على لمح العيون الشوائم فحسن تصغير الوميضة لما وصفها بالدقة والخفاء ومن المستحسن قول أبي العلاء المعري:

стр. 73

إذا شربت رأيت الماء فيها ... أزيرق ليس يستره الجران لما وصفها برقة الأعناق ودفتها حسن تحقير ما يمر عليها من الماء لضيق مسلكه، فمقداره لذلك نزر. ومن المستحسن قول عمر بن أبي ربيعة: وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروح رعيان ونوم سمر فحسن تصغير القمر هنا لأنه دل بإخباره أنه غاب عند ترويح الرعيان، ونوم السمار، على أنه كان هلالا. ومما استحسن قول أبي نصر بن نباتة: ففي الهضبة الحمراء إن كنت ساريا ... أغيبر يأوي في صدوع الشواهق لأن الحية توصف بالضئول والدقة وحسبك قول النابغة. فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع

стр. 74

ونحو منه قول الشريف: زال وأبقى عند وراثه ... جزيم مال عرفته الحقوق وقد رأينا أن نورد القصيد الخليصي بجملته ثم سرنا من خليص بقية النهار نرتحل منزلا منزلا إلى أن وافينا بطن مر ليلة السبت، عند ربع الليل الأول، في الليلة السادسة من ذي حجة، فلله هو لقد حلي بالعين مرآه، وحلا بالفم ماؤه ومرعاه. ثم رحلنا منه عند ربع الليل الآخر من تلك الليلة، فوافينا مكة شرفها الله ضحاء يوم السبت، حامدين لله تعالى على تسهيل المسير، وتيسير العسير، فتلقانا أهل مكة وأطفالها متعلقين بالناس، ليعلموهم المناسك ويهدوهم المسالك، قد درب صبيانهم على ذلك، وحفظوا من الأدعية والأذكار ما يحسن هنالك. ولقينا من تقدمنا إليها من الإخوان، كرفيقنا الأعز علينا، الكاتب البليغ الوزير الماجد أبي عبد الله بن الفقية الوزير الفاضل الصدر أبي القاسم بن الحكيم،

стр. 75

لكونه كان قد تقدمنا من مصر على طريق الصعيد، فلله ذلك الملتقى السعيد، الذي قضت به النفس مناها، ولله تلك الأمكنة الشريفة التي اكتحلت العين برائق سناها. اللهم لك الحمد على هذه النعمة التي عظمت وجلت، وجلت عرائس السرور على منصات الحبور لما تجلت. وكان دخولنا من كداء من الثنية العليا، هناك تلقانا صاحبنا ورفيقنا أبو عبد الله بن أبي القاسم حفظه الله، وشكر له، إذ الدخول منها مستحب لمن كانت على طريقة، ولمن لم تكن، فينبغي أن يعرج إليها ويعوج عليها، وكداء هذه هي بفتح الكاف ممدودة وكدى، بضم الكاف منونة ومقصورة بأسفل مكة، وهاتان اللفظتان يضطرب المحدثون في ضبطهما في الأحاديث الصحيحة في الأمهات، والذي صح عندنا في ذلك ويشهد له الاختبار ما ذكره الإمام أبو عمرو بن الصلاح، ﵀، وهو تحرير بليغ في الموضع، قَالَ ﵀:

стр. 76

المستحب أن يدخل مكة من ثنية كداء بفتح الكاف والمد، وهو بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابر التي بالموضع الذي تسميه العامة المعلي، والى المحصب، وهو البطحاء، والأبطح مما يلي طريق منى، وإذا خرج من مكة فليخرج من ثنية كدى بضم الكاف والقصر والتنوين، بأسفل مكة بقرب شعب الشافعيين عند جبل قعيقعان وإلى صوب ذي طوى والثنية عبارة عن الطريق الضيقة بين جبلين، وذكر بعض أيمتنا أن الخروج إلى عرفات من هذه الثنية السفلى أيضا. أنبئت عن الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني أنه سمع الحافظ أبا عبد الله الحميدي، وهو صاحب الجمع بين الصحيحين عن الحافظ أبي محمد علي بن أحمد الأندلسي، قَالَ: كداء الممدودة هي بأعلى مكة عند المحصب، حلق رسول الله ﷺ من ذي طوى إليها أي صعد إليها، وكدى بضم الكاف، وتنوين الدال بأسفل مكة عند ذي طوى بقريب من شعب الشافعيين عند

стр. 77

قعيقعان، حلق رسول الله ﷺ منها إلى المحصب، فكأنه ﷺ ضرب دائرة في دخوله وخروجه، بات ﷺ بذي طوى، ثم نهض إلى أعلى مكة فدخل منها، وفي خروجه إلى أسفل مكة، ثم رجع إلى المحصب. وأما كدي مصغر بضم الكاف وفتح الدال وتشديد الياء فإنها لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليست من هذين الطريقين في شيء. قال: أخبرني بذلك كله أحمد بن عمر العذري، عن كل من لقي بمكة من أهل المعرفة بمواضعها، من أهل العلم بالأحاديث الواردة في ذلك. قال المصنف: فائدة عزيزة ضابطة لما غلط فيه كثير. قلت: وهذا الذي أنبأ به الحميدي من روايته، عن أبي محمد الظاهري معروف منقول عنه، والعذري إمام في النقل ومشاهدة الآثار وتتبعها. وذو طوى أسفل مكة في صوب طريق العمرة ومسجد عائشة ﵂. قلت: بقى على أبي عمرو بن الصلاح ﵀ أن يبين لم سلك النبي ﷺ هذا الطريق محلقا شبه دائرة؟ وذلك إذا تؤمل واضح فإنه لا يحصل التيامن في النزول والدخول إلى مكة والخروج عنها إلا كذلك فتأمله، والله أعلم.

стр. 78

وذو طوى يقال بالفتح والضم والكسر في طائه، والفتح أشهر. وعندما عاينا البلد الأمين نشأت السحائب، وأرسلت الغرابي، وأرخت الذوائب، فما وافينا المسجد الحرام شرفه الله إلا والمطر جود ذلك الجود أو وابل، وكل طائف تحت ميزاب الرحمة من جود نائل وإلى أقصى أمله واصل. وحين تجلت لنا الكعبة كالعروس، نالت مناها النفوس، وقد أحرمت الكعبة بتجريدها من المخيط، إلى حد الحجر الأسود وبقي ما سواه بها محيط، ولله در القائل: يا ربة الخال التي بلحاقها ... نال المنى من كان من عشاقها عاينا من بهجتها ما يذكر قول الآخر: ما علق الحلي على صدرها ... إلا لما يخشى من العين نقول، والحلي على نحرها ... من علق الشين من الزين؟ فطفنا بالبيت طواف القدوم: نخب ونسعى، وقد ضاق بالطائفين المسعى، والمطر وابل وميزاب الرحمة يعب عبابه، ويعمم الناس أماما ويمينا وشمالًا انسكابه وهم يزدحمون في الحجر حتى غص بداخليه، ومن لم يجد سبيلا لدخوله ونيل مائة المبارك، عصر له بلل ثوبه بعض نائليه، فدخل معي المطاف رفيقي الوزير أبو عبد الله الذي فاز دوني بمزية البدار، وحظي بحظ من الجوار، فقال لي منبها ومفيدا: إن بعض شيوخنا قَالَ لي: إنه تستحب تلاوة القرآن في الطواف عند نزول المطر، لما يرتجي من اجتماع البركات التي وردت في ثلاث الآيات "، وهي قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] وقوله ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] .

стр. 79

فامتثلت ذلك رجاء نعمة المنعم المالك. وقراءة القرآن لا تقدم على الأذكار المأثورة في هذا المحل، وإن كان أفضل منها، إذ من القواعد أن لا يشغل عن معنى ذكر من الأذكار بمعنى غيره من الأذكار وإن كان أفضل منه لأنه سوء أدب، ولكل مقام مقال يليق به ولا يتعداه، كلام ابن عبد السلام في القواعد، وقد ورد من القرآن في أذكار الطواف ما يقال بين الركنين اليمانيين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وبهذه الآية عقب على الأذكار، فكان أولى، وروي عن مالك في ذلك الكراهية، قَالَ ابن المنذر: لم يثبت دعاء مسنون إلا ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] بين اليمانيين، وهي من القرآن. وروى هذا عن ابن جماعة، وروي عنه رواية أخرى أنه يجوز، قَالَ الشيخ أبو محمد الجويني: ويحرص أن يختم في الطواف ختمة أيام الموسم فيعظم ثوابها، حكاه أبو عمرو بن الصلاح ثم قَالَ: ومن العلماء من لم يستحب

стр. 80

قراءة القرآن في الطواف، وهو اختيار أبي عبد الله الحليمي من أصحاب الشافعي. ثم أكملت الطواف بسنته وختمت بالسعي بين الصفا والمروة، وقد امتلأ المسعى بسيله حتى كاد يمنع الإسراع بين الميلين الأخضرين، ولما أدينا العمل المخصوص بذلك الوقت وردنا زمزم وتضلعنا من مائه أكثر مما يتضلع من الماء السلسبيل، وتوقفنا بين الحجر الأسود والباب عند الملتزم للدعاء ثم انصرفنا إلى المنزل الذي أعده صاحبنا ورفيقنا الوزير الفاضل الماجد الكامل أبو عبد الله حرس الله مجده، ويسر مرامه وسنى قصده، فأقمنا هنالك يوم الأحد السابع وصدر يوم الاثنين الثامن، وأخذنا في التوجه إلى منى، وقد سفرت أوجه المنى، فصلينا الظهر في مسجد العقبة، حيث فاز سابقو الأنصار ﵃ بكريم المنقبة، والعصر بخيف منى. ولقينا هنالك الشيخ الزاهد الفاضل العامل الفقيه أبا محمد المرجاني، نفع

стр. 81

الله به، الواصل معنا، من تونس في المركب، فصلينا العصر جميعا، وأشار بموافقة الجمهور في التوجه تلك الليلة إلى عرفات والمبيت بها وتركهم سنة المبيت بمنى لتوقع ما يخاف من الأعراب في أطراف النهار وأعقاب الناس، ويحذر من انتهابهم بما قل من العدد ولم يستصحب شيئا من العدد، ومن تأخر من الناس أو انفرد وانسلالهم بين تلك الشعاب، وتوغلهم في الجبال بحيث يتعذر الإيحاف عليهم بخيل أو ركاب، فوقع العزم على التوجه، وكان رأيا مباركا والحمد الله، فقدمت له راحلته، فعزمت عليه في الركوب، فأبى إلا أن يسايرني إلى عرفات، ووضع يده في يدي، فسرنا جميعا إلى عرفات فوافيناها عند غروب الشمس، فذهب هو مع صحبه لموضع نزوله، وانفردت أنا مع صحبي، وبتنا تلك الليلة بعرفات، وعلى إثرنا انتهب قطاع العرب بعض من تأخر من أهل الركب، وكان منهم لمن دافعهم قتل وسلب، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ورأينا في تلك الليلة عجبا فيما ابتدعته العامة من الاستعداد والاحتفال بوقد الشمع بطول تلك الليلة، بالجبل القائم في وسط عرفات المعروف عند العرب القدماء بإلال، وهو جبل مرتفع، في أعلاه مسجد، تنصب به رايات أمراء الركب، وقد صنع له درج بالبناء من أمامه ومن خلفه، فيرتقى إليه على طريق وينزل من أخرى، وربما التقى فريق مع فريق فيغص الجبل بالصاعدين والنازلين، وهو يتأجج نارا، ويتموج كالبحر زخارا، والطرق إليه بالشموع في بسيط عرفات، كالسطور المذهبات، تتصل به من كل الجهات، وأنت إذا نظرت إليه على بعد من الخيمات، تراه كشعله واحدة، وما يطول من الشمع كأنه ألسن متعاضدة، فترى عجبا، صلدا عاد ذهبا، أو صار لهبًا.

стр. 82

ومما قلت في وصف تلك الليلة: يا ليلة في الآل ... يا حسنها بين الليالي عدد النجوم شموعها ... قد نظمت نظم اللآلي وقلت أيضا في المعنى واصفا ذلك المغنى: بدا الآل في ليالي جمعنا ... في عرفات والسعود تسعد يحكي ثريا الختم نظم شمعه ... أو نرجسا في ربوة ينضد أو النجوم الزهر قد تجمعت ... فنورها متسق مجسد أستغفر الله من هذا المقال، وأسأله الصفح عما جرى مما يوهم استحسان هذه الحال، بل هذه الحالة من قبيح البدع، التي يجب أن يزجر عنها فاعلها ويردع وقد نبه على ذلك الإمام الفاضل جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب، الفقيه المالكي، وبين قبح هذه الحالة التي استحسنها العامة، وبين ما أخطأ فيه الناس من أمر هذا الجبل فقال ﵀. ومنها إيقادهم النيران عليه ليلة عرفة، واهتمامهم لذلك باستصحاب الشمع له من بلادهم واختلاط النساء بالرجال في ذلك صعودا وهبوطا، بالشموع المشعلة الكثيرة، وقد تزاحم المرأة الجميلة بيدها الشمعة الموقدة كاشفة عن وجهها، وهذه ضلالة شابهوا فيها أهل الشرك في مثل ذلك الموقف الجليل، وإنما أحدثوا ذلك من قريب حين انقرض أكابر العلماء العاملين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وحين تركوا سنة رسول الله ﷺ بحصولهم بعرفات قبل دخول وقت الوقوف بانتصاف نهار يوم عرفة لكونهم يرحلون في اليوم الثامن من مكة إلى عرفة رحلة واحدة، وإنما سنة رسول الله ﷺ المسير في الثامن من مكة إلى منى، والمبيت بها

стр. 83

إلى يوم عرفة، وتأخير الحصول بعرفات إلى ما بعد زوال الشمس يوم عرفة. فأصبحنا يوم الثلاثاء التاسع بعرفات، فتطوفت ضحوة اليوم على ما أمكن من تلك العرصات المباركات، واستصحبت معى كتاب صلة الناسك في صفة المناسك للإمام المحدث الأوحد الفقيه الشافعي أبي عمرو بن الصلاح ﵀، فكنت أستعرف به المواضع التي يصفها بموافقة الصفة وانطباقها على ذلك الموصوف، كالصخرات الكبار المفترشة في طرف الجبيلات الصغار التي كأنها الروابي الصغار، وهذه الصخرات هي التي وقف عندها ﷺ ، وكالنابت منها، وهي كلها خلف مصلى الإمام وموقف رسول الله ﷺ منها بإزاء النابت معلوم، متداول النقل، يقف عنده أهل العلم، فوقفنا به والحمد لله. وهي أعني هذه الصخرات عند الجبل الذي يعتني الناس بصعوده ويسمونه جبل عرفة، وإنما عرفة بسيط تحيط به جبال، وهذا الجبل يسمى جبل الرحمة، وجبل الدعاء، واسمه في لسان العرب، إلال على وزن فعال بكسر الهمزة.

стр. 84

وذكره صاحب الصحاح في اللغة بفتح الهمزة منه، وهو خلاف المحفوظ، وبالكسر ضبطه أبو علي، في البارع وقال: هو جبل بعرفات، وكذلك حكاه بالكسر صاحب المجمل، وصاحب المحكم، وأبو عبيد، وغيرهم من أئمة هذا الشأن. قال أبو عبيد: الإل بكسر أوله على وزن فعال كأنه جمع أله جبل صغير من رمل على يمين الإمام بعرفة، قَالَ النابغة الذبياني: بمصطحبات من لصاف وشبرة ... يزرن إلالا سيرهن تدافع وقال طفيل: يزرن إلالا، لا ينحبن غيره ... بكل ملب أشعث الرأس محرم

стр. 85

كذا وقع ينحبن مجود الضبط على إصلاح في نسخة عتيقة تولى عنايتها أبو عبد الله ابن أبي الخصال، والضبط بخطه وأراه وهما، وأن الصواب يحنبن بتقديم الحاء. والتحنيب الانحناء والاعوجاج، وهو بمعنى يجنبن بالجيم ومصدره التجنيب وهو الانحناء والتوثير في رجل الفرس وهو مستحب، وأما التنحيب فلا أعرف له معنى يتجه هنا، وإن كان النحب في اللغة يطلق على السير السريع، ونحب القوم تنحيبا إذا جدوا في عملهم فالتنحيب السير القاصد الدأب، وفي البيت: وجد سير القوم إلى أن اقتربوا من الماء، وكأن هذا لا يتجه في البيت إلا بحذف أو تضمين، فافهم. وفي البارع: الإل جبل رمل بعرفات والضبط بخطه، هكذا ذكره بلفظ المفرد على وزن فعل، قَالَ: وكتب هشام بن عبد الملك إلى بعض ولده: أما بعد، فإذا ورد كتابي فامض إلى الإل فقم بأمر الناس، فلم يدروا أي ولاية هي حتى جاءه أبو بكر الهذلي فقال له: هي ولاية الموسم، وأنشده بيت النابغة المذكور: بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالا سيرهن تدافع قلت: إنشاده له بيت النابغة يدل على أنه إلال لا الإل، وصورة الخط واحدة.

стр. 86

وهذا الذي قاله أبو عبيد ونقله كله صحيح إلا قوله: إنه جبل رمل فليس كذلك، وإنما هو جبل مرتفع من حجر صلد، وقد نبتت منه أجبل بعضها أكبر من بعض، يسمى بعضها النبعة وبعضها النبيعة بالتصغير جريا على خيالات العرب في تسمياتها كأنهما نبعتا منه، ولم نجد من يعينهما لنا لكن التسمية تشعر بتعيينهما من جملة تلك الأحجار والصخور الكبار التي هناك، كما تعين النابت منها لأنه ضرس قائم، والصخرات التي بإزائه يمكن الصعود عليها، وإن تكلف في بعضها إلى أن يحصل الصعود، فتكون محلا حاملا للراكب والراجل، وبإزائها قطع من أجبل في الرمال، لا يمكن الصعود عليها، منفصل بعضها عن بعض، وأما هذه الصخرات فقريبة الاتصال ببعضها ببعض. وقال الإمام أبو عمرو بن الصلاح ﵀: وجاء في الحديث تسميته جبل المشاة لكون الرجال تقف عليه، وتسمى الأجبل الصغار المذكورة النبعة والنبيعة والنابت. وروى مسلم في صحيحه عن جابر: «أن رسول الله ﷺ ركب إلى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة» . وضبطه غير واحد من المصنفين حبل المشاة بالحاء وجعله من حبال الرمل وهو ما استطال من الرمل مرتفعا.

стр. 87

وما ذكرناه من كونه جبل إلال هو الصحيح، وبه شهدت المشاهدة، وهو الذي ذكره بعض من صنف في الأماكن المتعلقة بالحجيج. وروى أبو الوليد الأزرقي، في كتاب مكة بإسناده: أن موقف النبي ﷺ كان بين الأجبل النبعة والنبيعة والنابت، وموقفه منها على النابت. قال: والنابت عند النشزة التي خلف موقف الإمام، وموقفه ﷺ على ضرس من الجبل النابت ضرس بين أحجار هنالك نابتة من الجبل الذي يقال له الإل. قلت: الوجه أن يقول وموقفه إلى النابت لا على النابت لأن النابت لا يمكن القرار عليه، وإنما الوقوف على صخرات مفلطحات بِإزائه يكون الضرس النابت منها عن يساره. وقوله في الحديث: «جعل جبل المشاة بين يديه واستقبل القبلة» ، هو في التحقيق أميل إلى يمينه، ولعله التفت ﷺ للناس فصار بين يديه، وإلا ففي العبارة بحسب المشاهدة بعض اتساع وتقريب. وقوله أيضا: فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، في تخيله إشكال، فإن بطن الناقة إن اعتبر به جانبها الأيسر فإنما يجئ إلى الضرس النابت، وإن اعتبر أسفل البطن فيكون عبارة عن كونه صعد على الصخرات، فإن الصعود عليها ممكن بالمشاهدة وإن احتاج إلى انعراج عند الصعود حتى يتم رقيه فيستقر لاتساعها والله أعلم.

стр. 88

ولم أر من نبه على هذا، فلذلك أفدنا بالتنبيه عليه، وأرشدنا بغاية البيان إليه، والله المرشد بمنه. قال الإمام أبو عمرو ﵀: إذا وضح هذا لمن كان راكبا فليخالط بدابته الصخرات المذكورة وليداخلها كما روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فإذا كان راجلا فينبغي له أن يقوم على الصخرات المذكور أو عندها على حسب ما يمكنه من غير إيذاء أحد، ولصاحب الحاوي أبي الحسن البصري، فيما يستحب من الموقف كلام جمع فيه بين ما ذكرناه من رواية مسلم في صحيحه عن جابر ورواية الأزرقي، وقال فيه: يقصد الجبل الذي يقال له جبل الدعاء وهو موقف الأنبياء ﷺ أجمعين. وقال محمد بن جرير الطبري: وكان يستحب الوقوف على الجبل الذي على يمين الإمام، فأثبت بهذا شيئا من الفضيلة للجبل الذي يعني الناس بصعوده. ولا نعلم في فضله خبرا ثابتا ولا غير ثابت، ولو كان له فضل فالفضل الأرجح المخصوص، إنما هو لموقف رسول الله ﷺ الذي ذكرناه، وهو الذي خصه العلماء بالذكر والتفضيل. وقد قَالَ صاحب النهاية، في وسط عرفة جبل يسمى جبل الرحمة، ولا نسك في الرقي فيه، وإن كان يعتاده الناس.

стр. 89

قال الإمام أبو عمرو: قد افتتنت العامة بهذا الجبل في زماننا، وأخطأوا في أشياء من أمره، منها أنهم جعلوا الجبل هو الأصل في الوقوف بعرفات فهم بذكره مشغوفون، وعليه دون باقي بقاعها يحرصون: وذلك خطأ منهم، وإنما أفضلها موقف رسول الله ﷺ الذي سبق بيانه. تنبيه وحسرة: ترك الجمع على سنته في موضعه، وصاروا يصلون بإمام يتم لهم، ولا يحسن السنة أما موقف النبي ﷺ ، ويؤخر الظهر إلى قريب العصر، فينتظره كثير من الجهال، ويصلي أهل العلم فرادى أو مجتمعون في رحالهم ثم يجيئون إلى موقف النبي ﷺ . والذي ظهر من الحكمة الشرعية في مبيت الناس بمنى، وإقامة الصلاة بمسجد إبراهيم، ثم المجيء إلى الموقف أن يصل الناس وتلك الأمكنة المطهرة طاهرة، ولم يبق إلا التشاغل بالذكر والدعاء، وأما الآن فتصبح تلك العرصات المشرفات، وقد ملئت فضلات آدميات وبهيميات، وإن شئت قل في الجميع بهيميات. ولقد جهدنا أن نجد موضعا للصلاة طاهرا فما وجدناه إلا أن يصلي على حائل يوضع على الأرض حتى على الصخرات المباركات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ومما تطوفنا عليه أيضا مسجد إبراهيم إذ كنا قد نزلنا بآخر عرفات من جهة مكة شرفها الله، ثم رحلنا إلى الموقف الذي كانت الصلاة تجمع فيه قبل أن تغير الأمور، ويضعف الآمر بالمعروف ويخاف الناهي عن المنكر، وحائطه القبلي على بطن عرنة، وضبطها بضم العين المهملة وفتح الراء والنون، يقال له أيضا مسجد

стр. 90

عرنة ولم يتمكن لي النزول في المسجد، وإنما صعدت على حائطه الموالي لعرفة إذ هو الآن دون تسقيف، خفية من سلب أثوابي أو أشد من ذلك، فإن السالب هناك محارب، ولولا أني ترصدت وصول الشريف أمير مكة في جيشه المحتفل المدجج، وعند إقباله أقبلت على تلك المعاهد وصعدت الحائط حتى أدركت جميع ساحة المسجد، فإنه يبيت بمنى ويجئ غداة يوم عرفة، وينزل بالأراك في مضارب له في نهاية من الاحتفال يعجز عنها الوصف، تحيط بها دهاليز، وهي التي تسمى عند أهل المغرب بلغتهم أفراك، ولها أسمية بأنواع من. . . . . قد رفعت عليها الألوية وأعمدة بيت أدم في نهاية الارتفاع، وكذلك خيله ورحائله الفرس والفارس، مجللان في السلاح، وعلى الخيل لباس يسمونه الجوشن والرحائل عليها قباب الحرير المختمة بالذهب. قال الإمام أبو عمرو بن الصلاح الفقيه الشافعي ﵀: وذكر الجويني أن هذا المسجد مقدمه في وادي عرنة لا في عرفات، وأواخره في عرفات، فمن وقف في صدر المسجد فليس واقفا، وما كان من المسجد من عرفات يتميز عما ليس منها بصخرات كبار فرشت في ذلك الموضع. قال أبو عمرو ﵀: هذا يخالف إطلاق الشافعي بأن المسجد ليس من عرفات، فلعله زيد بعده فيه من عرفات القدر الذي ذكره الجويني، والله أعلم، وهذا المسجد بينه وبين المكان الذي وقف فيه رسول الله ﷺ قدر ميل والله أعلم. قال محمد وفقه الله: عاينت هذه الصخرات، وهي في وسط المسجد، وهي أقرب إلى حائط قبلته فيما أحزر.

стр. 91

قال الإمام الفقيه المالكي أبو محمد بن شاس: والواجب من الوقوف ما يطلق عليه اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة، سوى بطن عرنة، فإن وقف ببطن عرنة لم يجزه لأنها من الحرم، وإن وقف بالمسجد فوقف مالك وابن عبد الحكم، في إجزائه، وقال أصبغ لا يجزيه، قَالَ محمد بن المواز: ويقال أن حائط المسجد القبلي على حده ولو سقط لسقط في عرنة، قَالَ أبو الحسن اللخمي: وعلى هذا يجزي الوقوف فيه لأنه من الحل، قَالَ: وكذا عند ابن مزين أنه يجزي الوقوف فيه.

стр. 92

وقال ابن الحاجب: ووقف مالك أن لو وقف في المسجد، وفيه لأصحابه قولان، وكره بنيانه وإنما حدث بعد ابني هاشم بعشر سنين، ويقال: إن الحائط القبلي على حد عرنه ". ذكر تحديد عرفة على ما حددها الإمام أبو عمرو النصري عن الأزرقي: قال ﵀: وقد ذكر الأزرقي في كتاب مكة بإسناده عن ابن عباس ﵁ أنه قَالَ: «حد عرفة من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال عرفة إلى وصيق، إلى ملتقى وصيق ووادي عرنة» قال الإمام أبو عمرو: بطن عرنة ووادي عرنة مضافان على عرنة، وقد تقدم ضبطها، ووصيق هو بواو مفتوحة ثم صاد مك ﴿ [غير منقوطة وياء وفي آخره قاف. وقال الشافعي: عرنة ما بين الجبل المشرف إلى بطن عرنة إلى الجبال المقابلة يمينا وشمالا مما يلي حوائط ابن عامر وطريق الحضن. قال أبو عمرو: هو الحضن بالحاء غير المنقوطة والضاد المنقوطة المفتوحتين وبعدهما نون، وهو اسم جبل،

стр. 93

قَالَ صاحب النهاية: وتطيف بمنعرجات عرفة جبال وجوهها المقبلة من عرفة. وقال أبو زيد البلخي: عرفة ما بين وادي عرنة إلى حائط ابن عامر، إلى ما أقبل على الصخرات التي يكون بها موقف الإمام، إلى طريق حضن، قَالَ: وحائط ابن عامر عند عرنة، وبمقربة المسجد الذي يجمع فيه الإمام بني الظهر والعصر، وهو حائط نخيل، وفيه عين، وينسب إلى عبد الله بن عامر بن كرز. قال الإمام أبو عمرو: هو الآن خراب ووادي عرنة المذكور هو في طرف عرفات من جهة منى ومكة يقطعها من يجئ منها إلى عرفات. وذكر بعض من حدد عرفات من أصحابنا أن الحد الواحد منها ينتهي إلى جادة طريق المشرق وما يلي الطريق، والحد الثاني ينتهي إلى حافات الجبل الذي وراء أرض عرفات، والحد الثالث إلى الحوائط التي تلي قرية عرفة، وهذه القرية على يسار مستقبل القبلة إذا صلى بعرفة، والحد الرابع ينتهي إلى وادي عرنة الذي شرحنا حاله، وليس من عرفات وادي عرنة ولا نمرة، وهي في بطن عرنة، ولا المسجد الذي يجمع فيه الإمام الصلاتين، ويقال له مسجد إبراهيم ﷺ ، وليست عرفات من الحرم، وينتهي الحرم من تلك الجهة عند العلمين المنصوبين عند منتهى المأزمين وهما معروفان ظاهران.

стр. 94

وتمادينا في الوقوف بموقف النبي ﷺ وشرف وكرم إلى أن غربت الشمس وتفرق الجمع وأفاض الناس، وجاء أمير مكة الشريف أبو نمى محمد بن أبي سعد الحسنى في جيشه، ووقف ما بين موقف النبي ﷺ ومصلى الإمام، وفي ذلك الوقت أفضنا وتركناه. وكان مما أجرى الله على لساني في تلك العيشة المباركة: اللهم أنا قد تذللنا إليك ثقة بعفوك، وتدللنا عليك ثقة بكرمك. وكنت في تلك الليلة قد قدمت ثقلي مع الراحلة وبقيت مخفا فلما كان عند آخر عرفة ونحن نريد سلوك طريق المأزمين إذ هي الجادة إلى مزدلفة، ومحل الأمن، وهو بين العلمين اللذين في حد الحرم من تلك الجهة، والمأزم بكسر الزاي، ومعناه المضيق بين الجبلين، وكان معي ثلاثة نفر من صحبي، لقينا الشيخ الفقيه العالم الزاهد الورع أبا على عمر بن الصواف نزيل الإسكندرية نفع الله به مع رفيق له، وكان ذلك الرفيق شديد الدربة حسن المعرفة بالطريق، وبتلك الأماكن الشريفة، فصحبناهما للاقتداء بهما، وكان الشيخ الفقيه أبو علي يقول لنا: اسلكوا الطريق الوسط يعني التي هي طريق النبي ﷺ إلا أن تغلبوا عليها، فكنا نسلك نعم الطريق، فإذا غلبنا عليه بشدة الزحام تعلقنا بالجوانب إلى أن بلغنا مزدلفة بعد مغيب الشفق، فقلت للشيخ أبي علي عندما شارفنا مزدلفة: إني لست على وضوء وليس لي ماء، فأشار إلى إتباع الحكم الشرعي: إن وجد الماء وإلا فالصعيد، وكنت شديد الظمأ، لأني كنت قد فارقت رحلي مع حركة المشي. فلما وافينا المزدلفة أخرج من عند رفيقه زميزمية صغيرة جدا، من التي يصنع في اليمن، تخفى تحت إبط الحامل بحيث يواريها إبطه فأفرغ لي منها فشربت، ثم

стр. 95

آثرت صحبي، فلم استنطف ما في الإناء، وتركت لصاحبي الوزير أبي عبد الله ما قدرت أنه لا يرويه، فشرب ثم ناول أصحابنا فشربوا بجملتهم، وليس منا من ترك الإناء إلا وهو يرى أن ما أفضل لا يروي صاحبه، ثم أفرغ لنا وتوضأنا، وكثر الله ذلك القليل فكفانا، وما عاينت بركة ولا كرامة ظاهرة لأحد من شيوخنا في سفر إلا تلك، وصلى بنا جمعا على سنة الجمع، وفي الصبح أيضا مثل ذلك فلم نحتج إلى تيمم، وبتنا خير مبيت في أنعم بال وأفضل حال، وقدم لنا يسير كسر مع نتفه من إدام كان فيه يسير خيار، فحصل لنا الري والشبع والصلاة بطهارة الماء ومماشاة ذلك الفاضل والاقتداء به في القفول من عرفة إلى منى، كما حصلت مماشاة الفاضل أبي محمد المرجاني في التوجه من منى إلى عرفة شرفهما الله، نحمد الله على جميل عوائده، وجزيل فوائده، فهو أهل الحمد والشكر. فلما صلينا الصبح أتينا المشعر الحرام فوقفنا به حتى أسفر جدا، ثم دفعنا إلى منى، وعندما وافينا بطن محسر، وهو واد بين مزدلفة ومنى، أمرنا بالإسراع عنده وهو قدر رمية بحجر وضبطه بكسر السين وتشديدها، أسرعنا، كذلك حتى قطعنا عرض الوادي، ومن كان راكبا فحكمه أن يحرك دابته. قال الإمام أبو عمرو ﵀: وأول مُحسّر من القرن المشرف من الجبل الذي على يسار الذاهب إلى منى، ثم يخرج منه سائرا إلى منى، سالكا للطريق الوسطى التي تخرج إلى العقبة، وليس وادي محسر من المزدلفة ولا من منى، وهو مسيل ماء بينهما، وقيل سمى محسرا لان فيل أصحاب الفيل حسر في ذلك الوادي أي أعيا، يقال: حسر البعير بكسر السين إذا أعيا فكأن ذلك الموضع حسر الفيل، أي جعله

стр. 96

يعيا، والله أعلم، وأهل مكة يسمونه وادي النار يقال إن رجلا اصطاد فيه فنزلت نار فأحرقته، والله أعلم رجع القول بنا إلى حد المزدلفة: وحدها فيما قاله الإمام أبو عمرو النصري ﵀: من مأزمي عرفة المذكورين إلى قرن محسر يمينا، وشمالا من تلك المواطن القوابل والظواهر والشعاب والحبال كلها، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المزدلفة. قلت: مزدلفة تسمى أيضا جمعا، وقد قلت في ذلك ملغزا: وما اسم أرض فريد ... وإن تشأ فهو جمع وفيه للفعل وقف ... وفيه للحرف دفع وفيه للجمع صرف ... وفيه للصرف منع وبها قزج، وهو بقاف مضمومة بعدها زاي منقوطة، وهو آخر المزدلفة وهو جبيل صغير، قَالَ الإمام أبو عمرو ﵀: والمعروف عندنا في أمهات الكتب الفقهيه الحرام، وفي كثير من كتب تفسير القرآن والحديث أن المشعر الحرام هو المزدلفة بجملتها، وفي الآثار ما يشهد لكل واحد من القولين.

стр. 97

قال الإمام أبو عمرو: ويرقى على قزح إن أمكنه وإلا وقف عنده وتحته. قال: وقد استبدل الناس بالوقوف على الموضع الذي ذكرناه الوقوف على بناء مستحدث، في وسط المزدلفة، ولا تتأدى بذلك هذه السنة، والله المستعان. ذكر ما كتبناه واستفدناه في ذكر المشعر الحرام، زيادة على ما ذكر. قال الزمخشري: المشعر الحرام قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة " ووجدت حاشية على الموضع، أظنها عن الزمخشري: كان أهل الجاهلية يوقدون فيه النار، والان توقد فيه الشموع. قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة، من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام، والصحيح أنه الجبل

стр. 98

لما روى جابر، " أن النبي ﷺ لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة، بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفا حتى أسفر. وقوله تعالى:] عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٩٨] معناه مما يلي المشعر الحرام قريبا منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر، والمشعر المعلم، لأنه معلم العبادة، ووصف بالحرام لحرمته، وعن ابن عباس ﵁ أنه نظر إلى الناس ليلة جمع، فقال: «لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون» . وهناك التقطنا حصى الجمار للرمي بمنى، والمالكية تلتقط، والشافعية تكسر ولم نزل نلبي إلى رمي جمرة العقبة كما صح عنه ﷺ ، وتسمى الجمرة الكبرى وهي تحية منى لا يبدأ بغيرها. ولما رمينا جمرة العقبة اجتمعنا هناك بأصحابنا ورحالنا، وضربنا خيمنا وذبحنا نسكنا، وحلقنا وألقينا تفثنا، وفي ذلك قلت بعد من قصيد: وفي حمى عرفات أهل عرفاتي ... وعند جمع تلاقى جمع إخواني أكرم بهم معشرا كالزهر قد طلعوا ... في مشعر، أشعروا فيه بغفران وفي منى نجل أبكار المنى سفرت ... تختال من كثب ما بين كثبان وحين ملنا لخيمات لنا نظمت ... عقدا تألف من در ومرجان قيد البصائر والأبصار بهجتها ... تعز وصفا على قس وسحبان تخال ألوانها زهرا تفتح في ... روض فما شئت من أصناف ألوان

стр. 99

ورد أقاح بهار نوفر شقر ... بنفسج نرجس مفتر سوسان بتنا ونحن من الأفراح في شأن ... ولا رقيب ولا واش ولا شأني حتى قضينا بها ما سن من قرب ... رميا وحلقا وتقريبا لقربان ومنى حدها فيما قاله الإمام أبو عمرو ﵀: " ما بين محسر إلى العقبة التي ترمي إليها جمرة العقبة، ومنى شعب طوله نحو ميلين وعرضه يسير، والجبال المحيطة به ما أقبل منها عليه فهو من منى، وما أدبر منها فليس من منى. ومسجد الخيف في أقل من الوسط مما يلي مكة، وجمرة العقبة في آخر منى مما يلي مكة، وليست العقبة التي تنسب إليها الجمرة من منى، وهي العقبة التي بايع رسول الله ﷺ عندها الأنصار قبل الهجرة والمرمى مرتفع قليلًا في سفح الجبل. ثم توجهنا إلى مكة شرفها الله تعالى لأداء طواف الإفاضة، فقضيناه والحمد لله على نعمه التي لا تحصى، حمدا يفوت عد القطر والرمل والحصى. ذكر فائدة عنت في الطواف وطالما أتعبت وعنت: حال الكعبة وبناؤها في الجاهلية، وحضور النبي ﷺ ذلك وحمله معهم الحجارة، ووضعه الركن بيده الكريمة، وعجزهم عن النفقة، فلم يتموا البيت على قواعد إبراهيم، وترك النبي ﷺ ذلك لحدثان أهل الإسلام من قومه بحالة الكفر، وأنه لم يستلم إلا الركنين اليمانيين الذي فيه الحجر والذي يليه، وإكمال عبد الله بن الزبير ذلك، وهدمه الكعبة حتى بلغ بها الأرض

стр. 100

وإتمامها على قواعد إبراهيم، وإدخال الحجر في البيت، بعد أن عاين الناس أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإبل، وإلصاقه الباب الشرقي بالأرض، وفتحه بابا غربها، زمن خلافته لما سمع في ذلك من خالته عائشة ﵄، وذلك سنة خمس وستين، وتغيير عبد الملك لما فعله ابن الزبير، ثم ندمه على ذلك لما بلغه الحديث، كل ذلك معلوم مقطوع به. ثم نشأت مسألة الله أعلم بوقت نشء الكلام فيها، وهو ما أحاط بالبيت ملتصقا به أسفل الجدار ما بين الركنين اليمانيين وهو الذي يسمى بالشاذروان وكان بسيطا ثم زهق في هذا العهد الأخير حتى صار كأنه مثلث احتياطا فيما زعموا على الطائفين أن لا يفسدوا طوافهم بكونهم إذا طافوا ماشين عليه حيث كان بسيطا يكون طوافهم في جزء من البيت، وكان منتهاه إلى قريب الركن، ولم تكن تحت الحجر الأسود، من هذه الزيادة الظاهرة شيء، ثم زيدت بمقدار سائره في المدة الأخيرة. وهذا الاسم أعني الشاذروان لفظة عجمية، وهي بلسان الفرس: زارهو الذهب بلغة الفرس، بكسر الذال اسم للزربية وجمعها زرابي، وهي فرش ملونة

стр. 101

بصفرة وحمرة وخضرة، ولا شك أنها استعيرت لهذا المفترش البنياني الضيق القصير الارتفاع الذي أحاط بالبيت من هذه الجهة، وهي استعارة بعيدة، ومن يقول الزربية هي الوسادة تكون الاستعارة أقرب، كأنها وسائد وسدت إلى البيت، والله أعلم. ولا توجد هذه التسمية ولا ذكر مسماها في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت، ولا لها ذكر عند الفقهاء المالكيين المتقدمين والمتأخرين إلا ما وقع عند أبي محمد ابن شاس الإمام في جواهره. وتبعه على ذلك الإمام أبو عمرو ابن الحاجب رحمهما الله، وذلك لا شك مما نقلاه من كتب الشافعية، إذ لا تعرفه المالكية ولا يعرفه أهل النقل والأثر، إلا ما وقع في كتب الشافعية، وأقدما من ذكر ذلك فيما وقفت عليه المزني، حسبما نقله صاحب الشامل وفسره. وأنا أورد ما حضر من ذلك، للهج المتأخرين بذكره، وإفساد طواف من

стр. 102

طاف عليه ماشيا أو رافعا إحدى رجليه، وهي اليسرى، معتمدا على جدار البيت لئلا يفوته تقبيل الركن عند الازدحام، فنقول والله المرشد: قَالَ الإمام أبو عمرو ابن الصلاح ﵀: الواجب السادس أن يكون في طوافه خارجا بجميع بدنه عن جميع البيت، ولو طاف داخل البيت لم يصح، ولو طاف على شاذوران البيت أو في الحجر، فلا يصح أيضا لأنه طائف في البيت، وذلك أن الشاذوران والحجر كلاهما من البيت. أما الشاذوران فهو القدر الذي ترك في عرض الأساس خارجا عن عرض الجدار خاليا من البناء، فإن قريشا لما رفعوا الأساس بمقدار ثلاث أصابع من وجه الأرض نقصوا عرض الجدار عن عرض الأساس الأول، فبقي ذلك القدر من عرض أصل الجدار جزءا من البيت العتيق المأمور بطوافه خارجا عن الجدار المرتفع، وهو ظاهر لكن لا يظهر عند الحجر الاسود، وقد أحدث عنده في زماننا شاذوران، والشاذوران يصعده الجاهل فيمشي بطوافه عليه، فيبطل طوافه لأنه يكون طائفا في البيت، ولو مر خارج الشاذوران وهو يمس الشاذوران بيده فالأصح الذي عليه الأكثرون من أئمتنا أنه لا يصح طوافه، لأن يده إذا كانت في هذا الشاذوران فهي في البيت، والشرط أن يكون جميع بدنه منفصلًا عن البيت وعند هذا ينبغي أن يتفطن لدقيقة ذكرها بعض المتأخرين من أيمتنا وهي أن من قبل الحجر الأسود فرأسه في حالة التقبيل في البيت فعليه أن يقر قدميه في موضعيهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائما فإنه لو زالت قدماه عن موضعيهما قليلا ولو بقدر شبر، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل قائما عليهما في الموضع الذي زالا إليه، ومضى من هناك في طوافه لكان قد قطع قدر شبر من مطافه مع كون بعض جسده في هواء الشاذوران الذي هو من البيت فيبطل طوافه كما سبق. وأما الحجر فهو خارج عن جدار البيت في صوب الشام والمغرب، والميزاب فيه فوقه، وهذا الحجر محوط مدور على صورة نصف دائرة، والحجر أو بعضه من البيت، أخرجته قريش من البيت حين بنوه، لكون النفقة من الحلال قصرت

стр. 103

بهم، فينبغي للطائف أن يطوف حول الحجر وراءه ولا يدخل إليه في طوافه وذكر صاحب نهاية المطلب ووالده، أنه لو دخله وبعد عن البيت بمقدار ستة أذرع وطاف وراءها واستظهر أجزأه، وإن كان مكروها، كذا وقع مكروها، والذي قاله والده أنه مستنكر عند الناس غاية الاستنكار، والحجة لهذا ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أن ستة أذرع من الحجر من البيت» وذكر صاحب التهذيب فيه: أنه إذا طاف فيه وراء سبعة أذرع جاز، والحجة لهذا أنه جاء في بعض روايات مسلم للحديث: «أن من الحجر قريبا من سبع أذرع من البيت» ، وهذا يوجب استيفاء السبع لإسقاط الفرض بيقين، والصحيح والمعتمد، يعني في الطواف، أنه يجب الطواف بجميع الحجر ولا يجوز دخوله بل حوله خارجا منه لأن النبي ﷺ هكذا فعل في طوافه. وأما حديث عائشة ﵂ ففي رواية منه ثابتة في الصحيحين: أن الحجر من البيت، وقد اضطربت الرواية عنها فروي ستة أذرع، وروي ستة أذرع أو نحوها، وروي خمسة أذرع، وروي قريبا من سبعة أذرع، وروي أن الحجر من البيت، وإذا اضطربت الروايات تعين الأخذ بأكثرها ليسقط الفرض بيقين، وهذا

стр. 104

المذهب، فهو الذي نص عليه الشافعي ﵁. وقال أيضا في كيفية الطواف على التمام: إذا دخل المسجد فليؤم الحجر الأسود، وهو في الركن الذي يلي باب البيت في صوب المشرق ويسمى الركن الأسود ويقال له وللركن اليماني الركنان واليمانيان، وارتفاع الحجر الأسود من الأرض ثلاث أذرع إلا سبع أصابع، والمستحب أن يستقبل الحجر الأسود بوجهه، ويدنو منه بشرط ألا يؤذي أحدا بالمزاحمة فيستلمه بيديه، وقد قيل يستمله بإحدى يديه أو بكلتيهما ثم يقبله من غير صوت يظهر في القبلة، ويسجد عليه يكرر التقبيل والسجود عليه ثلاثا. ثم قَالَ: " والاستلام مأخوذ من السلام بكسر السين وهي الحجارة، زاد غيره يعني إذا مس الحجر قيل استلم أي مس السلام بيده، وقيل من السلام بفتح السين وهو التحية. زاد غيره، أي انه يحيى نفسه عن الحجر، إذا ليس الحجر ممن يحييه يقال اختدم إذا لم يكن له خادم. قال الإمام أبو عمرو: وكيفية ابتداء الطواف إلى انتهائه أنه يحاذي جميع الحجر بجميع بدنه فلا يصح طوافه حتى يمر بجميع بدنه على جميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيت، ويقف إلى جانب الحجر لا من حيث الباب بل من الجانب الآخر إلى صوب الركن اليماني، حيث يصير كل الحجر عن يمين نفسه ومنكبه الأيمن عند طرف الحجر الأيمن، ثم ينوي الطواف لله ، ثم يمشي وهو مستقبل الحجر مارا إلى صوب يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوز الحجر

стр. 105

انفتل وجعل يساره إلى البيت، ويمينه إلى خارج، وإن فعل هذا من الأول وترك الاستقبال في مروره على الحجر جاز ذلك، ويمشي هكذا تلقاء وجهه، طائفا حول البيت أجمع، فيمر على الملتزم إلى الباب ثم إلى الركن الذي يسمى العراقي، وهو الثاني بعد الأسود، ثم يمر على الحجر وهو بكسر الحاء وسكون الجيم وهو في صوب الشام والمغرب، فيمشي حوله إلى أن ينتهي إلى الركن الثالث الذي يسمى الركن الشامي، ويقال له وللركن الثاني الذي قبله الركنان الشاميان، وربما قيل الركنان الغربيان، ثم يدور خلف الكعبة سائرا إلى أن ينتهي إلى الركن الرابع المسمى بالركن اليماني، ثم يسير منه إلى الحجر الأسود حتى يعود إلى الموضع الذي بدأ منه فيكمل له حينئذ طوفة واحدة، ثم يطوف كذلك حتى يكمل سبع طوفات. وكره الشافعي أن يسمى الطواف شوطا ودورا، ورواه عن مجاهد ﵄ " ثم ذكر حكم الترتيب، قَالَ: وهو في أمرين: أحدهما أن يبتدئ بالحجر الأسود ويمر بجميع بدنه على جميع الحجر على الصفة التي شرحناها أولا، فلو ابتدأ بغير الحجر الأسود أو لم يمر بجميع بدنه لم يحسب له ذلك إلى أن ينتهي إلى محاذاة الحجر الأسود فيجعل ذلك أول طوافه ويلغي ما قبله ويحتاج إلى زيادة طوفة ثامنة حتى يصح سبع، فافهم ذلك، فإنه يدخل من جهته الفساد على حج كثير من الناس. الأمر الثاني: أن يجعل في طوافه البيت على يساره كما سبق بيانه، فلو طاف والبيت على يمينه فهذا طواف باطل منكس، ولو استقبل البيت بوجهه وطاف به فالأصح أنه لا يصح أيضا، وليس شيء من الطواف يجوز باستقبال البيت إلا ما ذكرناه أولا من أنه يمر في ابتداء الطواف على الحجر الأسود مستقبلًا له، فيقع

стр. 106

الاستقبال قبالة الحجر لا غير، وذلك في الطوفة الأولى، خاصة دون ما بعدها. وهذا الاستقبال ذكره القاضي أبو الطيب والشيخ أبو حامد الاسفرايني في طائفة من الأيمة العراقيين، وهو مستحب، فلو أنه تركه ومر بالحجر ويساره إليه وسوى بين الطوقة الأولى وباقي الطوفات في ذلك، بان ذلك لم يذكر صاحب النهاية في طائفة من الخراسانيين إلا هذا، ولم يذكروا هذا الاستقبال أيضا وهو غير الاستقبال المستحب عن لقاء الحجر قبل ابتداء الطواف، فذلك مستحب لا كلام فيه. انتهى ما أردنا إيراده من كلام الإمام أبي عمرو، وإن أطلنا في تتبع أمكنته وجمع مفترقه فطلبا للإفادة بما يعز وجوده ويعجز عن مثل هذا البيان بيانه، والله المرشد، وقال الإمام أبو نصر عبد السيد بن الصباغ، البغدادي الشافعي رحمة الله في شامله: يبتدئ بالطواف من الركن الذي فيه الحجر لما روي في حديث جابر: «أن النبي ﷺ بدأ بالحجر فاستلمه وفاضت عيناه من البكاء» .

стр. 107

وروى نحو ذلك ابن عمر، ثم قَالَ: " يستحب له أن يستقبل الحجر محاذيا له بجميع بدنه، وهل الواجب عليه أن يحاذيه بجميع بدنه أو يحاذيه ببعض بدنه قولان، قَالَ في القديم: يحزيه أن يحازيه ببعض بدنه لأنه حكم يتعلق بالبدن فأجزأ فيه بعضه كالحد، وقال في الجديد: لا يجزيه لأن ابن عمر روى «أن النبي ﷺ لما دخل المسجد استقبل الحجر واستلمه» وظاهر هذا استقباله بجميع بدنه، ولأن ما لزم استقباله لزمه بجميع بدنه كالقبلة، فأما إن استقبل بجميع بدنه بعض الحجر، إن تصور ذلك فإنه يجزيه، كما إذا استقبل بجميع بدنه بعض البيت في الصلاة، ثم قَالَ: " إذا ثبت هذا فإنه يأتي من عن يمين الحجر، ثم يجتاز بجميع بدنه على يمين نفسه ويحاذي يساره يمين الحجر، ويطوف سبعا، فإذا انتهى في السابعة إلى الموضع الذي منه بدأ أجزأه، فأما إن حاذي ببعض بدنه جميع الحجر أو بعضه فإن قلنا يجزيه كان على ما ذكرناه، وإن قلنا لا يجزيه لم يعتد بالطوفة الأولى لأنه ابتدأ من حيث لا يجوز له، فإذا أتم سبعا دونها أجزأه. وإذ قد فرغنا من هذا الفصل مجودا فلنرجع إلى ذكر الشاذروان، وننقل ما قلنا من أن ابن الصباغ ذكره، فنقول قَالَ: ﵀ في الشامل. مسألة: قَالَ يعني المزني: وإن طاف فسلك الحجر أو على جدار الحجر أو على شاذروان الكعبة لم يعتد به في الطواف، وحجة ذلك أنه إذا سلك الحجر فإنه

стр. 108

لا يحتسب له بطوافه فيه ويعيده لأن الحجر من البيت ولم يطف به، وكذلك إذا طاف على شاذروان الكعبة لأنه لم يطف بجميعهما لان الشاذروان منها وعند أبي حنيفة يجزيه ما بعد الحجر لأنه لا يعتبر فيه الترتيب. هذا أقدم ذكر نعرفه للشافعية في الشاذروان. وقال أبو محمد ابن شاس في الجواهر، ولا شك أنه تبع كتب الشافعية، إذ ليس له ذكر في كتب المالكية القدماء، ولا في الحديث ولا في الآثار في علمي: إن واجبات الطواف ستة، فذكر الأول ثم قَالَ: الثاني: الترتيب وهو أن يجعل البيت على يساره ويبتدئ بالحجر الأسود، ولو جعله على يمينه لم يصح، ولزمته الإعادة، وقيل إذا رجع إلى بلده لم تلزمه إعادة ولو بدأ بغير الحجر لم يعتد بذلك الشوط إلى أن ينتهي إلى الحجر، فمنه يبتدي الاحتساب. الثالث: أن يكون بجميع بدنه خارجا عن البيت فلا يمشي على شاذروانه ولا في داخل محوط الحجر فإن بعضه من البيت.

стр. 109

وقال الإمام أبو عمرو بن الحاجب في واجبات الطواف أيضًا: الثالث: أن يطوف خارجه لا في محوط الحجر ولا شاذروانه، داخل المسجد لا من ورائه ولا من وراء زمزم وشبهه على الأشهر إلا من زحام. ووقع له ذكر مقتطف في كتاب الصريح من شرح الصحيح للقاضي أبي بكر ابن العربي ﵀، وهو أقدم من ابن شاس من غير تعرض لبيان حكم، قَالَ ﵀: شاهدتها يعني الكعبة سنة تسع وثمانين يعني وأربع مائة، وهي مكشوفة لم تستر في ذلك العام لأمر بيناه في كتاب ترتيب الرحلة، فتأملتها مرارا وقست خارجها والحجر والشاذوران كذا ضبط عنه، والمعروف في لغة الفرس الكسر في الذال، واعتبرت الملتزم وهو ما بين الركن والباب، ثم ذكر ذرعها ولم يزد، وأبدع تصويرها. فلنرجع إلى الكلام معهم في المسألة، فنقول: انعقد إجماع أهل العلم قبل نشء هذا المذهب وطرو هذا الاسم الفارسي على أن البيت متمم على قواعد إبراهيم من جهة الركنين اليمانيين، ولذلك استلمهما النبي ﷺ دون الآخرين، وأن ابن الزبير لما نقضه وبناه إنما زاد فيه من جهة الحجر، وأقامه على الأسس الظاهرة التي عاينها العدول الخيار من الصحابة وكبراء التابعين ﵃ أجمعين، وما كان يمنع ابن الزبير من إقامة الجدار اليماني على آخر الشاذروان وهو خليفة. وكذلك وقع الاتفاق على أن الحجاج لما نقض البيت بأمر أميره عبد الملك لم ينقض إلا جهة الحجر خاصة، وأعاد فرش سطح داخل الكعبة إلى ما كان من الارتفاع، وغلق الباب الغربي، إذ كان ابن الزبير ﵄، قد ألصق سطح

стр. 110

البيت بالأرض وفتح له بابا غربيا، وترك الحجاج أيضا ما زاده ابن الزبير في ارتفاع البيت على حاله، ولا ذكر في شيء من هذا العمل كله للشاذروان. وقد ذكر أبو نصر ابن الصباغ في استلام الركنين الأسود واليماني، وها اليمانيان، وأن أبا حنيفة قَالَ في اليماني: لا يستلم، قَالَ: واحتج أبو حنيفة بأنه لا يقبله فلا يستلمه كالركنين الآخرين ودليلنا ما روى ابن عمر «أن النبي ﷺ كان يستلم الركن اليماني والأسود في كل طوفة، ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر» وروى عنه أنه قَالَ: «ما أراه لم يستلم الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتم على قواعد إبراهيم، وأما قياسهم على الركنين الآخرين قلنا لم يبن على قواعد إبراهيم» ، وهذا الركن بني على قواعد إبراهيم فافترقا. فقد أقر أبو نصر في نصرة مذهبة في التفرقة بين اليمانيين وغيرهما: أن اليمانيين على قواعد إبراهيم فأي وجود للشاذروان، ولو كان الشاذروان من البيت لكان الركن الأسود داخلًا في البيت، فلم يكن متمما على قواعد إبراهيم، ويعضد هذا أنه لم يكن هناك تحت الركن الأسود هذا الشاذروان، وإنما أحدث بعد صونا للجدار وتقوية له، والله أعلم، وأمر الشاذروان شيء ظاهر البطلان، والله أعلم. وقال الإمام الشافعي أبو زكرياء النواوي، ﵀: الركن الأسود فيه فضيلتان: احداهما كونه على قواعد بناء إبراهيم ﷺ والثانية: كونه الحجر الاسود. وأما اليماني ففيه واحدة وهى كونه على قواعد إبراهيم ﷺ وأما الركنان الآخران فليس فيهما شيء من هاتين الفضيلتين، فلهذا خص الحجر،
следующие страницы →