← Книги сунны

Книги сунны · id 1254

سنن سعيد بن منصور - بداية التفسير - ت الحميد

سعيد بن منصور

Полный текст (2 340 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المقدمة الحمد لله الذي خَلَقَ السمواتِ والأرضَ وجَعَلَ الظلماتِ والنُّورَ ثم الذين كفروا بربهم يَعْدِلُون. والحمد لله الذي لا يُؤَدَّى شُكْرُ نِعْمةٍ من نِعَمِهِ إلا بِنِعْمةٍ منه تُوجِبُ على مُؤَدِّي مَاضِي نِعَمِهِ بِأَدَائِها نعمةً حَادِثَةً يَجِبُ عليه شُكْرُه بها. ولا يَبْلُغُ الواصفون كُنْهَ عَظَمَتِه الذي هو كما وَصَفَ نَفْسَهُ، وفوق ما يَصِفُهُ به خَلْقُه. أحمده حمداً كما يَنبغي لكرمِ وَجْهِهِ وعِزِّ جَلاله. وأستعينه استعانةَ من لا حَوْل له ولا قُوَّة إلا به. وأستَهْديه بِهُدَاهُ الذي لا يَضِلُّ من أَنْعَمَ به عليه. واستغفره لما أَزْلَفْتُ وأَخَّرْتُ استغفار من يُقِرُّ بعبوديَّته، ويعلم أنه لا يَغْفِرُ ذنبه ولا يُنَجِّيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، المُصْطَفى لوَحْيه، المنْتَخَبُ لرسالته، المفضَّلُ على جميع خلقه بِفَتْحِ رحمتهِ، وخَتْمِ نبوَّته، وأعمُّ ما أُرسل به مُرْسَل قَبْلَه، المرفوعُ ذكرُهُ مع ذكره في الأُولى، والشَّافع المشفَّع في الأُخرى، أفضلُ خَلْقِه نفساً، وأجمعهم لكلِّ خُلُق رَضِيَهُ في دين ودُنيا، وخيرهم نسباً وداراً. صلَّى الله على نبينا كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَلَ عن ذكره الغافلون، وصلَّى عليه في الأولين والآخِرين، أفضلَ وأكثرَ وأزكَى ما صلَّى على أحد من خلقه، وجزاه الله عنّا أفضلَ ما جَزَى مُرْسلاً عَنْ مَنْ أُرْسِلَ إليه، فإنه أنقذَنا به من الهَلَكَةِ، وجعلنا في خير أمة أُخرجت

стр. 2

للناس، دَائِنينَ بدينه الذي ارْتَضَى واصْطَفَى به ملائكتَه ومَنْ أنْعَمَ عليه من خلقه، فلم تُمْسِ بنا نعمة ظَهَرَتْ ولا بَطَنَتْ نِلْنَا بها حظّاً في دينٍ ودُنْيَا، أو دُفِع بها عنّا مكروه فيهما وفي واحد منهما، إلا ومحمد ﷺ سَبَبُها، القَائِدُ إلى خيرها، والهادي إلى رُشدها، فصلى الله على محمد وعلى آل محمد كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنه حميد مجيد (١). وكما أنه ﷺ بلَّغ رسالة ربه أتمَّ بلاغ وأكْمَلَه إمتثالاً لأمر ربه له بذلك في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (٢)، فإنه ﷺ حرص على استمرار هذا البلاغ في أمته، فقال: ((بلِّغوا عني ولو آية، وحَدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج، ومن كذب علي متعمِّداً فَلْيَتَبَّوأْ مقعده من النار)) (٣). ودعى ﷺ لسامع السنة ومبلِّغها بالنَّضَارَةِ- وهي النِّعمةُ والبَهْجَةُ (٤) -، فقال ﷺ : ((نَضَّر الله امرءاً سمع مِنَّا حديثاً، فحفظه حتى يبلِّغَه غيرَه، فرُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه))، وفي لفظ: ((نَضَّر الله امرءاً سمع منا شيئاً، فبلَّغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغ أَوْعَى من سامع)) (٥). _________ (١) من مقدمة الإمام الشافعي لكتاب الرسالة (ص ٧ - ١٧) بتصرُّف. (٢) الآية (٦٧) من سورة المائدة. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه (٦/ ٤٩٦ رقم ٣٤٦١) في أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل. والترمذي في جامعه (٧/ ٤٣١ - ٤٣٢ رقم ٢٨٠٦) في العلم، باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل، ثم قال الترمذي: (هذا حديث حسن صحيح). (٤) كما فسره الخطابي في معالم السنن (٥/ ٢٥٣)، وابن الأثير في جامع الأصول (٨/ ١٨). (٥) هو حديث متواتر صنَّف فيه الشيخ عبد المحسن العبّاد- أثابه الله- مصنّفاً بعنوان: (دراسة حديث، ((نضّر الله امرءاً سمع مقالتي)) رواية ودراية)، وجمع فيه طرق هذا الحديث، فبلغت أربعة وعشرين طريقاً عن أربعة وعشرين صحابياً، ولحديث بعض =

стр. 3

ومن هذا المنطلق حرص سلف الأمة على هذا الفضل العظيم، فتفرَّق الصحابة ﵃ في الأمصار يبلِّغون ما سمعوه، وينشرون العلم بين الناس، ((وكان الخلفاء يُمِدُّون البلاد الجديدة بالعلماء، وقد استوطن كثير من الصحابة رضوان الله عليهم تلك الأمصار، يرشدون أهلها، ويعلِّمون أبناءها، وقد دخل الناس في دين الله أفواجاً، والْتَفُّوا حول أصحاب الرسول ﷺ ، ينهلون من الينابيع التي أخذت عن الرسول الكريم ﵊، وتخرَّج في حلقاتهم التابعون الذين حملوا لواء العلم بعدهم، وحفظوا السنَّة الشريفة. وهكذا أصبحت في الأقاليم والأمصار الإسلامية مراكز علمية عظيمة، تُشِعُّ منها أنوار الإسلام وعلومه، إلى جانب مراكز الإشعاع الأولى التي أمدَّت هذه الأقطار بالأساتذة الأُوَل)) (١). فمدينة الرسول ﷺ هي موطن الخلافة الأولى، وكان فيها من الصحابة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري وزيد بن ثابت وغيرهم ﵃، فنشروا علماً غزيراً. وفي مدرسة المدينة النبوية هذه تخرَّج خلق من _________ = الصحابة طرق عنه، وهو باللفظ الأول هنا من حديث زيد بن ثابت ﵁ عند أبي داود في سننه (٤/ ٦٨ - ٦٩ رقم ٣٦٦٠) في العلم، باب فضل نشر العلم، والترمذي في جامعه (٧/ ٤١٥ - ٤١٧ رقم ٢٧٩٤) في العلم، باب في الحث على تبليغ السماع، والنسائي في سننه الكبرى (٣/ ٤٣١ رقم ٥٨٤٧) في العلم، باب الحث على إبلاغ العلم. وأما اللفظ الثاني فهو من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عند الترمذي في الموضع السابق (٧/ ٤١٧ رقم ٢٧٩٥)، وابن ماجه في سننه (١/ ٨٥ رقم ٢٣٢) في المقدمة، باب من بلّغ علماً. قال الترمذي في الموضع الأول: (حديث زيد بن ثابت حديث حسن)، وقال في الموضع الثاني: (هذا حديث حسن صحيح). (١) السنة قبل التدوين لمحمد عجّاج الخطيب (ص ١٦٤).

стр. 4

أفاضل التابعين، منهم: سعيد بن المسيّب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وعبيد اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة، وسليمان بن يسار، وهؤلاء هم الفقهاء السبعة (١). وفي مكة كان حَبْر الأمّة عبد الله بن عباس ﵄ الذي تخرَّج على يديه خلق من سادات التابعين، منهم: مجاهد بن جَبْر، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وطاوُس. ولما بويع عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بالخلافة، رحل إلى الكوفة، فانتفع به خلق كثير هناك، وكانت الكوفة إحدى قواعد الفتح الإسلامي في عصر الخلفاء الراشدين، ونزلها جَمٌّ غفير من الصحابة. قال إبراهيم النخعي: ((هبط الكوفة ثلاثمائة من أصحاب الشجرة، وسبعون من أهل بدر)) (٢)، وعلى رأس هؤلاء البدريين: ابن أُمِّ عَبْد: عبد الله بن مسعود ﵁، وكان عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بعثه معلِّماً لأهل الكوفة، وكتب لهم كتاباً يقول فيه: ((يا أهل الكوفة، أنتم رأس العرب وجمجمتها وسهمي الذي أرمي به، إن أتاني شيء من هاهنا وهاهنا، قد بعثت إليكم بعبد الله، وخِرْتُ لكم، وآثرتكم به على نفسي)) (٣). وكان لعبد الله بن مسعود ﵁ أثر كبير على أهل الكوفة، بحيث أصبحت مدرستها من أكبر مدارس الإسلام. قال إبراهيم التيمي: ((كان فينا- يعني أهل الكوفة- ستون شيخاً من أصحاب عبد الله)) (٤). _________ (١) مقدمة ابن الصلاح (ص ٣٢٥). (٢) طبقات ابن سعد (٦/ ٩). (٣) المرجع السابق (٦/ ٧). (٤) السابق أيضاً (٦/ ١٠).

стр. 5

وعلى رأس هؤلاء الذين تخرّجوا من مدرسة ابن مسعود ﵁: عَبِيدَةُ السَّلْماني وعلقمة بن قيس والأسود بن يزيد ومسروق بن الأجْدَع والربيع بن خُثَيْم وشُريح القاضي وغيرهم خلق (١). وهكذا البصرة والشام ومصر وغيرها من بلاد الإسلام (٢). وقد نشطت الحركة العلمية في عصر التابعين نشاطاً كان من آثاره بدء مرحلة التدوين الرَّسمي للسنة بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀، بسبب خوفه من ذهاب العلم بذهاب العلماء. يقول عبد الله بن دينار ﵀: ((كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاكتبوه، فإني خِفْتُ دُرُوسَ (٣) العلم وذهاب أهله)) (٤)، وفي رواية: ((كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فاكتبه، فإن خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النَّبِيِّ ﷺ ، ولْتُفْشُوا العلم، ولْتَجْلِسُوا حتى يُعَلَّمَ من لا يَعْلَمُ، فإن العلم لا يهلِك حتى يكون سرّاً)) (٥). ولم يكن أمرُه هذا مقصوراً على أهل المدينة فحسب، فقد روى أبو نعيم في تاريخ أصبهان هذه القصة بلفظ: ((كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلى الآفاق: انظروا حديث رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاجمعوه)) (٦). _________ (١) السابق أيضاً (٦/ ١٠). (٢) انظر في ذلك وفيما سبق: السنة قبل التدوين لمحمد عجاج الخطيب (ص ١٦٤ - ١٧٥). (٣) أي خاف عليه من أن تنمحي آثاره وتذهب. انظر لسان العرب (٦/ ٧٩). (٤) أخرجه الدارمي في سننه (١/ ١٠٤ رقم ٤٩٤)، والخطيب البغدادي في تقييد العلم (ص ١٠٦). (٥) أخرجه البخاري في صحيحه موصولاً إلى قوله: ((وذهاب العلماء))، وباقيه معلَّقاً. انظر صحيح البخاري (١/ ١٩٤) كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم. (٦) نقلاً عن فتح الباري (١/ ١٩٤ - ١٩٥).

стр. 6

وموقف عمر بن عبد العزيز- ﵀ هذا شبيه بموقف عثمان- ﵁ في قصة جمعه للقرآن، فقد رحم الله الأمة بصنيع هذين الخليفتين. وكان أول من قام بتدوين السنة بأمر من عمر بن عبد العزيز: محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري. يقول عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي: (أول من دَوَّن العلم وكتبه ابن شهاب) (١). ويقول ابن شهاب الزُّهْري نفسه: (أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً) (٢). ويقول الحافظ ابن حجر: (وأول من دوَّن الحديث: ابن شهاب الزُّهْري على رأس المائة، بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين، ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد) (٣). ويقول السُّيوطي في منظومته (٤): أَوَّلُ جامعِ الْحديثِ والأَثَرْ … ابنُ شهابٍ آمراً له عُمَرْ ثم أَعْقَبَ التدوينَ مرحلةُ التَّصنيف كما سبق نقله عن ابن حجر، فأوَّل من صنَّف على الأبواب: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج (ت ١٥٠ هـ) بمكة، والإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩ هـ) أو محمد بن إسحاق بن يَسَار (ت ١٥١ هـ) بالمدينة، والرَّبيع بن صَبيح (ت ١٦٠ هـ) أو سعيد بن أبي عَرُوبة (ت ١٥٦ هـ أو ١٥٧ هـ) أو حماد بن سلمة (ت ١٦٧ هـ) بالبصرة، وسفيان بن سعيد الثوري _________ (١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (١/ ٨٨). (٢) المرجع السابق (١/ ٩١ - ٩٢). (٣) فتح الباري (١/ ٢٠٨). (٤) ألفية السيوطي (ص ١٠).

стр. 7

(ت ١٦١ هـ) بالكوفة، وعبد الرحمن بن عمرو الأَوْزاعي (ت ١٥٧ هـ) بالشام، وهُشَيم بن بشير الواسطي (ت ١٨٣ هـ) بواسط، ومعمر بن راشد (ت ١٥٣ هـ) باليمن، وجرير بن عبد الحميد (ت ١٨٨ هـ) بالرَّيّ، وعبد الله بن المبارك المَرْوَزي (ت ١٨١ هـ) بِمَرْو وخراسان (١). قال الحافظان: العراقي وابن حجر: (وكان هؤلاء في عصر واحد، فلا ندري أيُّهم أسبق) (٢). وقد قيل: إن ابن جريج هو أول من صنف الكتب (٣)، لكن ما ذكره العراقي وابن حجر أدقّ، ولذا يمكن أن يُقَيّد كلٌّ منهم بمصره، فيقال مثلاً: أول من صنف بالكوفة سفيان الثوري وهكذا. وكان معظم هذه المصنفات يضم أحاديث النَّبِيِّ ﷺ ، وما ورد عن الصحابة والتابعين، إلى أن رأى بعض الأئمة أن تفرد أحاديث النَّبِيِّ ﷺ خاصة، وذلك على رأس المائتين، فصنَّف أسد بن موسى (ت ٢١٢ هـ) مسنداً، وصنَّف عبيد الله بن موسى العَبْسي (ت ٢١٣ هـ) مسنداً، وصنَّف مُسَدَّد البصري (ت ٢٢٨ هـ) مسنداً، وصنَّف نُعيم بن حماد الخُزَاعي (ت ٢٢٨ هـ) مسنداً، ثم اقتفى الأئمة آثارهم، فقلَّ إمام من الحفاظ إلا وصنَّف حديثه على المسانيد، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة وغيرهم (٤). وامتداداً لمرحلة التصنيف على الأبواب نجد عبد الرزاق بن هَمَّام الصنعاني (ت ٢١١ هـ) صنَّف كتابه العظيم: (المصنَّف)، ومثله أبو بكر عبد الله بن محمد أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ) صنف كتاب: _________ (١) انظر المحدِّث الفاصل للرَّامَهُرْمُزِي (ص ٦١١ - ٦١٨)، وتدريب الراوي (١/ ٨٩). (٢) الموضع السابق من تدريب الراوي. (٣) تاريخ بغداد (١٠/ ٤٠٠). (٤) تدريب الراوي (١/ ٨٩) نقلاً عن ابن حجر.

стр. 8

(المصنَّف)، وهذان الكتابان كما أنهما شبيهان في التسمية، فهما شبيهان أيضاً في المحتوى، فكلاهما مما صُنِّف على الأبواب (الموضوعات)، ويشملان الأحاديث المرفوعة لِلنَّبِيِّ ﷺ ، والموقوفة على الصحابة ﵃، ومقاطيع التابعين فمن بعدهم ﵏، وبين هذين المصنَّفَيْن نجد مصنَّفاً آخر شبيهاً بهما من حيث طريقةُ التصنيف والمحتوى في الجملة، وهو كتاب: (السنن) لسعيد بن منصور (ت ٢٢٧ هـ) وشَبَهُهُ بمصنَّف ابن أبي شيبة أكثر منه بمصنَّف عبد الرزاق (١)، وقد قال الرَّامَهُرْمزي: (وتفرَّد بالكوفة أبو بكر ابن أبي شيبة بتكثير الأبواب، وجودة الترتيب، وحسن التأليف) (٢). ونجد كثيراً من المصنِّفين يروون كثيراً من الأحاديث والآثار من طريق هذه الكتب الثلاثة- مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور-، أو يعزونها إليها (٣)، وهذا يعود لندرة محتواها، وعُلُوِّ أسانيدها، وغير ذلك من الاعتبارات. وقد حُظِيَ مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة بالنشر (٤) - على ما فيهما من السقط والتصحيف والغلط-. وأما سنن سعيد بن منصور، فنشر منها الجزء الثالث فقط في _________ (١) كما سيأتي في التعريف بكتاب السنن. (٢) المحدِّث الفاصل (ص ٦١٤). (٣) كما يتضح من مراجعة تخريج الأحاديث والآثار في القسم المحقق من السنن. (٤) أما مصنف عبد الرزاق فقام بتحقيقه الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ونشره المجلس العلمي في أحد عشر مجلداً، لكن الحادي عشر منها وبعض العاشر هما كتاب الجامع لمعمر، من رواية عبد الرزاق عنه. وأما مصنف ابن أبي شيبة، فقد حققه الأستاذ عبد الخالق الأفغاني، واهتم بطباعته ونشره صاحب الدار السلفية بالهند: مختار الندوي، ونشر الكتاب في خمسة عشر مجلداً، إلا أنه سقط من هذه الطبعة القسم الأول من الجزء الرابع، فطبع في دار أخرى، وهي إدارة القرآن والعلوم الإسلامية في كراتشي بباكستان.

стр. 9

مجلدين تضمنا عدد (٢٩٧٨) من الأحاديث والآثار، في الفرائض والنكاح والجهاد، وما يلحق بالفرائض من الوصايا، وما يلحق بالنكاح من الطلاق والظهار ونحوهما. وكانت هذه السنن حبيسة المكتبات نتيجة خطأ ورد على غلاف النسخة الخطيّة كما سيأتي بيانه في التعريف بالكتاب، إلى أن قام الدكتور محمد حميد الله بالعثور على هذه القطعة التي تشكل الجزء الثالث، ودفعها لمحمد ميان السملكي ﵀، الذي دفعها بدوره للشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، حيث قام بتحقيقها، ونشرت في هذين المجلدين المشار إليهما. وفي المقدمة التي كتبها الدكتور محمد حميد الله للتعريف بالسنن لسعيد بن منصور وذكر حكاية اكتشافه لها قال: (ولا أعرف نسخة أخرى لسنن الإمام سعيد بن منصور هذه، فلم يذكرها بروكلمان ((مع سعة فهرس فهارسه للكتب العربية الذي نشره بالألمانية تحت الاسم المُضِلّ: تاريخ الآداب العربية)) ولا غيره فيما أعرف، فنحن إذن ننشر كتاباً ليس يعرف له إلا نسخة واحدة في العالم) (١). اهـ. ولم يشر الدكتور حميد الله إلى ما ذكره المباركفوري ﵀ في مقدمة تحفة الأحوذي من وجود نسخة كاملة لسنن سعيد بن منصور، حيث قال: (ومنها: سنن سعيد بن منصور، وهو الحافظ سعيد بن منصور الخراساني المتوفى سنة ٢٢٧ سبع وعشرين ومائتين، نسخة كاملة من هذا الكتاب موجودة في الخزانة الجرمنية، وهي مكتوبة بخط الإمام الشوكاني) (٢)، فإما أنه لم يطلع على هذا الكلام، وإما أنه ممن يستبعد صحته. _________ (١) مقدمة القسم المطبوع من سنن سعيد بن منصور (ص ١٦). (٢) مقدمة تحفة الأحوذي (١/ ٣٣٦).

стр. 10

وحينما كنت أدرس في السنة الرابعة من كلية أصول الدين، وكنت أتذاكر مع بعض الإخوة في أمور الكتب، ذكر أحدهم أنه رأى- أو ذُكر له- نسخة خطية لسنن سعيد بن منصور في إحدى المكتبات الخاصة في بلدة (الرَّيْن) (١)، فوقع كلامه في نفسي، وبعد مدة سألت شيخنا العلامة عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجبرين (٢) عمّا إذا كان يعرف مكتبة هناك- وذكرت له ما قاله الأخ المذكور-، فوعدني بالتحرِّي عن ذلك إذا ما قدِّر له الذهاب إلى بَلَدِهِ (القويعية). وقد وفَّى بوعده- جزاه الله عني وعن المسلمين خير الجزاء-، وفوجئت به يستدعيني، ويبشِّرني بعثوره على نسخة خَطِّيَّةٍ أصليّة من سنن سعيد بن منصور في مكتبة الشيخ محمد بن سعود الصُّبَيْحي إمام جامع بَلْدَة (الرَّيْن) (٣)، لكنها نسخة غير كاملة. وأخبرني أنه طلب من صاحبها السماح لي بتصويرها، فأجاب، وزيادة على ذلك كتب الشيخ معي كتاباً إليه، وأرسل معي أحد أبناء عمومته ليدُلَّني، وهو الشيخ حمد بن عبد العزيز الجبرين، فذهب معي مشكوراً، وحملت آلة النسخ معي في السيارة، ولا أطيل في ذكر التفاصيل، فقد دفع الشيخ محمد بن سعود الصبيحي الكتاب إلي، فصوّرته، وأعدته إليه، وكنت إذْ ذاك مشغولاً بإعداد رسالتي لنيل درجة التخصص (الماجستير)، فلما انتهيت منها، تقدمت إلى قسم السنة وعلومها في كلية أصول الدين بالرياض بطلب الموافقة على إكمال دراستي لنيل درجة (الدكتوراة) في موضوع: (الإمام سعيد بن منصور وكتابه السنن) دراسةً وتحقيقاً، _________ (١) وهي بلدة إلى الجنوب من بلدة القويعية المعروفة على طريق الذاهب من الرياض إلى مكة. (٢) والشيخ حفظه الله من أهل القويعية وإن كان يسكن الرياض. (٣) وهو رجل فاضل أثنى عليه الشيخ عبد الله الجبرين، ومن عائلة معروفة بالعلم ومكتبته هذه متوارثة عن أسلافه.

стр. 11

على أن أبدأ من حيث انتهى المطبوع، وذلك ابتداء من كتاب (فضائل القرآن)، ويليه (كتاب التفسير)، بحيث أَنْتَهي إلى نهاية سورة المائدة من كتاب التفسير، فوافق القسم مشكوراً، وتُوِّج ذلك بموافقة مجلس الكلية. وقد دفعني إلى اختيار هذا الموضوع لإعداد درجة (الدكتوراة) عدة أسباب، من أهمها ما يأتي: (١) مكانة المؤلف العلمية، ويتجلَّى ذلك في: أ - كونه أحد الأئمة الحفاظ كما سيأتي في ترجمته. ب - كونه أحد رجال الكتب الستة، ممن رضيه الجماعة وأخرجوه في كتبهم. جـ - تتلمذ عدد من الأئمة عليه مثل مسلم وأبي داود، بل حتى الإمام أحمد، حدَّث عنه وهو حيّ. وسيأتي التعريف به على وجه التفصيل. (٢) قيمة الكتاب العلمية، وتتجلَّى في: أ - كونه من الكتب القليلة التي تعنى بتخريج الآثار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بالإضافة للأحاديث المرفوعة، ولا يخفى ما لتخريج الآثار من الأهمية، فإنها تعكس لنا ما كان عليه السلف من العمل في العقائد والأحكام وغير ذلك. ب - ما يمتاز به الكتاب من علوّ الإسناد، مما حدى بالعلماء إلى التخريج من طريقه، ومنهم أصحاب الكتب الستة وغيرهم، وقد ساهم في ذلك ما منّ الله به على المؤلف من طول العمر، حتى إنه أدرك شيوخاً لم يدركهم بعض من اتفق معه في سنة الوفاة، أو قاربها. جـ - كثرة العزو إليه عند الفقهاء والمحدثين والمفسرين وغيرهم.

стр. 12

د - تفرُّد المصنِّف ببعض الآثار التي لا توجد عند غيره- بحسب بحثي-. هـ - ذكره لبعض الآثار التي يشاركه فيها بعض أصحاب المؤلفات المفقودة، كعبد بن حميد وابن المنذر في تفسيريهما. و تفرُّده ببعض الطرق التي تقوِّي طرقاً أخرى، أو تفيد في كشف عِلَّةٍ لبعض الطرق، أو ترجيح بعض ما قد يُعَلُّ منها. (٣) حاجة العلماء وطلبة العلم الماسّة لمزيد من مصادر السنة الأصلية التي تروي بالإسناد، وحاجتهم لهذا الكتاب بالأخص بسبب قيمته العلمية. (٤) ما اشتهر لدى الأوساط العلمية من فقدان الكتاب، سوى ما طبع منه. لهذه الأسباب أقدمت مستعيناً بالله على اختيار هذا الموضوع مع اعترافي بالتقصير والضعف، وفيما يلي شرح لخطة البحث: - فقد قسمت الكتاب إلى مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة وملحق تعقبه الفهارس. أ - المقدمة: وفيها بيان أهمية الموضوع، وسبب اختياره، وشرح خطة البحث فيه. ب - القسم الأول: دراسة عن المؤلف سعيد بن منصور وكتابه السنن، وفيه مبحثان: • المبحث الأول: التعريف بالمؤلف سعيد بن منصور، ويشمل: دراسة عن بيئته وعصره، واسمه ونسبه وكنيته، ومولده ونشأته، وطلبه للعلم، ورحلته فيه، وشيوخه وتأثيرهم فيه، وتلاميذه وتأثيره فيهم، وجهوده في خدمة الحديث وعلومه، ومؤلفاته فيه، وثناء العلماء عليه، وما تُكُلِّم به فيه والجواب عنه، وعقيدته، ومن اتفق معه في الاسم واسم الأب، وأولاده، ووفاته.

стр. 13

• المبحث الثاني: التعريف بكتاب السنن، ويشمل: تسميته، وتوثيق نسبته للمؤلف مع ذكر سند الكتاب، وموضوعه، ومنهج المؤلف فيه ويتضمن: (ترتيب الكتاب، ومصادره، وطريقته في الرواية، وسياق الأسانيد والمتون، وتراجمه للأبواب، وأنواع المرويات عنده من أحاديث مرفوعة وآثار موقوفة أو مقطوعة، ودرجة أحاديث الكتاب، ومقارنته بطريقة علماء عصره)، والزيادات عليه ومميزاته، وبعض المآخذ عليه، والتعريف بنسخ الكتاب. جـ- القسم الثاني: طريقة العمل في الكتاب، وتشمل: ١ - توثيق النص، وذلك بالرجوع إلى المصادر، ومحاولة بيان من نقل النص من العلماء عن سعيد مباشرة، أو بواسطة، وتخريج الأحاديث والآثار، مع ذكر الشواهد والمتابعات، ودراسة أسانيدها، والحكم عليها. ٢ - تفسير غريب الحديث. ٣ - توضيح النص، بالتعليق على كل ما يحتاج إلى توضيح. د- القسم الثالث: النص محققاً ومعلقاً عليه طبقاً لخطة العمل السابقة. هـ- الخاتمة: وفيها تقويم العمل على ضوء الدراسة والتحقيق، وذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال عملي بإيجاز. و ملحق: في تقويم العمل المطبوع من الكتاب مع مقارنته بالمخطوط. ز- الفهارس: وتشتمل على: ١ - فهرس الآيات مرتبة حسب ترتيب المصحف. ٢ - فهرس الأحاديث والآثار مرتبة على حروف المعجم. ٣ - فهرس الأحاديث والآثار مرتبة على المسانيد. ٤ - فهرس الأحاديث والآثار مرتبة على الأبواب. ٥ - فهرس شيوخ المصنف.

стр. 14

٦ - فهرس رجال الأسانيد. ٧ - فهرس الأعلام الواردين في النص. ٨ - فهرس الرواة المترجمين في التعليق. ٩ - فهرس الأبيات الشعرية. ١٠ - فهرس الأماكن والبلدان. ١١ - فهرس الأنساب. ١٢ - فهرس غريب اللغة والحديث. ١٣ - فهرس المراجع. ١٤ - الفهرس العام. وفي الختام أتوجه بالشكر لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي أتاحت لي الفرصة لإكمال دراستي، وأخص بذلك كلية أصول الدين ممثلة في عميدها ووكيليه وقسم السنة وعلومها، كما أشكر فضيلة الأستاذ الدكتور عبد المنعم السيد نجم على تفضله بقبول الإشراف على هذه الرسالة وقراءتها وإبداء الملاحظات عليها، كما لا يسعني أن أغفل الشكر الجزيل لفضيلة الشيخ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجبرين على ما بذله من جهد في الحصول على هذا المخطوط، ولفضيلة الشيخ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم على توجيهاته لي في هذا البحث وغيره، والتي كان لها أطيب الأثر في نفسي، فأسأل الله تعالى أن يجزيهما عني أفضل الجزاء، كما أشكر الشيخ حمد بن عبد العزيز الجبرين على ما ساعدني به في سبيل الحصول على هذا المخطوط، والشيخ محمد بن سعود الصبيحي على تفضله بالسماح لي بتصوير المخطوط لهذا الكتاب، وأشكر كل من أسدى إلي معروفاً؛ من نصح، أو توجيه أو غير ذلك، وأسأل الله تعالى أن يجزيهم عني أفضل الجزاء، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حُمَيِّد

стр. 15

القسم الأول دراسة عن المؤلف سعيد بن منصور وكتابه ((السنن)) وفيه مبحثان: المبحث الأول: التعريف بالمؤلف. المبحث الثاني: التعريف بكتاب السنن.

стр. 16

المبحث الأول التعريف بالمؤلف (١) _________ (١) مصادر ترجمته هي: الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد (٥/ ٥٠٢)، ومعرفة الرجال لابن معين (رواية ابن محرز) (١/ ١٠١ رقم ٤٤٤)، والتاريخ الكبير للبخاري (٣/ ٥١٦ رقم ١٧٢٢)، والكنى لمسلم (ص ٧٣)، والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان (انظر فهرسه والمواضع المحال عليها هنا)، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي (انظر فهرسه والمواضع المحال عليها هنا)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٤/ ٦٨ رقم ٢٨٤)، والثقات لاين حبان (٨/ ٢٦٨ - ٢٦٩)، وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم لابن زَبْر الرَّبَعي (٢/ ٤٩٩ و ٥٠١)، ورجال صحيح البخاري المسمى: (الهداية والإرشاد في معرفة أهل الثقة والسداد) للكَلابَاذِي (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦ رقم ٤٠٧)، ورجال مسلم لابن مَنْجُوْيَهْ (١/ ٢٤٩ رقم ٥٣٦)، و: (تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عالياً) لأبي نعيم الأصبهاني (ص ٢٦)، والإرشاد للخليلي (١/ ٢٣١ رقم ٦٠)، والمتفق والمفترق للخطيب البغدادي (ل ١٠٩ - ١١٠)، والتعديل والجرح لأبي الوليد الباجي (٣/ ١٠٨٧ رقم ١٢٧٦)، والجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني (١/ ١٧٠)، وترتيب المدارك للقاضي عياض (١/ ٧٨، ١٦٨) و (٣/ ٢٠٠، ٢٤٠)، والمعجم المشتمل (ص ١٢٩ رقم ٣٧٥)، وتاريخ دمشق كلاهما لابن عساكر (٧/ ٣٥٤ - ٣٥٧، مخطوط الظاهرية) ومختصره لابن منظور (١٠/ ١٢ - ١٣ رقم ٨) وتهذيبه لابن بدران (٦/ ١٧٧)، والتقييد لابن نقطة (٢/ ١٧ - ١٨)، ومعجم البلدان لياقوت (١/ ٤٢٠، ٤٢٥)، و (٢/ ٣٦٧)، و (٣/ ٢٣٠)، والعلم المشهور لابن دحية الكلبي (ص ١٦١ و ١٦٢)، وتهذيب الكمال للمزي (١١/ ٧٧ - ٨٢ رقم ٢٣٦١)، وسير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٨٦ - ٥٩٠)، وتاريخ الإسلام (ص ١٨٤ - ١٨٦ / وفيات ٢٢١ - ٢٣٠)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٦)، ودول الإسلام (١/ ١٣٧)، والعبر (١/ ٣٩٩)، وميزان الاعتدال (٢/ ١٥٩ رقم ٣٢٧٧)، والكاشف (١/ ٣٧٣ رقم ١٩٨٢)، وذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل (ص ١٦٩ رقم ١٢٨) جميعها للذهبي، والوافي بالوفيات للصَّفَدي (١٥/ ٢٦٣ رقم ٣٧٠)، والبداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ٢٩٩)، وإكمال تهذيب الكمال لمغلطاي (ل ٩٨ / ب - ٩٩ / ب)، والعقد الثمين للفاسي (٤/ ٥٨٦ - ٥٨٧) وتهذيب التهذيب (٤/ ٨٩ - ٩٠ رقم ١٤٨)، وتقريب التهذيب (ص ٢٤١ رقم ٢٣٩٩) كلاهما لابن حجر، وطبقات الحفاظ للسيوطي (ص ١٧٩، رقم ٤٠٣)، وبحر الدم =

стр. 17

١ - بيئته وعصره: - ولد سعيد بن منصور- كما سيأتي- قبل سنة سبع وثلاثين ومائة، أو بعدها بيسير، وتوفي في سنة سبع وعشرين ومائتين، فهو إذاً عاش في الفترة التي نشأت فيها الدولة العباسية إلى أن بلغت أوْجَ قوَّتها، وكان يقال: (لبني العباس فاتحة وواسطة وخاتمة. فالفاتحة السَّفَّاح، والواسطة المأمون، والخاتمة المُعْتَضِد) (١). فنشأة الدولة العباسية كانت في سنة اثنتين وثلاثين ومائة (١٣٢ هـ) على أنقاض الدولة الأموية، وكان هذا قريباً من ولادة سعيد بن منصور الذي عاش بداية حياته في خراسان مُنْطَلَقِ الدعوة العباسية ومحطّ قوَّتها بقيادة أبي مسلم الخراساني الذي أَبْلَى مع العباسيين بلاءً كان عاقبته القتل من قبل ثاني خلفاء بني العباس: أبي جعفر المنصور؛ بعد أن أحسّ بخطر أبي مسلم الخراساني على دولتهم. عاش سعيد هذه الحياة الطويلة التي تزيد على تسعين عاماً، وعايش فيها أحداثاً كثيرة، سأتناول الحديث عنها بإيجاز، مقسَّماً على _________ = ليوسف بن عبد الهادي (ص ١٧٨ رقم ٣٧٠)، وخلاصة تذهيب الكمال للخزرجي (ص ١٤٣)، وشذرات الذهب لابن العماد (٢/ ٦٢)، والرسالة المستطرفة للكتّاني (ص ٣٤)، والفكر السامي للفاسي (٢/ ٧٣ رقم ٢٦٨)، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة (٤/ ٢٣٢). (١) تاريخ الخلفاء (ص ٤٩٠). والمعتضد هو الخليفة العباسي أبو العباس أحمد بن الموفق بالله طلحة بن المتوكل جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد. ولد في سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وتولّى الخلافة سنة تسع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة تسع وثمانين ومائتين، قال الذهبي في وصفه: (وكان ملكاً مهيباً شجاعاً كامل العقل ذا سياسة عظيمة، وفي دولته سكنت الفتن، وأسقط المَكْسَ، ونشر العدل، وقلل من الظلم، وكان يُسَمَّى السَّفّاح الثاني، أحيا رميم الخلافة التي ضعفت من مقتل المتوكل) اهـ بتصرف من سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٦٣ - ٤٧٩). وأما السَّفَّاح والمأمون فسيأتي الحديث عنهما.

стр. 18

عناوين ثلاثة: الحالة السياسية، والحالة الفكرية، والحالة العلمية. أ - الحالة السياسية: كانت الحالة السياسية في بداية حياة المؤلف (سعيد بن منصور) تشهد فتناً وقلاقل بسبب قيام الدولة العباسية التي وجدت مناهضين لها، شأنها في ذلك شأن أي دولة تنهض من مرحلة الضعف، فتكون عرضة لأطماع الطامعين، فإذا قُدِّر لها أن تقوى شوكتُها، ويصلب عودُها استطاعت أن ترسِّخ دعائم سلطانها، وتبسط نفوذها، وتبطش بأعدائها، وهذا ما حصل للدولة العباسية. فإنها قامت في سنة (١٣٢ هـ) على يد أبي العباس السَّفَّاح عبد الله ويقال: المرتضى، ويقال: القاسم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أوّل الخلفاء العباسيين الذي أخذ يطارد فُلُولَ الأمويين، إلى أن استقرّ له الأمر بعد مقتل آخر خلفاء بني أمية: مروان بن محمد. ثم أخذ أبو العباس يبسط نفوذه على البلاد والأقاليم، إلا أن كثيراً من الأقاليم كانت تنشقّ عنه بعد أن تكون أعطته البيعة، مثل قنسرين، ودمشق، وحمص، والجزيرة، وقرقيسيا، والرَّقَّة، وغيرها كثير (١). كما أن هناك من قام بالخروج عليه، والتحم معه في قتال، مثل بسام بن إبراهيم، والخوارج، وشريك المهري ببخارى، وزياد بن صالح من وراء نهر بَلْخ (٢). ولم تدم الحياة طويلاً بالسفاح، فإنه ما لبث أن توفي في سنة ست وثلاثين ومائة (١٣٦ هـ). ثم تولّى بعده أخوه أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد الذي استقبل تصدُّعاً في أجزاء دولته استطاع بدهائه رَأْبَه. فأول ذلك: حينما جاءه خبر وفاة أخيه أبي العباس، كان في الطريق _________ (١) انظر تفاصيل ذلك في البداية والنهاية (١٠/ ٥٢ - ٥٧). (٢) المرجع السابق.

стр. 19

عائداً من الحج، فتعجل حتى أتى العراق، فأُخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد، سوى الشام، فإنه خرج بها عمُّه عبد الله بن علي مدَّعياً أن السَّفَّاح كان عهد إليه بالخلافة، فأرسل إليه أبو جعفر أبا مسلم الخراساني الذي استطاع أن يوقع به الهزيمة بعد حروب يطول ذكرها، كان من نتيجتها أن هرب عبد الله بن علي إلى أخيه سليمان بن علي في البصرة، فاختفى عنده، فعلم به المنصور، فأخذه، ويقال إنه سجنه في بيت بَنَى أساسه على الملح، ثم أطلق عليه الماء، فذاب الملح، وسقط البيت على عبد الله بن علي، فمات. ثم أحس أبو جعفر بعد ذلك باستفحال أمر أبي مسلم واستخفافه به واحتقاره له، فأوجس منه خيفة، فسعى في إهلاكه، فما زال به يستدرجه ويَعِدُهُ ويُمَنِّيه، إلى أن أقدمه عليه، فلما تمكَّن منه، أخذ يعاتبه على ما بدر منه، وأبو مسلم يعتذر، وكان أبو جعفر أمر بعض حرسه وقال لهم: كونوا من وراء الرُّواق، فإذا صَفَّقت بيدي، فاخرجوا عليه فاقتلوه، فخرجوا عليه فقتلوه، فيقال: إن المنصور أنشد عند ذلك: فَأَلْقَتْ عَصَاها واسْتَقَرَّ بها النَّوَى … كما قَرَّ عَيْناً بالإِيَابِ المسافِرُ وشهد عصر المنصور بعد ذلك فتناً وقلاقل كثيرة، من أهمِّها: خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب وأخيه إبراهيم بن عبد الله في المدينة والبصرة، وبعد معارك ضارية استطاع المنصور إخماد هذه الفتنة بعد مقتل محمد وأخيه إبراهيم. وبدأت الأمور تستقرّ للمنصور، فشرع في تطوير مملكته، فبنى مدينة بغداد (١)، وجعلها دار مملكته، وبنى مدناً أخرى، وهدأت الفتن والحروب، وتوجه للإصلاح الداخلي، ويعتبر أبو جعفر بحق الخليفة _________ (١) انظر تفاصيل بنائها في البداية والنهاية (١٠/ ٩٦ - ١٠٣).

стр. 20

الذي أرسى دعائم الدولة العباسية. وبعد هذه المدة التي عاشها في الحكم منذ سنة ست وثلاثين ومائة، أدركت أبا جعفر الوفاة في سنة ثمان وخمسين ومائة (١٥٨ هـ) بعد أن عهد بالخلافة لابنه محمد المهدي، ومن بعده لعيسى بن موسُى (١)، إلا أن المهدي لما تولّى الخلافة، أَلَحَّ على عيسى أن يخلع نفسه ويتنازل عن الخلافة للهادي، فامتنع، ثم أجاب بعد ترغيب وترهيب ووعد ووعيد من المهدي له يطول ذكره (٢). وكان المهدي أتى للخلافة والأمور مستقرّة، فكان عصره بداية عصر ازدهار الدولة العباسية، لذلك نجده أول من عمل البريد من الحجاز إلى العراق (٣)، وأمر بعمارة طريق مكة، فبنى بها القصور، وحَفَرَ الآبار، وعمل المصانع والبِرَكَ، حتى صارت طريق الحجاز من العراق من أرفق الطرقات وآمنها وأطيبها (٤). ونجده أول خليفة حمل له الثَّلْجُ إلى مكة (٥). وفي سنة سبع وستين ومائة أمر بالزيادة الكبرى في المسجد الحرام، وأدخل في ذلك دوراً كثيرة (٦). وقد شهد عصره شيئاً من الاضطراب (٧)، لكنه لا يداني ما _________ (١) هو عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، ابن أخ أبي جعفر، وكان فارس بني العباس، وسَيْفَهم المسلول، جعله السَّفّاح ولي العهد بعد المنصور، فتحيَّل عليه المنصور بكل ممكن حتى أخّره وقدّم عليه المهدي، فيقال: بذل له بعد الرغبة والرهبة عشرة آلاف ألف درهم. انظر سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٣٤ - ٤٣٥). (٢) انظر البداية والنهاية (١٠/ ١٣٠، ١٣١). (٣) تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٧). (٤) انظر البداية والنهاية (١٠/ ١٣٣)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٣٦). (٥) كما في البداية (١٠/ ١٣٢)، ويقول الذهبي: (لم يتهيّأ ذلك لملك قط) كما في تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٦). (٦) تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٦). (٧) انظر البداية والنهاية (١٠/ ١٣٣، ١٣٥، ١٤٥).

стр. 21

حصل في عصر والده. كما أن عصره كان عصر فتوحات في بلاد الروم وجهة جُرْجَان (١). وكان ﵀ سَمْحَ الخلق، محبّاً للسنة، معظِّماً لحُرُمات الله، حسن الاعتقاد، مبغضاً للزنادقة. كان يصلي بالناس الصلوات الخمس في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوماً، فقال أعرابي: لستُ على طُهْرٍ، وقد رغبت في الصلاة خلفك، فَأْمُرْ هولاء بانتظاري، فقال: انتظروه، ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبَّر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه (٢). وأصدر أمره بترك المقاصير التي في جوامع الإسلام، وقصّر المنابر، وصيّرها على مقدار منبر رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (٣). وكان إذا عرضت قضيّة، واستُدِلَّ لها بحديث، وَثَبَ عند ذكر النَّبِيِّ ﷺ حتى يُلْصِقَ خَدَّهُ بالتراب ويقول: سمعت لما قال وأطعت (٤). وهاجت ريح سوداء ذات مرّة حتى خافوا أن تكون القيامة قد قامت، فطلبه أحد حُجَّابه، فلم يجده في الإيوان، فإذا هو في بيت ساجد على التراب يقول: اللهم لا تُشْمت بنا أعداءنا من الأمم، ولا تفجع بنا نبيّنا، اللهم إن كنت أخذتَ العامة بذنبي، فهذه ناصيتي بيدك، فما أتمّ كلامه حتى انْجلتْ (٥). _________ (١) انظر البداية والنهاية (١٠/ ١٤٦ - ١٥٠). (٢) تاريخ الخلفاء (ص ٤٤٢). (٣) المرجع السابق (ص ٤٣٦). (٤) السابق أيضاً (ص ٤٤٢). (٥) سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٠٢، ٤٠٣).

стр. 22

ويقول الذهبي عنه: (كان غارقاً- كنحوه من الملوك- في بحر اللذات، واللهو والصيد، ولكنه خائف من الله، معادٍ لأولي الضلالة، حَنِقٌ عليهم) (١). وهذا الذي ذكره الذهبي من معاداة المهدي لأولي الضلالة وحَنَقِهِ عليهم، دليل على حسن اعتقاده الذي أشار إليه السيوطي بقوله: (كان المهدي جواداً ممدَّحاً، مليح الشكل، محبّباً إلى الرّعيّة، حسن الاعتقاد، تتبع الزنادقة، وأفنى منهم خلقاً كثيراً، وهو أول من أمر بتصنيف كتب الجدل في الرَّدّ على الزنادقة والملحدين) (٢). ويصفه الذهبي بأنه كان قصّاباً في الزنادقة، باحثاً عنهم (٣). والسبب في حرص المهدي على تتبع الزنادقة: أن الزندقة قد نشطت في ذلك العهد، مما اضطر المهدي في سنة ست وستين ومائة وفيما بعدها إلى أن يجدّ في تتبع الزنادقة وإبادتهم والبحث عنهم في الآفاق والقتل على التهمة (٤)، بل أنشأ ديواناً خاصاً للبحث عن الزنادقة، والتفتيش عنهم، ومحاكمتهم، وعهد به إلى رجل أطلق عليه اسم: (صاحب الزنادقة)، كما أمر بوضع الكتب للرد عليهم ومناظرتهم، فإذا لم تُجْدِ هذه الوسائل كان يلجأ إلى العنف، فيسرف في قتل الملحدين (٥)، وتابعه على هذه السياسة ابنه الهادي الذي جَدّ _________ (١) سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٠٢، ٤٠٣). (٢) تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٤). (٣) سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٠١). (٤) تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٧). (٥) وصفه السيوطي كما سبق بأنه كان يقتل على التهمة، وإليك هذه القصة التي تحكي تعامله مع من اتهم بالزندقة:- رفع له ذات مرة صالح بن عبد القدوس البصري في الزندقة، فأراد قتله، فقال: =

стр. 23

في القضاء عليهم (١) بعد وفاة أبيه في سنة تسع وستين ومائة (١٦٩ هـ)، حيث تولى الخلافة بعده، وعمل بوصية أبيه الذي أوصاه بقتل الزنادقة، واقتدى به في ذلك، وشرع في تَطَلُّبهم من الآفاق، وَجَدَّ في ذلك، فقتل منهم خلقاً كثيراً (٢). وكان موسى الهادي لما تولى الخلافة عزم على خلع أخيه هارون الرشيد من ولاية العهد بعده، والعهد بها لابنه جعفر كما صنع أبوه بعيسى بن موسى، فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء، فأجابوه لذلك، وأَبَتْ أُمُّهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، فأَلَحَّ الهادي على أخيه هارون في الخلع، واستشار يحيى بن خالد بن بَرْمَك، فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال: إني أخشى أن تهون الأيمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفراً وليَّ العهد من بعد هارون، وأيضاً فإني أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاقم الأمر ويختلف الناس، فعدل الهادي عن رأيه، ولم يلبث إلا يسيراً حتى توفي في سنة سبعين ومائة (١٧٠ هـ) (٣)، وتولَّى الخلافة بعده أخوه هارون الرشيد، _________ = أتوب إلى الله، وأنشده لنفسه: ما يبلغ الأعداء من جاهل … ما يبلغ الجاهل من نفسِهِ والشيخ لا يترك أخلاقه … حتى يُوَارَى في ثرى رَمْسِهِ فصرفه المهدي، فلما قرب من الخروج، ردَّه، فقال: ألم تقل: والشيخ لا يترك أخلاقه؟ قال: بلى قال: فكذلك أنت، لا تدع أخلاقك حتى تموت، ثم أمر بقتله. انظر تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٨ - ٤٣٩). (١) الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص ١٣٢). (٢) البداية والنهاية (١٠/ ١٥٧)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٤٦). (٣) البداية والنهاية (١٠/ ١٥٨).

стр. 24

وكان عمره إذ ذاك ثنتين وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن بَرْمَك، وولاه الوزارة، وتمكَّن عنده (١). وكان هارون من أَمْيَزِ الخلفاء، وأَجَلِّ ملوك الدنيا، ذا شجاعة ورأي، كثير الغزو والحج والصلاة والصدقة، مُحِبّاً للعلم وأهله، معظِّماً لحُرُمات الإسلام، مبغضاً للمِرَاء والجَدَل في الدين، والكلامِ في معارضة النصّ، وكان يبكي على نفسه ولهوه وذنوبه، لا سيّما إذا وُعِظَ (٢). دخل عليه مرَّة ابن السَّمَّاك الواعظ، فبالغ في إجلاله، فقال ابن السَّمَّاك: تواضعك في شرفك أشرف من شرفك، ثم وعظه فأبكاه (٣). ووعظه الفضيل بن عياض مرَّة حتى شهق في بكائه (٤). وقال عبد الرزاق: كنت مع الفضيل بمكة، فمرّ هارون، فقال فضيل: الناس يكرهون هذا، وما في الأرض أعزّ عليّ منه، لو مات لرأيت أموراً عظاماً (٥). وقال عمّار الواسطي: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ما من نفس تموت أشد عليّ موتاً من أمير المؤمنين هارون، ولوددت أن الله زاد من عمري في عمره. قال: فكبُر ذلك علينا، فلما مات هارون، وظهرت الفتن، وكان من المأمون ما حمل الناس على خلق القرآن، قلنا: الشيخ كان أعلم بما تكلم (٦). ولما بلغه موت ابن المبارك، حزن عليه، وجلس للعزاء، فعزّاه الأكابر (٧). _________ (١) البداية والنهاية (١٠/ ١٦٠). (¬٢، ٣، ٤، ٥) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٧ - ٢٨٩)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٥٢ - ٤٥٤). (٦) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٩). (٧) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٨)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٥٤، ٤٥٥).

стр. 25

وقال أبو معاوية الضَّرير: صبّ على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه، فقال الرشيد: تدري من يصبّ عليك؟ قلت: لا، قال: أنا، إجلالاً للعلم (١). وقال القاضي الفاضل: ما أعلم أن لملك رحلة قطّ في طلب العلم، إلا للرشيد؛ فإنه رحل بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطّأ على مالك ﵀، وكان أصل الموطّأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين، قال: ثم رحل لسماعه السلطان صلاح الدين بن أيوب إلى الإسكندريّة، فسمعه على ابن طاهر بن عوف، ولا أعلم لهما ثالثاً (٢). وحدث أبو معاوية الضرير الرشيدَ يوماً عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عمّ الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضباً شديداً، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنّطع والسيف، زنديق يطعن في الحديث، فأحضر ذلك، فقام الناس إليه يشفعون فيه، وما زال أبو معاوية يُسَكِّنه ويقول: بَادِرَةٌ منه يا أمير المؤمنين، حتى سكن، ثم قال: هذه زندقة، فأمر بسجنه، وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمّه بالأيمان المُغَلَّظَة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بَادِرَةٌ منه، وهو يستغفر الله ويتوب إليه منها، فأطلقه (٣). ودخل بعضهم عليه وبين يديه رجل مضروب عنقه، والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال: القرآن مخلوق، فقتلته على ذلك قربة إلى الله (٤). _________ (١) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٨)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٥٤، ٤٥٥). (٢) تاريخ الخلفاء (ص ٤٦٨ - ٤٦٩). (٣) سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٨٨)، والبداية والنهاية (١٠/ ٢١٥)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٥٤). (٤) الموضع السابق من البداية والنهاية.

стр. 26

وبلغه عن بشر المِرِّيسي القول بخلق القرآن، فقال: بلغني أن بشر بن غياث المِرِّيسي يقول: القرآن مخلوق، فلله علي إن أظْفَرَني به لأقتلنّه. فكان متوارياً أيام الرشيد، فلما مات الرشيد ظهر، ودعا إلى الضلالة (١). وأَخَذَ مَرَّةً زنديقاً، فأمر بضرب عنقه، فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي؟ قال له: أريح العباد منك. قال: فأين أنت من ألف حديث وضعتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، كلُّها ما فيها حرف نَطَقَ به؟ قال: فأين أنت يا عدوَّ الله من أبي إسحاق الفَزَاري وعبد الله بن المبارك يَنْخُلانها، فيخرجانها حرفاً حرفاً (٢)؟. وكان عهد هارون الرشيد أطول عهود خلفاء بني العباس وأزهاها؛ فقد كثر فيه الغزو، واتَّسَعَت الفتوحات، ومن ذلك: أنه أرسل الفضل بن يحيى إلى خراسان، فأحسن السيرة فيها، وبنى الرُّبُطَ والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جنداً من العجم سَمَّاهم: العَبَّاسِيَّةَ، وفتح الفضل بلاداً كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقَهَرَ مَلِكَ التُّرك وكان ممتنعاً، وأطلق أموالاً جزيلة، ثم قفل راجعاً إلى بغداد (٣). وغزا الرشيد بنفسه بلاد الروم، فافتتح حصناً يقال له: الصَّفْصَاف (٤) وغيره (٥)، حتى إن الروم كانوا يدفعون إليه الأموال تعبيراً عن خضوعهم له مقابل صلح عقدوه بينهم وبينه في عهد _________ (١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٥٣). (٢) تاريخ الخلفاء (ص ٤٦٦). (٣) البداية والنهاية (١٠/ ١٧٢ - ١٧٣). (٤) الصَّفْصَافُ- بالفتح والسكون- كُورَةٌ من ثغور المِصيِّصَة. معجم البلدان (٣/ ٤١٣). (٥) البداية والنهاية (١٠/ ١٧٧، ١٧٩).

стр. 27

ملكتهم (رَنَى) الملقَّبة: (أغسطة)، إلى أن قام الروم بعزل هذه الملكة، ونقض الصلح الذي كان بينهم وبين المسلمين، وملّكوا عليهم رجلاً يقال له (نقفور) وكان شجاعاً، وخلعوا (رنى)، وسملوا عينيها، وكتب (نقفور) إلى الرشيد كتاباً يذكر فيه ضعف الملكة التي كانت قبله ويقول: (حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقاً بحمل أمثاله إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليّ ما حملته إليك من الأموال، وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك). فلما قرأ هارون كتابه، أخذه الغضب الشديد، حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفاً منه، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم. من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه، والسلام). ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هَرَقْلَةَ (١)، ففتحها، واصطفى ابنة ملكها، وغنم من الأموال شيئاً كثيراً، وخرَّب وأحرق، فطلب منه (نقفور) الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك (٢). وبعد أن استمرّ في الخلافة مدة ثلاث وعشرين سنة أدركته الوفاة ﵀ في سنة ثلاث وتسعين ومائة بعد أن عهد _________ (١) قال ياقوت في معجم البلدان (٥/ ٣٩٨): (هِرَقْلَةُ: بالكسر ثم الفتح: مدينة ببلاد الروم، سُمِّيَتْ بهرقْلة بنت الروم بن اليفز بن سام بن نوح ﵇، وكان الرشيد غزاها بنفسه، ثم افتتحها عنوة بعد حصار وحرب شديد ورمي بالنار والنفط حتى غلب أهلها، فلذلك قال المكّي الشاعر: هَوَتْ هِرَقْلَةُ لمّا أنْ رَأتْ عَجَباً … جَوَّ السَّماءِ تَرْتَمي بالنَّفْطِ والنّارِ كأنّ نيرانَنا في جَنْبِ قَلْعَتِهم … مُصَبَّغات على أرْسَانِ قَصَّارِ) اهـ (٢) البداية والنهاية (١٠/ ١٩٣ - ١٩٤، ١٩٩، ٢٠٣).

стр. 28

بالخلافة لابنه محمد الأمين، ومن بعده لابنه عبد الله المأمون (١). ولما عهد الرشيد لابنه محمد الأمين بولاية العهد من بعده وقدَّمه على عبد الله المأمون قال: (إني لأعرف في عبد الله حَزْمَ المنصور، ونُسُكَ المهدي، وعِزَّةَ الهادي، ولو أشاء أن أنسبه إلى الرابع- يعني نفسه- لنسبته، وقد قدَّمت محمداً عليه، وإني لأعلم أنه منقادٌ إلى هواه، مُبَذِّر لما حوته يده، يشاركه في رأيه الإماء والنساء، ولولا أمُّ جعفر (٢)، ومَيْلُ بني هاشم إليه، لقدَّمتُ عبد الله عليه) (٣). وكان الأمين ﵀ سُنِّياً، لكنه مسرف على نفسه، سيء التدبير. يقول الإمام أحمد: (إني لأرجو أن يرحم الله الأمين بإنكاره على إسماعيل بن عُلَيَّة؛ فإنه أُدْخِلَ عليه، فقال له: يا ابن الفاعلة، أنت الذي تقول: كلام الله مخلوق؟!) (٤). _________ (١) المرجع السابق (١٠/ ٢٢٢، ٢٢٣) وتاريخ الخلفاء (ص ٤٧٤، ٤٩٠). (٢) هي زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، وهي أم الأمين، وأما المأمون فأمه أم ولد اسمها: مراجل، وإنما قدم الرشيد ابنه الأمين لأن أمه نسيبة، ولذلك يقول المسعودي: (ما ولي الخلافة إلى وقتنا هذا هاشمي بن هاشمية سوى علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، والأمين، فإن أمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، واسمها: أمة العزيز، وزبيدة لقب لها) اهـ. من تاريخ الخلفاء (ص ٤٨٤)، وانظر (ص ٤٨٩) منه أيضاً. (٣) المرجع السابق (ص ٤٩٠). (٤) المرجع السابق أيضاً (ص ٤٨٣). والقصة مطوَّلة في تاريخ بغداد (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، وخلاصتها: أن إسماعيل بن علية حدّث بالحديث الآتي في تخريج الحديث رقم [٤٨٤]، وهو قوله ﷺ : ((تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان- أو غيايتان، أو فرقان من طير صوافّ- تحاجّان عن صاحبهما)). فقيل له: ألهما لسانان؟ قال: نعم، فكيف تكلما؟ فشنّعوا عليه وقالوا: إنه يقول القرآن مخلوق، وهو لم =

стр. 29

وأما إسرافه على نفسه وسوء تدبيره فأشار إليه أبوه هارون كما سبق، وتجد جملة من أخباره في ذلك في البداية والنهاية (١) وتاريخ الخلفاء (٢)، وقد أعرضت عن ذكرها قصداً؛ لخروجها عن الغرض؛ ولأنها تحتاج إلى تمحيص. ولما تولى الأمين الخلافة سعى في جعل البيعة من بعده لابنه موسى، فعزل أخاه القاسم عمّا كان الرشيد ولاّه، وأرسل إلى أخيه _________ = يقله، وإنما غلط، فأحضر للأمين محمد بن هارون، فشتمه وقال: يا ابن كذا وكذا، أَيْشٍ قلت؟ فقال: أنا تائب إلى الله، لم أعلم، أخطات. وذكر الفضل بن زياد أنه سأل الإمام أحمد عن إسماعيل بن إبراهيم بن علية، فقال: ما زال إسماعيل وضيعاً من الكلام الذي تكلم به إلى أن مات. قال الفضل: قلت: أليس قد رجع وتاب على روؤس الناس؟ فقال: بلى، ولكن ما زال مبغضاً لأهل الحديث بعد كلامه ذاك إلى أن مات، ولقد بلغني أنه أدخل على محمد بن هارون، فلما رآه زحف إليه، وجعل محمد يقول له: يا ابن … ، يا ابن … ، تتكلم في القرآن؟ قال: وجعل إسماعيل يقول له: جعله الله فداه، زلّة من عالم، جعله الله فداه، زلّة من عالم. قال الفضل: ثم قال لي أبو عبد الله: لعلّ الله أن يغفر له- أي للأمين- لإنكاره على إسماعيل، ثم قال بعدُ: هو ثبت- يعني إسماعيل-. اهـ وانظر التهذيب (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩). وهذا من إنصاف الإمام أحمد ﵀، فإسماعيل ﵀ ثقة حافظ كما سيأتي في ترجمته في الحديث [٥٩]، ولذا فإن الذهبي ﵀ ذكر إسماعيل هذا في الميزان للدفاع عنه (١/ ٢١٦ - ٢٢٠)، ولما ذكر كلام الإمام أحمد فيه قال: (قلت: إمامة إسماعيل وثيقة لا نزاع فيها، وقد بدت منه هفوة، وتاب، فكان ماذا؟ إني أخاف الله لا يكون ذكرنا له من الغيبة) اهـ. وأما ما يتعلق بمسألة القرآن، فإن قوله فيه موافق لقول أهل السنة، قال الخطيب البغدادي في تاريخه (٦/ ٢٣٩): (وقد رُوي عن ابن علية في القرآن قول أهل الحق … ) ثم ساق بإسناده عن عبد الصمد بن يزيد مردويه أنه قال: (سمعت إسماعيل ابن علية يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق). (١) ص ٢٤١ فما بعد من الجزء العاشر. (٢) ص ٤٧٤ - ٤٨٨.

стр. 30

المأمون يطلب منه أن يقدِّم موسى على نفسه، فردّ المأمون ذلك وأباه، ووقعت الوحشة بينهما، فخلع الأمين أخاه المأمون من ولاية العهد، فلما تيقن المأمون ذلك، تسمَّى بإمام المؤمنين وكان في خراسان، فأرسل إليه الأمين جيشاً لقتاله، وأرسل المأمون جيشاً، فالتقيا، وتقاتلا، وكانت الغلبة لجيش المأمون، واستمرّ القتال بينهما في حروب يطول ذكرها، انتهت بقتل الأمين في أول سنة ثمان وتسعين ومائة، وتولِّي المأمون الخلافة بعده (١). وكان المأمون من أفضل رجال بني العباس حزماً وعزماً وحلماً وعلماً ورأياً ودهاء وهيبة وشجاعة وسؤدداً وسماحة، وله محاسن وسيرة طويلة، لولا ما أتاه من محنة الناس في القول بخلق القرآن، ومع ذلك كان معروفاً بالتشيع (٢)، وقد حمله ذلك على خلع أخيه المؤتمن في سنة إحدى ومائتين، وجعل ولي العهد من بعده علياً الرِّضا بن موسى الكَاظِم بن جعفر الصادق، حمله على ذلك إفراطه في التشيع، حتى قيل: إنه همّ أن يخلع نفسه ويفوِّض الأمر إليه، وهو الذي لقَّبه الرِّضا، وضرب الدراهم باسمه، وزوَّجه ابنته، وكتب إلى الآفاق بذلك، وأمر بترك لبس السواد شعار بني العباس ولبس الخضرة بدلاً منه، فاشتدّ ذلك على بني العباس جداً، وخرجوا عليه، وبايعوا إبراهيم _________ (١) انظر البداية والنهاية (١٠/ ٢٢٢ - ٢٢٧، ٢٣٦ - ٢٤٤)، وتاريخ الخلفاء (ص ٤٧٤ - ٤٨٩). (٢) يقول عنه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٢٧٥): (وقد كان فيه تشيع واعتزال وجهل بالسنة الصحيحة … ، وكان على مذهب الاعتزال لأنه اجتمع بجماعة منهم: بشر بن غياث المِرِّيسي، فخدعوه، وأخذ عنهم هذا المذهب الباطل، وكان يحب العلم، ولم يكن له بصيرة نافذة فيه، فدخل عليه بسبب ذلك الداخل، وراج عنده الباطل، ودعا إليه، وحمل الناس عليه قهراً، وذلك في آخر أيامه وانقضاء دولته). اهـ.

стр. 31

ابن المهدي، ولُقَّب: (المبارك)، فجهَّز المأمون لقتاله، وجرت أمور وحروب، وكان المأمون بخراسان، فسار نحو العراق، فلم يلبث علي الرِّضا أن مات في سنة ثلاث ومائتين، فكتب المأمون إلى أهل بغداد يعلمهم أنهم إنما نقموا عليه بيعته لعلي الرِّضا وقد مات، فردّوا جوابه أغلظ جواب، فسار إليهم، ثم بدأ الناس يتسللون من عهد إبراهيم بن المهدي، فعلم بذلك، فاختفى، ووصل المأمون إلى بغداد، فكلمه العباسيون في لبس السواد، فتوقف، ثم أجاب إلى ذلك (١). وبلغ من تشيع المأمون: أنه في سنة إحدى عشرة ومائتين أمر بأن يُنَادَى: برئت الذِّمّة ممن ذكر معاوية بخير، وإن أفضل الخلق بعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : علي بن أبي طالب (٢). وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين أظهر القول بخلق القرآن مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر ﵃ من غير سبّ لهما (٣)، فاشمأزَّت النفوس منه، وكاد البلد _________ (¬١، ٢) تاريخ الخلفاء (ص ٤٨٩ - ٤٩١، ٤٩٢). (٣) يقول ابن كثير ﵀ في البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٦ - ٢٦٧): (وفي ربيع الأول- يعني سنة ثنتي عشرة ومائتين- أظهر المأمون في الناس بدعتين فظيعتين، إحداهما أَطَمُّ من الأخرى، وهي: القول بخلق القرآن، والثانية: تفضيل علي بن أبي طالب على الناس بعد رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وقد أخطأ في كل منهما خطأ كبيراً فاحشاً، وأثم إثماً عظيماً)، ثم نقل (ص ٢٧٦ - ٢٧٧) عن ابن عساكر أنه روى من طريق النَّضْر بن شُمَيْل قال: دخلت على المأمون، فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين، فقال: ما الإرجاء؟ فقلت: دين يوافق الملوك يصيبون به من دنياهم وينقصون به من دينهم. قال: صدقت. ثم قال: يا نضر، أتدري ما قلت صبيحة هذا اليوم؟ قلت: إني لمن علم الغيب لبعيد، فقال: قلت أبياتاً، وهي: أصبح ديني الذي أدين به … ولست منه الغداة معتذرا حبّ علي بعد النبي ولا … أشْتُم صِدِّيقاً ولا عُمرا ثم ابن عفّان في الجنان مع الـ … أبرار ذاك القتيل مُصْطبرا ألا ولا أشتم الزبير ولا … طلحة إن قال قائلٌ غَدَرَا

стр. 32

يفتتن، فكفّ عن ذلك حتى سنة ثمان عشرة ومائتين حيث امتحن الناس بالقول بخلق القرآن (١)، ولم يتمّ له ما أراد لوفاته في نفس العام، ثم تولى زمام الفتنة من بعده أخوه المعتصم كما سيأتي. وما يدلّ على تميز المأمون بالحزم والدَّهاء والشجاعة وباقي الصفات المتقدم ذكرها: أن عصره شهد فتناً عظيمة وانصداعاً في رعيته، استطاع بدهائه وحزمه ورأيه أن يخمد الفتن ويسوس الناس، لولا خوضه فيما خاض فيه من أمور المعتقد (٢)، حتى إن هناك من يتهمه فيما أظهره من التشيع وحب آل البيت الذي أدّى به إلى أخذ البيعة لعلي الرِّضا بولاية العهد من بعده وتزويجه ابنته، ويرى أنه غير صادق في ذلك، وأنه إنما فعله سياسة لاكتساب ولاء الخراسانيين _________ = وعائش الأُمّ لست أشْتُمها … من يفتريها فنحن منه بَرَا ثم قال ابن كثير بعد ذلك: (وهذا المذهب ثاني مراتب الشيعة، وفيه تفضيل علي على الصحابة، وقد قال جماعة من السلف والدارقطني: من فضّل علياً على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار- يعني في اجتهادهم ثلاثة أيام، ثم اتفقوا على عثمان، وتقديمه على علي بعد مقتل عمر-، وبعد ذلك ست عشرة مرتبة في التشيع على ما ذكره صاحب كتاب البلاغ الأكبر والناموس الأعظم، وهو كتاب ينتهي به إلى أكفر الكفر) اهـ. (١) تاريخ الخلفاء (ص ٤٩٢، ٤٩٣). (٢) ولما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية (١٠/ ٢٧٧) قصة النَّضْر ين شُميل- السابق ذكرها- مع المأمون التي تدل على تشيعه قال- أي ابن كثير-: (وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التي أزرى بها على المهاجرين والأنصار البدعة الأخرى والطّامّة الكبرى، وهي القول بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطي المسكر وغير ذلك من الأفعال التي تعدد فيها المنكر، ولكن كان فيه شهامة عظيمة وقوّة جسيمة في القتال وحصار الأعداء ومصابرة الروم وحصرهم، وقتل رجالهم وسبي نسائهم، وكان يقول: لعمر بن عبد العزيز وعبد الملك حُجَّاب، وأنا بنفسي، وكان يتحرَّى العدل ويتولّى بنفسه الحكم بين الناس والفصل). اهـ.

стр. 33

الذين تشبعت نفوسهم بالعقائد الشيعية. ويحتج أصحاب هذا الرأي بأن علياً الرِّضا لم يكن راغباً في ولاية العهد، وإنما قبلها تحت ضغط المأمون عليه وتهديده له بضرب عنقه إن لم يقبل، ومع ذلك كان موته بسبب أكله لعنب يقال إنه كان مسموماً دسّه له المأمون للتخلص منه بعد أن ظفر منه بما أراد (١)، فالله أعلم. وشهد عصر المأمون فتوحات كثيرة وبخاصة في بلاد الروم، وكان يخرج للغزو بنفسه (٢). ولما توفي خلفه من بعده أخوه أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد، الذي كان عَرِيّاً من العلم كما يقول السيوطي (٣)، فإنه كان أُمِّياً لا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك: أنه كان يتردد معه إلى الكُتّاب غلام، فمات الغلام، فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكُتّاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكُتّاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بني لا تذهب بعد اليوم إلى الكُتّاب، فتركوه، فكان أُمِّيّاً، وقيل: بل كان يكتب كتابة ضعيفة (٤). وكان المعتصم ذا شجاعة وقوة وهمّة، حتى إنه كان يجعل زَنْدَ الرجل بين إصبعيه فيكسره (٥). وكتب إليه ملك الروم مرة كتاباً يتهدده فيه، فأمر بجوابه، فلما _________ (١) انظر مروج الذهب للمسعودي (٤/ ٣٣)، ومقاتل الطالبين (ص ٥٦٢ - ٥٦٥)، والشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص ٢٩٩ - ٣٠٠). (٢) انظر البداية والنهاية (١٠/ ٢٦٩، ٢٧٠، ٢٧١، ٢٧٧). (٣) تاريخ الخلفاء (ص ٥٣١). (٤) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩١)، والبداية والنهاية (١٠/ ٢٩٥). (٥) تاريخ الخلفاء (ص ٥٣١، ٥٣٢).

стр. 34

عُرِض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (١). وهو الذي استطاع القضاء على بَابِك الخُرَّمي الذي يقول عنه الذهبي: (كان أحد الأبطال، أخاف الإسلام وأهله، وهزم الجيوش عشرين سنة، وغلب على أَذِرْ بِيجَان وغيرها، وأراد أن يقيم الملّة المجوسية، وظهر في أيامه المازيار أيضاً بالمجوسية بطبرستان، وعظم البلاء، وكان المعتصم والمأمون قد انفقوا على حرب بابك قناطير مقنطرة من الذهب والفضة) (٢). ولما استنفر المعتصم الجيوش لحرب بابك، ضعفت جبهته مع الروم، وحينما أحيط ببابك الخُرَّمي، كتب الخبيث إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهّز إليّ جمهور جيشه، ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة، فانهض سريعاً إلى ما حولك من بلاده، فخذها، فإنك لا تجد أحداً يمانعك عنها، فركب ملك الروم بعسكره حتى وصل إلى مَلَطْيَة (٣)، فقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً، وأسروا نساءهم. فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج جداً، وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره، وأمر بتعبئة الجيوش، وقال للأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عَمُّورِيَّة (٤)، لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف _________ (١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩١)، والبداية والنهاية (١٠/ ٢٩٦). (٢) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤). (٣) مَلَطْيَةُ- بفتح أوّله وثانيه، وسكون الطاء، وتخفيف الياء-: بلدة من بلاد الروم مشهورة مذكورة تتاخم الشام، وهي للمسلمين. معجم البلدان (٥/ ١٩٢ - ١٩٣). (٤) عَمُّورية- بفتح أوّله وتشديد ثانيه-: بلد في بلاد الروم، سُمِّيَت بعمورية بنت الروم بن اليفز بن سام بن نوح، وهي التي افتتحها المعتصم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين. المرجع السابق (٤/ ١٥٨).

стр. 35

عندهم من القسطنطينية، فسار إليها حتى افتتحها بعد حروب وأمور يطول ذكرها (١)، وهذا الفتح هو الذي قال فيه أبو تَمَّام قصيدته المشهورة: السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءًَ من الكُتُبِ … في حَدِّه الحَدُّ بين الجِدِّ واللعبِ إلى آخرها (٢). وبالجملة فللمعتصم محاسن ومناقب عديدة، إلا أنه شَانَها بفتنة الناس بالقول بخلق القرآن. يقول الذهبي ﵀: (كان المعتصم من أعظم الخلفاء وأهيبهم، لولا ما شَانَ سؤدده بامتحان العلماء بخلق القرآن) (٣). ويقول السيوطي: (بويع له بالخلافة بعد المأمون في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره، من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك؛ وأمر المعلّمين أن يعلِّموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقّة في ذلك، وقَتَلَ عليه خلقاً من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين- يعني ومائتين (٤) -). ثم ما لبث المعتصم أن توفي سنة سبع وعشرين ومائتين (٥)، وهي السنة التي توفي فيها المصنِّف سعيد بن منصور. ب - الحالة الفكريّة: تقدم عرض موجز عن الحالة السياسية للفترة التي عاشها _________ (١) انظرها في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، والبداية والنهاية (١٠/ ٢٨٥ - ٢٨٨). (٢) انظر الموضع السابق من السير. (٣) تاريخ الخلفاء (ص ٥٣١). (٤) تاريخ الخلفاء (ص ٥٣٣). (٥) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٠٦).

стр. 36

المصنِّف سعيد بن منصور ابتداء من بداية الدولة العباسية- تقريباً- وانتهاءً بنهاية ولاية المعتصم. ومن خلال ذلك العرض نلمح بروز العنصر الفارسي في ذلك العصر، وصَاحَبَهُ ظهور الشُّعُوبِيَّة (١)، وحركة الزندقة، والتَّشَيُّع، وفي آخر الأمر محنة خلق القرآن. وجميع هذا موصول بنشأة الدولة العباسية التي ظهرت للوجود، وظهر لظهورها بعض المذاهب الفكرية الغريبة عن الحياة الإسلامية، مما تسبب في ظهور بعض الحركات الانفصالية، وانصداع المجتمع آنذاك، واتّساع الهُوَّة بين العلماء والفئة الحاكمة. ولاشك في أن هناك عدّة أسباب أدّت إلى ظهور هذه المذاهب، من أهمها- في نظري- سببان: أ - ترجمة الكتب الأعجمية واليونانيّة وغيرها إلى العربية. ب - بروز العنصر الفارسي ونشاطه وارتباطه بالجهة الحاكمة. أما ترجمة الكتب الأعجمية واليونانية وغيرها إلى العربية، فإنها أحدثت انفتاحاً آنذاك على ثقافات وعقائد تلك الأمم المترجمة كتبها، كالفارسية والهندية واليونانية، بالإضافة إلى انضمام بعض كُتَّابهم ومفكِّريهم إلى المجتمع الإسلامي، أمثال ابن المُقَفَّع، ومنهم من لبس لباس الإسلام وأبطن الكفر للطّعن في الإسلام من الداخل كما سيأتي في الكلام عن حركة الزنادقة، ومنهم من ليس كذلك، لكنه دخل في الإسلام متلوِّثاً بثقافته السابقة. وكان لبعض خلفاء بني العباس أثر ذو فاعلية في نشاط حركة _________ (١) الشُّعُوبِيَّةُ: فرقة تتعصّب على العرب وتحتقرها، ويربط ذلك بعضهم بتوجّه سياسي وأدبي. انظر: الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول (ص ٢٠، ٢٢ - ٢٣).

стр. 37

الترجمة. فأبو جعفر المنصور أوّل خليفة قرَّب المنجِّمين وعمل بأحكام النجوم، وأوّل خليفة تُرجمت له الكتب السّريانية والأعجمية بالعربية، ككتاب كليلة ودمنة وإقليدس (١). وقال الذهبي: (كان المنصور يُصْغي إلى أقوال المنجِّمين وَيَنْفُقُون عليه، وهذا من هِنَاتِه مع فضيلته) (٢). وبلغت حركة ترجمة هذه الكتب ذِرْوَتَها في عصر المأمون الذي كان يُجِلُّ أهل الكلام ويتناظرون في مجلسه (٣)، فإنه استخرج كتب الفلاسفة واليونان من جزيرة قبرص (٤). ولذلك يعتبر هو أول من أدخل المنطق والفلسفة وسائر علوم اليونان في ملّة الإسلام (٥). ولما ذكره الذهبي (٦) قال: (قرأ العلم والأدب والأخبار والعقليّات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم، وبالغ، وعمل الرَّصَدَ فوق جبل دمشق، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، نسأل الله السلامة). وأما العنصر الفارسي، فإنه الذي قامت على أكتافه دولة بني العباس في عصرها الأول، ولذا عظم في ذلك العصر نفوذ الفرس، مما شجّع أصحاب الديانات الفارسية على القيام بحركة زندقية واسعة، وأتاح الفرصة للشعوبية في أن تسفر عن وجهها. فالموالي كان لهم الدور الأكبر في نشر الدعوة العباسية، وساهموا بالنصيب الأوفر في _________ (١) انظر تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٠). (٢) سير أعلام النبلاء (٧/ ٨٨). (٣) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٨٥). (٤) المرجع السابق (١٠/ ٢٧٨ - ٢٧٩) وتاريخ الخلفاء (ص ٥٢١). (٥) الوسائل إلى معرفة الأوائل للسيوطي (ص ١٣٤). (٦) في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٧٣).

стр. 38

اعتلاء بني العباس عرش الخلافة، وهذا الذي جعلهم في ذلك العصر أصحاب الحَظْوَةِ والنُّفوذ والبأس، فقرَّبهم الخلفاء إليهم، وولَّوْهُم أعلى المناصب في الدولة، وكان لأبي جعفر المنصور قَدَمُ السَّبْقِ في ذلك؛ فهو أول من استعمل مواليه على الأعمال، وقَدَّمهم على العرب، وكثُر ذلك بعده حتى زالت رئاسة العرب وقيادتها، بحيث أصبح العنصر الفارسي أكثر العناصر امتيازاً وتَفَوُّقاً. وفي هذا الجوّ المتسامح استطاع الأعاجم أن يجهروا بعدائهم للعرب، وأن يفخروا عليهم، ويُحَقِّروا من شأنهم (١). ولما ذكر الذهبي مصير الأمر إلى بني العباس قال: (فرحنا بمصير الأمر إليهم، ولكن- والله- ساءنا ما جرى- لَمَّا جرى- من سيول الدماء، والسبي والنهب، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فالدولة الظالمة مع الأمن وحقن الدماء، ولا دولة عادلة تنتهك دونها المحارم، وأنَّى لها العدل؟ بل أتت دولة أعجميّة خراسانية جبّارة، ما أشبه الليلة بالبارحة!) (٢). وهذا ما دفع بعض المؤرخين للقول بأن دولة بني العباس دولة خراسانية شرقية (٣)، وفي هذا يقول المقريزي: (إن بني العباس أخذوا الخلافة بالغَلَبَةِ بأيدي عجم أهل خراسان، ونالوها بالقوة، حتى أزال عجم خراسان دولة بني أمية … ، بل استحالت الخلافة كسرويَّة _________ (١) مقتبس من كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي والسياسي في الحياة الإسلامية في العصر العباسي الأول) (ص ٧٧، ٨٥، ١٣١)، مع بعض التصرف والزيادة من تاريخ الخلفاء (ص ٤٣٠). (٢) سير أعلام النبلاء (٦/ ٥٨). (٣) الآثار الباقية للبيروني (٢١٣) نقلاً عن كتاب (الشعوبية وأثرها الاجتماعي … ) ص ٧٩.

стр. 39

قيصريَّة) (١). ومن أظهر الأدلّة على النزعة الأعجمية في الدولة العباسية: ما حصل للعرب وقتها من القتل الذي يقال إنه بإيعاز من آل العباس أنفسهم. فقد وقع في يد مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية جواب كتاب كتبه إبراهيم بن محمد إلى أبي مسلم الخراساني يأمره فيه بقتل كل من تكلم بالعربية في خراسان (٢). ولذلك يقول الذهبي: (كان أبو مسلم بلاء عظيماً على عرب خراسان، فإنه أبادهم بحدِّ السيف) (٣). ويقول أيضاً: (وقد كان بعض الزنادقة والطُّغَام من التناسُخِيَّة اعتقدوا أن الباري حَلَّ في أبي مسلم الخراساني المقتول؛ عند ما رأوا من تجبُّره واستيلائه على الممالك وسفكه للدماء، فأخبار هذا الطاغية يطول شرحها) (٤). وسئل عبد الله بن المبارك ﵀ عن أبي مسلم: أهو خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيراً من أحد، ولكن كان الحجاج شراً منه (٥). وقال علي بن عَثَّام: قال إبراهيم الصائغ: لما رأيت العرب وصنيعها، خِفْتُ ألا تكون لله فيهم حاجة، فلما سلّط الله عليهم أبا مسلم، رجوت أن تكون لله فيهم حاجة (٦). _________ (١) النزاع والتخاصم للمقريزي (ص ٦٦) نقلاً عن المرجع السابق. (٢) سير أعلام النبلاء (٦/ ٥٨ - ٥٩). (٣) المرجع السابق (٦/ ٥٣). (٤) السابق أيضاً (٦/ ٦٧). (٥) تاريخ دمشق لابن عساكر (١٠/ ١٩٦ مخطوط الظاهرية)، والبداية والنهاية لابن كثير (١٠/ ٧١). (٦) تاريخ دمشق (١٠/ ١٩٠ مخطوط الظاهرية)، وسير أعلام النبلاء (٦/ ٥٣). ويعني إبراهيم الصائغ بكلامه هذا: أن العرب بَدَرَت منهم بعض الهفوات =

стр. 40

وكان إبراهيم بن ميمون الصائغ قائل هذه المقالة أحد ضحايا أبي مسلم، فإنه كان من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة لبني العباس، وكان أبو مسلم يَعِدُهُ إذا ظهر أن يقيم الحدود. فلما تمكّن أبو مسلم، ألَحَّ عليه إبراهيم بن ميمون في القيام بما وعده به حتى أَحْرَجَهُ، فأمر بضرب عنقه، وقال له: لم لا كنت تنكر على نصر بن سيّار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب، فيبعثها إلى بني أميّة؟ فقال له: إن أولئك لم يقرِّبوني من أنفسهم، ويعدوني منها ما وعدتني أنت. وقد رأى بعضهم لإبراهيم بن ميمون هذا منازل عالية في الجنة؛ بصبره على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه كان آمراً ناهياً قائماً في ذلك، فقتله أبو مسلم (١). ويقول أبو نعيم الأصبهاني: (قتله أبو مسلم مظلوماً شهيداً سنة إحدى وثلاثين ومائة) (٢). فظهر مما تقدم أن الشعوبية أعلنت عداءها للعرب في العصر العباسي الأول، وبرز العنصر الفارسي مستغلاً نصرته لدولة العباسية، هذا مع أن الدعوة العباسية ظهرت وانتشرت في خراسان، وكانت خراسان مركزاً للديانات والعقائد الفارسية (٣). والدولة العباسية، وإن كانت في أصلها دولة عربية، إلا أنها قامت على أكتاف قائد فارسي _________ = والمظالم التي جعلته يتخوّف عليهم من أن لا تكون لله فيهم حاجة، ولم يتصور أن العرب مع ما فيهم هم خير من غيرهم في الجملة، فلما رأى ولاية أبي مسلم وما صنع بالعرب من الظلم استدرك، فرجى أن تكون لله فيهم حاجة، فإن الظالم يسلط عليه من هو أظلم منه، ولذلك يقول علي بن عَثَّام بعد ذكره لهذا القول: (ما انتقم الله من قوم ((في الأصل: لقوم)) إلا بشرٍّ منهم). (١) البداية والنهاية (١٠/ ٦٨). (٢) تهذيب الكمال (٢/ ٢٢٤). (٣) انظر كتاب: (الشعوبية وأثرها الاجتماعي … ) (ص ٦٨ - ٧٠، ٨٠).
следующие страницы →