Полный текст (547 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
قفلت ممازحاً له: أَهو ظاهر لك أو ظاهر عنك أي غائب؛ ومعنى ظاهر عنك أي مُجانب لك بارزٌ عنك. ومنه قول الهُذليّ:
وعيَّرها الواشون أَني أُحبُّها ... وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنكِ عارُها
وفسّر البيت فقال: مالكم مجاهرين لي بالعداوة ولا تجاملونني في حال، فالذّئب أصلح منكم لأنه بالليل أطلس أي مجاهر بالليل فقط، ومُداجٍ بالنهار؛ فهو مجاهر في وقتٍ ومُداج في وقت، وأنتم مُصرّون على العداوة.
وكان يحفظ فقراً كثيرة لابن المعتز، ويرويها في مجلسه في الوقت بعد الوقت، وكان يُوهم من حضر أنه من اقتضابه.
منها قوله: إن في الحكم: أن المتواضع من طلاب العلم والحِكَم أكثرهم حظاً،
стр. 387
كما أن المكان المتطامن من أكثر البقاع ماءً.
وأنسُ الأمن بوحشة الوحدة، ووحدة الخوف تذهب بأُنس الجماعة.
ومنع الحافظ خيرٌ من عطاء المضيّع.
وإذا طرت فقع قريباً.
والرجال يُفيدون المال، والمال يُفيد الرجال.
إذا أبصرت العين الشّهوة عَمي القلب عن الاختيار.
من رأى الموتَ بعين أمله رآه بعيداً، ومن رآه بعين عقله رآه قريباً.
العقل صفاء النفس، والجهل كدرها.
لا تلبس السلطان في وقت اضطراب الأمور عليه، فإن البحر لا يكاد راكبه يسلم في حال سكونه، فكيف مع اختلاف رياحه واضطراب أمواجه.
وإن الله تعالى أضاف إلى كل مخلوق ضدّه ليدلّ على أن الوحدة له وحده.
كرمُ الله لا ينقص حِكمته. ولذلك لم تقع الإجابة لكلّ دعوة.
стр. 388
للطالب المُنجح لذّة الإدراك، وللطالب المحروم لذة اليأس.
ومن صحب السلطان فليصبر على قسوته كصبر الغوّاص على ملوحة ماء البحر.
والعالم يعرف الجاهل لأنه كان مرة جاهلاً، والجاهل لا يعرف العالم لأنه لم يكن مرة عالماً.
ومن جعل الحَمْد خاتماً للنّعمة جعله الله مفتاحاً للمزيد.
لو تميّزت الأشياء لكان الكذب مع الجُبن، والصِّدق مع الشَّجاعة، والراحة مع اليأس، والتّعب مع الطمع، والحرمان مع الحرص، والذُّلّ مع الدَّيْن.
ومالُ الميّت يُعزّي ورثته عنه.
كيف تريد من صديقك خُلُقاً واحداً وهو ذو أربع طبائع.
تُرقّع خرق الدنيا ويتّسع، وتشعبها وتنصدع، وتجمع منها ما لا يجتمع.
وكان مليّاً بهذا النّمط ويُفرغ في قالبه، ولكن لم يكن له منه إلاّ لقعة اللِّسان وصَدَى الصوت، وتقطيع اللفظ. فأما التحلي والعمل
стр. 389
فكان منهما على بعد؛ والعقل متى لم يُثمر كرَماً فهو وبال، والحكمة متى لم تُورث عملاً فهي خَبال؛ والكرم ما قاله الأعرابي حين سُئل عنه، فإنه قال: أما الكرم في اللقاء فالبشاشة، وأما في العشرة فالهشاشة، وأما في الأخلاق فالسّماحة، وأما في الأفعال فالنصاحة، وأما في الغِنى فالمشاركة، وأما في الفقر فالمواساة.
قلت لأبي السلم نجبة بن علي: أَابن عباد أحبُّ إليك أم ابن العميد؟
قال: ما فيهما حبيب، على أني برقاعة هذا أشدُّ انتفاعاً مني بعقل ذاك؛ هذا يغضب إذا ترّفعت عن عطائه، وقبضت يدك عن قبول بِرِّه، ومشيت ناكباً عن بابه وقصده؛ وذلك كان يحقد إذا رجوته وتعرّضت له، ويغضب إذا أثنيت عليه وطمعت فيه؛ وهذا يكذب مُتماجناً، وذاك كان يصدق مع الدّماثة ويغيظ؛ وهذا يفعل الخير وإن قاله وأفشاه وبجِحَ به وسحب ذيله عليه، وذاك كان
стр. 390
لا يُقلع عن الشر وإن قرع في وجهه باللائمة، وكُشِط عرضه بالمذمّة؛ وهمُّ هذا في الأخذ والإعطاء، والإبعاد والإدناء؛ وكان دأب ذاك الجمع والمنع والتفلسف ليقع اليأس منه، ويتلذذ بالخيبة عليه؛ وهذا يقول ويفعل بعض ما يقول متجلّداً، وكان ذاك لا يهم ولا ينوي ولا يظنّ ولا يحلم، فضلاً عن القول المٌطمع والعمل النافع؛ وعيبُ هذا أنه يذوب حتى لا يحصل لك منه شيء؛ وكان عيب ذاك أنه يجمد حتى لا تنتفع منه بشيء.
وقلت لأبي السلك يوماً، وقد خرج من دار ابن عباد: كيف ترى الناس؟ فقال: رأيت الداخل ساقطاً، والخارج ساخطاً، وأخذ من قول شبيب؛ فإنه خرج من دار المهلّبي وقال: تركت الداخل راجياً، والخارج راضياً.
стр. 391
وكان أبو السلم من فصحاء الناس؛ سمعته يقول: الكَسير يعثم والحَسِير يوثم.
وقال أيضاً: ما أحسَنَ مِنْقادَ هذا الطائر، بالدال.
وقال للبديهي، لما رأى تعسُّفه في العربية: يا هذا! الكلام لا يُواتيك قسراً ولا يُطيعك كارهاً، تكلّم عن سجية النفس، وعفو الطّباع، واطّرح البقية جانباً، وجانب التكلّف، واتّبع المعنى يتبعك اللفظ، والْحَظِ العقل، فنه نورك، والزم الجادة فهي مسلكك، ولا تذلنّ فتخزى، ولا تعزّن فتُقصَى، وتحكَّم وأنت مٌبقٍ، وخُذ كأنك مُعْطٍ، وكسِّر لهاتك بتصاريف الكلام مُشققاً لا مُتشدِّقاً، تبلغ إرادتك، تملك عادتك.
قلت له: كيف كان حديث ابن العميد؟ قال: " أَلذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها "
стр. 392
وحديث ابن عباد أنتَن من الصُّنان، وأثقل من الصُّدام، وأبغض من القضض في الطعام، وأوحش من أضغاث الأحلام. يتحاشى كأنه صبي مترعرع، يطن أن الأرض لم تقلَّ غيره، وأن السماء لم تُظِلّ سِواه، أما سمعته يشتم في هذه الأيام إنساناً فقال: لعن الله الأهوج الأعوج الأفلج الأفحج الحَفَلَّج، الذي إذا قام لَجْلج وإذا مشى تفحّج، وإن تكلّم تلجلج، وإن تنعم تمجمج، وإن مشى تدحرج، وإن عدا تفجفج.
قال: فهل سمعت بكلام أنبى عن القلب وأسمَج من هذا؟ نعوذ بالله من العُجمة المخلوطة بالتّعريب، ومن العربية المخلوطة بالتعجيم.
ولو أن هذا النقص لم يدلّ إلاّ على اللفظ الذي معدنه اللّسان
стр. 393
لكان العُذر أقرب، لكنه كاشفٌ لِعَوْرة العقل، هاتكٌ لستر المعرفة، ومن استدرجه الله إلى هذه الحال فقد خذله وإن ظنّ أنه منصور، وأفقره وإن حسِب أنه مُثْرٍ.
وسمعته يقول لكاتبٍ بين يديه، وقد كتبَ: " من إسماعيل بن عباد "، وكانت العين من إسماعيل قد تطلّست، ولم يكن لها بياض المشقين بتعحرف للكاتب والقلم.
فقال: يا هذا! عيني هكذا ينبغي أن تُكتب بالله؟ أنت أعمى؟ أما ترى عيني؟ انظر إليها حسناً! أَهي مطموسة، أَهي مملوسَة، أَهي مَطلوسَة، أَهي مَهروسة، أَهي ممْسوحَة، أَهي مَنزوحة، أَهي مَسطوحة؟ وما كاد يسكت.
وهل هذا إلا رقاعة وجهل وكلام رُقعاء المعلّمين والمخنّثين؟! وقال يوماً: ها هنا أشياء لا حقيقة لها.
منها: إمام الرافضَة، والاستطاعة مع الفِعل،
стр. 394
والبَدَل للنجَار، والهيولَى.
فقال الحسين المتكلّم: والحال لأبي هاشم.
стр. 395
فقال: مما يوضح عندي معنى الحال أن مثلك لا يفهمه. وكان هذا الكلام بسبب تنكر له شديد.
فقلت أنشدني الأندلسيّ أبو محمد لبعض شعراء المغرب بيتاً ذكر فيه أشياء زعم أنه لا حقيقة لها.
فقال: وما ذاك البيت؟ فأنشدته:
الجودُ والغولُ والعَنقَاءُ ثالثةً ... أسماءُ أَشياءَ لم تُخلَق ولم تكُنِ
قال: أَوَفي المغاربة من له هذا النَّمَط؟ قلت: سألته عن هذا فقال لي: في المغرب من يقدَّم نثره على نثر إبراهيم بن العبّاس الصُّولي، ويُقدَّم نظمه على نظم أبي تمّام.
فقال: فهل روَى لك غير هذا؟ قلت: نعم أنشدني لشاعر لهم يُعرف بأبي بكر محمد بن فرح في طفيلي يعرف بابن الإمام:
стр. 396
أَفدِيك من مُتوجّد غضبانِ ... حتى يَلُوحَ له ضَباب دخانِ
يَقتاده شَمُّ القُتارِ بأَنفِهِ ... مثل اقتِياد النجم للحيوانِ
وعَلاَ الدُّخانُ بشتّ طولة مُرْبياً ... يُبدِي كمينَ مطابخ الإِخوانِ
وبحانة المُلْهِين جاسُوسٌ لَه ... يُنيبه أَينَ تناكَح الزَّوجانِ
صَبٌّ إِلى الطَّوَفان مرتاحٌ إلى الجَوَلان مضطِغنٌ عَلَى الخلاّنِ
فَتَرى الإماميّين حول رِكابه ... كالخيل صايعةً ليوم رِهانِ
لَو يَسمعون بأَكلةٍ أَو شربةٍ ... بعُمان أَصبح جمعُهم بعمانِ
زارَ الفتَى القرشيَّ لا لتعهّدٍ ... منه، ولا شوق إلى لقْيَانِ
حتّى إذا وُضِع الخوانُ تساقطوا ... نَهماً عليه تساقط الذبّانِ
ورأيتَه من بينهم متخمّطاً ... في لقمة كتخمط السكرانِ
لم يَنصرف إلا وفي أكمامِهِ ... حمْل وفي أَعجافه حمْلانِ
وأَخو ثقيف فرَّ منه قاصداً ... جيّانَ لو أَعنَت قُرى جَيّانِ
стр. 397
لو حلّ نَجْرانَ لم يبعُد عَلَى ... عزَماتِ نِيّته مَدَى نَجْرانِ
كالموت تَسعَى في التخلّص جاهداً ... منه، وتلقَاه بكُلّ مَكان
فعجب من الأبيات وقال: ماذا قال لك في تفسير شت طوله؟ فقلت: زعم أنها بُليْدة.
قال: فما جَيّان؟ قلت: زعم أنه مكان يعرف هكذا.
قال: اكتب الأبيات إلى نجاح، وكان خازن كُتبه.
ثم قال: ما أنشدك شيئاً في الغَزَل؟ قلت: بلى! أنشدني لأبي عُمر الأندلسي:
مهلاً فَما دِينُ الهَوى كُفْرُ ولا ... أعتَدُّ عذلَك لي من التنزيلِ
***
من حاكمٌ بيني وبينَ عَذولي ... الشَّجْوُ شَجْوِي والعَويلُ عويلي
стр. 398
فبِأيّ جارحةٍ أصُون مُعذّبي ... سَلِمت من التَّعذيب والتَّنكيل
إن قلت في عيني فثّمَّ مدامعي ... أو قلتُ في كبِدي فثَمَّ غليلي
وأنشدني لهذا الشاعر بعينه أيضاً:
وأحورَ إن كلَّمتَه فهو شاعرٌ ... بياناً، وإِن لاحظتَه فهو ساحرُ
عَلَى خدّه للياسَمين غلائلٌ ... عليها من الوَرْد النضير ظهائرُ
حُسَامٌ بعينيه ونِطْعٌ بخدّه ... وصبغ دَمِ العُشَّاق في النطْع ظاهرُ
ولابن رَشيق أيضاً:
ولم أَدخُل الحمّام ساعةَ بينهم ... طِلابَ نعيم، قد رضيت ببوسِي
ولكن لتجري دَمعتي مُستهِلَّةً ... فأَبكي ولا يَدرِي بذاك جَليسي
стр. 399
فقال: كنت أحب أن أرى أبا محمد هذا، ولو انتجعنا لبلّغنا له مراده.
وأعدت هذه الكلمة على أبي محمد سنة سبعين، فقال: والله ما أُحبُّ أن أسمع حديثه فكيف أُوثِر أن أُبتَلَى برقاعته.
وله مع حسين المتكلم جواب آخر؛ تناظرا في مسألة حَمي الوطيس، والتحمت الحرب قال لحسين المتكلّم: هذا كلام من لا يعرف الكلام.
فقال: أيها الصاحب! رفقاً فإني أُعرف بحسين المتكلم، ولا يجوز أن أشتهر بشيءٍ لا أكون رأساً فيه.
فقال: وما في هذا؟ إبراهيم المسلم طبيب المارستان يُعرف بالمسلم وهو بعيد مما يُعرف به، قريب مما يقرَف به.
وجرى ليلةً حديث أبي سعيد السّيرافي، وكان ابن عباد يتعصّب له، ويقدّمه على أهل زمانه، ويزعم أنه حضر مجلسه، وأبان عن نفسه فيه، وصادَف من أبي سعيد طودَ حلم وبحر علم.
فقال أبو موسى المعلِّم: شيخٌ يعرف بالحسنكي: إلا أنه لم يعمل في شرح كتاب سيبويه شيئاً.
стр. 400
فنظر إليه ابن عباد متنمراً ولم يقل حرفاً. فعجبنا من ذلك. ثم إني توصلت ببعض أصحابه حتى سأله عن حِلمه عن أبي موسى مع ذبّه عن أبي سعيد، فسأله فقال: والله لقد ملكني الغيظ على ذلك الجاهل حتى عزب عني رأيي، ولم أجد في الحال شيئاً يشفي غلتي منه، فصار ذلك سبباً لسكوتي عنه، فتشابهت الحال الحلم، وما كان ذلك حلماً، ولكن طلباً لنوع من الاستخفاف لائق به. فوالله ما يدري ذلك الكلب ولا أحدٌ ممن خرج من قريته ورقةً من ذلك الكتاب، وهل سبق أحد إلى مثله من أول الكتاب إلى آخره مع كثرة فنونه وخوافي أسراره.
وكان أبو موسى هذا من طبرستان. فعُدَّ هذا التعصُّب من مناقب ابن عباد، وحُجب أبو موسى بعد.
وكان ابن عباد يتطلّب العلل للحجاب، ويتعلق بالريح، وكان له تلذّذ به، وقد حكيت ذلك آنفاً.
وما سمعت في تلافي المحجوب كلاماً ألطف من كلام حدثني به
стр. 401
الخوارزمي عن السّلامي صاحب خراسان؛ قال السلامي: عاتبتُ أبا الفضل البلعمي وزير عبد الملك بن نوح بأبياتٍ على حِجابٍ نالني منه، فقال: لك عندنا - بما استعتبت - العُتْبى، وعلى ما استعديت العَدْوَى. أما نهارنا فمقسوم بين حوائج الناس وإنما نفرغ
стр. 402
بالليل للاستئناس بوجوه الأولياء والخواص فاحضر بالنهار مباسطاً ومخالطاً، وبالليل مؤانساً ومجالساً.
وكان ابن عباد ضد هذا، لأنه كان يشتكي إليه فيقول: الشكوى إليَّ الحجاب إغراء، والصبر عليه يعطفني إلى بعض ما يُلتمس مني.
وسمعته يقول: لله عندي أياد متضاعفة، ونِعمٌ متكاثفة، ومن أجلّها أنه لم يغمسني في مذاهب الإمامية. ومع هذا كان إذا عمل قصيدة في أهل البيت غَلا وتجاوز، وغضّ من الصّدر الأول، وادّعى على الشيخين البُهتان، وعَرَّض وصرّح.
وهذا من فعلاته الذميمة، وجهالاته المشهورة.
وأنشد ثعلب في الحجاب أبياتاً وقال: ما سمعت بمثلها. هكذا سمعناه فيما قرئ على ابن مِقْسَم العطّار النّحوي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وهي:
стр. 403
إذا اعتصم الوالي بإغلاق بابه ... وردَّ ذوي الحاجات ضِيقُ حجابِهِ
ظننت به إحدى ثلاث وربما ... نَزعت بظن واقِعٍ بصَوابِهِ
فقلت به مسٌّ من العِيِّ حاضر ... وفي إذنِهِ للناس إظهارُ ما بِهِ
فإن لم يكن عِيّ اللّسَان فعارض ... من البُخل يَحمي مالَه عن طِلابِهِ
وإِن لم يكُن هذا وذاك فرِيبَةٌ ... يُصِرّ عليها عند إغلاق بابِهِ
وحدثني المرزباني قال: لقد أجاد البصير في قوله:
رُبَّ فتىً تُحمَد أَخلاقُه ... وتَسكُن الأَحرارُ في ذِمّتهِ
قد كثَّر الحاجبُ أَعداءَه ... وسلَّط الذّم عَلَى نعمتِهِ
ومن طريف ما حدثنا به ابن عباد في الوقت الذي تلاقت فيه العساكر بقصر الجصّ، قال: كنتُ في مقيلي فأتاني آتٍ قال:
стр. 404
اسقِني قهوةً بِفَرْطِ اختياري ... خرَجَ الملْك عن يَدَيْ بخْتِيار
وأما أبو الفتح ذو الكفايتين فإنه كان شاباً ذكياً متحركاً حسن الشّعر مليح الكتابة كثير المحاسن، ولم يظهر منه كلّ ما كان في قوته لقِصَر أيامه، واشتعال دولته وطفوها بسرعة.
ومن شعره:
إنّي متَى قَناني تنتَثِر ... أَوصالُها أُنبُوبةً أُنبُوبا
أَدعو بعَاليها العُلا فتُجيبُني ... وأَقِي بحدِّ سنَانِها المرهوبا
ومن شعره:
نَهضتْ تَثَنَّى في الكواعبْ ... كالبَدْر هادَتْه الكواكبْ
стр. 405
فتبرَّجتْ سُدف الدُّجَى ... وتبلّجت ظُلَم الغياهِبْ
للهِ أنت وهُنَّ إِذ ... يَختَلْن من كرمٍ صَواحِبْ
مُتَلألئاتٍ كللآ ... لي ضَمَّها عِقدُ الترائبْ
إني أُعيذكِ أَن تَرُدِّي ... مُقْلتي بمُنىً كَواذِبْ
وتسَوِّدي وجهَ الرَّجَا ... ءِ وتُغْلِقي فتحَ المذاهِبْ
أوَ مَا تَرَيْن مَدَامِعي ... سحّا سَحَائبُها سَواكِبْ
جادَت ديارَكِ أَين كا ... نَت مِثْلَها دِرَرُ السَّحائبْ
محلولَةَ الأَرماق فصْ ... ماءَ العُرَى وُطْفَ الهَيادبْ
وعَدَتْكِ داهيةُ اللَّيا ... لي والحوادثُ والنَّوائبْ
لاَ زِلْن منكِ بحيثُ أَن ... تِ من الشّوائب والمعَايبْ
إني إِذا أُعزَي إليْكِ من الأَقارب أَو أُقَاربْ
стр. 406
لا تَقْطَعِي حَبْلَ القري ... ب وتَكْفُرِي حَقَّ المُنَاسِبْ
فتُفارِقي خلُق الكَري ... مِ وتَضْرِبي مثَلاً لِضَارِبْ:
إنَّ الأَقَارب كالعَقا ... رِب بَل أَضَرُّ من العقارِبْ
لا تَبْخَلي إنَّ الكري ... مَة من مَواهِبها منَاهبْ
كُفِّي السيوفَ عن الحتُ ... وف وإن أطاعَتْها المضَاربْ
لا تَرْغَبي عَن ماجدٍ ... سَمْحِ الخلائق والضَّرائبْ
يُعزَى لآباءٍ غَطَا ... رفةٍ وأُمَّاتٍ نجَائبْ
إنيّ من النفَر الكرا ... مِ السَّادة الشُّم الذوائبْ
يَقِظٌ إذا كرِيَ اللئَا ... مُ عن العُلى كَكَرَى الأَرَانِبْ
стр. 407
أَسَدٌ إذَا وَنَتِ القرُوُ ... مُ عن الوَغَى وَنْيَ الثَّعَالِبْ
عَفٌّ أُطيل ظَمِيئَتيِ ... حتَّى أَرَى صَفْوَ المَشارِبْ
وأُذِلُّ نَفْسي في الكَري ... هَةِ أَو أرى كَرَم المنَاسِبْ
وإذا تُسِيءُ عِصابةٌ ... عَمَّمْتُها شرّ العصَائبْ
كَم مِن عَدُوٍّ كَاشِحٍ ... يَرنُو إليّ بطَرف عاتِبْ
يُبْدِي لنا وجهَ المُشَا ... جِر دونَه صَدْرُ المحَارِبْ
مُتَقلّصِ الأَحشاءِ من ... حسَدٍ دُوَيْن الصَّدْر رَاتِبْ
لَو شئتُ أَحرقُ أهلَه ... من نَهْضتي نارُ الحُبَاحِبْ
سلَّمتُه ليَد الحَوَا ... دِثِ والأمُور إلى عَواقبْ
إن لم تكُن فوقَ الأَكُ ... فّ يَدِي فكَانت للمُغَالِبْ
أو لم تكن فوق الذُّرَى ... قَدَمي فأَعْيَتْها المَذَاهِبْ
стр. 408
وله كلام كثير نظم ونثر. وله في وصف الفرس ما يوفى على كل منظوم، ولو أبقته الأيام لظهر منه فضل كبير.
ودخل بغداد فتكلف واحتفل، وعقد مجالس مختلفة للفقهاء يوماً، وللأدباء يوماً، وللمتكلمين يوماً، وللمتفلسفين يوماً، وفرق أموالاً خطيرة، وتفقد أبا سعيد السيرافي، وعليّ بن عيسى الرُّمّاني وغيرهما، وعرض عليهما المسير معه إلى الرّيّ، ووعدهم ومنّاهم، وأظهر المباهاة بهم، وكذلك خاطب أبا الحسن الأنصاري ابن كعب، وأبا سليمان السجستاني المنطقي، وابن البقّال الشاعر، وابن الأعوج النَّمَري وغيرهم.
ودخل شهر رمضان فاحتشد وبالغ، ووصل ووهب، وجرت في هذه المجالس غرائب العلم وبدائع الحِكمة؛ وخاصة ما جرى للمتفلسفين مع أبي الحسن العامريّ.
ولولا طول الرسالة لرسمت ذلك كله في هذا المكان.
فمن طريف ما جرى، وفي سماعه فائدة واعتبار: ما أَحكيه لك ها هنا.
стр. 409
انعقد المجلس في جمادى الآخرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وغصّ بأهله، فرأيت العامريّ، وقد انتدب فسأل أبا سعيد السّيرافي فقال: ما طبيعة الباء من (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ فعجِب الناس من هذه المطالبة، ونزل بأبي سعيد ما كاد يشده به، فأنطقه الله بالسحر الحلال.
وذلك أنه قال: ما أحسن ما أدّبنا به بعض الموفّقين من المتقدّمين! فإنه قال:
وإذا خطَبْتَ عَلَى الرِّجال فلا تَكُن ... خَطِل الكلام تقُولُه مختالاً
واعلَم بأنّ السكوت لبابةً ... ومن التكلُّف ما يكون مُحالاً
والله يا شيخ لَعينك أكبر من قرارك، ولَمرآك أوْفى من دُخلتك، ولَمنشورك أبين من مطويّك؛ فما هذا الذي طوّعت له نفسك، وسدَّدَ عليه رأيك؛ إني أظن السّلامة بالسّكوت تعافُك، والغنيمة بالقول ترغب عنك. والله المستعان.
فقال ابن العميد، وقد أُعجب بما قال أبو سعيد:
стр. 410
فتَىً كان يَعلُو مفرقَ الحَقّ قولُه ... إذا الخطباءُ الصِّيد عصَّك قِيلُها
جَهِيرٌ ومُمتَدُّ العنان مُناقِلٌ ... بَصيرٌ بِعَوْرات الكَلام خبِيرُها
وقال:
والقائل القولَ الرّفيع الذي ... يَمْرَعُ منه البَلدُ الماحِلُ
ثم التفت إلى العامريّ وأنشد:
وإِن لساناً لم تُعِنْه لبابَةٌ ... كحاطِب ليلٍ يجمع الرّذْلَ حاطبهْ
***
وذي خَلَلٍ في القول يَحسَب أَنه ... مُصيب فما يُلْمِمْ به فَهْو قائلُهْ
***
стр. 411
وفي الصّمتِ ستْر للعَيِيّ وإنّما ... صحيفَةُ لب المرءِ أَن يتكلَّما
***
وفي الصَّمْت شتْر وهو أبهَى بذِي الحِجَا ... إذا لم يكن للنُّطق وجهٌ ومَذْهَبُ
هاتوا حديثاً آخر فقد يئسنا من هذا، ثم أقبل على ابن فارس معلّمه، فقال: يئسنا من كلام أصحابك في الفُرضة والشّط.
فلما خرجنا قلت لأبي سعيد السيرافي: أيها الشيخ! رأيت ما كان من هذا الرجل الخطير عندنا، الكبير في أنفسنا؟ فقال: ما دُهيت قطُّ بمثل ما دُهيت به اليوم، ولقد جَرت بيني وبين أبي بشر متّي صاحب شرح كتب المنطق سنة ست و
стр. 412
عشرين وثلاثمائة في مجلس أبي الفتح الفضل بن جعفر الفرات ملحة كانت هذه أشوس وأشرس منها.
ولولا هربي من الإطالة، وثقل النّسخ، وإدخالي حديثاً في حديث، لحكيت المناظرة التي أومى إليها هذا الشيخ الذي كان إمام زمانه وعالم عصره، لأنه حدثني بها بزَوْبَرِها، وكانت في الفرق بين النحو والمنطق وريم أحدهما على الآخر، وإحصاء الفوائد لكل واحد منهما.
وحضرت المجلس يوماً آخر مع أبي سعيد وقد غصَّ بأعلام الدنيا، وبُنُود الآفاق، فجرى حديث أبي إسحاق الصّابي، فقال ذو الكفايتين:
стр. 413
ذاك رجل له في كل طِراز نسجٌ، وفي كل فضاء رهج، وفي كل فلاةٍ ركبْ، وفي كل غمامة سَكْب؛ الكتابة تدّعيه بأكثر مما يدّعيها، والبلاغة تتحلّى به بأكثر مما يتحلّى هو بها. وما أحلى قوله:
حمراءُ مُصْفَرَّةُ الأَحشاءِ باعثةٌ ... طِيباً تخالُ به في البيت عَطَّاراً
كأَن في وسْطها تِبْراً يُخلّصِهُ ... قَيْنٌ يُضَرِّم في أورَاقِهِ النارَا
وقوله:
ما زلتُ في سُكْري أَلمِّع كفَّها ... وذِراعَها بالقَرْصِ والإِثآر
حتى تركت أَديمها وكأَنّما ... غُرِزَ البَنَفْسَجُ في الجُمّارِ
وبلغ المجلس أبا إسحاق فحضر وشكر، وطوى ونشر، وأورد وأصدر، وكان كاتب زمانه لساناً وقلماً وشمائل، وكان له مع ذلك يدٌ طويلة في العلم الرياضي.
وسمعت أبا إسحاق يقول: هو ابن أبيه، لله دَرّه! ثم أخذ في
стр. 414
تعظيم أبيه، وقال: وكان من أماني الكُبَر لقاؤه، وإني لكثير الإعجاب بكلامه، لأني أجد فيه من العقل أكثر مما أجد فيه من اللفظ، وإني لأَظن أن عقل كل أحد كان ممزوجاً وكان عقله قُراحاً.
قال: ولقد قرأتُ له فصلاً من كتاب له إلى أبي غبد الله المكي العلَوي نديم عضُد الدولة يستحق أن يكتب بالذهب، وهو: ولأن تُدعى من بعيد مرّاتٍ خيرٌ من أن تقصَى من قريب مرّة، وليكن كلامك جواباً تتحرَّزُ فيه، ولا تُعجبَنَّ بتأتّي كلمةٍ محمودةٍ فيلِجَّ بك الإطناب توقُّعاً لمثلها؛ فربما عثرتَ بما يَهدِم ما بنَتْه الأُولى، ثم لا تسلم من تمثُّل صاحبك بقولهم: " رُبَّ رمية من غيرِ رامٍ "، وبضاعتُك من النثر قليلة مُزْجاةٌ، وبالعقلِ يُزَمّ اللسان ويلزم السداد.
فلا تستفزنّك طرْبة الكريم على ما يُفِيتُك عقلك.
والشّفاعة لا تعرضنَّ لها، فإنها مخلقة للجاه؛ وإن اضطررت إليها فلا تهجُم عليها حتى تعرف وقتها، وتحصِّل وزنها؛ فيتقدُّمُك من يتكلّم فيها، فإن وجدت النفس بالإجابة سَمْحة، وإلى الإسعاف هَشّة، فأظهر
стр. 415
ما في نفسك غير محقق ولا مُوهم أن في الردّ عليك ما يُوحشك، وفي المنع ما يقبِضك؛ وليكن انطلاق وجهك إذا دُفعت عن حاجتك أكثر منه عند نجاحها على يدك، ليخفّ كلامك ولا يثقل على مُستمعه منك.
أنا أقول ما أقول غير واعظٍ ولا مُرشد؛ فقد كمَّل الله خصالك، وحسَّن خِلالك إذ فضّلك في كلّ حالك، ولكني أُنبّه تنبيه المشارك. واعلم أن للذِّكرى موقعاً ونفعاً.
قلت له: وقد استحسنت له حسناً، وله أبلغ منه.
فقال: كذاك هو.
قلت: فإنه مع هذا قد أخطأ في العربية في موضع، فدللته عليه.
فقال: لله أبوك.
ولم أذكر الموضع - أيّدك الله بالعلم - لتكون أنت قارئه، أعني أنك تقرأ حرفاً حرفاً حتى تصيبه، فليس الخطأ المستدرك بالتتبّع كالمعثور عليه بالهُجُوم.
وكان ابن عباد يروي لأبي الفضل في رُقعةٍ إليه حين
стр. 416
استكتبه لبويه، وهو: وبسم الله الرحمن الرحيم. مولاي وإن كان سيداً بهرتنا نفاسته، وابن صاحب تقدّمت علينا رياسته، فإنه يعدُّني سنداً ووالداً كما أعدُّه ولداً وواحداً، ومن حق هذا أن يعضد رأيي رأيه حتى يزداد إحكاماً وانتظاماً، ويتظاهر قوة وإبراماً.
وحضرت اليوم المجلس المعمور، فكان من مولانا كلام كثير، وخطابٌ طويل، فقلت إنه لم يزد على الإباء والاستعفاء، بعد التقصّي والاستيفاء، فأومأ إلى إجبار كالمسألة، وإكراه كالطلبة. وأقول بعد أن أقدم مُقدمة:
إن مولاي - وإن كان يستغني عن هذا العمل بتصُّونه وتقلُّله
стр. 417
وعزوف نفسه عن التكثّر بالمال وتحصيله - فإن الأمر مفتقر إلى كفالته، ومحتاج إلى كفايته؛ وما أقول ما أقوله وغرضي إنشاء كتاب أو عقد حساب، أو تفريق مال وجمع، أو تقديم عطاء أو منع، لأن ذلك وإن كان مقصوداً، وفي آلات الوِزارة معدوداً، فإن في كتّابه من يفي به ويستوفيه، ويوفي عليه بأيسر مساعيه، لكن مولانا يريده لتهذيب من هو ولي عهده، ومن يرجوه ليومه وغده، ولا بدّ - وإن كان السِّنْخُ قويماً، والمحتد كريماً، والفضل عميماً، والمجد صميماً، ومركب العقل سليماً - من مناب من يعرف ما السياسة، وكيف الرياسة، وكيف تدبير العامّة والخاصّة، ومن أين تُجتلب الأصالة والإصابة، وبماذا تُعقد المهابة، وكيف تُرتّب المراتب وتُعالج الخطب، وكيف تردّ الخطوب إذا ضاقت المذاهب، وتعْصَى الشهوة لتُحرس الحِشمة، وتُهجر اللذة لتُحصَّن الإمرة.
ولا غنى عمن يقوم في وجه صاحبه فيرادّه إذا بدر منه الرأي المنقلب، ويراجعه إذا جَمَح به اللجّاج المرتكب، ويُعارضه إذا ألحَّ عليه الغَضب الملتهب؛ فما السبب في أن هلكت ممالك جمّة، وبلدان عِدّة، إلا
стр. 418
بأن خضعت أقدارُ الوزارة وانقبضت أطراف الإمارة؛ وليس يفسد ما في الأرض ومن عليها - على ما أرى - إلا بالرجوع في مثل هذا إلى الأذناب.
فلا يَبْخَلَنَّ مولاي بنفسه على هذه الدولة، فمنها الأمين من قبْلِه، فإن كان مسموعاً كلامي، وموثوقاً به اهتمامي فلا يقعنّ انقباض عنّي، ولا إعراض عما سبق منّي. ومولاي مُحكّم بعد الإجابة إلى العمل فيما يشترطه، وغير مراجع فيما تقترحه، وهذا خطي به، وهو على وليّ النعمة حجة لا تبقى معها شبهة.
وسأُتبع هذه المخاطبة بالمشافهة إما بحضوري لديه، أو بتجشّمه إلى هذا العليل الذي قد ألحّ النقرس عليه والسلام.
وكان ابن عباد يحفظ هذه النسخة ويرويها ويفتخر بها. وقال لي أصحابنا بالرّيّ، منهم أبو غالب الكاتب الأعرج: إن هذه المخاطبة من كلام ابن عبّاد افتعلها عن ابن العميد إلى نفسه تشيُّعاً بها، ونفاقاً بذِكرها.
стр. 419
وحدثني اين خارجة قال: كان حمد بن محمد أبو الفرج الكاتب مكيناً عند رُكن الدولة، وكان أبو الفضل لا يُوفيه حقّه، ولا يحسب له تلك المكانة، فعاتبه حَمْد مراراً مُصرِّحاً وكانياً، ثم كتب إليه رقعة طواها على أبيات، وهي:
مالُك موفورٌ فما بالُه ... أَكْسِبك التّيهَ عَلَى المُعْدِم
ولمْ إِذا جئتَ نهضْنا وإن ... جئنا تطاولتَ ولم تُتْمِمِ
وإن خَرَجنا لم تقُل مثلَما ... نقولُ " قدّم طرفَهُ قدّمِ "
إن كنتَ ذا علْم فمَن ذا الذي ... مثلَ الذي تعلَمُ لم يَعلمِ
أو كنتَ في الغارب من دَولةٍ ... فلستُ مِن دونِك في المنسمِ
стр. 420
وقد وَلِينا وعُزِلنا كما ... أنتَ فلم نصغُرْ ولم نَعظُمِ
تكافأَت أَحوالُنا كلُّها ... فصِلْ على الإِنصَاف أَو فاصْرِمِ
قلت لابن خارجة: أَترى هذه الأبيات لحَمْد؟ قال: نعم.
قلت: أَفعاد له إلى محبوبه؟ قال: كان حَرُوناُ، إذا أَبَى لا تأتِّى له، وإذا جمع لا حيلة فيه. " أكسَب " في البيت الأول مردود، غير أن ابن الأعرابي أجازه.
تصفّح أيّدك الله هذه الفِقَر، واعرف تَعَبي بها وإفادتي منها واشتفائي بذكرها والسلام.
فأما أبو محمد بن أبي الثياب، وهو عبد الرزاق بن الحسين البغدادي، فإنه كان ذا فضلٍ واسع، وشعر بارع، وعلم بكل شيء؛ كالمنطق وغريب اللغة.
стр. 421
وله رسالة من خراسان، لما استقرّت به الدار ببُخارا، كتبها إلى أبي الفضل، ولا بأس بسردها ها هنا لتعلم أن الحُرّ إذا ذاق الهوان ممن يستحق الكرامة عليه، شقّ جيبه مستعتباً، وأدرك طائلته مُكافحاً ومُنيِّباً.
كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الرجل الذي اختار لنفسه الوصف بالرياسة، فطالب الصغار والكبار بها في المكاتبة والمخاطبة! ما يسرّني حُسن ما أنت عليه، ولا يعجبني ظاهر ما تدّعيه بباطن ما تنقضه به. ألزم فناءَك هذه السّنين على مُقاساة كِبرك وتجعّد بنانك، وقلّة النّائل منك؛ مع تسيير فنون القريض فيك، ونثر أصناف البديع عليك، ومع التضاؤل لك، وإراقة ماء الوجه بين يديك، والصبر على مَلَلِك وصَلَفك، ومع فتحي عليك أبواب المنطق،
стр. 422
وهِدايتي إياك إلى ضروب ما اقتبسته من أهل المغرب والمشرق؛ ثم يكون آخر أمرك في نظرك لي وإحسانك إليّ أن تقرنني بغلام غرّ جاهل، ونكد عارم، يزيد عليك في البخل، وينقص عنك في الحلم، وتكلّفني لصبر معه، والرضا بالخسف منه؟ ومن ذا علم أن رزق الله منتاب مرتاب وعاد، والمنّ فيه من سائقٍ وحادٍ، غمسَ نفسه في حياض الذل، وفارق حسن التوكل على الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟ ولله ما اتخذت الليل جملاً هارباً من صُقعك، زاهداً في ضرّك ونفعك، إلاّ لقولك في انتشالك لأصحابك: " أبن أبي الثياب لازِقٌ بِبابنا لزوقَ اللّحم بالعظم، وجارٍ معنا جريَ الدم في اللّحم؛ ولو طردناه ما برِحَ، ولو فاز بغيرنا ما فرِح؛ وأين يجد جناباً أمرَعَ من جنابنا، وفناءً أخصب من فنائنا؟ أغرّكم أنه يتلوّى علينا وينحني لدينا؟ ذاك كله ريح، وهو يلبث في اللّوح، إن يوجَّه إلى خُراسان فما بها من ينقع ظَمْأَته، وإن
стр. 423
عاد إلى بغداد، فهي التي عرفها وعرفته، وإن تطاول إلى الشام ومصر، فما بها من يجتلي غُرَّته أو يقبس حكمته، أو يصبر على جشعه الفاضح وسؤاله المُلحّ ".
فها أنا قد شخصت إلى المشرق، وحظيت عند ملكه، ووليت البريد له، وغلبت على مجلسه بالمؤانسة، وحولي الغاشية والضّفف، بعد ما كنت أُعانيه عندك من الشَّظف والجَعْف؛ وما كان كلامك ذاك لي إلا إغراء لي بطلب السعادة العاجلة ونيلها في سهولة، مع التخلص من الغيظ الذي كنت أجرعه عندك صباح مساء، والكذب الذي كنت أُنمّقه فيك في الجدّ والهزل، والخساسة التي كنت أسترها عليه في الصّحو السُّكر، والتلوّن الذي كنت أحتمله منك في الغضب والرّضا.
هذا والمنالة منك دون ما يمسك الرمق، والمبذول عليها فوق مل يجب لك بالحقّ؛ ولولا أني - مع ما أرد مَلّتَه من العتب عليك -
стр. 424
أرجع إلى حفاظٍ لا تعرف منه إلا الاسم، لكان لي في جلدك حزّ ونهسْ، وعلى عرضك جَمْزٌ ورقص.
وما الذي يُرجى منك أكثر مما كان، وولادتك مشهورة ومنشؤك ظاهر، ومبادئ حالك في ارتفاعك محصَّلة، والألسنة بحقائقها دائرة، والأسماع إلى عجائبها صاغية، والقلوب في فضائحها متعجّبة.
ولك في براءة والدك منك كاف، وفي حديث والدتك ما هو غير خاف؛ ومما يدلّ على طلبي البُقيا أني اقتصرت في مكاتبتك على لفظ منثور، ولو نظمت ذلك لكان نقيعك منه يجرعك مضض النّدم على تقصيرك معي ومع نُظرائي فيما تقدّم.
فاذكر هذه اليد لي عندك في عرض ما تقرؤه من هذه الرقعة إليك، وقد شفيت بها فؤاداً كان يتلظّى أسفاً على خدمة ضاعت عندك، وحُرمةٍ بارت لديك؛ ولعلّي قد أطَرْتُك على كثير ممن يلزم فناءك طامعاً في خيرك، أو يشقى بمعرفتك ظاناً لدرك المطلوب منك، ثم ينقلب
стр. 425
عنك بقلب أوقد من قلبي عليك، ولسان أذرب من لساني في عرضك.
عليك سلامٌ لا تواصلَ بعده ... فلا القلب محزون ولا الدمع سافحُ
والله لا حاق الشر إلا بأهله، ولا لصق العارُ إلا بكاسبه، ولا قيل في الخسيس النّذل إى دون ما يستحق، " ذق عُقَق " فقد فاتك من سَبق.
أفادني هذه الرسالة أبو جعفر الخطيب النَّيسابوري، وقال لي: أنا أوصلت الكتاب إلى أبي الفضل مختوماً بعد ما نسخته، قال: وعُدت إليه أُطالبه بالجواب، فقال لي: قد كتبتُ الجواب قبلك، وكان ذلك تحاجُزاً منه، لأنه كان قد انشوى بها حين قرَها.
ولقد أنشدني ابن أبي الثيّاب قصيدة في أبي الفضل، وأنا
следующие страницы →