Полный текст (547 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وله رسالة من خراسان، لما استقرّت به الدار ببُخارا، كتبها إلى أبي الفضل، ولا بأس بسردها ها هنا لتعلم أن الحُرّ إذا ذاق الهوان ممن يستحق الكرامة عليه، شقّ جيبه مستعتباً، وأدرك طائلته مُكافحاً ومُنيِّباً.
كتب:
بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الرجل الذي اختار لنفسه الوصف بالرياسة، فطالب الصغار والكبار بها في المكاتبة والمخاطبة! ما يسرّني حُسن ما أنت عليه، ولا يعجبني ظاهر ما تدّعيه بباطن ما تنقضه به. ألزم فناءَك هذه السّنين على مُقاساة كِبرك وتجعّد بنانك، وقلّة النّائل منك؛ مع تسيير فنون القريض فيك، ونثر أصناف البديع عليك، ومع التضاؤل لك، وإراقة ماء الوجه بين يديك، والصبر على مَلَلِك وصَلَفك، ومع فتحي عليك أبواب المنطق،
стр. 422
وهِدايتي إياك إلى ضروب ما اقتبسته من أهل المغرب والمشرق؛ ثم يكون آخر أمرك في نظرك لي وإحسانك إليّ أن تقرنني بغلام غرّ جاهل، ونكد عارم، يزيد عليك في البخل، وينقص عنك في الحلم، وتكلّفني لصبر معه، والرضا بالخسف منه؟ ومن ذا علم أن رزق الله منتاب مرتاب وعاد، والمنّ فيه من سائقٍ وحادٍ، غمسَ نفسه في حياض الذل، وفارق حسن التوكل على الله الذي بيده ملكوت كل شيء؟ ولله ما اتخذت الليل جملاً هارباً من صُقعك، زاهداً في ضرّك ونفعك، إلاّ لقولك في انتشالك لأصحابك: " أبن أبي الثياب لازِقٌ بِبابنا لزوقَ اللّحم بالعظم، وجارٍ معنا جريَ الدم في اللّحم؛ ولو طردناه ما برِحَ، ولو فاز بغيرنا ما فرِح؛ وأين يجد جناباً أمرَعَ من جنابنا، وفناءً أخصب من فنائنا؟ أغرّكم أنه يتلوّى علينا وينحني لدينا؟ ذاك كله ريح، وهو يلبث في اللّوح، إن يوجَّه إلى خُراسان فما بها من ينقع ظَمْأَته، وإن
стр. 423
عاد إلى بغداد، فهي التي عرفها وعرفته، وإن تطاول إلى الشام ومصر، فما بها من يجتلي غُرَّته أو يقبس حكمته، أو يصبر على جشعه الفاضح وسؤاله المُلحّ ".
فها أنا قد شخصت إلى المشرق، وحظيت عند ملكه، ووليت البريد له، وغلبت على مجلسه بالمؤانسة، وحولي الغاشية والضّفف، بعد ما كنت أُعانيه عندك من الشَّظف والجَعْف؛ وما كان كلامك ذاك لي إلا إغراء لي بطلب السعادة العاجلة ونيلها في سهولة، مع التخلص من الغيظ الذي كنت أجرعه عندك صباح مساء، والكذب الذي كنت أُنمّقه فيك في الجدّ والهزل، والخساسة التي كنت أسترها عليه في الصّحو السُّكر، والتلوّن الذي كنت أحتمله منك في الغضب والرّضا.
هذا والمنالة منك دون ما يمسك الرمق، والمبذول عليها فوق مل يجب لك بالحقّ؛ ولولا أني - مع ما أرد مَلّتَه من العتب عليك -
стр. 424
أرجع إلى حفاظٍ لا تعرف منه إلا الاسم، لكان لي في جلدك حزّ ونهسْ، وعلى عرضك جَمْزٌ ورقص.
وما الذي يُرجى منك أكثر مما كان، وولادتك مشهورة ومنشؤك ظاهر، ومبادئ حالك في ارتفاعك محصَّلة، والألسنة بحقائقها دائرة، والأسماع إلى عجائبها صاغية، والقلوب في فضائحها متعجّبة.
ولك في براءة والدك منك كاف، وفي حديث والدتك ما هو غير خاف؛ ومما يدلّ على طلبي البُقيا أني اقتصرت في مكاتبتك على لفظ منثور، ولو نظمت ذلك لكان نقيعك منه يجرعك مضض النّدم على تقصيرك معي ومع نُظرائي فيما تقدّم.
فاذكر هذه اليد لي عندك في عرض ما تقرؤه من هذه الرقعة إليك، وقد شفيت بها فؤاداً كان يتلظّى أسفاً على خدمة ضاعت عندك، وحُرمةٍ بارت لديك؛ ولعلّي قد أطَرْتُك على كثير ممن يلزم فناءك طامعاً في خيرك، أو يشقى بمعرفتك ظاناً لدرك المطلوب منك، ثم ينقلب
стр. 425
عنك بقلب أوقد من قلبي عليك، ولسان أذرب من لساني في عرضك.
عليك سلامٌ لا تواصلَ بعده ... فلا القلب محزون ولا الدمع سافحُ
والله لا حاق الشر إلا بأهله، ولا لصق العارُ إلا بكاسبه، ولا قيل في الخسيس النّذل إى دون ما يستحق، " ذق عُقَق " فقد فاتك من سَبق.
أفادني هذه الرسالة أبو جعفر الخطيب النَّيسابوري، وقال لي: أنا أوصلت الكتاب إلى أبي الفضل مختوماً بعد ما نسخته، قال: وعُدت إليه أُطالبه بالجواب، فقال لي: قد كتبتُ الجواب قبلك، وكان ذلك تحاجُزاً منه، لأنه كان قد انشوى بها حين قرَها.
ولقد أنشدني ابن أبي الثيّاب قصيدة في أبي الفضل، وأنا
стр. 426
أرويها ها هنا لتعلم أنه كان مظلوماً فيها وفي أخواتها، ولتقف على طريقته الحلوة، ومعانيه السّهلة، ولفظه الخلوب؛ وقال لنا: كانت جائزتي عليها، بعد نظائر تقدمتها، جائزة لا أستجيز ذكرها، لأنها إن كانت تضع من صاحبها إنها لَتَضع منَي أيضاً. القصيدة:
بَرْحُ اشتِياق وادِّكارِ ... ولَهيبُ أنفاسٍ حِرارِ
ومَدامع عَبراتُها ... تَرفضُّ عن نومٍ مُطارِ
لله قلبي ما يُجِنُّ من الهموم وما يوارِي
لقد انقضَى سُكر الشَّبا ... ب وما انقضَى وصَبُ الخُمارِ
وكبِرْتُ عن وصْل الصّغا ... ر وما سلَوت عن الصغارِ
سقياً لتَغْليسي إلى ... باب الرُّصَافة وابتكارِي
أيام أخْطر في الصِّبا ... نشوانَ مَسْحوَب الإزار
حَجّي إلى حجر الصَّرا ... ة وفي حَدائقها اعتمارِي
ومواطِنُ اللذَّات أو ... طاني ودارُ الرّوم داري
كم رُضت فيها من نفا ... ر محرَّم حُلو النَفارِ
ورَعَيت من قُطْرُبُّلٍ ... روضَ الشقائق والبهارِ
стр. 427
ورفَعتُها مِسكيةً ... في ريطتَي خَزٍّ وقارِ
يُعطِي النديمَ بُزالُها ... ما شئتَ من نَوْرٍ ونارِ
كيفَ اعتدال مُعَذَّلٍ ... صحب الغُواة بلا عِذارِ
يستَنّ في طُرُق الصِّبا ... ويَعيث في سُبُل الخَسارِ
فيَصيد غزلانَ الكِنا ... سِ ويَدَّرِي بقَر الصُّؤارِ
من كل عَطشانِ الوشا ... حِ مميّلٍ شَرِق السِّوارِ
بيضٌ غريرَات طُبِعْ ... ن من الدَّلال عَلَى غِرارِ
وعَقائل تضْفو وِحا ... فَ شعورهنّ علَى المَداري
هيفٍ يصلن من الرَّوا ... دف بالزَّنَانير القصارِ
стр. 428
وتعلُّقي من طاعة الأُس ... تاذ بالحَبْل المُغَارِ
لقدِ اختلستُ مُنَى النُّفو ... سِ من ابيضاضٍ واحمرارِ
ولحَظت ما فَتر اللوا ... حظَ من فتور واحورارِ
يوم استقلّوا والدُّمو ... ع تَجود رَوضَ الجُلَّنارِ
لَهَفِي على صُبْح الجِبا ... هِ يَشِي بهِ ليلُ الطِّرارِ
وتواضُع الخد الأَسي ... ل لعَطْفَةِ الصُّدْغِ المُدارِ
خُذْ في هَزارِك يا غلا ... م فقد غَنِيتُ عن الهَزارِ
حَسْبي بأَلحانٍ قمَرْ ... تُ بهنَّ تَغريدَ القُمارِي
لم يَبْقَ لي عيشٌ يَلذّ سِوَى مُعاقرة العُقارِ
***
وإذا استهلَّ ابنُ العمي ... دِ تضاءَلت دِيمَ القِطارِ
خِرْقٌ صفَت أخلاقه ... صفوَ السَّبيك من النُّضارِ
فكأنما رُفِدت مَوا ... هِبُه بأمواج البحارِ
وكأنّ نشرَ حديثه ... نشرُ الخزامَى والعَرارِ
стр. 429
وكأننا مما تُفَرِّق ... راحتاه في نِثارِ
متَثَبِّتٌ يَغْنَى بمح ... مودِ الأَناةِ عن البِدَارِ
كَلِفٌ بطيّ السّرّ تح ... سَب صَدره ليلَ السِّرارِ
يأوِي إلى حِلْم يُعا ... ذُ بهِ ورأْي مسْتَشَارِ
ومُرجَّب يلقَى الحَوا ... دِثَ باحتمالٍ واصْطبارِ
يَرْبَا بِه عزُّ الفَخا ... رِ عن التعرُّض للفخارِ
وتَصونُ مَسمَعه المها ... بَة عن مُماراة المُمارِي
ويُغولُ أَيسَرُ سَعيه ... جَهْلَ المُنَافِس والمُبَارِي
كم يستُر الباغي عُلاَ ... هـ ومَا لهنَّ من استِتارِ
هيهاتَ لا يخفَى عَلى لحظ العُيون سَنا النَّهارِ
قُل للمخيَّب وشْمَكي ... ر هدَمت مجدَ بني زيارِ
стр. 430
خرّبتَ دُورَ محمّد ... فأَبَى جوارَك للديارِ
وقرَيتَها ناراً فخصّ ... صميم قلبك بالأُوارِ
جلَب الجِيادَ إلى قرا ... رك فاجْتُثِثْتَ من القرارِ
زُجَّ النُّسورِ من الصَّفَا ... شُعْثَ المسوكِ من الخَبارِ
تَرْدِي كغِزلان الفلا ... ة بِمثل جِنَّان القِفارِ
ككَواسِر العِقبان طِر ... ن إليك بالأُسد الضَّوارِي
لمّا طلَعن علمتَ أَنك ... من جُموعك في اغترارِ
وفُللِتَ من ذاتِ اليمي ... ن لِشدّة ذات اليسارِ
بالخيل صانَ صدورَها ... في التّبتَّيّ من الصِّدارِ
ومَغاور يُغزِيهُم ... مَن لا يَمَلُّ من الغِوارِ
стр. 431
ليثٌ يَثور فيَسْتثي ... ر قَساطل النَّقْعِ المَثُارِ
فكأَنما هبواتُها ... حَرَقٌ من العَيّون هارِ
في وَقعةٍ قَسمت كُمَا ... تَك للمَنية والإسارِ
وفررتَ فيمن لا يَعُدُّ لمثلها غيرَ الفرارِ
متسربلاً من لؤم فع ... لِك خُطّتَيْ خِزْيٍ وعارِ
هذي النِّكاية لا النِّكا ... ية في البَنِيَّة والجدَارِ
إن الكِبار من الأَمو ... ر تُنال بالهِمَمِ الكِبارِ
***
وإلى أبي الفضل ابتَعث ... تُ هواجسَ الهِمَم السَّواري
ولقد تخيرتُ الرجا ... لَ فما دُفِعت عن الخِيارِ
حتى سكنتُ ظلالَه ... بعدَ ابتلاءٍ واختبارِ
***
يَغْدو عَلى حُرِّ البلا ... دِ غُدوَّ مطلوبٍ بثَار
стр. 432
فتُذِيلُه فتكاتُه ... وتُذيقه طعْمَ الصَّغارِ
***
فتَراه في العُسْر المُضِرّ ... يجودُ جودَ أولي اليسارِ
متهلّلاً للزائري ... ن مرحِّباً بالمُستَزارِ
إني اعتصمت بيُمنه ... فوُقِيت أسباب العثارِ
يا من له طيب الأُرو ... م ومن له طيب النِّجارِ
يا من له نور البدو ... ر ومن له شرف الدَّرَارِي
يا من به مَر ض الحِبا ... ءِ ومَن به حصَر الوقارِ
يا من لديه حَيا العُفا ... ة ومن لديه حِمَى الذِّمارِ
أنت الذي وهب الجرا ... ئرَ عَن علُوٍّ واقتدارِ
أنت الذي ضمن الوفا ... ءَ لجاره كرمَ الجِوارِ
стр. 433
أنت الذي حاز الخِطا ... رَ مضاؤه يوم الخِطارِ
فحويت مضمار العلا ... وجريت فيه بلا مُجارِ
يفديك مَن ظنَّ المكا ... رمَ في اقتصادٍ واقتصارِ
فعداه عن طَلَق الجِيا ... دِ سقوطُه دون العِثارِ
خذها ثمارَ علاك لا ... عرِيَت علاك من الثمارِ
عذراءَ يُخجِل حسنُها ... ما فيّ خَلْعِ العِذارِ
وحدثني جريج المقل الشاعر قال: لما قال أبو محمد:
يغدو عَلَى حُر البلا ... دِ غدوّ مطلوبٍ بثار
قلت له: ما أكذبَكَ لحاك الله! فقال: الذي يقبل هذا في نفسه أكذَبُ مني.
وقال جريج المقل: قد جُبت الآفاق، وسَبَرتُ أصناف الخلْق في الأخلاق، فما رأيت أخسَّ من هذا الرجل، يعني أبا الفضل.
وحدثني أبو غالب الكاتب الأصبهاني قال: كان أبو الفضل يُحاجي
стр. 434
بكلام له من رآه، وهو: " سألت عمَّن شفّني وجدي به، وشفعني حُبّي له، وزعمت أني لو شئت لذَهِلْتُ عقله، ولو أردت لاعتَضت منه، " زعماً، لَعمُر أبيك، ليس بمَزْعَم "
كيف أسلو عنه وأنا أراه، أو أنساه وهو لي تجاه؟ هيهات! هو أغلب عليّ وأقرب إليّ من أن يرخى له عذاري، أو يخلّيني واختياري، بعد اختلاطي بملكه، وانخراطي في سلكه؛ وبعد أن ناط حبّه قلبي نائط، وساطه بدمي سائط؛ فهو جارٍ مني مجرى
стр. 435
الروح في الأعضاء، ومتنسّم معي رَوْح الهواء، إن ذهبت عنه رجعت إليه، وإن هربت منه وقفت عليه، ما أُحب السُّلُّوَّ عنه مع هناته، وما أُوثر الخُلُوَّ منه على عِلاته؛ هذا على أنه إن أقبل لم يُهْنئني إقباله، وإن أعرض لم يطرقني خياله، يبعد عليّ مَناله، ويقرب من غيري نواله، ويردُ عيني خاسية، ويثني يدي خالية، وقد بسط مسافات النفس المتقاربة، وصدّق مَراميَ الظُّنون الكاذبة، وصْلُه يُنْذِرُ بضِدّه، وقُربه يُؤذِن ببُعده، يدنو عِدْل ما يَبرَح، ويأسُو مثل ما يجرح؛ فحاله أحوال، وخلّته خلال، وحربه سِجال. الحسن من عوائده، والجمال من منائحه، والبهاء من فصوله وصفاته،
стр. 436
والسّناء من نعوته وسِماته؛ اسمه طِبق لمعناه، وفحواه وفق لنجواه، ولا يتشابه حالاه، ويتضارع قُطراه، من حيث تلقاه يستنير، ومن حيث تغشاه يستطير؛ كالبدر بين سُعوده قد وسطها وحفّت به يقدُمه النَّسران، ويتلوه نطاق الجوزاء، وهكذا؛ ولو قلت إن الواسطة الغُميصاء لها هادٍ وتابع، إن فرّقتَهما اتفقا، وإن ألَّفتهما تفرّقا، يُقبل بِشَوْك السَّيال، ويُدبر بسفى البُهمى، ويعترض بسُودٍ قِصار سواسية كأسنان الحمار - لصَدقت.
فأَبِن لي ما قُلتُه، فهو تعريض كالتَّصريح، وتمريض كالتصحيح، والسلام.
وحدثني أبو غالب الكاتب قال: كتب أبو الفضل إلى أبي دُلَف الخزْرجي في أوائل عِلّته التي نهَكته وحالفته، يثعاتبه ويعابثه فقال: " الآن علمتُ، أيها الشيخ، أنك لي مكايد، وإلى جميع ما أنهاك
стр. 437
عنه مخالف، وعلى دَيْدَنك المعروف ثابت، وبفضلة لسانك مسحور، وبشائع حلمي عنك مغرور، وليت ثقتك بذلك لا تخونك، وتطوّلي عليك لا يتطاول بك، واغترارك بغيري لا يُزلّك، وليتك، إذ قد ضللت سواءَ السبيل في حظّك، شاوَرتَني فكنتُ لا أبخلُ عليك بالهداية.
يا هذا! شكوتُ إليك أوائل هذه العلّة التي قد تخوَّنتني ونهكتني وكان التَّلافي سهلا، وباب العافية مفتوحاً، فوعدت بالقيام عليها وبذل النصيحة في تدبيرها، وكنت لشكري على ذلك حائزاً، وبمُقترحك مني فائزاً، فتقاعست عني بلا عُذر، ووَقفتَني بين وصْل وهجْر، فلم أدرِ كيف أُخاطبك، وعلى ماذا أُعاتبك؛ لأني يئستُ من نُجوع العتاب فيك، ومن إحاكة الخطاب في قلبك؛ ولأنك مشهور بِقحة، ومذكور بسلاطة، ومعتاد للبهت، وجارٍ على الكذب.
وأول ذلك أنك تدّعي بُنُوّة محمد بن زكريا من ناحية ابنته،
стр. 438
وقد شاهدتُ محمداً وما خلّف بنتاً، ولا وَلَدت بنت لم تكن له ابناً، ولو كانت له بنتٌ وولدت ابناً لم يكن أنت، ذاك للغوائل المجموعة فيك، والعيوب المتناثرة عليك.
ولك تكن العلّة التي رجعت إليك في تدبيرها صَرْعاً ولا صُداعاً، ولا جنوناً ولا جُذاماً، ولا صَمماً، ولا بَكَماً، ولا فالِجاً، ولا لقْوة، ولا سَكْتةً، ولا زَمانةً، ولا شللاً، ولا أَدْرَةً، ولا عِلَةً لا يقوم ببرئها إلا المسيح الذي هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها؛ ولم تحتج في مُداواتي إلى الرُّقى والتمائم، ولا إلى النَّفق في الأرض، أو إلى الطَّيران في السُّكَاك، ولا إلى يدٍ بيضاء كيد موسى ابن عمران، ولا عصَا موسى، ولا إلى قميص يوسف، ولا
стр. 439
إلى عرش بلقيس، ولا إلى لوحٍ من سفينة نوح، ولا إلى فلذةٍ من كبش إبراهيم الذي فدى الله به ابنه إِسحق، كما قال الله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ) ، ولا إلى الصَّدفة التي فيها الدُّرة اليتيمة، ولا إلى شَطْبةٍ من سَنام ناقةِ صالح، ولا إلى زُبْرَة من زُبَرِ الحديد الذي جُعل رَدْماً ليأْجُوجَ ومأْجوجَ، ولا إلى عُسٍّ من لبنِ بقرة بني إِسرائيل التي ذبحوها وما كادوا يفعلون، ولا إلى أدمِغةِ الطير الآبابيل التي رَمَت بحجارةٍ من سِجّيل، ولا تُربةٍ من (إِرَمَ ذاتِ العِمَادِ التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلاَد) ، ولا إلى قطعةٍ من السّحاب المُسَخّر
стр. 440
بين السماء والأرض، ولا إلى لمعة من البرق الذي يخطف الأبصار، ولا إلى مثقال من صوت الرَّعد الذي يسبّح بحمده تعالى، ولا إلى ذرَّةٍ من الشمس التي جُعلت ضياءً للعالمين، ولا إلى قبضةٍ من القمر الذي جُعل نوراً لأهل الخافقين، ولا إلى صبْغٍ من الأصباغ التي تظهر في قوس قُزَح غِبَّ الأنداء المتّصلة، ولا إلى مثقالٍ من السَّراب الذي يحسبه الظمآن ماء، ولا إلى شيءٍ من شحم الذئب الذي لم يأكل يُوسُف، ولا إلى ناب الكلب الذي كان باسطاً ذِراعيه بالوصيد الذي لو اطَّلعتَ عليه لولَّيتَ منه فراراً ولَمُلِئتَ منه رُعْباً، ولا إلى الكِبريت الأحمر، ولا إلى المُومياي الأبيض الذي لا يوجد، ولا إلى
стр. 441
حيلة بُلِنْيَاس ولا إلى قطرات من ماءِ الحيوان تعجُن به هذه الأدوية، ولا إلى مُنخل تنخل به، ولا إلى ذَنَب شَعَر حِمار عُزَير الذي أماته الله مائة عامٍ ثم بعثه، فتنخُلَ به العقاقير، ولا إلى مرارة العَنقاءِ المُغْرب التي لم تُرَ قطُّ، ولا إلى مُخّ البَعُوض، ولا إلى بيض الأَنُوق، ولم تحتج في تدبير علَّتي وجميع أدويتي إلى نهارٍ لا ليلَ بعده، ولا إلى ليلٍ لا نهارَ
стр. 442
بعده، ولا إلى نهارٍ مولج في ليل، ولا إلى ليلٍ مُولَج في نهار، ولا إلى زمان يخرج من أن يكون ربيعاً أو صيفاً أو شتاءً أو خريفاً.
ولو ظننت أن هذه كلها أو بعضها تلزمك أو تدخل في تكلفك لآثرت الموت على العافية؛ فإن في الموت خلاصاً منك، ومُفارقةً لمثلك، ووالله ما أندُب إلا حُسن ظنّي بك، ومُباهاتي أهل مجلسي بفضلك، وقولي: أبو دلف وما أدراك ما أبو دُلَف! لا تنظروا إلى هَزْله، فإن وراءَ ذلك جدّا، وإن أردتم حقيقة ما أقول فافزعوا إليه في حوائجكم؛ فإنكم تجدونه في قضائها قبل إنهائها؛ وهو المرءُ الذي قد جمع الله له بين المنظر والمخْبَر، وبين الدَّعوى والبيِّنة، وبين القول والحُجّة، وبين الضّمان والوفاء، وبين الصداقة والشفَقة. فما زلت أقول هذا أو شِبهه، وأصحابي يُشيِّعون قولي بمثله في الظاهر، ويُخالفونني بعِلمهم في الباطن حتى كان الفُلْجُ لهم ساعة هذه؛ لأني احتجت إلى علمك فخُنتَ عهدي، وأقبلتُ عليك فأعرضتَ عنّي، ووَهبتُ لك كلّي فبَخِلتَ ببعضك عليّ؛ " فيارُبَّ مظنونٍ به الخيرُ يُخْلِفُ "
стр. 443
ولقد استفدتُ بمعرفتك تجنُّب مثلك؛ ويقال: لم يهلك من مالك مَن وعَظك، ومَن أطلَعك على خَبيئه من خيره وشرّه، فقد أراحك من طويل الفكر فيه، وكَفاك خَطر التجربة له والسّلام ".
قلتُ لأبي دُلَف: ما أجبته عن هذا الكلام؟ قال: عملتُ في المسوّدة شيئاً، ثم لم أجسر على إظهاره، وخِفت صَولته ونِكايته وشرّه وغائلته؛ ومما قد حدث في رؤساءِ زمانك أنهم يحقدون على الأتباع، ولا يعرفون حقّهم في الخدمة والطّاعة.
وكنّا يوماً عند ذي الكِفايتين بمدينة السلام، فجرى حديث بغداد، فقال ذو الكفايتين: لمّا رجع ابن عباد من بغداد، قال له الأستاذ الرئيس - نضَّر الله وجهه -: كيف رأيت بغداد؟ قال: رأيت بغداد في البلاد، كالأستاذ في العِباد.
وحَكَى أيضاً في هذا اليوم عن أبيه قال: لمّا انصرف أهل خُراسان سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة أمام الغُزاة من الريّ، بعد
стр. 444
الحادثة التي جرت ودفع الله حدّها، وأعادَ نضارتها، أخذ الرئيس يبني حول دار ركن الدولة حائطاً عظيماً.
فقال له عليّ بن القاسم العارض: هذا كما يُقال: الشَّدُّ بعد الضَّرط.
فقال: هذا أيضاً جيّد لئلا تنفلت أُخرى.
ورأيت أبا الفتح ذا الكِفايتين يسأل أبا الحسن العامِريّ: لِمَ طَلَبت النَّفسُ الفرق بين المتشابهين؟ فقال العامريّ: لأنها في جوهرها، وما هو لائقٌ بها تأبى الكثرة وتنفر منها، وهي تحنُّ إلى الوَحدة بسُوسها، وتنزع نحوها وتتقبَّل كل ما أعانها على ذلك، ويُذَلّل الطريق لها؛ والفرق يوضّح
стр. 445
سبيل الوحدة. وكلما كان الاشتباه أشدّ كان الفرق ألطف. وكلّما كان الفرق ألطف كانت أشدّ بحثاً عنه وألهجَ بطلبه لأن ظفرها به يكون أعزّ، ونيلها مطلوبها يكون أحلى.
وقال أبو الفتح يوماً آخر لابن فارس المعلّم: لِمَ قال الجاحظ: " فإنّ الكلام قد يكون في لفظِ الجِدّ ومعناه الهزل، كما يكون في لفظ الهزل ومعناه الجِدّ "؟ فلم يقُل شيئاً.
فقال أبو الفتح: قد صدق أبو عثمان، هذه خاصة مذاهب العرب، ولكن لِمَ عرض هذا في أخبارها، وأدنى ما فيه أن يدلّ على وضع الشيء في غير موضعه؟ فلم يُحره شيئاً.
فقال هو: إن إفراز الجدّ من الهزل، وتمييز الهزل من الجد حتى لا يُؤتى بهذا في هذا، ولا بهذا في هذا لَنوْعٌ من الخَطر على المتكلّم البليغ والقائل البيّن، ولو جرى على ذلك كان الاقتدار يُبطل الحدَّ الملزوم، والسَّعة تُضيّق الغاية المبلوغة.
стр. 446
ولما كان البيان لا يكون بياناً، والبلاغة لا تصير بلاغة إلا بأن يكون المتكلم آخذاً في كلّ واد، قادحاً بكل زِناد، مُستظهراً بكل عتاد، وجب أن يدخل الهزل في الجدّ إمتاعاً واستمتاعاً، ويدخل الجدّ في الهزل اقتداراً واتّساعاً.
قال ابن فارس: وأيُّ خُصوصيّة تكون في هذا، ونحن بالفارسية نرى هذا المذهب، ولعلّ سائر اللغات على ذلك؟ فقال: القول كما قلت، ولكن أين مزية كلام العرب على جميع ما لأَِصناف العجم؟ ثم قال: إن الغرض الأول في الكلام الإفادة، وجُلُّ الأُمم على هذا. والثاني تحسين الإفادة، ثم التحسين تارةً يكون بمعاني التوكيد، وتارةً يكون بمعاني الحذْف، وتارةً يكون بوزن اللفظ، وبتعديل الوزن، وبتسهيل المطالع، وبتيديل المقاطع؛ وهذه الأنواع غيرها مما يطول إحصاؤه؛ وهو للعرب خاصة، ولباقي الأُمم عامّة.
ثم قال: وقد اشتمل القرآن على هذا كله، وعلى ضروبٍ أُخر لم تن في عادة القوم فاشية ولا كثيرة، ولكن كالشيء البديع، أَلا ترى أنك لا تجد شوافع هذه المعاني التي في الكتاب غريبة في منثور كلامهم ولا في نظومهم؟ وأنت تعلم أنهم كانوا لا يسكتون،
стр. 447
وكان ولوعهم بالكلام أشدَّ من ولوعهم بكل شيء، وكلُّ وَلوع كان لهم بعد الكلام فإنما كان بالكلام.
فهل تجد معنى قوله تعالى في الإنابة عن التّوحيد: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ، إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ، وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) في شيء من كلام.
وكذلك أيضاً لا تجد ما يشبه قوله : (لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُوُلُون إذاً لاَبْتَغَوْا إلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً) .
وكذاك أيضاً لا تجد ما يقارب قوله: (لَوْ كَانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللهُ لَفَسَدَتَا) .
وكذلك لا تجد ما يُداني قوله: (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) ، أو قوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَر) . ثم تدبَّر قوله: (إِنَّا
стр. 448
صَبَبْنَا المَاءَ صَبّاً) ، وقال: (ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّاً) ، وقال: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) ، وقال: (إنَّ في خَلْقِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ وِاخْتِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ التي تَجْرِي في الْبَحْرِ بمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) ، وقال: (وَفي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آياتٌ لقَوْمٍ يُوقِنون) ، وقال: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قَالَ: مَنْ يُحْيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ: يُحْيِيهَا الذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) ، وقال: (الذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) ، وقال: (يأَيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنتُم فِي رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَام مَا نَشَاءُ
стр. 449
إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى ثُمَّ نُخْرِجُكُم طِفْلاً، ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُم مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُم مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمْ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً، وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإذا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْج بَهِيجٍ) ، وقال: (وَمِن آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْها الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) . وقال: (إنَّ الذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) .
ثم قال: وهذا سَبكٌ بديع، وأسلوب مُعجز؛ ولو كانت العرب نغمت بهذه المعاني بعبارات دون عباراتها، أو حلمت بهذه العبارات بمعانٍ دون معانيها، لكنّا نقف ونترجّح، ونرتاب ونضطرب، فأما وشيء لا يصاب لهم، لا على وجه التشبيه ولا على التحقيق فماذا يبقى؟ ثم هب أنهم كانوا مصروفين عنها في الأول وهم لا يأبهون لها، هلاَّ تصرَّفوا فيها في الثاني وقد تُحُدُّوا بها؟ إنّ هذا لَواضح.
стр. 450
وكان مع شبابه وكثرة أشغاله مليئاً بهذا الفن، ولقن أكثره من معلمه ابن فارس؛ فإنه قد ذلل هذا وأشباهه له، وكان ينتصب للناس في جامع الري، ويفسّر القرآن، ويتكلّم على وجوهه ونظائره وتأويلاته، وزاد هو أيضاً أعني أبا الفتح بقوته كشفاً لغامضها، وإبانةً لما خَفي منها؛ وكان على كلّ حال أمثل طريقةً من والده أبي الفضل الذي سُمع يُنشد هازئاً:
وَمُدَّعٍ يدَّعي بالسَّيْفِ حُجتَه ... ما حُجَّةُ السَّيفِ إِلاَّ حُجّةُ البَطَلِ
وينشد:
لَعَن اللهُ ذا العَصَا فلَقَد كا ... نت لقُفْل النَّامُوسِ كالْمفتاحِ
وهذا كله دليل على سوء الضمير، وخبث العقيدة، وشدّة المجاهرة.
قال أبو الفتح يوماً لأبي سليمان: قال أبو عثمان في رسالته في
стр. 451
" التّربيع والتّدوير " إلى ابن عبد الوهاب: " لمَ صرنا تنذكر الشيء المهمّ فلا نقدر عليه حتى ندعه يأساً منه أجمع ما نكون نفساً وأحسن ما نكون تدبُّراً، ثم يُعارضنا ويخطر على بالنا في حال شُغل أو حال نوم، وأسهى ما نكون عنه وأقل ما نكون احتفالاً به ". وأنا أُحب أن أسمع من الشيخ فيه قولاً.
فقال أبو سليمان: ليست النفس على قدرة إرادة الإنسان منها، بل الإنسان على قدر مُراد النفس؛ لأن النفس هي مالكته ومُدبرته ومقوِّمته ومُتمّمتُه ومحرّكته؛ فلو كان الإنسان إذا أراد إِذْكارها أذكَرها، وإذا أراد إنساءها أنساها، كانت النّفسُ تحت مَلَكة الإنسان وجارية على إرادته، ومتصرَّفة بتصريفه وإرادته، إنما هي منها ويقوم هو بها، وكما له من جهتها، وتمامُه من مَعونتها.
فلهذه الحال قد يتذكّر الشيء فلا يجد من النفس إجابة له في ذكر
стр. 452
ذلك الشيء، وقد يسهو عن ذلك الشيء فيُلقى عليه أغفل ما يكون عنه لأنه موجود عندها عَتيد قِبلها، وإنما يكون هذا منها في الفينة بعد الفينة؛ ولو لم يتذكر الإنسان شيئاً جملةً، لكانت النفس الناطقة مغمورة، ولو تذكر كلما شاء لكان قد صفا كل الصَّفاء، فأما وقف بين هاتين المنزلتين تذكر مرة فذكر، وسها مرة فحصر.
وطال كلامه في حديث النفس، واتّسع في فنون منه.
فلمّا انتهى قال له أبو الفتح: عين الله عليك أيها الشيخ! أنت كما قال الأَحْوَص:
إِني إِذا خَفِي الرجالُ وجدتني ... كالشَّمسِ لا تخفَى بكُلِّ مكانِ
стр. 453
إِنّي علَى ما قَد علِمت مُحسَّدٌ ... أَنْمِي عَلَى البَغْضاءِ والشنآنِ
ما تَعتَرِيني مِن خُطوبِ مُلمّةٍ ... إِلا تُشرّفُني وتَرفعُ شَاني
فإذا تَزول تَزول عن مُتَخمِّطٍ ... تُخشَى بَوادِرُه لَدَى الأَقرانِ
فلله دَرُّك ودرُّ زمانٍ أنت من أهله.
فقال أبو سليمان: سعادة ذي الكِفايتين هي التي نعَشَتني عنده، وهيأت وصفي على لسانه، وزوّدتني فخراً بخدمته، وأبقت ذكري منوَّهاً بذكره؛ ولقد كنتُ غضيض الطرف حتى رأيته، كليل اللّسان حتى وصفته، مَبْخوس الحظ حتى عرفته، خامل الذكر حتى خدمته. وإن فسح الله في المدّة فسأستقبل خلق العيش جديداً، والحق مفقود المُنى موجوداً.
وحدثني الخليليّ قال: أول ما عيبَ على هذا الفتى أنه بعد موت أبيه أبي الفضل، أمر
стр. 454
بأن يُنقل المطبخ إلى دار النّساء، فقال الناس: الحمد لله، صار الطعام حِراً والخبز عَورة، والقِدْر والغَضَارُ حُرمة.
والله ما أراد بهذا إلا أن يُصان الخبز كما تُصان ذوات الخُمُر وصواحب المقانع، وإن هذه لغَيرةٌ وضعت في غير موضعها. ثم أنشد لدِعْبل قوله:
صَدِّق أَلِيّتَهُ إِن قال مُجتَهِداً ... إِي والرَّغِيفِ فذاك البَرُّ من قَسَمهْ
وإِن هممتَ بِهِ فافتُك بخُبزَتِهِ ... فإِن مَوقعَها من لحمِهِ ودمِهْ
стр. 455
ما كان أَحسَنَه لو أَن غَيْرتَه ... عَلى جَراذقِهِ كانَت علَى حُرَمِهْ
قال الخليلي: كنت واقفاً في صحن داره خلف شجرة كبيرة، والزمان قيظ، والهاجرة مُحتدِمة، وهو أيضاً واقف تجاه تلك الشجرة لا يلحقني طَرْفه. فقال لخادمٍ بين يديه: قد جُعتُ فأصلحوا الطَّعام، وصيحوا بهؤلاء الأكَلة الطَّغام.
قال: فنزَّت في نفسي أنَفَةٌ سدَّت ما بيني وبين السّماء، فرجعت القَهْقَري ألقُطُ قدمي حتى صرتُ إلى الباب، وفتُّ إلى المنزل؛ وطُلبت فاحتجبت، ثم طلبت فاحتجيت، وقلت: سقطت من عالي السّطح، وانكسرت ساقي؛ وبقيت على هذه التَّعلّة حتى فرّج الله بالقبض عليه.
قال: وهذا عِرْقٌ كان ينبض فيه عن أبيه؛ فإن أباه كان غالياً في هذا الخلُق، وكان يُكابد من سَتْر هذا الداء على نفسه أمراً عسيراً. ولقد
стр. 456
حضر ابن بُندار يوماً، وكان يأكل معه، فنظر إلى غَضارة قد مُلئت ثريداً فأنشد:
ثريدٌ كأَنّ الشَّمس في حَجراته ... نجومُ الثُّرَيا أو عُيون الضَّياوِنِ
فقال: أُفّ، لعن الله قائله! فقال ابن بندار: قائله حسَّان بن ثابت، والنبي ﵇ لا يرضى بلعن من يقول له حاضّاً على جواب المشركين: " قُلْ ومعَك روحُ القُدس ". فسَكَت خَزْيان.
وكان ينجم من قلبه في الوقت بعد الوقت بُغْضُ العرب والأَكَلة؛
стр. 457
أنشد يوماً بيتاً، وقال: أُحبُّ أن أعلم ما يُريد الأعرابيُّ بقوله:
تَرى وَدَك السَّديفِ عَلَى لِحَاهُم ... كَلَوْن الرَّاءِ لَبَّدهُ الصَّقِيعُ
قال: وما انتصف منه أحد كأبي العباس ابن بندار؛ فإنه جرى ليلة حديث العرب والقبائل والأنساب. فقال أبو الفضل: أسَدٌ عِرْقٌ وَشيج ورحاك ونشيج وطراز نسيج، فقال ابن بُندار:
إِذا أَسَدِيٌّ جاعَ يوماً ببلَدةٍ ... وكان سَميناً كَلْبُه فهو آكِلُه
стр. 458
فتغافل أبو الفضل كأنه لم يسمع، وكان حليماً حمولاً لئيماً ذَلُولا.
وقال: أحدّثك من حلمه بأعجب من هذا؛ كُنّا بأَذْرَبيجان لما افتتحناها لإبراهيم بن المرْزُبان وقرَّرناها في يده اتفق أن ظفرنا هناك بطبيب نصرانيّ بغداديّ حسن الحذق، بارع الصناعة، مشهود له بصواب الرأي وجودة التدبير، فأدناه أبو الفضل ورضيَ هدْيَه، وحمِد رأيه وقوله، وكان يخصّه بالبرّ والتحفة؛ فكان من أمره أن أبا الفضل شرب غَداتئذٍ قدحاً من شراب الرُّمان، فبقي في أسفل القدح قليلاً، ومدَّ يده إلى الطّبيب يناوله، تكرِمةً له، ويقول له: اشرب هذه البقية.
فقال له الطبيب: " نَهَى نبيُّكم عن سُؤر الكَلْب "، وأمسك عن القدح.
فاصفرَّ وجه أبي الفضل، ولم ينطق بكلمة، ولا أساء إليه، ولا اعتذر ذاك من فرطته.
стр. 459
ولتدافُع الحديث ما أخرُج من ذكر هذا إلى شأن ذاك. ولقد اضطرب عليّ نسج الرسالة على مذهب المصنّفين، ولكن عذري بيّن، لأني نقلت ما نقلت في وقتٍ صعب وحالٍ عوراء.
سألت العتابيَ، شيخاً من أهل أصفهان كان صحب ابن عباد في أيام الحداثة، عن ترك ابن عباد الشراب.
فقال: والله ما ترك ما ترك لله، ولكن تركه أنه كان إذا سكر افتضح ودعا إلى الفجور به، ولما فشا هذا وقبُحَت القالةُ هَجَره، وأظهر ذلك لتقوى الله، أو لوجه الله تعالى.
ورأيت ابن عباد يوماً يقول لابن أبي هشام: لا تقُل حَرِجت نفسه، إنما الحَرَج للصّدر، قال الله تعالى: (فَلاَ يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) .
فقال له: فأين أنت من قوله تعالى: (ثُمَّ لاَ يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) . فعرق جبينه خجلاً؛ وكان ذاك سبب إعراضه عن هذا الشيخ، وانقلابه عنه بالحرمان.
стр. 460
وقال لي العتابي: كان هذا، يعني ابن عباد يقال له في المكتب: دِيوْجَه، قال: وتفسيره شيطان صغير.
وقال لي ابن الرازي: كلَّمته في شيء يوماً، وقلت في عُرض الكلام: " وكان ذلك لانطلاق لسانه "، فقال له: " اخسأ، الانطلاق في الشيء والطَّلاقةُ في اللّسان ".
قال: فقلت له: ما تصنع بقول الأول وهو يزيد بن الصَّعق يخاطب النّابغة الذّبياني:
وأيُّ الناسِ أَغدَرُ من شآمٍ ... له صُرَدان منطَلَقَ اللسان
следующие страницы →