← Адаб

Адаб · id 12541

أخلاق الوزيرين = مثالب الوزيرين

أبو حيان التوحيدي

Полный текст (547 стр.). Показаны 526–547 · переход к 531.

стр. 526

والنمري هذا مليح الشعر والأدب والخُلُق، ولما توجّه إلى ذي الكفايتين من البصرة وصف بعض ما عَنّاه فقال: لما رأيتُ كرم الأَصما وشجر البلوط خضراً عمّا وفتية عن الفصيح صُمّا ذكرتُ بالبصرة نخلاً جمّا وفتية بيض الوجوه شما ناديتُ ياللَّهم فرِّج غَمّا ما أَسْرعَ الشيء إِذا ما حُمَّا فأما الجملة التي تمّت في أمر أبي الفتح ذي الكفايتين، فقد كنتُ في أول الكتاب قد وعدتُ بروايتها، وهذا موضعها على ما سنَح الرأي فيه، ولعلّها تُفيد وإن لم تكن من خاصّ ما في هذه الجملة؛ لأن الرسالة قد صارت كتاب خُرافة، وذاك أن القصد الأول لم ينحرف إلى هذه الفنون والشُّعب، ولكن الحديث ذُو شجون، وله نَزْوةٌ

стр. 527

من القلب على اللسان، ودبيب على اللسان من القلب، والاحتراس منه يقلّ، والغلط فيه يعرض، وحفظ الكلام على سننه من الكلف الشاقة والأمور الصعبة واللسان فيه أكثر إنصافاً من القلم، واللفظ أعدل من الخطّ. وبعد وقبل فالكلام في نشر العيب، وكشف القناع، وتدنيس العِرض، وهجو الإنسان، ووصفه بالخبائث أكثر استمراراً، والمتكلّم فيه أظهر نشاطاً، وأمرنُ عادة، وأوقد هاجساً، وأحضر عاطساً، وهذا لأن الشر طباع والخير تكلُّف، والطِّينة أغلب. وقد قال بعض فتيان خُراسان: الإحسان من الإنسان زلّة، والرحمة من القادر أُعجوبة، والظُّلم من المُدلّ مألوف. وقد قيل لبعض من انتجع مأمولاً وأدرك حاجته منه: كيف انقلبت عن فلان؟ فقال: منعني لذة هِجائه، وأكرهني على حسن الثّناء عليه، والقلوب مجبولة على حُبّ الإحسان، والألسنة تابعة للقلوب، كما أن العيون ناطقة عن الضّمائر؛ ولهذا قال الشاعر:

стр. 528

تُحدِّثُني العَيْنانِ ما القَلْبُ كَاتِمٌ ... ولاجِنَّ بالبَغْضَاءِ والنظَرِ الشَزْرِ أي لا حائل ولا ستر. واللحظ رائد، والقلب شاهد؛ والرائد لا يكذب أهله، والشاهد لا يكذب نفسه. وقلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد، وكان يُتهادى كلامه، ويُتشاحُّ على ما يُسمع منه: لم صار السبّ والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخفّ على من حُرم مأموله، ومُنع مُلتمسه، من الوصف الحسن والثّناء الجميل، والمدح الأغرّ المحجّل، والتّقريظ البليغ المتقبّل على من صدقه ظنّه، وتحقّق رجاؤه، وحضرته أُمنيته؟ فقال: لأن الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد، والذي يثلب يأخذ لنفسه ما ليس عندها كالمستقبِل؛ فالفصل بينهما كالفصل بين الغارم وما يملكه، وبين الغانم ما يطلبه. وهذا كما قال، وهو أرجع إلى شفاء النفس وبر الغليل، وإلى بلوغ الغاية والاستيلاء على النّهاية. ***

стр. 529

كان من الحديث الذي زللنا عنه قليلاً إلى هذا الموضع أن رُكن الدولة لما مات في أول سنة ستٍ وستين وثلاثمائة، اجتمع أبو الفتح ذو الكفايتين، وعليُّ بن كَامة، وتعاهدا وتعاقدا وتوافقا وتحالفا، وبذل كل واحد منهما لصاحبه الإخلاص في المودّة في السرّ والجهر، والذَّبّ في الظاهر والباطن، والتوقير عند الصغير والكبير، واجتهدا في الإيمان الغامسة، والعقود المؤرَّبة، والأسباب المُغارة الفتل، ودبّرا أمر الجيش، وردّ النافر وركِبا الخطر الحاضر، وعانقا الخطْب العاقر، وباشر كل ذلك أبو الفتح خاصة بحدٍ من نفسه، وصريمة من رأيه، وجودة فكره، وصحّة نيته؛ وتوفيق ربّه.

стр. 530

فلما ورد مؤيد الدولة الريَّ من أصفهان؛ وعاين الأمر متَّسِقاً؛ ولحق كل فتق مُرتَتِقاً، بما تقدّم من الحزم فيه، ونفذ من الرأي الصائب عنده، أنكر الزيادة الموجبة للجند، وكرهها ودَمْدَم بها. فقال له أبو الفتح: بها نظمت لك الملك، وحفِظت لك الدولة، وصُنت الحريم، وإن خالفت هذه الزيادة هواك أسقطت باليد الطولَى. وكان ابن عباد قد ورد، وحطَبه رطب، وتنّوره بارد، وزَرْقه غير نافذ؛ هذا في الظاهر، فأما في الباطن فكان يخلو بصاحبه ويُنزيه على أبي الفتح بما يجد إليه السبيل من الطعن والقدح. فأحسن بذلك كله ابن العميد فألَّب الأولياء على ابن عباد حتى كثر

стр. 531

الشغب، وعظم الخطب، وهمّ بقتله، وقال للأمير: ليس من حق كفايتي في الدولة وقد انتكث حبلها، وقويت أطماع المفسدين فيها، أن أُسام الخَسْف، والأحرار لا يصبرون على نظرات الذلّ وغمزات الهوان. فقال له في الجواب: كلامك مسموع، ورضاك متبوع، فما الذي يُبرد فورتك منه؟ قال: ينصرف إلى أصفهان موفوراً، فوالله لئن أنصفته في مطالبه برفع حساب ما نظر فيه ليعرقنّ جبينه، وليُقذفَنّ جنينه، ولئن أحسّ الأولياء الذين اصطنعتهم بمالي وإفضالي بكلامه في أمري، وسعيه في فسد حالي، ليكوننّ هلاكه على أيديهم أسرع من البرق إذا خطف، ومن المُزنِ إذا نطف.

стр. 532

فقال له: مخالف لرأيك، والنظر لك، والزمام بيدك. وتلطف ابن عباد في عُرض ذلك لأبي الفتح، وقال: أنا أتظلم منك إليك، وأتحمل بك عليك؛ وهذا الاستيحاش العارض سهل الزوال إذا تألّف الشارد من حلمك على شافع كرمك ولّني ديوان الإنشاء، واستخدمني فيه، ورتبني بين يديك، واحْصُرني بين أمرك ونهيك، وسُمني برضاك؛ فإني صنيعة والدك، وأتجدد بهذا صنيعةً لك، وليس بجميل أن تكرَّ على ما بناه ذلك الرئيس فتهُوِّره وتنقضه؛ ومتى أجبتني إلى ذلك وأمّنتنني فإني أكون خادماً بحضرتك، وكاتباً يطلب الزلفة عندك في صغير أمرك وكبيره وفي هذا

стр. 533

إطفاء الثّائرة التي قد تأرّبت بسوء ظنك، وتصديق أعدائي عليّ. فقال في الجواب: والله لا تجاورني في بلد السّرير، وبحضرة التّدبير، وخلوة الأمير، ولا يكون لك أُذن عليّ، ولا عين عندي. وليس لك مني رضىً إلا بالعودة إلى مكانك من إصبهان والسلو عما تحدّث به نفسك. فخرج ابن عباد من الريّ على صورة قبيحة؛ خرج متنكراً بالليل. وذاك أنه خاف الفتك والغيلة، وبلغ أصفهان وألقى عصاه بها ونفسه تغلي، وصدره يفور، والخوف شامل، والوسواس غالب. وهمّ أبو الفتح بإنفاذ من يطلبه ويؤذيه ويُهينه، ويعسف به، فأحسن هو بالأمر؛ فحدّثني ابن المنجّم قال: عمل على ركوب المفازة

стр. 534

إلى نيسابور لما ضاق عطَنُه، واختلف على نفسه ظنه، وإنا لفي هذا وما أشبهه حتى بلغهم أن خراسان قد أزمعت الدلوف إليهم، وتثاورت في الإطلال عليهم. فقال الأمير لأبي الفتح: ما الرأي؟ قد نُمي إلينا ما تعلم من طمع خراسان في هذه الدولة بعد موت ركن الدولة. فقال أبو الفتح: ليس الرأي إليَّ ولا إليك، ولا الهمُّ علي ولا عليك. ها هنا من يقول لك: أنت خليفتي، ويقول لي: أنت كاتب خليفتي، يُدبّر هذا بالمال وبالرجال، وهو الملك عضُد الدولة. قال: فاكتب إليه وأشعره بما قد مٌنينا به، وسَله دواء هذا الداء، وأبلغ في ذلك ما يُوجبه الحزم الصّحيح، ويؤذِن بالسّعي النجيح، فكتب وتلطّف.

стр. 535

وصدر في الجواب: إن هذا الأمر عجيب، رجل مات وخلّف مالاً، وله ورثة وابن، فلم يُحمل إليه شيءٌ من إرثه زيّاً عنه واستئثاراً به دونه، ثم خُوطِب بأن يغرم شيئاً آخر من عنده قد كسبه بجهده، وجمعه بسعيه وكدْحه. هذا والله حديث لم يُسمع بمثله، ولئن استُفتِي فذ هذا الفقهاء لم يكن عندهم منه إلا التعجُّب والاستطراف، ورحمة هذا الوارث المظلوم من وجهين: أحدهما: أنه حُرم ماله بحق الإرث، والآخر: أنه يُطالَب بإخراج ما ليس عليه؛ وإن أبَى قولي حاكمت كل من سامَ هذا إلى من يرضى به. فلما سمع مؤيد الدولة هذا، وقرأه أبو الفتح قال: - ما ترى؟

стр. 536

قال: قد قلت، وليس لي سواه، أقول: هذا الرجل هو الملك، والمدبر، والمال كله ماله، والبلاد بلاده، والجُند جنده، والكلُّ عليه والمهنأُ له، والاسم والجلالة عنده، وليس ها هنا إرثٌ قد زُوي عنه، ولا مال استُؤثر به دونه، والنّادرة لا وجه لها في أمر الجد وفيما يتعلّق باللّعب. أما خُراسان فكانت منذ عشرين سنة تطالبنا بالمال، وتهددنا بالمسير والحرب، ونحن مرة نُسالم ومرة نحارب. ونحن في خلال ذلك نفرق المال بعد المال على وجوه مختلفة، واحسب أن ركن الدولة حيٌّ باقٍ، هل كان له إلاّ أن يُدبّر بماله ورجاله ودُخره وكنزه. أَفليس هذا الحكم لازماً لمن قام مقامه، وجلس مجلسه، وأُلقي إليه زحام الملك، وأصدر عنه كل رأي، وأورد عليه كل دقيق وجليل؟ وهل علينا إلا الخدمة والنُّصرة والمناصحة بكل ما سهل وصعب كما كان ذلك عليه بالأمس من جهة الماضي؟

стр. 537

فقال الأمير: إن الخطب في هذا أراه يطول، والكلام يتردد، والمُناظرة تربو، والحُجّة تقف، والفرصة تفوت، والعدوُّ يستمكن؛ وأرى في الوقت أن نذكر وجهاً للمال حتى نحتج به ثم نستمدّ في الباقي منه، ونُرضي الجُند في الحال، ونتحزّم في الأمر، ونُظهر المرارة والشَّكيمة بالاهتمام والاستعداد، حتى يطير العين إلى خراسان بجدنا واجتهادنا، وحزْمنا واعتمادنا، فيكون في ذلك تكسير لقلوبهم وحسْم لأطماعهم، وباعث على تجديد القول في الصُّلح، وإعادة الكلام في المواعيد، وردّ الحال إلى العادة المعروفة، فقال: أسأل الله بركة هذا الأمر، فقد نُشيَتْ منه رائحة منكرة وما أعرف للمال وجهاً. أما أنا فقد خرجت من جميع ما كان عندي مرةً بما خدمت به الماضي تبرعاً حِدثانَ موت أبي، ومرةً بما طالبني به سراً، وأوعدني بالعزل والاستخفاف من أجله، ومرَّة بما غَرِمت في المسير إلى العراق في نُصرة الدَّولة.

стр. 538

وهذه وجوه استنفذت قُلِّي وكثري، وأتت على ظاهري وباطني، وقد غرمت إلى هذه الغاية ما إن ذكرته كنت كالمُتنّ على أولياءِ نعمتي، وإن سكت كنتُ كالمتّهم عند من يتوقّع عثرتي. وهذا هذا. وأما أحوال النّواحي فأحسن حالنا فيها أنّا نُزجيها إلى الأولياء في نواحيها مع النَّفقة الواسعة في الوظائف والمهمّات التي ننويها. وأما العامّة فلا أحوج الله إليها، ولا كانت دولة لا تَثب إلا بها وبأوساخ أموالها. فقال الأمير وكان ملقَّناً: هذا ابن كامة، وهو صاحب الذخائر والكنوز والجبال والحصون، وبيده بلاد، قد جمع هذا كله من نعمتنا وفي مملكتنا وأيامنا وبدولتنا، وهو جامٌّ ما شِيك، ومختوم ما فّضَّ مذ كان. ما تقول فيه؟

стр. 539

قال: ما لي فيه كلام، فإن بيني وبينه عهداً ما أخيسُ به ولو ذهبت نفسي. فقال: اطلب منه القرض. قال: إنه يتوحّش ويراه باباً من الغضاضة، وقدر القرض لا يبلغ حدّ الحاجة، فإن الحاجة ماسّة إلى خمسمائة ألف دينار على التقريب، ونفسه أنفع لنا وأوردّ على دولتنا من موقع ذلك المال. وبعدُ فرأيه وتدبيره واسمه وصِيته وبِداره إلى الحرب فوق المطلوب. قال: فليس لنا وجه سواه؛ وإذ ليس ها هنا وجه، فليس يأس بأن نُطالع الملك بهذا الرأي لتكون نتيجته من ثم. فقال: أنا لا أكتب بهذا فإنه غَدْر.

стр. 540

قال: يا هذا! فأنت كاتبي وصاحب سرّي وثقتي، والزّمام في جميع أمري، ولا سبيل إلى إخراج هذا الحديث إلى أحد من خلق الله؛ فإن أنت لم تتولَّ حارّه وقارّه، وغثَّه وسمينه، ومحبوبه ومكروهه، فمَن؟ قال: أيها الأمير! لا تَسُمْني الخيانة، فإني قد أعطيته عهداً نفضُه يذَر الدِّيار بلاَقِع، ومع اليوم غد، ولعن الله عاجلة تفسد آجلة. فقال: إني لست أسُومك أن تقبض عليه، ولا أن تُسيء إليه. أَشِر بهذا المعنى على ذلك المجلس، وخلاَك ذمّ؛ فإن رأي الصَّواب فيه تولاّه دونك كما يراه، وإن أضرب عنه عاضنا رأياً غير ما رأينا، وأنت على حالك لا تنزل عنها ولا تُبدل بها؛ وإنما الذي يجب عليك في هذا الوقت أن تكتب بين يديّ حرفين: أنه لا وجه لهذا المال إلاّ من جهة فلان، ولست أولّى مطالبته به، ولا مخاطبته عليه، وفاءً له بالعهد، وثباتاً على اليمين، وجرياً على الواجب؛ ولا أقلّ من أن تُجيب إلى هذا القدر، وليس فيه ما يدلّ على شيء من النَّكث والخلاف والتّبديل.

стр. 541

فما زال هذا وشبهه يتردد بينهما حتى أخذ خطّه بهذا النص على أن يُصدره إلى فارس. فلما حصل الخط، وجنّ الليل، روسل ابنُ كَامَة وحضر، وقال له الأمير: أَما عندك هذا المخنّث فيما أشار به على الملك في شأنك، وأورد عليه في أمرك من إطماعه في مالك ونفسك، وتكثيره عنده ما تحت يدك، وفي ناحيتك مع صاحبيك؟ فقال عليّ بن كامة: هذا الفتى يرتفع عن هذا الحديث، ولعلّ عدواً قد كاده به، وبيني وبينه ما لا منفَذ للسِّحر فيه، ولا مساغَ لظنٍّ سيّءٍ فيه. قال: فما قلت ما سمعت إلا علىتحقيق، ودع هذا كله يذهب في الريح، هذا كتابه إلى فارس بما عرَّفتك، وخطُّه.

стр. 542

قال عليّ: أنا لا أعرف الخطّ، ولكن كاتبي يعرف، فإن أذنت حضر. قال: فليحضر. فجاء الخَثْعَمِيُّ الكاتب، وشهدَ أن الخطّ خطه، فحال ابن كامة على سجيته، وخرج من مُسكه، وقال: ما ظننت أن هذا الفتى بعد الأَيمان التي بيننا يستجيز هذا. قال الأمير: أيها الرجل! إنما أطلعك الملك على نية هذا الغلام فيك، لتعرف فساد ضميره لك، وما هو عليه من هناتٍ أُخر، وآفات هي أكثر من هذا وأكبر؛ وقد حرّك خراسان علينا، وكاتب صاحب جُرجان، وألقى إلى أخينا بهَمَذان، يعني فخر الدولة، أخبارنا، وهو عينٌ ها هنا لِبَخْتِيار وقد اعتقد أنه يعمل في تخليص هذه البلاد له، ويكون وزيراً بالعراق، وقد ذاق ببغداد ما لا يخرج من ضرسه إلا بنزع نفسِه. وكان المجوسيّ أبو نصر قد قدم من عند الملك عضد

стр. 543

الدولة وهو يفتل الحبل ويبرم، ويؤخِّر مرة ويقدّم أخرى، ويهاب مرةً ويُقدِم؛ وكان الحديث قد بُيِّت بليل، واهتُمَّ به قبل وقته بزمان. قال لي علي بن كامة: فما الرأي الآن. قال: لا أرى أمثل من طاعة الملك في البض عليه، وقد كُنا على ذلك قادرين، ولكن كرهنا أن يُظنّ بنا أنّا هجمنا على نصيحنا وكافِينا، وعلى ربيب نعمتنا، وناشيء دولتنا فمهَّدنا عندك العُذر، وأوضحنا لك الأمر. قال: فأنا أكفيكُموه. ثم كان ما كان. قال الخليلي: وكا هذا جرّه عليه الاستبداد بالرأي، والغرارة والتواني وقلة التّجربة، والرُّكون إلى وصية الميت، وسوء النّظر في العواقب، ومجانَبة الحزْم والرأي الثاقب؛ وكان أمر الله مفعولاً. ورأيت الخليلي، والهَرَويّ، والشاعر المغربيَّ، وجماعة من خُلطاء

стр. 544

أبي الفتح، كابن فارس، وابن عبد الرّحيم يخوضون في حديثه، وقالوا: كان الرأي كذا وكذا، فقال المغربي: أجود من هذه الآراء كلها أن كان يضرب عنق المجوسي جهاراً أتى الدهر بما أتى، وما كان ليكون أشدّ مما كان؛ ولعلّه كان يطرح هُنيهةً، ويصير سبباً إلى خلاص. وذهبوا في القول كل مذهب. وفي الجملة القدر لا يسبق، والقضاء لا يملك؛ ومن استوفى أكله استغنى أجله، والكلام فضلٌ، والرأي الدّبري مردود، ومن ساوق الدهر غُلب، ومن لجأ إلى الله فقد فاز فوزاً عظيماً. ما وصلنا - حاطك الله - حديثاً بحديث، وكلمة بكلمة، إلا لتكثر الفائدة، ويظهر العلم، ويكون ما صرّفنا القول فيه مرفوداً بالحُجّة الناصعة، والامتاع المونق. أيها السّامع! قد سمعت صريح الحديث ودعيَّه، وعرفت مسخوطه ومرضيَّه؛ فإن كان الله قد ألهمك العدل، وحبَّبَ إليك الإنصاف، وخفَّف عليك الرفق، ووفّر نصيبك من الخير، ورفع كعبك في الفضل، فقد رضيت بحكمك، وأمِنت عداوتك، ووثقت بما كتب الله لي على لسانك، وجعله حظّي منك.

стр. 545

واعلم أنك إن كنت تريد الاعتذار فقد أسلفت الواضح فيه، وإن كنت تطلب الاحتجاج فقد أتى البيان عليه، وإن كنت تغضب لابن عباد أو لابن العميد فقد شحَنتُ هذا الكتاب من فضلهما وأدبهما وكرمهما ومجدهما، بما إذا ميّزته وأفردته ثم اجتَليْتَه وأبصرته، واقع نفسك، وشفى غليلك، وبلغ آخر مُردك؛ وإلا فعرّفني مَن جمع إلى هذا الوقت عشر ورقاتٍ في مناقبهما وآدابهما ومكارمهما، وما ينطق عن اتّساعهما وقدرتهما، ويدعو إلى تعظيمهما وتوفية حقوقهما ومعرفة أقدارهما وهممهما، ممَّن لهما عليه الإصبع الحسنة، واليد الخضراء، والنّعمة السّابغة، ومن لم يُذكر إلاّ بهما، ومن لم يعرف إلا في أيامهما، ومَن لو لم يلتفت إليه واحد منهما لكان يحرس في الدُّروب، أو يلقُط النَّوى في الشّوارع، أو يُوجد في أواخر الحمّامات. ودع الشعراء جانباً، فإنما ذاك عن حسب دَنيّ، ومذهب زريّ، وطَمع خسيس، ومقام نذل، وموقفٍ مُخجل؛ ولكن هاتِ رسالةً مجرَّدة، وأديباً فاضلاً وعالماً مذكوراً تجرد لنُصرتهما، ودلّ على خفيّ فضلهما، أو عجَّب من جليّ فعلهما!

стр. 546

فإن كنت لا تجد ذلك، فدع الكلب ينبح، فإنما الكلب نبّاح. على أني - حفظك الله - لا أُبرئ نفسي في هذا الكتاب الطويل العريض من دبيب الهوى، وتسويل النفس، ومكايد الشيطان، وغريب ما يعرض للإنسان. فإن وقفت على شيء من ذلك وقرأت العذْلَ علينا، وسال في اللائمة من أجله وإياك أن تجيَ جِلدةً لا تدمي بشفرتك، أو تسنُد إلى جمجُمةٍ لا تقشعِرُّ ذوائبها بريحك، وأن تمتحن جوهراً لا يحاص عيبُه بنارك. واستيقن أن من ركب سنام هذا الحديث كما ركبته، وسبح في غامر هذه القصة كما سبحت، وقال ما قلت، وعرَّض بما عرَّضت، فغير بعيدٍ أن يحكم له وعليه بمثل ما يُحكم به لي وعلي، وإذا كان الحكم لازماً، وهذا القياس مُطَّرداً، فالرضا بهما عزٌ، والصَّبر عليهما شرف وإني لأحسد الذي يقول:

стр. 547

أَعدُّ خمسين عاماً ما عليَّ يدٌ ... لأجنَبِيٍّ ولا فضلٌ لذي رَحمِ الحمد لله شكراً قد قنِعتُ فلا ... أشكو لئيماً ولا أُطْرِي أخَا كَرمِ لأني أتمنّى أن أكونه، ولكنّ العجز غالب، لأنه مَبذور في الطِّينة. ولقد أحسن الآخر أيضاً حين يقول: ضيَّقَ العُذرَ في الضرَاعةِ أَنّا ... لو قَنِعْنا بقسْمنا لَكَفانَا مَا لنا نَعبُد العِباد إذا كَا ... ن إِلى الله فقْرُنَا وغِنَانَا وأدعوها هنا بما دعا به بعض النُّسَّاك: " اللهم ثُن وجوهنا باليسار، ولا تبتذلها بالإقتار فنسْتَرزِق أهل رزقك، ونسَّأل شِرار خَلْقك، فنُبتَلى بحمد من أعطى وذَمِّ من مَنَع. وأنت مِن دونهما وليُّ الإعطاء، وبيدك خزائنُ الأرض والسَّماء. يا ذا الجلال والإكرام. انتهى