Полный текст (547 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
فقلت بعد ارتياع: هذا طويل، ولكن لو أذِن لخرّجت منه فقراً كالغُرر، وشذوراً تدور في المجالس كالشمّامات والدَّسْتَنبُويَات لو رُقي بها مجنوقٌ لأَفاق، ولو نُفث على ذي عائِنة لَبرِئ، لا تُملّ ولا تُستَغثّ، ولا تُعاب ولا تُستَرثّ.
فرُفع ذلك إليه على وجه مكروه وأنا لا أعلم، فقال: طعن في رسائلي وعابها، ورغِب عن نسخها، وأزرَى بها، والله ليُنكرَنّ مني ما عرف، وليعرفنّ حظّه إذا انصرف. كأني طعنت في القرآن، أو رميت الكعبة بخرق الحيض، أو عقرت ناقة صالح، أو سَلَحت في زمزم، أو قلت كان النَّظّام ما نَوياً، أو كان العَلاّف
стр. 492
ديصانياً، أو كان الجبَائي بُتْرياً، أو مات أبو هاشم في بيت خَمَّار، أو كان عبّاد معلّم الصبيان.
وما ذنبي يا قوم إذا لم أستطع أن أنسخ ثلاثين مجلّدة؟ ومن هذا الذي يستحسن هذا التكليف حتى أعذره وهو يرجو بعده أن يمتّعه الله ببصره أو ينفعه بيده؟ ثم ما ذنبي إذا قال لي: من أين لك هذا الكلام المفوف المشوف الذي تكتب إليّ به في الوقت بعد الوقت.
стр. 493
فقلت: وكيف لا يكون كما يوصف وأنا أقطف من ثمار رسائله، وأستقي من قليب علمه، وأشيم بارقه أدبه، وأرد ساحل بحره، وأستوكف قطر مُزنه؟ فيقول: كذبت وفجرت لا أُمَّ لك! ومن أين كلامي الكُدية والشحذ والضَّرع والاسترحام؟ كلامي في السماء، وكلامك في السماد.
هذا - أيدك الله - وإن كان دليلاً على سوء جدّي، فإنه دليل أيضاً على انحلاله وتحزُّقه وتسرعه ولؤمه. انظر كيف يستحيل معي عن مذهبه الذي هو عرقه النّابض وسوسه الثابت وديدنه المألوف.
وهلاّ أجراني مُجرى التاجر المصري والشاذياشي وفلان وفلان؟ أو ما ذنبي إذا قال لي: هل وصلت إلى ابن العميد أبي الفتح ببغداذ؟ فأقول: نعم رأيته وحضرت مجلسه وشاهدت ما جرى له، وكان من حديثه فيما مُدح به كذا وكذا، وفيما تقدّم منه كذا وكذا،
стр. 494
وفيما كفى فيه كذا وكذا، وفيما تكلّف من تقديم أهل العلم واختصاص أرباب الأدب كذا وكذا، ووصل أبا سعيد السيرافي بكذا وكذا، ووهب لأبي سليمان المنطقي كذا وكذا؛ فيزوي وجهه ويتكره حديثه، وينجذب إلى شيءٍ آخر ليس مما شرع فيه، ولا مما حُرِّك له. ثم يقول أعلم أنك إنما انتجعته من العراق، فافرأ عليّ رسالتك التي توسَّلت إليه بها، وأسهبت مقرظاً فيها، فأتمانع فيأمر ويشدد، فأقرؤها فيتَّقد ويذهل.
وأنا أكتبها لك ها هنا لتكون زيادة في الفائدة.
بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم هيّء لي من أمري رشداً، ووفّقني لمرضاتك أبداً، ولا تجعل الحرمان عليّ رصداً.
أقول وخير القول ما انعقد بالصّواب، ما تضمن الصدق، وخير الصِّدق ما جلب النفع، وخير النفع ما تعلق بالمزيد، وخير المزيد ما بدا عن شُكْر، وخير الشكر ما بدا عن إخلاص،
стр. 495
وخير الإخلاص ما نشأ عن إيقان، وخير الإيقان ما صدر عن توفيق.
لما رأيت شبابي هرماً بالفقر، وفقري غِنىً بالقناعة، وقناعتي عجزاً عند التحصيل، عدلت إلى الزمان أطلب إليه مكاني فيه، وموضعي منه، فرأيت طرفه عني نابياً، وعنانه عن رضاي مثنياً، وجانبه في مُرادي خشناً، وإنفاقي في أسبابه سيئاً، والشامت بي على الحَدَثان متمادياً؛ طمعت في السكوت تجلداً، وانتحلت القناعة رياضة، وتألّفت شارد حرصي متوقفاً، وطويت منشور أمري متنزّهاً، وجمعت شتيت رجائي سالياً، وادّرعت الصبر مستمراً، ولبست العفاف محموداً، واتخذت الانقباض صناعة، وقمت بالعلاء مجتهداً.
هذا بعد أن تصفّحت الناسفوجدتهم أحد رجلين: رجلاً إن نطق عن غيظ ودِمنة، وإن سكت سكت على ضِغْنٍ وإحنة. ورجلاً إن بذل كدَّر بامتنانه بذله، وإن منع حصَّن باحتياله بُخله؛
стр. 496
لم يطل دهري في أثنائه متبرّماً بطول الغربة وشظف العيش، وكلب الزمان وعَجَف المال، وجفاء الأهل وسوء الحال، وعادية العدوّ وكسوف البال؛ متضرّماً من الحنق على لئيم لا أجد مُنصرفاً عنه، متقطعاً من الشوق إلى كريم لا أجد سبيلاً إليه - حتى لاحت لي غُرة الأُستاذ فقلت: حلَّ بي الويل، وسال بي السٍّيل! أين أنا عن ملك الدنيا، والفلك الدائر بالنُّعْمى؟ أين أنا عن مشرق الخير ومغرب الجميل؟ أين أنا عن بدر البدور وسعد السعود؟ أين أنا عمن يرى البخل كفراً صريحاً، ويرى الإفضال ديناً صحيحاً؟ أين أنا عن سماء لا تفتر عن الهطلان، وعن بحر لا يقذف إلا باللؤلؤ والمرجان؟ أين أنا عن فضاءٍ لا يُشقُّ غُباره، وعن حرَم لا يضام جواره؟ أين أنا عن منهلٍ لا صدر لفُرّاطه ولا منع لوُرّاده؟
стр. 497
أين أنا عن ذَوبٍ لا شوب فيه، وعن صددٍ لا حَدَد دونه؟ بلى! أين أنا عمّن قد أتى بنُبُوّة الكرم، وإمامة الإفضال، وشريعة الجُود، وخلافة البَذْل، وسياسة المجد، نسيمه مَشيمة البوارق، ونفسه نفيسة الخلائق؟ أين أنا عن الباع الطويل والأنف الأشمّ والمشرب العَذب والطريق الأمم؟ لم لا أقصد بلاده؟ لم لا أقتدح زناده؟ لم لا انتجع جنابه وأرعى مراده؟ لم لا أسكن رَبْعَه وأستدعي نفعه؟ لم لا أخطب جوده وأعتصر عوده؟ لم لا أستمطر سحابه وأستسقي ربابه؟
стр. 498
لم لا أستميح نيله وأستَسْحب ذيله؟ لم لا أحجُّ كعبته، وأستلم ركنه؟ لم لا أصلّي إلى مقامه مؤتمّاً به؟ لم لا أُسبّح بثنائه متقدساً؟ لم لا أحكم في حالي؟
فتىً صِيغ من ماءِ البَشَاشَةِ وجهُه ... فأَلفاظُه جودٌ وأنفاسُه مَجْدُ
لم لا أقصد:
فتىً بان للناسِ في كفّه ... من الجُودِ عَينَان نضَّاختان
لم لا أمتري معروف:
فتىً لا يُبالي أن يكونَ بجسمِه ... إذَا نالَ خَلاَّتِ الكرام، شحوبُ
لم لا أَمدح:
فتىً يشترِي حُسنَ الثناءِ برُوحه ... ويعلَم أَعقابَ الحديث تدوم
стр. 499
نعم! لم لا انتهي في تقريظ فتىً لو كان من الملائكة لكان من المقرّبين، ولو كان من الأنبياء لكان من المرسلين، ولو كلن من الخلفاء لكان نعتُه اللائذ بالله، أو المنصف في الله، أو المُعتضِدَ بالله، أو المنتصب لله، أو الغاضب لله، أو الغالب لله، أو المرضيَّ لله، أو الكافي بالله، أو الطالب بحق الله، أو المُحيي لدين الله.
أيها المنتجع قَرْن كلئه المختبط ورق نعمته، ارْعَ عرض البِطان مُتفيِّئاً بظله، وكُلْ خَضْماً ناعم البال متعوّذاً بعزّه، وعِش رخيَّ اللَبب، معتصماً بحبله، ولُذ بذُراه آمنَ السِّربْ، وامحض وده بالله القلب، وقِ نفسك من سطوته بحُسن الحِفاظ، وتخيَّر له ألطفَ المدح، تفُز بأيمن القدح؛ ولا تحرم نفسك بقولك: إني
стр. 500
غريب المثوى نازح لدار، بعيد النَّسب منسيّ المكان؛ فإنك قريب الدار بالأمل، داني النُّجْع بالقصد، رحيب السّاحة بالمُنى، ملحوظ الحال بالحسد، مشهور الحديث بالدرك.
واعلم علماً يلتحم باليقين ويدرأ من الشكّ أنه معروف الفخر بالمفاخر، مأثور الأثر بالمآثر؛ قد أصبح واحد الأنام، تاريخ الأيام، أسد الغياض يوم الوغى، نور الرياض يوم الرضا، إن حُرِّك عند مكرمةٍ حرِّك غُصناً تحت بارح، وإن دُعي إلى اللقاء دُعي ليثاً فوق سابح.
وقل إذا رأيته بلسان التحُّكم: أصلح أديمي فقد حَلِم، وجدِّد شبابي فقد هرم، وأنطق لساني بمدحك فقد حصر، وافتح بصري بنعمتك فقد سَدِر، واتلُ سورة الإخلاص في اصطناعي فقد سردتُ صفائح النُّجح عند انتجاعي. وقل: رِشْ عظمي فقد بَراه الزمان، واكْسُ
стр. 501
جلدي فقد عراه الحدَثان، وإياك أن تقول: يا مالك الدنيا جُد لي ببعض الدنيا، فإنه يحرمُك، ولكن قل: يا مالك الدنيا هب لي الدنيا.
اللهم فأحْي به بلادك، وانعش برحمته عبادك، وبلِّغه مرضاتك، وأسكنه فردوسك، وأدِم له العزّ النامي والكعب العالي، والمجد التليد، والجدَّ السعيد، والحق الموروث والخير المبثوث والوليّ المنصور، والشانئَ المثبور، والدّعوة الشاملة، والسَّجية الفاضلة، والسِّرب المحروس، والربع المأنوس، والجَناب الخصيب والعدُوّ الحريب، والمنهل القريب؛ واجعل أولياءه باذلين لطاعته، ناصرين لأعزّته، ذابِّين عن حرمه، مُرَفرفين على حَوْبائه.
أيها الشمس المضيئة بالكرم، والقمر المنير بالجمال، والنجم الثاقب بالعلم، والكوكب الوقّاد بالجود، والبحر الفياض بالمواهب، قد سقط العشاء بعبدك على سرحك فأقره من نعمتك بما يُضاهي قدرك،
стр. 502
وزوِّجْ هيئته ترِبها من الغنى، فطال ما خطب كُفأها من هى.
ثم يقال لي من بعد: جنيت على نفسك حين ذكرت عدوّه بخير، وبيّنت عنه، وجعلته سيد الناس، فأقول: كرهتُ أن يراني مُندَرِياً على عرض رجل عظيم الخطر، غير مكترث للقعة فيه، والإنحاءِ عليه؛ وقد كان يجوز أن أُشعّث من ذلك شيئاً وأبري من أثلته جانباً، وأُطير إلى جنبه شرارة.
فيقال أيضاً: جنيت على نفسك وتركت الاحتياط في أمرك؛ فإنه مقتك وعافك ورأى أنك في قولك عدوت طورك، وجهلت قدرك، ونسيت وزنك؛ وليس مثلك من هجم على ثلب من بلغ رتبة ذلك الرجل، وأنت متى جسرت على هذا دربت به وجعلت غيره في قرنه.
стр. 503
فإذا كانت هذه الحالات ملتبسة، وهذه العواقب مجهولة فهل يدور العمل بعدها إلا علىالإحسان الذي هو علة المحبّة، والمحبّة التي هي علة الحمد، والإساءة التي هي علة البُغض، والبُغض الذي هو علّة الذّمّ؟ فهذا هذا.
وكان ابن عباد شديد الحسد لمن أحسن القول وأجاد اللفظ. وكان الصوابُ غالباً عليه، وله رفق في سرد حديث ونيقةٌ في رواية خبر، وله شمائل مخلوطة بالدّماثة، بيِّن الإشارة والعبارة.
وهذا شيءٌ علم في البغداديين وكالخاصّ في غيرهم.
حدَّثته ليلة بحديث فلم يملك نفسه حتى ضحك واستعاد، ثم قيل لي بعد: إنه كان يقول: قاتل الله أبا حيان! فإنه نكد وإنه وإنه، وأكره أن أروي ذمّي بقلمي، وكان ذلك كله حسداً محضاً، وغيظاً بحتاً.
وأروي لك الحديث، فإنه في نهاية الطِّيب، وفيه فُكاهة ظاهرة، وعِيٌّ عجيب في معرض بلاغة ظريفة في ملبس فهاهة.
стр. 504
حدثني القاضي أبو الحسن الجرّاحي قال: لحقتني مرةً على صعبة؛ فمن طريف ما مرَّ على رأسي فيها أنه دخل عليّ في جملة من عاداني شيخ الشُّونِيزِية ودوّارة الحمار والتوثة وفقيهها أبو الجعد الأنباري، وكان من أصحاب البَربَهاري، فقال أول ما قعد: يقع لي فيما لا يقع إلا لغيري أو لمثلي فيمن كان كأنه مني أو كأنه كان على سنّي أو كان معروفاً بما لا يُعرف به إلاّي أني أرى أنك لا تحتمي إلا حِميةً فوق ما يجب، ودون ما لا يجب، وبين فوق ما لا يجب وبين دون ما لا يجب فرق، والله يعلم أنه لا يعلمه أحد ممن يعلم أو لا يعلم.
الطبّ كله أن تحتمي حِمْيةً بين حميتين؛ حمية كَلاَ حِمْية، ولا حمية
стр. 505
كحمية، وهذا هو الاعتدال والتّعديل والتعادل والمعادلة. قال الله تعالى: (وَكَان بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) ، وقال النبي ﷺ : " خير الأمور أوسَاطُها، وشرُّها أطرافُها "؛ والعلة في الجملة والتفصيل إذا أقبلت لم تُدبر، وإذا أدبرت لم تُقبل، وأنت من إقبالها في خوف، ومن إدبارها في التّعجُّب؛ وما تصنع بهذا كله؟ لا تنظر إلى اضطراب الحمية ولكن انظر إلى جهل هؤلاء الأطباء الألبّاء الذين يُشققون الشّعر شقاً، ويدُقُّون البعر دقاً، ويقولون ما يدرون وما لا يدرون زَرَقاً وحمقاً؛ وإلى قلّة نُصحهم مه جهلهم، ولو لم يجهلوا إذا لم ينصحوا كان أحسن عند الله والملائكة، ولو نصحوا إذا جهلوا كان أولى عند الناس وأشباه الناس، والله المستعان.
أنت في عافية، ولكن عدوك ينظر إليك بعين الأُست، ويقول: وجهه وجه من قد رجع من القبر بعد غد. وعلى حالٍ فالرجوع من القبر خير من الرجوع إلى القبر، لعن الله القبر لا بزاز ولا خبَّاز ولا دراز ولا
стр. 506
تجواز " إنا لله وإنا إليه راجعون "، عن قريب إن شاء الله، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) ، (وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّءُ إلاَّ بِأَهْلِهِ) ، (وَهُو علَى جَمْعِهِم إِذا يَشَاءُ قَدِيرٌ) ، (وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ) .
تأمر بشيء؟ السُّنّة في العيادة، خاصّة عيادة الكبار والسادة، التخفيف والتطفيف وقلّة الكلام، أنا إن شاء الله عندك بالعشيّ، والحق الحقَّ وأقوم بما يجب على مثلك لمثلي، وإن كان ليس لك مثل، ولا لمثلي مثل؛ هكذا إلى باب الشام وإلى قنطرة الشوك وإلى المزْرَفَة.
أقول لك المثوى، أنا وأنت اليوم كمثل كُمَّثْراتَين إذا عَفنتا على رأس شجرة، وكدَلويين إذا خلقتا على رأس بئر، ودع ذا القارورة،
стр. 507
اليوم لا إله إلا الله، وأمس كان سبحان الله، وغداً يكون شيئاً آخر، وبعد غدٍ ترى من ربك العجب، والموت والحياة بعون الله، ليس هذا مما يباع في السوق، أو يوجد مطروحاً على الطريق، لكن الإنسان ولا قوة إلا بالله طريف أعمى، كأنه ما صحّ له منام قطّ، ولا خرج من السُّمارية إلى الشطّ، وكأنه ما رأى قدرة الله في البطّ، إذا لقط كيف يتقَطْقَط؛ والكلام في الإنسان وعمى قلبه وسخنة عينه كثير لا يحمله تلّ عقرقوف، ولا يسلم في هذه الدار إلا من عصر نفسه عصرة ينشقّ منها فيموت كأنه شهيد. وهذا صعب لا يكون إلا بتوفيق الله وبعض خذلانه الغريب. على الله توكلنا، وإليه التفتنا ورضينا، وبه استجرنا، إن شاء الله خرَّانا وإن شاء الله أطعمنا.
قال القاضي: فكدتُ أموت من الضحك، على ضعفي، وما زال كلامه لهوي إلى خرجت إلى الناس. وكان مع هذا لا يعيا ولا يكلُّ ولا يقف، وكان من عجائب الزمان.
стр. 508
وقال لي ابن عباد: حدثني عن بعض لياليه ببغداد، يعني ذا الكفايتين، وعن مُذاكرة الجماعة عنده ومشاركته لها.
قلت: نعم! حضرتُ ليلة في شهر رمضان سنة أربع وستين وثلاثمائة، فسأل عن الغنى أَيُقصر أم يُمدّ؟ قال ابن فارس: الغنى مقصور وهو اليسار والترفة، والغناء بالمدّ ما يُسمع على الطريق المعروفة، إلا أن الفرّاء قد حكى أن المدّ في هذا المقصور وهو حجّة، ولا سبيل إلى ردّ قوله.
فقال أبو الفتح: هكذا وما أصحّ حكايتك! ولكن قلبي لا يطمئن إلى مدّ هذا الاسم، لأنه لم يأت في كلامهم ممدوداً.
فقال ابن فارس: قد أنشد الفرّاءُ قول الشاعر:
سيُغنيني الذي أَغناكِ عني ... فلا فقر يدوم ولا غِناءُ
فقلتُ: عندي في هذا شيء، وما دَخرته إلا لمثل هذه الحال، وقد حان وقته.
стр. 509
فقال: هات، بارك الله عليك، إنه لحَبَّاء بالفائدة ما علمت.
قلت: الشعر على غير هذا الوجه، والبيت الذي يتلوه يشهد له، وهو:
سَيُغنيني الذي أَغناكِ عني ... فلا فقري يدُوم ولا غناكِ
تجنَّيْتِ الذنوبَ لتَصرِميني ... دعِي العلاّتِ واتَّبِعي هواكِ
فقال لي: أحسنت وأجدت! من أنشدك هذا؟ قلت: أبو الليل العلويّ بالمدينة، في مجلس أميرها أبي حمد العلوي العقيقيّ.
قال: فحدثنا عن أبي الليل هذا وعن غيره بشيءٍ.
قلت: سمعت شيخاً عنده من بني حرب قد أنشد أبياتاً، لم أُعلِّق منها إلاّ بيتاً واحداً، وهو:
فتىً خُلقَت أَرْوَاحُهُ مستقيمةً ... لَه نفحاتٌ ريحهُنَّ جنوبُ
وكان معنا إذ ذاك أبو صالح الرّازي الصوفي، وكان مفوَّهاً جَدِلاً.
فقال له: ماذا أراد بقوله " أَرواحُه مستَقِيمةُ "؟
стр. 510
قال: أراد أن أخلاقه لا تحول عن الخير، وعادته لا تزيغ إلى القبيح، وأنه على ديدنه في الكرم، وخصَّ الجنوب لاستدرارها السّحاب، وجعل نفحاتها منافع لهذا الذي مُدح به.
قال: زِدنا من حديث هؤلاء المدنيين.
قلت: وسمعته، أعني الحربيّ، يقول للأمير أبي أحمد في حديث طويل: أيها الأمير!
لِني ولْيَةً تُمْرع جَنابي فإِنَني ... لما نِلتُ من وَسْميِّ نُعْماك شاكرُ
قلت: أعِد عليّ نسيج قافيتك.
قال: أما ثقفته؟ قلت: ما أدري ما تقول قال: لعلك من هذه الفرقة الكلامية.
قلت: لعلّه.
стр. 511
وسمعت هذا الحربيّ يقول، وكان يُكنّى أبا الخصيب، لِسيّدحيّه، وهما بالعقيق على ضفّة الوادي وقد مدّ، وهما ينطقان بما أُحصِّل ولا أُحصِّل، حتى قال أبو الخطيب لصاحبه: يا هذا! اسْلُ عن طارِفك وتالدك، تَسُدْ بين صاحبك ووافِدك، أما سمعت في هذه القوافي الأُوَل:
لو كنتَ تُعطِي حينَ تُسأَل سامَحت ... لكَ النَّفسُ واحْلَوْلاَكَ كلُّ خليلِ؟
فردَّدتُ القافية، وقلت: " واسْتحلاك كلُّ خليلِ ": فقال لي مُنكراً: ما هكذا لغتي! فقال ذو الكفايتين: كيف كان إدراكهم لما يقع بالإعراب؟ قلت: سألت أبا الخطيب هذا: أقول إنّ قُرْبي جعفراً؟ قال: نعم، فما تبغي؟ قلت: أَفأقول: إنّ بُعدي جعفراً؟ قال: لا، فما تبغي؟
стр. 512
قلت: فما الذي يمنع من جوازهما؟ قال: بينهما مُسَيْفة لا تُسلك، ورُميلة لا تُعلى، وما أعلم الغيب، وإني على بينة مما قلت، وعلى ريب مما سألت.
فسمع ابن عباد هذا كله على تغيظ ما قصدت إثارته عليه، ولا علمت إن لي متقصّىً من نبثي منه؛ وكان ذلك كله سبب الحرمان.
ولقد ظهر لذي الكفايتين بمدينة السلام فضل كبير، على أنه لم يشخص إلاّ معتوباً عليه.
ولقد كتب إليه ابن طَرْخان الورّاق رسالةً طويلة أطلعني على فصلٍ منها يقول فيه: " وإنك أيها السيد الهُمام دخلت هذا البلد إما غِرّاً بما تُري وتَرى، وإما على أن تُبيّن فضلك لأهله، وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك.
стр. 513
فإن كان دخولك على غرارة، فما هذا بمُشاكل لرتبتك في هذه الدولة التي غُرّتها مجلوة بيدك، وجُمّتها مفروقة بمِذْرى تدبيرك، وأذاها مُماطٌ بذبّك، ودواؤها مأمون بطلبك، وعدوُّها مكبوت بصولتك، ودولتك، ووليّها قرير العين بحُسن إيالتك وكفالتك.
وإما أن تبين فضلك، فاعلم أنهم لا يعترفون بفضلك إلا موصوفاً بإفضالك، ولا يُسلّمون لك مرادك فيهم إلاّ بأن يُدركوا أملهم منك، كان ذلك طوعاً أو كرهاً، سلماً أو حرباً.
وإما لأن تستفيد منهم ما ليس عندك، وهذا لا يكون مع إذالة القاصدين، والاحتجاب من الطامعين والتكبّر على الحاضرين؛ ولو حسن التكبّر بأحد لحسن بك، لأُبوّتك الشريفة، ولغُرّتك الصّبيحة، ولكفايتك الظاهرة، ولفضائلك الكثيرة؛ ولكن زراية التكبّر على صاحبه أطرد لمحاسنه من تداركه - بتكبّره - من غيره ما يريد يحلده، والناس لا يرضون إلا بالغاية، والغاية أن يظلم الرئيس
стр. 514
نفسه تكرماً على زائره، ويجرع الغيظ من كل من قرع بابه ولمس ركابه.
وأنا، أعلى الله كعبك، أحصي أشياء جعلها أصحابنا جوالب للتعب عليك، والكلام من ورائك، وليس لي فيما أقول إلاّ الفوز بجمال النُّصح، وإلاّ الالتذاذ بالتنَّبه على الكرم، وإلا إيثار سلامة عرضك على قوم همُّهم المَحْك في كل حال، وإلا التعرّض لذكرك لهم بالجميل بعد الرّحيل من هذه الرباع.
فمن تلك الأشياء: سهوك الذي وقع قد ركد عليك في قبول من تقبل، وإيصال من تُوصل، وإبعاد من تُبعد، وتفضيل من تفضّل بقول من حولك، وحُكم من أطاف بك، استرسالاً مع الأُنس بهم، وثقةً بما سلف لهم. وذهب عليك - أكرمك الله - أن هؤلاء الذين تنظر بأعينهم، وتقبل وتردُّ بأهوائهم، ما خلوا من حسدٍ لمن يخفُّ على قلبك
стр. 515
ويحلى بعينيك ويلتاط بنفسك، والعامّة تقول: " القاصّ لا يحبُّ القَاصّ ".
ولو كان قلبك لكل من اسمه عندك، لِصيته البعيد، وسُؤالك لمن لا شهرة له قبلك بحسن التأتي في التقريب، لكان حدّك حينئذٍ مقبولاً بما يظهر لك من الزيادة والنقص، وكانت الحجة تقوم بينك وبين من قد ضري على مالك، أو وضع في نفسه أن ينال مراده منك بالخدع، على أن التغافل في هذا الباب أدلُّ على الكرم، كما أن الاستقصاء فيه أجلَبُ فيه للنكد.
فهذا هذا.
وشيء آخر، وهو أصعب مما تقدّم، وذلك أن حجاجك قد بدّد شمل الزُّوار عنك، وقسم ظنونهم بك، وطرح في قلوبهم اليأس منك؛ ولست بأهل لذلك منهم كما أنهم ليسوا بأهل لشدّة الحجاب منك، وقلّة رافعي أخبارهم إليك.
وشيء آخر، وهو أصعب مما تقدم، والسّهو فيه لاحق بالظلم؛ لِمَ يجب - أدام الله دولتك - أن لا يصل برُّك إلا إلى الفاضل، وإلا إلى الكامل، وإلا إلى الذي هو في الشعر مُفلق، وفي الكتابة بارع، وفي الفلسفة غاية، وفي الكلام نهاية، وفي الفقه آية، وفي النّحو مذكور، وفي الطبّ مشهور؟
стр. 516
وهذا ظلم. لأن الله تعالى جعل لكل شيء قدراً، وأظهر له خطراً. وكل متاع وثمنه، وكل بَدَن وسمنه، والمتناهي كان في الأول مُبتدئاً، ثم في الثاني متوسِّطاً، ثم في الثالث الذي لا رابع له؛ وقاصدوك بفضائلهم كالعارضين عليك بأمتعتهم، وأنت تشتري كل متاع بقيمته وتعدِّله ببدَله. فهكذا ينبغي أن تفعل بأبناء الأمل وأصحاب العمل؛ فليس يجمل أن يحظى بصلتك وبرّك وجائزتك ونظرك أبو سعيد السيرافي، وأبو سليمان السجسْتاني، وعلي بن عيسى الرُّمَّانيّ، وأصحاب القلانس، ويحرم بعض ذلك فلان وفلان ممن ليس لهم سمع هؤلاء ولا حالهم، على أنك قادر على إلحاق الصغار بالكبار بالاصطناع والتفضُّل؛ فإن الرجال هكذا يتلاحقون، وفي حلبة الرؤساء يتسابقون.
فكُن سبباً للسّاكت حتى ينطق، وعلّة للسّاكن حتى يتحرّك، وباباً للنّائم حتى يستيقظ، وطريقاً للخامل حتى ينتبه، وجداً سعيداً للميت حتى يحيا؛ فأما من عدا هذه الطبقة فقد سلف له بغيرك ما هو أشكر، وبه أبصَر وله أنصَر؛ على أنك إذا عممت الجميع بالخير كنت أشدّ اقتداءً بالله، وأجنحهم إلى هُدى أنبياء الله، وآخذهم بعادة خلفاء الله.
стр. 517
وشيء آخر ترجّحت بفكري في طيّه ونشره، فرأيت طيّه خَمْشاً لوجه النّصيحة، وذكره بالإطالة فتحاً لباب الفضيحة، فذكرته مختصراً؛ فقد يُفهم من الكلام القصير المعنى العريض الطويل، وهو حديث المائدة والطّبق، وما يُحضر للأكل ويُجمع عليه الرَّقيع والوضيع، والنَّزِه والجشع، فجدِّد الاهتمام بذلك، فإن القالة فيه طائرة، والحال فيه دائرة، والحاجة إلى التّحزُّم فيه ماسّة، والتّغافل عنه مجلبة للذمّ؛ وقد رأينا قوماً كراماً تهاونوا في هذا الباب، إما رفعاً لأنفسهم عنه، وإما شغلاً بمهمّاتٍ أُخر دونه، فأكَلَتهم الألسنة، وأعلقتهم الملامة، وأحوجتهم إلى الاعتذار الطّويل بالاحتجاج الكثير. والكرم والمجد لا يثبتان بالدّعوى، ولا يُسلمان بالحجّة، ولكن يشيعان بالفعل الذي نُطقه كالوحي في الحال التي تنتصب للعين، ولا يُؤنَفنّ من ضَعَة الأكَلَة، فإن لؤم الأكلة دليل ناصع على كرم المُطعِم.
وهذا باب يزلُّ فيه الرئيس ويظلم فيه الخدم؛ فإن الرئيس لا يقدر على أن يتولّى كل ذلك بنفسه فيراعيه بلحظه ولفظه، إلا أنه متى أحكم الأساس فقد أمن الباس، وأرضى جمهور الناس.
стр. 518
وشيء آخر لا بدّ من الإفاضة فيه على وجه الذكرى؛ إن لقاءك الناس بالبِشْر يأسرهم لك ويُرضيهم عنك؛ فتكلّف ذلك إن لم يكن التهلُّل سجية لك بالمزاج المستعدّ، وما أكثر ما يلحق المتخلّق بذي الخلق.
وبعد فبين عُبُوس وجهك وقد ظهرت للناس لتركب، وبين عبوسه، وقد رجعت إلى دارك لتنزل، فرقٌ، أعني أنك ربما عُذرت في العبوس في الثاني، لأن النهار قد نصف، ولأنك قد تجشّمت إلى ذلك الوقت مصاعب الدولة بالأمر والنّهي والقبض والبسط؛ ولست تُعذر في غُرّة نهارك وأنت جَامّ ومتوجه ومُقتضب للتدبير في الأمور.
وشيء آخر، قد يسبق إلى عينيك ازدراءُ من عليم مرقّعة، أو علته بذاذة، وقد اعتراه عيٌّ إما للهيبة أو لسوء العادة؛ فلا تُصدِّق العين فإنها تكذب أحياناً، وعمل على أنك تعتقده بفضلك، فإن كان من أهل الفضل فهو شقيقك بالطبيعة وإن كان من أهل النَّقص فهو مستحق منك الرّحمة. والإحسان إلى مثله شكرٌ منك لله على ما خصّك به من دونه.
стр. 519
هذا ما حصل لي من ذلك الفصل.
ثم إني في سنة سبعين وجدتُ هذه الرسالة في مسوّدة ابن طَرخان فيما يُباع من ميراثه. فكان في أولها: " السعادة أيها الأستاذ الجليل ضربان، والسعيد رجلان، وإحدى السعادتين للدنيا، والثانية للآخرة؛ وأحد السعيدين من هو سعيد في هذا المكان، والثاني هو السعيد في مكان آخر؛ ومن كما فضيلة أحد السعيدين أن يعاش الناس بالمعروف، ومن تمتم إحدى السعادتين أن تتصل بالأُخرى.
ولما رأيتك أيها الأستاذ سعيداً في هذه العاجلة بالمال والولاية، والعزّ والمرتبة، آثرت أن تكون سعيداً في تلك الآجلة بالإحسان والمعروف، والبر والمكرمة، فكتبت حروفاً قصدت بها إذكارك لا تعليمك، لأنك تجلُّ عن التعليم؛ لما أوجب الله لك علينا من التعظيم. وإنما ساغ الإذكار، وحسن التّنبيه لأَشغال قد اكتنفتك من تهذيب الدولة، وأعباءٍ قد تحمّلتها في حماية البيضة، وأمور أنت وليّها في بثّ المَعْدِلة في الرعيّة، وإقامتها على سواء المحجّة، ولو سكتُّ عن هذا كله لأمكن، وكان لا يتشَعَّث لك حال قد تولّى الله صلاحها، ولا ينآد
стр. 520
عليك مستقيم قد أذن الله بدوامه؛ ولكن كنت أُحرم القربى إليك، ولفوت النظر إلى مثلي ومحرومي ألذَع لقلبي من فائتك؛ لأنك سيد وأنا عبد، وأنت رئيس وأنا مرؤوس، فنعمت دالاً على نفسي بما قدّمته من نفسي؛ فإن كنت لم أخرج من حدّ الأدب المرضيّ، وعادة أهل الحكمة العالية، فما أولاك بعرفان ذلك لي! وإن كنت قد خرجت عن ذلك بعُجبٍ حال بيني وبين صوابي، وخطإٍ قعد بي عن مرتبة أصحابي، فما أولاك بستر ذلك عليّ! وما بسط الله باعك، وما وسّع درعك إلا ليقيك خطأ غيرك بشكل صوابك، وإلاّ لتتغمّد إساءتهم بإحسانك، وإلا لتغلّب الظّن في الجميل ولا تغلب الظن فيما خالف ذلك؛ وأنت كالسماء ذات الآفاق المتبارحة، والكواكب المزدهرة، والحركات اللّطيفة، والآثار الشريفة، والأسرار المكنونة، والعجائب الكثيرة، والغرائب المشهورة؛ فلكل عقلٍ عنك بحث، ولكل قلب فيك أمل، ولكل عامل عندك رجاء، ولكل عمل قِبَلك جزاء.
стр. 521
وأنا أسأل الله الذي رفعك إلى هذه الذِّروة والقلّة أن لا يحطَّك إلى شيءٍ من الذِّلة والقلّة ".
هذا ما صحّ لي بالاستخراج من مُسَوَّدته، أتيت به على ما ترى. وأروي لك ها هنا قصيدة أبي عبد الله النَّمري يمدح بها أبا الفتح، وكان يعجب بها، ويحفظها ويُنشدها. ومُرادي بذلك تكثير الفائدة؛ وتخليد الحديث يُمتع مرة وينفع مرة أخرى، وهي:
سَرَتِ النَّجائب بالنَّجائب ... تَرْمِي الكَوَاكِبَ بِالْكَواكِبْ
تَرْمِي تُجَاهَاتِ المَشَا ... رِقِ مِنْ تُجَاهاتِ المَغارِبْ
قصداً إلى مَلكٍ يُحَكِّمُ في رَغَائِبه الغَرائِبْ
ملِكٍ تَبَوَّأَ من خُزَي ... مَةَ في النّواصِي والذَّوائبْ
стр. 522
حيث السَّوابقُ والسَّوا ... بغُ والنجائبُ والجَنَائبْ
يَهَب المنعَّمةَ الكوا ... عبَ والمطَهَّمَةَ السَّلاَهِبْ
في سَوْرَة المجدْ التّلِي ... دِ وسَوْرَة القلب الغَوَارِبْ
يا بنَ العَميد عميد دَو ... لَتِه الموطَّدَة المَراتِبْ
الألمعِيّ اللَّذْ تُحَدِّ ... ثُه الشواهِدُ بالغَوَائبْ
زُرْنَاكَ من أرضِ البُصيرة شاحِبينَ عَلَى شَوَاحِبْ
نَرِدُ المناهِل كالمَجَا ... هِلِ والسَّباسِب كالسَّكَائِبْ
نَطوِي الجِبالَ إلى جِبا ... لِ العِلْمِ والحِلْم المُغَالِبْ
الآنَ قد قَرَّ القَرَا ... رُ بِنَا وأَطْلَبَتِ المَطَالِبْ
لا رِيَّ دونَ الرَّيِّ وال ... بَحْرِ الغُطَامِطِ ذِي الغَوارِبْ
بَحْر جَواهِدُه طَوَا ... فٍ في سَوَاحِلِهِ رَوَاسِبْ
لا دونَها لججُ الكَوا ... رِب، لاَ، ولاَ حُجَجُ الكَواذِبْ
يَرمي بنا تيارُها ... قِبَل الأَباعِد والأَقارِبْ
والبَحرُ لا يندَى بِهِ ... إلاّ السَّواحل والجَوانِبْ
لما نهضتُ إِلى الرجا ... ءِ وحنَّت البيضُ الكَواعِبْ
стр. 523
وتَناثرت عَبراته ... نَّ عليّ كالدُّرَر الثقائبْ
نَدَّى يَدَيَّ وحلَّتي ... دمعُ الأحبَّةِ والحَبائبْ
فجعلتُه فالاً وقُلْ ... ت نَدَى الدُّمُوع نَدَى المَواهِبْ
ولَئن تلافَتْني يدُ الأُ ... ستَاذِ من أَيدِي النّوائبْ
وأَقمتُ في الظّلِّ الظَلِي ... لِ ولم تُشعّبني الشَّواعِبْ
ليُبَشَّرَنَّ أَحبَّتِي ... بمواهبي شَتَّى المَواهِبْ
ويُحَلَّيَنَّ لآلِئا ... أَضعافَ أَدمُعِها السَّواكِبْ
وَلأّقْضَينّ مِنَ العَشِي ... رَة كُلَّ حَقٍّ حَقّ واجِبْ
حَتَّى يُقالَ أَعادَه ال ... أُسْتَاذُ مكرمة الضَّرائبْ
كَم مِن ظباءٍ بالبصي ... رَة في المقَاصِر والسَّباسِبْ
إِنْسٌ ووَحْشٌ يشتَبِهْ ... ن سوَى الذّوائب والحَقَائِبْ
أُدْمٌ يُقاسِمْنَ الأرَا ... كَ جَناه والقُضُبَ الرَّكَائبْ
فلأِنسها أَغصانُه ... تجلو به برد السحائبْ
وَلِوْحْشِهَا غَضُّ الجنى ... عبثَ المَعازِل والمَلاَعِبْ
стр. 524
نَصطاد وَحشياتها ... وتَصِيدُنا الإِنسُ الخَرَاعِبْ
يا ربَّ يومٍ لي كظِلّ ... ك أَو كظَلْمك أو يُقارِبْ
رَقَّتْ حواشِيه وغضّت عَينُ واشِيهِ المُرَاقِبْ
قَصُرَتْ لنَا أطرافُها ... قَصَر القِناع عن الذَّوائِبْ
فتَبَرَّجَت لَذَّاتُه ... للخَاطِبين وللخَوَاطِبْ
نَزَلَتْ بِهِ حَاجَاتُنَا ... بينَ المَحاجِر والحَوَاجِبْ
يا ليتَ سعداً من سُعو ... دِك رَدَّ أَيامي الذَّواهِبْ
مَلِكٌ يُضِيء بوَجهِهِ ... وترَى به الظلم الغَيَاهِبْ
لَو سَامَه أَعداؤُهُ ... ما نديهم، واليومُ عاصِبْ
وهَب الذَّوائب للمطَا ... عِن والقَواضِبَ للمضَارِبْ
وَمِن السَّخاءِ مَذاهبٌ ... يُعدَدْن في جُمَل العَجائبْ
لمّا رآه الطالع ال ... مأَمونُ مأَمونَ المغَائبْ
ورآه ركنُ الدّولة ال ... غَرّاء ركناً ذا مناكِبْ
стр. 525
ومظفَّرَ الأَقلام والأَ ... علاَم ميمونَ النَّقَائِبْ
كأَبِيه خَيرِ أبٍ وَأَنْ ... جَبِهِ إِذا عُدَّ المَنَاجِبْ
ردَّ الأُمورَ إِليه رَ ... دَّ مُفوّضِين عَلَى التّجَارِبْ
حتَّى إذا انتَظَمَتْ لَه ... بثُقُوب آراءٍ ثواقِبْ
وكفَى أَميرَ المؤْمِني ... نَ عُرَى الكِتَابَةِ والكَتَائِبْ
بكفايَتَين أقامَتَا ... أَوَد المُسالِم والمحَارِبْ
اشتَقّ من أفعَالِه ... لَقباً لَه بِكْرَ المناقِبْ
مثلَ الفِرِنْد عَلَى القَوا ... ضبِ والفَرِيد علَى التَّرَائبْ
لله توفيقُ الإما ... مِ العدْل في اللَّقَب المُنَاسِبْ
يا خيرَ من ركب الجِيَا ... دَ وقادَها قُبّاً شَوَازِبْ
أغنَيتَني كلّ الغِنَى ... وكسَبتَني أَسنَى المكاسِبْ
شَرَفاً تُلِقّبهُ العِدَا ... سَرَفاً فيالك من معايبْ
وكسَوتَني حُللاً صَقَلْ ... ن خَواطِري صَقْلَ القَواضِبْ
حُلَلاً كديباج الخدُو ... دِ مطرَّزَات بالشّوَارِبْ
فلْتَشكُرنَّ رِياضُنَا ... جَدوَى سَحائبكَ الصَّوائبْ
ولتَنْظِمَنّ لك القصَا ... ئدَ كالقَلائِد للْكَوَاعِبْ
стр. 526
والنمري هذا مليح الشعر والأدب والخُلُق، ولما توجّه إلى ذي الكفايتين من البصرة وصف بعض ما عَنّاه فقال:
لما رأيتُ كرم الأَصما
وشجر البلوط خضراً عمّا
وفتية عن الفصيح صُمّا
ذكرتُ بالبصرة نخلاً جمّا
وفتية بيض الوجوه شما
ناديتُ ياللَّهم فرِّج غَمّا
ما أَسْرعَ الشيء إِذا ما حُمَّا
فأما الجملة التي تمّت في أمر أبي الفتح ذي الكفايتين، فقد كنتُ في أول الكتاب قد وعدتُ بروايتها، وهذا موضعها على ما سنَح الرأي فيه، ولعلّها تُفيد وإن لم تكن من خاصّ ما في هذه الجملة؛ لأن الرسالة قد صارت كتاب خُرافة، وذاك أن القصد الأول لم ينحرف إلى هذه الفنون والشُّعب، ولكن الحديث ذُو شجون، وله نَزْوةٌ
стр. 527
من القلب على اللسان، ودبيب على اللسان من القلب، والاحتراس منه يقلّ، والغلط فيه يعرض، وحفظ الكلام على سننه من الكلف الشاقة والأمور الصعبة واللسان فيه أكثر إنصافاً من القلم، واللفظ أعدل من الخطّ.
وبعد وقبل فالكلام في نشر العيب، وكشف القناع، وتدنيس العِرض، وهجو الإنسان، ووصفه بالخبائث أكثر استمراراً، والمتكلّم فيه أظهر نشاطاً، وأمرنُ عادة، وأوقد هاجساً، وأحضر عاطساً، وهذا لأن الشر طباع والخير تكلُّف، والطِّينة أغلب.
وقد قال بعض فتيان خُراسان: الإحسان من الإنسان زلّة، والرحمة من القادر أُعجوبة، والظُّلم من المُدلّ مألوف.
وقد قيل لبعض من انتجع مأمولاً وأدرك حاجته منه: كيف انقلبت عن فلان؟ فقال: منعني لذة هِجائه، وأكرهني على حسن الثّناء عليه، والقلوب مجبولة على حُبّ الإحسان، والألسنة تابعة للقلوب، كما أن العيون ناطقة عن الضّمائر؛ ولهذا قال الشاعر:
стр. 528
تُحدِّثُني العَيْنانِ ما القَلْبُ كَاتِمٌ ... ولاجِنَّ بالبَغْضَاءِ والنظَرِ الشَزْرِ
أي لا حائل ولا ستر. واللحظ رائد، والقلب شاهد؛ والرائد لا يكذب أهله، والشاهد لا يكذب نفسه.
وقلت لأبي سليمان شيخنا ببغداد، وكان يُتهادى كلامه، ويُتشاحُّ على ما يُسمع منه: لم صار السبّ والهجاء وذكر كل عورة وفحشاء أخفّ على من حُرم مأموله، ومُنع مُلتمسه، من الوصف الحسن والثّناء الجميل، والمدح الأغرّ المحجّل، والتّقريظ البليغ المتقبّل على من صدقه ظنّه، وتحقّق رجاؤه، وحضرته أُمنيته؟ فقال: لأن الذي يمدح يعلم من نفسه ما عندها كالعتيد، والذي يثلب يأخذ لنفسه ما ليس عندها كالمستقبِل؛ فالفصل بينهما كالفصل بين الغارم وما يملكه، وبين الغانم ما يطلبه.
وهذا كما قال، وهو أرجع إلى شفاء النفس وبر الغليل، وإلى بلوغ الغاية والاستيلاء على النّهاية.
***
стр. 529
كان من الحديث الذي زللنا عنه قليلاً إلى هذا الموضع أن رُكن الدولة لما مات في أول سنة ستٍ وستين وثلاثمائة، اجتمع أبو الفتح ذو الكفايتين، وعليُّ بن كَامة، وتعاهدا وتعاقدا وتوافقا وتحالفا، وبذل كل واحد منهما لصاحبه الإخلاص في المودّة في السرّ والجهر، والذَّبّ في الظاهر والباطن، والتوقير عند الصغير والكبير، واجتهدا في الإيمان الغامسة، والعقود المؤرَّبة، والأسباب المُغارة الفتل، ودبّرا أمر الجيش، وردّ النافر وركِبا الخطر الحاضر، وعانقا الخطْب العاقر، وباشر كل ذلك أبو الفتح خاصة بحدٍ من نفسه، وصريمة من رأيه، وجودة فكره، وصحّة نيته؛ وتوفيق ربّه.
стр. 530
فلما ورد مؤيد الدولة الريَّ من أصفهان؛ وعاين الأمر متَّسِقاً؛ ولحق كل فتق مُرتَتِقاً، بما تقدّم من الحزم فيه، ونفذ من الرأي الصائب عنده، أنكر الزيادة الموجبة للجند، وكرهها ودَمْدَم بها. فقال له أبو الفتح: بها نظمت لك الملك، وحفِظت لك الدولة، وصُنت الحريم، وإن خالفت هذه الزيادة هواك أسقطت باليد الطولَى.
وكان ابن عباد قد ورد، وحطَبه رطب، وتنّوره بارد، وزَرْقه غير نافذ؛ هذا في الظاهر، فأما في الباطن فكان يخلو بصاحبه ويُنزيه على أبي الفتح بما يجد إليه السبيل من الطعن والقدح. فأحسن بذلك كله ابن العميد فألَّب الأولياء على ابن عباد حتى كثر
следующие страницы →