← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 12569

التأويل خطورته وآثاره

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (69 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

التَّأويل خُطُورَتُهُ وَآثَارُهُ تأليف الدّكتور عمر سُليمان الأشقر دار النفائس للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ " فاتحة كل خير وتمام كل نعمة "

стр. 3

كلمة الافتتاح الحمد لله الذي أضاء القلوب بنور كتابه، وأرشد العقول إلى البراهين، والأدلة التي تظهر الحق وتعليه، وتبطل الباطل وتبليه، وأصلي وأسلم على عبده المصطفى ونبيه المجتبى الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، وعلى آله وصحبه الذين تلقوا عن نبيهم هذا الدين، وفقهوه وفقهوا به عباد الله، وبلغوه لمن ورائهم، حتى استنارت به الدنيا، وبلغت أنواره أقطار الأرض. وعلى الذين سلكوا سبيلهم وساروا مسارهم إلى يوم الدين، وبعد:

стр. 4

فقد لفت نظري عظم جناية التأويل على هذه الشريعة المباركة أثناء بحثي في موضوع: "أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة"، وقد طال البحث في التأويل وآثاره، وأصبح من غير المقبول أن يدخل في صورته التي أنتهى إليها في الكتاب المذكور، فأفردته في رسالة خاصة. لقد كان التأويل باب شرّ كبير، ولج منه الذين يردون هدم الإسلام، فما تركوا شيئاً إلا أولوه، ولولا حماية الله ورعايته لهذا الدين لدرست معالمه وضاعت حدوده. لقد أول الضالون الواجبات فصرفوها عن وجهها، وهونوا على أتباعهم رميها وراء ظهورهم. وأولوا المحرمات تأويلاً جر الذين ضلوا بضلالهم على ارتكابها والولوغ فيها.

стр. 5

وأولوا نصوص عذاب القبر ونعيمه، والساعة وأهولها، والمعاد والحشر والميزان والجنة والنار بحيث فقدت النصوص تأثيرها في نفوس العباد. وأولوا نصوص الصفات تأويلاً أضعف صلى العباد بربهم، وأفقد النصوص هيبتها إذ جعلها لعبة في أيدي المؤولين، يجتهدون ليلهم ونهارهم في صرفها عن وجهها بشتى أنواع التأويل. وقد اقتصرت في هذه الرسالة على النوع الأخير من المؤولات، تأويل الأسماء والصفات، فإن التأويلات التي أبطلت بها الأوامر والنواهي، ونصوص المعاد، والجنة والنار لم ترج عند عوام أهل السنة فضلاً عن علمائهم. ولكن تأويل نصوص الصفات وجد آذاناً

стр. 6

صاغية عند جمع من أصحاب العقول من هذه الأمة، وجازت هذه الفرية على أقوام أتوا ذكاء ونباهة ورأيا. لقد ألف في موضوع الرسالة مؤلفات توسع فيها كاتبوها، وتأتي هذه الرسالة لتعالج المشكلة بصورة مبسطة ومختصرة، ولكنها - إن شاء الله- كافية وافية بالغرض، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولله الأمر من قبل ومن بعد. د- عمر بن سليمان الأشقر الجامعة الأردنية - كلية الشريعة عمان - الأردن

стр. 7

دعوى باطلة أجهد الذين خالفوا منهج الكتاب والسنة الذي فقهه السلف الصالح في أسماء الله وصفاته أنفسهم في ليّ أعناق النصوص، ليصرفوها عن ظاهرها بشتى أنواع التمحلات، وسموا عملهم هذا تأويلاً، ليروج على من لا يدرك الباطل الذي جاءوا به، وزعموا فيما زعموه أنهم علموا بالقرآن الذي ألزم بتأويل المتشابه، وساروا على هدي علمائنا الأعلام الذين أولوا ما تشابه من آيات الكتاب. وهذا الذي جاءوا به باطل لا شك في بطلانه.

стр. 8

هذا ليس بتأويل بل تحريف والذي يعرف التأويل عند العرب في كلامها، ويفقه معنى التأويل الذي جاءت به النصوص، والتأويل الذي عناه الأصوليون والفقهاء يعلم قطعاً أنما جاءوا به ليس تأويلاً، بل هو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذمه القرآن وذم أهله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- بعد ذكره لهذا النمط من التأويل: " هذا التأويل في كثير من المواضع - أو أكثرها وعامتها- من باب تحريف الكلم عن مواضعه، من جنس تأويلات القرامطة والباطنية، وهذا هو التأويل الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمة، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض، ورموا في أثرهم بالشهب. وقد صنف الإمام أحمد كتاباً في الرد على

стр. 9

هؤلاء سماه: (الرد على الجهمية والزنادقة) (١). ويقول في موضع آخر: " هذا التأويل المذموم الباطل هو تأويل أهل التحريف والبدع، والذين يتأولونه على غير تأويله، ويدعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك ... " (٢). التأويل في لغة العرب وفي اصطلاح الشارع مفهوم التأويل في لغة العرب لا يأتي على هذا المعنى الذي أرادوه فمداره مادة "أوْل" في لغة العرب في استعمالاتها على الرجوع والعود. يقول ابن منظور: " الأوْل الرجوع، آل الشيء يؤول ومآلا رجع، وأوّل إليه الشيء: رَجَعَهَ. وألْتُ عن الشيء: ارتددت. يقال: طبخت النبيذ حتى آل إلى الثلث أو الربع أي رجع، والأيّل

стр. 10

من الوحش: الوعل، قال الفارسي: سمي بذلك لمآله إلى الجبل يتحصن فيه" (١). ويأتي التأويل في لغة العرب بمعنى التفسير أيضاً، وهذا المعنى ليس بعيد عن المعنى السابق، فالتفسير تأويل، لأن المفسر يراجع نفسه عند الشرح والبيان ويدبر الكلام ويقدره، ففيه معنى العود والرجوع. والتأويل في الكتاب والسنة ليس بعيد عن المعنى اللغوي، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى: " يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وإن وافق ظاهره، وهذا هو المعنى المراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة" (٢). يقول شارح الطحاوية: " التأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الحقيقة التي يؤول إليه الكلام، فتأويل الخبر هو عين المخبر به،

стр. 11

وتأويل الأمر: نف الفعل المأمور به" (١). وقد أورد الباحثون في هذا الموضوع النصوص التي تدلل على أن معنى التأويل في القرآن هو هذا المعنى الذي قرروه، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾. والمتحدث في هذا النص هو القرآن، وانتظارهم لتحقيق ما أخبر الحق عنه من وقوع العذاب بهم يوم القيامة، وهذا هو المراد بقوله: يوم يأتي تأويله عند ذلك يقر هؤلاء الذين كذبوا به في الدنيا، ويقولون في ذلك: ﴿قد جاءت رسلنا ربنا بالحق﴾. وقد صح في السنة أن الرسول ﷺ كان يقول في ركوعه: ((سبحانك اللهم

стр. 12

وبحمدك يتأول القرآن)) (١)، أي يحقق ما أمره الله به في كتابه. وعندما رفع نبي الله يوسف أبويه على العرش وخر والداه وإخوانه له ساجدين قال: ﴿يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل﴾ فتأويل الرؤيا تحققها في عالم الواقع. ويأتي التأويل في اللغة وفي الكتاب والسنة بمعنى التفسير، ومنه دعاء الرسول ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس: ((اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)). ومن هذا الباب ما جرى عليه ابن جرير الطبري في تفسيره، فإنه كثيراً ما يقول إذا شرع في تفسير آية: "القول في تأويل قوله تعالى".

стр. 13

اعتراض وجوابه قد يقال: إن بعض معاجم اللغة العربية تذكر أن معنى التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. أشار إلى ذلك ابن منظور وابن الأثير وغيرهما، فكيف تزعمون أن العرب لا تفقه من كلامها هذا المعنى. والجواب: أن هذا المعنى دخل إلى معاجم اللغة العربية المتأخرة نقلاً عن استعمالات الفقهاء والأصوليين، لا نقلاً عن كلام العرب الذي يحتج به، يدل على صحة هذا القول أن معاجم اللغة العربية المتقدمة أمثال: تهذيب اللغة للأزهري، ومقاييس اللغة لابن فارس وهما مما دون في القرن الرابع الهجري لم يشيرا إلى هذا المعنى الذي ذكره الفقهاء

стр. 14

والأصوليون مما يدل على أنه معنى اصطلاحي خاص بهم، فلا يجوز حمل ألفاظ القرآن عليه. وعلى فرض أن هذا التأويل في لغة العرب هو هذا المعنى الذي أورده الأصوليون، فإن المؤولين للنصوص لم يلتزموا بالشروط التي وضعها الأصوليون لجواز التأويل، كما سيأتي بيانه، ولذا فإن صنيعهم هذا لا يخرج تأويلهم عن التحريف. المراد بالتأويل الذي يذم طالبه التأويل الذي يذم طالبه هو البحث عن حقيقة ما اخبرنا الله به من الغيوب التي لا يستطيع العباد بعقولهم المجردة إدراك حقيقتها، فالله أخبرنا بنعيم القبر وعذابه في عالم البرزخ، كما أخبرنا بالبعث والنشور، والحشر وأهواله والجنة وأنهارها وثمارها وأطيارها وحورها، والنار وسمومها وحميمها وغسلينها، ونحن لا ندري حقيقة ما أخبرنا الله عنه،

стр. 15

قال تعالى نافيا علم العباد بحقيقة ما أخبر الله به من نعيم أهل الجنة ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾. وفي الحديث القدسي: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)). وصفات الباري غيب لا نعرف حقيقتها، فالكلام عن الصفات فرع عن الكلام عن الذات، وحقيقة الذات غير معروفة لنا، فكذلك صفاته ﵎. أما التأويل الذي يحمد طالبه فهو البحث عن تفسير الأسماء والصفات ومعرفة معانيها على الوجه الذي تعرفه العرب من كلامها. فنحن نعرف معاني ما أخبرنا الله به من معاني

стр. 16

أسماء الله وصفاته، كما نعلم معاني ما أخبرنا الله به من نعيم القبر وعذابه، وقيام الساعة، والبعث والنشور، والموقف وأهواله، والحساب والجزاء والميزان، والجنة ونعيمها، والنار وأهوالها. فقه آية آل عمران في ضوء ما قررناه في المبحث السابق قرر الحق ﵎ في سورة آل عمران أنه أنزل الكتاب ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ وقرر أن ﴿الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾.

стр. 17

وقد قرر الحق في هذا النص أن أهل هذا الزيغ يتركون المحكم من النصوص ويجرون وراء المتشابه، قاصدين من وراء ذلك إثارة الفتن، وبلبلة العقول والقلوب، وتفريق الأمّة. أما الراسخون في العلم فإنهم يحكِّمون المحكم ويؤمنون بالمتشابه. فإن قيل: هل يعلم الراسخون تأويل المتشابه؟ فالجواب: أن أهل العلم اختلفوا في الوقف في النص، هل نقف على قوله (إلا الله) فيكون تأويل المتشابه مما استأثر الله به. أو نقف على (الراسخون في العلم) فيكون الراسخون في العلم ممن يعلم تأويله. وفي ضوء ما قررناه في البحث السابق يعلم الجواب، فإذا كان المراد بالتأويل حقيقة ما اخبر الله عنه من صفاته فالوقف على: (إلا الله) ويكون تأويل مما استأثر الله بعلمه.

стр. 18

وإن كان المراد معرفة ما أخبر الله به عن نفسه، وهو التفسير فإن الراسخين في العلم يعلمونه في الجملة، وإن كان فيهم من يخفى عليه المعنى، لكن لا يخلو أن يكون فيهم من يعرف مراد الله من قوله، ويعرف المعنى الذي عناه. فالقرآن أنزل بلغة العرب، والراسخون في العلم لا بدّ أن يتميزوا عن الجهلاء وعوام الناس بمعرفتهم بمعان ما أنزل إليهم ربهم. ومما يدل على صحة هذا أن القرآن نزل بلغة العرب، وقد أمرنا الله بفقهه وتدبره، فكيف يكون في القرآن ما لا يفقه معناه؟!

стр. 19

تناقض أهل التأويل الذين يوجبون تأويل ما أثبته الله لنفسه من الصفات، ويصرفونها عن ظاهرها يرون أن تأويل تلك النصوص لا يعلمه أحد إلا الله ﵎. وهم يتناقضون هنا تناقضا بينا، فإذا كانوا لا يعلمون معاني نصوص الصفات، فكيف يدعون إلى تأويلها، إن المنطق السليم يلزمهم بأن لا يبحثوا لها عن تأويل موافق لظاهرها أو مخالف له، لأنهم لا يعلمون لها معنى، أو له معنى غير مفهوم لهم، فكان الواجب عليهم أن يقولوا رضينا بالجهل بهذه النصوص سبيلا ولا نثبت ظاهرا ولا ننفيه ولا نؤوله. أمّا أن يقولوا يجب علينا صرف ألفاظ النصوص من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل، فهذا تناقض مخالف لدعواهم أنه لا أحد يفقه معناها.

стр. 20

ثم هم يتناقضون مرة أخرى عندما يصرفون هذه النصوص إلى نظير ما نفوه من معاني، فهم يؤولون يد الله بقدرته، فإذا كان هذا التأويل حقّا ممكنا كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلا ممتنعا كان الثابت مثله. هل الصفات من المتشابه الإحكام والتشابه قد يكون عامّا، فيوصف القرآن كله بالإحكام، كما يوصف كله بالتشابه، وقد يكون خاصا، فيكون بعض آيات الكتاب محكما وبعضها متشابها. وقد جلَّى شيخ الإسلام ابن تيمية هذه المسالة، وشرحها شرحا وافيا (١)، فالإحكام العام جاء في مثل قوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم

стр. 21

فصلت﴾ فأخبر هنا أنه ﵎ أحكم جميع آيات الكتاب. وأما التشابه العام ففي مثل قوله تعالى: ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاب متشابها مثاني﴾ فأخبر أن القرآن كله متشابه. وبين شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن المراد بالإحكام العام الإتقان بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره، وقد سمى الحق القرآن بأنه حكيم ﴿الر تلك آيات الكتاب الحكيم﴾ والحكيم بمعنى الحاكم، والله جعل القرآن حكما يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن ذلك حكمه بين بني إسرائيل في أكثر ما اختلفوا فيه. وبين أن التشابه العام ضد الاختلاف المنفي عن

стр. 22

القرآن في قوله: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿وإنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك﴾. ومعنى التشابه الذي يوصف به القرآن كله تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدق بعضه بعضا فإذا أمر القرآن بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به أو بنظيره أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه أو عن نظيره أو ملزوماته، إذا لم يكن هناك نسخ. وكذلك في الأخبار، لا يخبر بنقيض ما قرره، وعلى ذلك فالتشابه التوافق والتماثل، وهو يقابل الاختلاف والتضاد. والتشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ،

стр. 23

فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضا، ويعضد بعضها بعضا، ويناسب بعضها بعضا، ويشهد بعضها لبعض، كان الكلام متشابها بخلاف الكلام الذي يضاد بعضه بعضا. فالتشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، ثم تكلم شيخ الإسلام على الإحكام الخاص والتشابه الخاص، وبين أن الإحكام الخاص ضد التشابه الخاص. ثم بين أن المراد بالتشابه الخاص مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو، أو مثله، وليس كذلك. والإحكام الخاص هو الفصل بينهما، بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر، وهذا التشابه إنما يكون بقدر مشترك مع وجود الفاصل بينهما.

стр. 24

وبين رحمه الله تعالى: أن من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما فيكون مشتبهاً عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه هنا من الأمور النسبية الإضافية، يشتبه على بعض الناس دون بعض، وأهل العلم والإيمان عندهم من العلم ما يزيل هذا الاشتباه. ومن هذا الباب الشبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل. وضرب شيخ الإسلام أمثلة كثيرة على المتشابه الذي اشتبه على كثير من الناس وعرف أهل العلم الفصل بين الحق والباطل فيه. فقد اشتبه على بعض الناس وجود الرب بوجود العبد ووجود كل موجود، وساقهم هذا الاشتباه إلى عدم التفريق بين وجود المخلوق ووجود الخالق، حتى زعم أهل وحدة الوجود أن وجود المخلوق هو عين

стр. 25

وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن المماثلة من الخالق بالمخلوق. والسر في الخلل الذي أصاب هؤلاء أنهم رأوا الموجودات تشترك في مسمى الوجود، فرأوا الوجود واحداً، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين، والواحد بالنوع. وظن آخرون أنه إذا قيل إن الموجودات تشترك في مسمى الوجود فإنه يلزم من ذلك التشبيه والتركيب، وقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء على اختلاف أصنافهم إلى أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث. وأهل العلم يعلمون أن وجود الخالق يخصه، ووجود المخلوقات يخصها، فهي وإن شاركت الخالق في مسمى الوجود، لكن هناك من الفروق ما يزيل التشابه، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام، لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم الذي يبين ما بينهما من الفصل

стр. 26

والافتراق. وإذا تمسك النصراني بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ مستدلاً بقوله: ﴿نحن﴾ على تعدد الآلهة، رد عليهم أهل العلم بالمحكم في قوله: ﴿وإلهكم إله واحد﴾ وبذلك يزول الاشتباه، وما ذكره الحق في صيغة الجمع فهو يعظم به نفسه ﵎، ومن ذلك ما أخبر به الحق ﵎ مما في الجنّة من ماء ولبن وخمر وعنب وعسل ونحو ذلك فإنها وإن شاركت ما في الدنيا من أسماء ومعاني، إلا أن حقيقة هذه الخيرات في الجنات لا تعرف، ويكفي أن الرب أخبر أنها من نعيم الجنّة لنفرق بينها وبين ما نشاهده في الدنيا مما يتسمى بالأسماء نفسها. ومن ذلك أسماء الباري - جل وعلا- وصفاته التي اختص بها، فإن معانيها معروفة معلومة، وقد

стр. 27

يشتبه على بعض الناس هذه الصفات بصفات الخلق، فيظنون أن صفاتهم كصفاته وهؤلاء المشبهة، وفريق آخر يظن أنه يلزم من إثبات هذه الصفات التشبيه، ولذلك يحتاج إلى تأويلها أو نفيها تنزيهاً للباري جل وعلا. وأهل العلم يعلمون الفارق الذي يزول به الاشتباه، فصفات الباري تخصه وتناسب جلاله وكماله، وصفات المخلوقات تناسب عجزهم وقصورهم، أما حقيقة صفات الباري على ما هي عليه فإننا لا نعرفها، فالحق ﵎ ليس كمثله شيء.

стр. 28

ادعاء أهل التأويل أنهم يسيرون على خطا علماء الأصول قد يقول أهل التحريف والتأويل إن منهجنا الذي سرنا عليه وسلكناه سار عليه كثير من أهل العلم من أهل الفقه والأصول، يعنون أهل أصول الفقه وأصول الدين، فإن هؤلاء يعرفون التأويل بأنه صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به. وجوابنا على هؤلاء من وجوه: الأول: أن هذا التعريف للتأويل تعريف اصطلاحي لجماعة من متأخري العلماء، وليس هو التأويل الذي ورد في الكتاب والسنة، كما سبق بيانه. فحمل التأويل الذي جاءت به النصوص على

стр. 29

هذا المعنى الاصطلاحي المحدث لا يجوز، وإنما تحمل الألفاظ على ما تعرفه العرب من كلامها، ولم يفقه الصحابة ومن بعدهم من القرون الفاضلة التأويل على هذا الوجه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (التأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهرة تأويلا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله-تعالى- بلفظ التأويل ذلك، وان للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله ولا يعلمه المتأولون) (١). وقال في موضع آخر بعد أن حكى هذا النوع من التأويل: (وتسمية هذا تأويلا لم يكن في عرف

стр. 30

السلف، وإنما سمى هذا وحده تأويلا طائفة من المتأخرين الحائضين في الفقه وأصوله والكلام) (١). وينبغي أن ننبه هنا إلى أن حمل ألفاظ النصوص على معاني المصطلحات المحدثة طريق خطر يؤدي إلى تحريف النصوص، ويحجب ضوئها، وقد أغرق بعض الذين ينسبون إلى الإسلام في هذا التوجب، فقد فسر الغزالي في كتبه التي سماها "المضنون بها على غير أهلها": (اللوح المحفوظ) بالنفس الزكية، ولفظ (القلم) بالعقل الأول. وجعل لفظ: (الملكوت والجبروت والملك) عبارة عن النفس والعقل. والشفاعة عنده: (فيض يفيض من الشفيع إلى المتشفع، وإن كان الشفيع لا يدري). والقديم عند علماء الكلام عبارة عما لما يزل، أو

стр. 31

عما لم يسبقه وجود غيره، إن لم يكن مسبوقا بعدم نفسه. والقديم في لغة الرسول ﷺ التي جاء بها القرآن خلاف الحديث وإن كان مسبوقا بغيره كقوله تعالى: ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ وقال تعالى عن إخوة يوسف: ﴿تالله إنك لفي ضلالك القديم﴾ (١). وقد أخطأ هؤلاء بحمل اللفظ القرآني على المعنى الإصطلاحي دون المعنى الذي تفقهه العرب من كلامها. الثالث: أن كثيرا مما أوله من سلك سبيل التأويل نصوص لا يجوز تأويلها، فالمجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص، وإنما يدخلان في الظاهر المحتمل له،

стр. 32

ويعرف كون اللفظ نصا بشيئين: أحدهما: عدم احتماله لغير معناه وضعا كالعشرة. والثاني: ما طردوا استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده فإنه نص في معناه لا يقبل تأويلا ولا مجازا، وإن قدر تطرق ذلك إلى بعض أفراده، وصار هذا بمنزلة خبر المتواتر لا يتطرق احتمال الكذب إليه، وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده، وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات في السمعيات التي اطرد استعمالها في ظاهرها، وتأويلها في هذه الحالة غلط، فإن التأويل إنما يكون لظاهرها قد ورد شاذا مخالفا لغيره من السمعيات، فيحتاج إلى تأويلها لتوافقها، فأمّا إذا اطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى، وتأويلها ممتنع (١).

стр. 33

الرابع: أن تأويلهم للنصوص لا يرتضيه أهل الفقه والأصول، لأن هؤلاء وضعوا للتأويل شروطا حتى يصح التأويل عندهم، فإذا فقدت هذه الشروط أو فقد شرط منها كان هذا التأويل فاسدا، وكان صاحبه متلاعبا بالنصوص. الشروط التي يجب توافرها في التأويل عند الأصوليين وقد ذكر هذه الشروط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فقال: (صرف اللفظ عن ظاهره اللائق بجلال الله ، وحقيقة المفهوم منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة لابد فيه من أربعة أشياء: أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل في المعنى المجازي، لأن الكتاب والسنة وكلام السلف جاء

стр. 34

باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا بدّ أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأيِّ معنى سنح له، وإن لم يكن له أصل في اللغة) (١). وقد ذكر ابن حجر -رحمه الله تعالى- أن أبن أبي دؤاد الذي تولى كبر فتنة القول بخلق القرآن أراد ابن الأعرابي أن يجد له في لغة العرب أن استوى تأتي بمعنى استولى ليصرف قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، إلى هذا المعنى. فقال له ابن الأعرابي: "والله ما أصبتُ هذا" (٢). الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه. وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي

стр. 35

معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازيّ بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء. ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلا بدَّ له من دليل قاطع: عقلي أو سمعي يوجب الصرف، وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بدَّ من دليل مرجح للحمل على المجاز) (١). وقد أشار كثير من العلماء المحققين إلى وجوب تحقق هذا الشرط. يقول الزركشي: (في التأويل في الاصطلاح: صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى يحتمله، ثم إن حمل لدليل فصحيح، وحينئذ فيصير المرجوح في نفسه راجحا، أو لما يظن دليلا ففاسد، أو لا لشيء فلعب، لا تأويل) (٢). أقول: وأكثر التأويلات المؤولة-هي من النوع

стр. 36

الأخير الذي سماه الزركشي لعبا، لأنهم لم يقيموا على صحتها دليلا يصح الاعتداد به. الثالث: لا بدَّ أن يسلم ذلك الدليل -الصارف- عن المعارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني وإيماني يبين أن الحقيقة مراده امتنع تركها. ثم إن كان هذا الدليل قاطعاً لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهراً فلا بدّ من الترجيح (١). وقد تأمَّل أهل السنة في النصوص التي زعم أهل التأويل وجوب تأويلها، فوجدوا أن في النصوص نفسها ما يدل على وجوب ترك تأويلها، فمن ذلك الحديث الذي يدَّعون رفعه إلى النبي ﷺ : ((الحجر الأسود يمين الله في الأرض)). ومنه الحديث ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن)). ومنه قوله ﷺ :

стр. 37

((عبدي جعت فلم تطعمني ...)). وقد بين العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى- أن في الحديث الأول ما يدل صراحة على أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: ((فمن قبَّله وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه)). ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به. ففي الحديث نفسه بيان أن مستلمه ليس مصافحاً لله، وليس هو نفس يمينه، فليس ظاهر الحديث كفراً يحتاج إلى تأويل، كما جعلته المؤولة، بحيث يحتاج إلى تأويله. وقد نبه شيخ الإسلام إلى أن هذا الحديث لا يصح مرفوعاً، وإنما يعرف عن ابن عباس. وأما قوله ﷺ : ((قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن))، فإنه غير محتاج إلى تأويل، فالمؤولة زعموا أنه يلزم تأويله (لاستحالة

стр. 38

وجود الأصبعين حساً، وكل من فتش عن صدره لم يشاهد فيه أصبعين، فأولوه على ما به تقليب الأشياء، وقلب الإنسان بين لمة الملك ولمة الشيطان، وبهما يقلب الله القلوب، فكنى بالأصبعين عنهما) (١). ولو تأمل هؤلاء في النص لعلموا أنهم أخطئوا في الفهم، فالحديث يصرح أن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولم يصرح بأن الأصابع مماسة للقلوب، فجعلهم ظاهر النص أنها مماسة للقلوب، وأن عدم رؤيتهم لهذه المماسة في صدر كل واحد منا يوجب التأويل فهم خاطئ للنص، فالنص لم يصرح، وليس فيه أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوف العباد، وإذا قيل السحاب مسخر بين السماء والأرض، وكثير من الكواكب والنجوم بين السماء والأرض لم يقتض هذا أن يكون مماس للسماء والأرض.

стр. 39

فالمؤولون أوتوا في هذا الحديث من عدم فقههم له، بينما كان خطؤهم في الحديث الأول في جعل ظاهره المعنى الباطل المردود، وهو ليس كذلك (١). ومما أوله المؤولون من النصوص زاعمين وجوب تأويله حديث ((عبدي جعت ولم تطعمني)). قالوا هذا الحديث يُثْبت لله معنى باطلاً هو الجوع، ولذا يجب صرفه عن ظاهره وتأويله، لأن الله منزه عن صفات النقص. والجواب: أن هذا الذي زعمتموه ظاهر النص ليس بظاهره، وفي الحديث ما يدل على هذا ويفسر مراد الله منه، ففي الحديث: ((يقول الله: عبدي، جعت فلم تطعمني. فيقول: رب، كيف أطعمك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي.

стр. 40

عبدي، مرضت فلم تعدني. فيقول: رب، كيف أعودك، وأنت رب العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، فلو عدته لوجدتني عنده)). يقول ابن تيمية: (هذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده، وجاع عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسراً ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده، فلم يبقى في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل) (١). الرابع: أن الرسول ﷺ إذا تكلم بكلام، وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بدَّ أن يبين لأمته أنه لم يرد به حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون
следующие страницы →