← Акыда

Акыда · id 1257

المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (245 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، لا إله إلا هو أحاط بكلِّ شيءٍ علمًا، ووسع عباده رحمةً وحلمًا، جفَّت الأقلام بما قدَّره أزلًا، وله المشيئة النافذة فيما قدَّر وقضى، والحكمة البالغة فيمَن أضلَّ وهدى. وأصلِّي وأسلِّم على رسوله المصطفى، ونبيِّه المجتبَى، وعلى آله وصحبه أعلام الورى، ومصابيح الدُّجَى، وعلى مَنْ استَن بسنته واقتفى. وبعد: فإن الإيمان بالقدر ركنٌ عظيمٌ من أركان الإيمان، لا يصحُّ إيمان العبد إلا بتحقيقه على ما دلَّ على ذلك خبر الصادق المصدوق عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم، وقد سأله جبريل ﵇ عن الإيمان، فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه» (١). وقال ﷺ : «لا يؤمن المرء حتى يؤمن بالقدر خيره وشرِّه» (٢). والقدر نظام التوحيد، لا يتمُّ التوحيد إلاَّ به. قال ابن عبَّاسٍ ﵄: «القدر نظام التوحيد؛ فمَن وحَّد الله سبحانه وكذَّب بالقدر؛ كان تكذيبه للقدر نقضًا للتوحيد، ومَن وحَّد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى» (٣).

стр. 2

وللإيمان بالقدر وتحقيقه آثاره العظيمة على عقيدة المسلم وسلوكه، ومن ثمراته المباركة رضى العبد عن ربه وحسن ظنه به، كما أن للتقصير في تحقيقه أو الانحراف في فهمه آثاره الخطيرة على دِين المسلم واعتقاده في ربه. وإذا كان الخلق يتقلبون في أقدارٍ ما تعاقب فيهم الليل والنهار مما يحبون ويطلبون، ومما يكرهون ويحذرون، وقَدَرُ الله فيهم ماضٍ وأمره فيهم نافذٌ حكمةً منه وعدلًا، كما قال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٥]؛ فإن الحاجة للتعريف بالقدر مُلِحَّةٌ، والتذكير به ينبغي أن يكون متجدِّدًا بتجدُّد الأقدار وتغيُّر الأحوال. وقد كنت ألفت كتاب (المختصر في عقيدة أهل السُّنَّة في القدر) على وجه الاختصار، وكان الباعث على ذلك تدريسي لمادَّة (الإيمان القدر) لطلَّاب (السنة الثانية) في بعض كلِّيَّات الجامعة الإسلاميَّة -بحسب النظام السابق-. وكان بدء تأليفه في سنة (١٤٢٤ هـ) مع فقرات منهج (توحيد الأسماء والصفات) التي كان تُدرَّس إلى جانب (مسائل القدر) في (السنة الثانية)، إلا أن هذه الكتابة بقيت على هيئة مذكِّرةٍ بأيدي الطلَّاب إلى أن تمَّت طباعة ما يتعلَّق بمسائل القدر بعد ذلك بسنواتٍ بعنوان (المختصر في عقيدة أهل السنة في القدر). وقد اقتصرت فيما دوَّنته فيه من مسائل على فقرات المنهج الدراسي المعتمد آنذاك لتدريسِ (مسائل القدر) لطلَّاب (السنة الثانية). وقد طُبع الكتاب عدَّة طبعاتٍ، وانتفع به الطلاب في دراسة هذه المادَّة بحمد الله، خاصَّةً بعد اعتماده مرجعًا للطلاب في دراسة مادة (الإيمان بالقدر) في أكثر من مستوى في كلِّيَّات الجامعة من قبل بعض أصحاب الفضيلة الذين تولوا تدريس هذه المادة وتوجيههم الطلاب للاستفادة منه. ثم لما وضع المنهج الجديد (لمادة القدر) في مرحلة الماجستير بقسم العقيدة،

стр. 3

بقي الكتاب مرجعًا للطلاب في هذه المادَّة؛ لاشتماله على عدد لا بأس به من فقرات هذا المنهج. وبعد تكليفي بتدريس هذه المادة لعدَّة سنواتٍ في هذه المرحلة كنت أحيل الطلاب عليه مع بعض الكتب الأخرى للاستعانة به في دراسة فقرات منهج (مادة القدر)، وكذلك وقع لبعض من درس هذه المادة من أصحاب الفضيلة. ثم رأيت حاجة الطلاب للكتابة والتأليف في بقية فقرات المنهج لهذه المرحلة -التي لم يتضمَّنها الكتاب-، وصاحب ذلك مطالبة بعض الطلبة بالتأليف في هذه الفقرات على وجه التحقيق والتدقيق مع الاختصار -كما هو الشأن في كتاب المختصر-، وقد كان يحول بيني وبين ذلك كثرة الأشغال، إلى أن شرح الله الصدر لذلك أثناء الإعداد لإعادة طباعة (كتاب المختصر)، فرأيت من المناسب استكمال بحث بقية الفقرات التي اشتمل عليها المنهج المذكور، وضمها لأصل الكتاب لسد حاجة الطلاب في دراسة كامل فقرات المنهج في كتابٍ واحدٍ. وقد قمت بدراسة هذه المسائل كلِّها بحسب ما جاء في منهج (مادة القدر لمرحلة الماجستير بقسم العقيدة)، وأعدت ترتيب فقرات الكتاب السابقة مع الملحق بها. ولما اشتمل الكتاب في وضعه الأخير على زيادة فقراتٍ كثيرةٍ تجاوزت ضعف حجم الكتاب السابق من حيث عدد المسائل والصفحات، رأيت من المناسب تحرير عنوانه بما يناسب حاله، وليتميز الكتاب في ثوبه الجديد عن أصله الذي قد يطبع في المستقبل مستقلا لسد حاجة الطلاب في المرحلة الجامعية دون الآخر، فرأيت أن يكون عنوانه: المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

стр. 4

وقد اشتملت الخطَّة بعد التعديل على: مقدمة، وتمهيد، وأربعة فصولٍ، وخاتمة. المقدمة: في بيان سبب التأليف، و خطَّة البحث. التمهيد: في التعريف بالقضاء والقدر، وبيان منزلة الإيمان بالقدر في الإسلام، ونشأة الخلاف فيه، ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأوَّل: تعريف القضاء والقدر والفرق بينهما. المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر في الإسلام. المبحث الثالث: نشأة الخلاف في القدر، والمقالات المحدَثة فيه. الفصل الأوَّل: في بيان معتقد أهل السنَّة ومخالفيهم في أصول الاعتقاد في القدر، ويشتمل على ستة مباحث: المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنَّة في الإيمان بالقضاء والقدر إجمالًا. المبحث الثاني: معتقد الطوائف المخالفة في القدر، والرد عليهم. المبحث الثالث: معتقد أهل السنَّة في مراتب القدر، وبيان أدلتها. المبحث الرابع: معتقد أهل السنَّة في أفعال العباد الاختياريَّة، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الخامس: معتقد أهل السنة في الهداية والإضلال، وأقوال المخالفين فيهما، والرد عليهم. المبحث السادس: معتقد أهل السنة في الإرادتين، وأقوال المخالفين فيهما، والرد عليهم. الفصل الثاني: المسائل المتعلِّقة بأفعال الله في باب القدر وتنزهه تعالى عن الشر والظلم.

стр. 5

ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنة في الحكمة في أفعال الله، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم. المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في مسألة الصلاح والأصلح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في مسألة التكليف بما لا يُطاق، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الرابع: معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الشرِّ، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم. المبحث الخامس: معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الظلم، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم. الفصل الثالث: المسائل المتعلقة بأعمال العباد في باب القدر. ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأول: معتقد أهل السنة في الرضى بالقدر، وبيان أقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم. المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في استطاعة العبد، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الثالث: بيان أن الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل وأقوال المخالفين في ذلك والرد عليهم. المبحث الرابع: بيان النهي عن الاحتجاج بالقدر على المعاصي وتوجيه محاجَّة آدم وموسى ﵉.

стр. 6

المبحث الخامس: بيان النهي عن الخوض في القدر، وحقيقة الخوض وحدّه. الفصل الرابع: في مسائل أخرى متعلِّقة بالقدر. ويشتمل على أربعة مباحث: المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنة في الأسباب، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الثالث: بيان الحقِّ في مسألة: هل الإنسان مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ؟ المبحث الرابع: بيان المراد ببدعة القدر التي رُمي بها بعض الأئمَّة، وحقيقة ذلك. الخاتمة: في نتائج البحث. هذا، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، صوابًا على وفق شرعه، نافعًا لمن قرأه، ذخرًا لي عنده بمنِّه وكرمه، وله الحمد أوَّلًا وآخرًا.

стр. 7

التمهيد في التعريف بالقضاء والقدر، وبيان منزلة الإيمان بالقدر في الإسلام، ونشأة الخلاف فيه ويشتمل على ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر، والفرق بينهما. المبحث الثاني: منزلة الإيمان بالقدر في الإسلام. المبحث الثالث: نشأة الخلاف في القدر، والمقالات المحدثة فيه.

стр. 8

المبحث الأول: تعريف القضاء والقدر، والفرق بينهما أولًا: تعريف القضاء والقدر: أ- تعريف القدر: القدر في اللغة: القضاء الموفَّق، يقال: قَدَّره الله تقديرًا. وإذا وافَقَ الشَّيْءُ الشَّيْءَ فهو قَدَرٌ له، وجاء على قَدَرِه. ذكره الخليل، ونقله الأزهريُّ عن الليث (١). والقدر في الشرع: هو ما قدَّره الله في الأزل أن يكون، بناءً على علمه السابق بالأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل خلقها (٢). ب- تعريف القضاء: القضاء في اللغة: القطع والفصل، يقال: قضى يقضي قضاءً، فهو قاضٍ؛ إذا حكم وفصل. وقضاء الشيء: إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه (٣). قال الأزهريُّ: «وَ (قضى) فِي اللُّغَة على ضرُوبٍ؛ كلُّها تَرجع إِلَى معنى انْقِطَاع الشيءِ وتمامِه … وكلُّ مَا أُحكِم فقد قُضِيَ» (٤). وقال ابن فارس: «القاف والضاد والحرف المعتلُّ؛ أصلٌ صحيحٌ، يدلُّ على

стр. 9

إحكام أمرٍ وإتقانه وإنفاذ جهته» (١). وقال الراغب الأصفهانيُّ: «القضاء: فصل الأمر، قولًا كان ذلك أو فعلًا، وكل واحدٍ منهما على وجهين: إِلهيٌّ وبشريٌّ. فَمن قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ أي: أمر بذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]؛ أي: أعلمناهم. ومن فعل الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠]. ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]؛ أي: خلقهن. ومن القول البشريِّ نحو: قضى الحاكم بكذا؛ فإن حكم الحاكم يكون بالقول (٢). ومن الفعل البشري: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]» (٣).

стр. 10

والقضاء في الشرع: هو ما قضى به الله في خلقه من إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ (١). ثانيا: الفرق بينهما: القضاء والقدر بينهما تلازمٌ، ويدخل أحدهما في معنَى الآخر في بعض مواطن ورودهما في النصوص وكلام العلماء. قال ابن الأثير: «والقضاء والقدر متلازمان، لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بِمَنْزلة الأساس وهو القدر، والآخر بِمَنْزلة البناء وهو القضاء؛ فَمَنْ رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه» (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «القضاء والقدر متباينان إن اجتمعا، ومترادفان إن افترقا، على حدِّ قول العلماء: «هما كلمتان إن اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا». فإذا قيل: هذا قَدَر الله، فهو شاملٌ للقضاء، أما إذا ذُكِرَا جميعًا؛ فلكل واحدٍ منهما معنًى. فالتقدير: هو ما قدَّره الله تعالى في الأزل أن يكون في خلقه. وأما القضاء: فهو ما قضى الله به في خلقه من إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ» (٣). وقد اختُلِف في القضاء والقدر أيُّهما أسبق؟ والذي عليه المحقِّقون من أهل العلم أن القدر سابقٌ للقضاء.

стр. 11

قال الراغب الأصفهاني ﵀: «والقضاء من الله أخص من القدر؛ لأنه الفصل بين التقدير؛ فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع» (١). وقال مرعي الكرمي ﵀: «القدر عبارة عن سبق علم الله تعالى بالمقدور … والقضاء عبارة عن خلق الله تعالى لذلك المقدور» (٢). وبه قال الشيخ ابن عثيمين ﵀ (٣).

стр. 12

المبحث الثاني منزلة الإيمان بالقدر في الإسلام الإيمان بالقدر واجبٌ، وهو أحد أركان الإيمان الستَّة، كما أخبر النَّبِي ﷺ بهذا في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان؟ فقال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١). وقد دلَّت الأدلَّة من الكتاب والسنَّة والإجماع على وجوب الإيمان بالقدر. فمن الكتاب: [١] قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]. قال ابن كثيرٍ ﵀: «يَستدِلُّ بهذه الآية الكريمة أئمَّة السنَّة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها» (٢). [٢] قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. والتقدير هنا: بمعنى التسوية، قال ابن جريرٍ في معنى قوله: ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: «يقول: فسوَّى كلَّ خلقٍ وهيَّأه لما يصلح له، فلا خلل ولا تفاوت» (٣). وعلى هذا فلا تشكل هذه الآية على ما سبق تقريره من أن التقدير سابقٌ للقضاء؛ فيقال: قدَّم في الآية الخلق على التقدير؛ فدلَّ على أن القضاء أسبق. قال الشيخ ابن عثيمين في الإجابة على هذا الاستشكال: «إما أن نقول: هذا من باب الترتيب الذكريِّ لا المعنويِّ … ، أو نقول: إن التقدير هنا بمعنى

стр. 13

التسوية، أي: خلقه على قدرٍ معيَّنٍ؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى: ٢]؛ فيكون التقدير بمعنى التسوية» (١). [٣] قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨]. قال ابن كثيرٍ: «أي: وكان أمره الذي يقدِّره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا مَعْدِل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن» (٢). [٤] قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٢ - ٣]. قال السعديُّ: «الذي قدَّر تقديرًا تتبعه جميع المقدَّرات، فهدى إلى ذلك جميع المخلوقات» (٣). ومن السنَّة: [١] حديث جبريل المتقدِّم، وفيه: « … وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه» (٤). [٢] ما أخرجه مسلمٌ في صحيحه عن طاوسٍ، قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، يقولون: كلُّ شيءٍ بقدرٍ، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : «كلُّ شيءٍ بقدرٍ، حتى العجزُ والكَيْسُ، أو الكيس والعجز» (٥). قال النوويُّ ﵀: «ويحتمل أن العجز هنا على ظاهره، وهو عدم القدرة، وقيل: هو ترك ما يجب فعله، والكيس ضد العجز، وهو النشاط والحذق

стр. 14

بالأمور، ومعناه: أن العاجز قد قُدِّر عَجْزُه، والكيِّس قد قُدِّر كَيْسُه» (١). [٣] حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةٍ»، قال: «وعرشه على الماء» (٢). [٤] حديث سراقة بن مالكٍ، أنه قال: يا رسول الله! بَيِّن لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن، فيم العمل اليوم؟ أَفِيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ قال: «بل فيما جفَّت به الأقلام وجرت به المقادير». قال: فيم العمل؟ قال: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ» (٣). والأحاديث في إثبات القدر وعلم الله بالأشياء قبل وجودها وكتابته لها كثيرةٌ جدًّا، وقد أفرد العلماء في جمعها مصنَّفاتٍ مستقلَّةً (٤). وأما الإجماع: فقد انعقد إجماع السلف ومَنْ بعدهم من الأئمَّة على وجوب الإيمان بالقدر خيره وشرِّه، كما نقل ذلك غير واحدٍ من الأئمَّة والعلماء المحقِّقين. فعن أبي الأسود الدؤليِّ، قال: «ما رأينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ لا يُثبت القدر» (٥).

стр. 15

وقال الإمام النوويُّ: «وقد تظاهرت الأدلَّة القطعيَّات من الكتاب والسنَّة وإجماع الصحابة وأهل الحلِّ والعقد من السلف والخلف على إثبات قدر الله » (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما السلف والأئمَّة كما أنهم متَّفقون على الإيمان بالقدر، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها، وهم متَّفقون على إثبات أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وأنه لا حجَّة لأحدٍ في ترك مأمورٍ ولا فعل محظورٍ؛ فهم أيضًا متَّفقون على أن الله حكيمٌ رحيمٌ، وأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين» (٢). وقال ابن حجر: «ومذهب السلف قاطبةً أن الأمور كلَّها بتقدير الله» (٣).

стр. 16

المبحث الثالث نشأة الخلاف في القدر والمقالات المحدَثة فيه أصل الخلاف في القدر يرجع إلى مقالتين مخالفتين للكتاب والسنَّة وما عليه سلف الأمَّة، وهما (مقالة القدريَّة)، و (مقالة الجبريَّة). أوَّلًا: مقالة القدريَّة: وهي القول بقدرة العبد على فعله قدرة تامة، وإنكار مراتب القدر كلها كما هو قول أوائلهم وغلاتهم، أو إنكار المشيئة والخلق كما هو قول متأخريهم. وأوَّل ظهور مقالة القدريَّة في أواخر عصر الصحابة ﵃ في خلافة عبد الملك بن مروان (١). وكان أوَّل ما ظهرت مقالة القدريَّة في البصرة على يد معبد الجهنيِّ. على ما أخرج الإمام مسلم، عن يحيى بن يعمر، قال: كان أوَّل من قال في القدر بالبصرة معبد الجهنيُّ، فانطلقت أنا وحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَريُّ حاجَّين -أو معتمرين-، فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّق لنا عبد الله بن عمر بن الخطَّاب داخلًا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قِبَلَنا ناسٌ يقرؤون القرآن، ويتقفَّرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أُنُفٌ، قال: «فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر، لو أن لأحدهم مثل أحدٍ

стр. 17

ذهبًا، فأنفقه؛ ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر» (١). وقيل: إن أول من أحدث الكلام في القدر رجلٌ نصرانيٌّ يسمَّى (سنسويه) أو (سوسن). قال ابن عونٍ: «أدركت الناس وما يتكلَّمون إلا في عليٍّ وعثمان، حتى نشأ ها هنا حقيرٌ، يُقال له: سنسويه البقَّال» قال: «فكان أوَّل من تكلَّم في القدر» (٢). والذي يظهر أن (سنسويه) -أو (سوسن) - هو أوَّل من أحدث مقالة القدر، ثم تلقَّاها عنه معبد الجهنيُّ، فأظهرها فاشتهرت عنه، ثم تلقَّاها عن معبدٍ غيلان الدمشقيُّ. على ما أخرج الآجريُّ وغيره، عن الإمام الأوزاعيِّ، أنه قال: «أوَّل من نطق بالقدر: رجلٌ من أهل العراق، يُقال له: سوسن، وكان نصرانيًّا فأسلم، ثم تنصَّر، فأخذ عنه معبد الجهنيُّ، وأخذ غيلان عن معبدٍ» (٣). وروى الفريابيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عونٍ، أنه التقى بأبي نعامة العدويِّ، وكان أكبر من ابن عونٍ، فقال له ابن عونٍ: يا أبا نعامة، متى تكلَّم الناس في القدر؟ قال: «إنما تكلَّموا فيه حيث تكلم سنسويه، وتابعه معبد الجهنيُّ» (٤). كما روى الفريابيُّ أيضًا عن ابن عونٍ أنه قال: «أمران أدركت الناس وليس فيهم منها شيءٌ: كلام هذه المعتزلة، والقدريَّة، وكان أوَّل من تكلَّم في القدر سنسويه بن يونس الأسواريُّ، وكان حقيرًا صغير الشأن، ثم تكلَّم معبدٌ، وتكلَّم

стр. 18

رجلٌ من أهل كذا في المسجد» (١). فكان لهؤلاء الثلاثة الأثر البالغ في ظهور مقالة القدر في الإسلام: أما سنسويه: فهو أوَّل من أحدثها، وهو رجلٌ نصرانيٌّ ادعى الإسلام، واسمه سنسويه بن يونس الأسواريُّ، كما تقدم في الروايات السابقة. وذكر البخاريُّ أنه «كان مجوسيًّا فادَّعى الإسلام» (٢). وقد تقدَّم وصف ابن عونٍ له بقوله: «كان حقيرًا صغير الشأن» (٣). قال حمَّاد بن زيدٍ: «ما ظنُّكم برجلٍ يقول له ابن عونٍ: هو حقيرٌ؟!» (٤). ونقل البخاريُّ عن الحسن في القدريَّة، أنه قال: «أهلكتهم العجمة» (٥). وأما معبد الجهنيُّ: فهو الذي أظهرها وشهرها وعُرِف بها. وقد أخذ مقالته في القدر عن سنسويه -كما تقدَّم-. وقد كانت لمعبدٍ عبادةٌ، وفيه زهادةٌ، وبسبب ذلك راجت بدعته، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فعاقبه الحجاج عقوبةً عظيمةً بأنواع العذاب، ثم قتله. وقيل: بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق، ثم قتله، وهو الأقرب (٦). وأما غيلان: فهو غيلان بن مسلمٍ القبطيُّ الدمشقيُّ، صاحب معبدٍ، وهو

стр. 19

الذي دعا إلى القدر وأظهره وناظر فيه، وكان ذا عبادةٍ وتألُّهٍ وفصاحةٍ وبلاغةٍ (١). وظهر أمره في خلافة عمر بن عبد العزيز، فاستتابه عمر، فقال: لقد كنت ضالًّا فهديتني، فقال له عمر: اللهمَّ إن كان صادقًا، وإلا فاصلبه واقطع يديه ورجليه، ثم قال: أمِّن يا غيلان، فأمَّن على دعائه (٢). ثم عاد لمقالته بعد ذلك، وناظره الأوزاعيُّ في خلافة هشام بن عبد الملك، بحضرة الخليفة، فانقطع غيلان ولم يتب، فأفتى الأوزاعيُّ بقتله، وأقرَّه على ذلك العلماء، فأمر به هشام بن عبد الملك فقُطِعت أربعته، وصُلِب بباب دمشق، وكانوا يرون أن ذلك بدعوة عمر بن عبد العزيز عليه (٣). وللقدريَّة مقالتان: المقالة الأولى: إنكار علم الله السابق بأعمال العباد، وكتابته، ومشيئته وخلقه لها، ودعوى أنه أَمَر ونَهَى وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل الأمر أُنُفٌ: أي مستأنَفٌ (٤). وهذه مقالة القدريَّة الأوائل المتقدِّم ذكرهم، وقد أنكر بدعتهم من أدركها من الصحابة، كابن عبَّاسٍ، وابن عمر، وأنس بن مالكٍ، وجابر بن عبد الله ﵃، واشتدَّ إنكارهم عليهم، و تبرَّؤوا منهم ومن بدعتهم (٥).

стр. 20

بل نقل شيخ الإسلام ابن تيميَّة والإمام ابن القيِّم اتِّفاق السلف على كفرهم (١). وأصحاب هذا القول قد انقرضوا، ولم يبق في الأمَّة من يقول بقولهم، كما قرَّر هذا جمعٌ من العلماء، كالقرطبيِّ والنوويِّ وابن حجرٍ والسفَّارينيِّ (٢). المقالة الثانية: الإقرار بعلم الله السابق، وكتابته السابقة لأعمال العباد، وإنكار عموم مشيئته وخلقه لها، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره، فما شاءه فقد أمر به وما لم يشأه لم يأمر به. وهؤلاء هم الذين تبنَّى المعتزلة مذهبهم، وانتصروا له، وانتشر على أيديهم، فنُسِبوا إليهم؛ فقيل: المعتزلة القدريَّة (٣). وأصحاب هذه المقالة على ضلالهم وانحرافهم هم دون الطائفة الأولى؛ ولهذا لم يكفِّرهم الأئمَّة بمقالتهم، بل بدَّعوهم وضلَّلوهم. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما هؤلاء؛ فهم مبتدعون ضالُّون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك؛ وفي هؤلاء خلقٌ كثيرٌ من العلماء والعبَّاد كتب عنهم العلم» (٤).

стр. 21

ثانيا: مقالة الجبريَّة: وهي القول بجبر العبد على فعله، ودعوى أن الفاعل الحقيقيَّ هو الله، وإنما يُضاف الفعل للعبد مجازًا، وأصحابها يسمَّون (بالقدريَّة المثبتة). وأوَّل من أظهر القول بالجبر: الجهم بن صفوان، وكان الجهم جمع بين ضلالتين، وهما: تعطيل صفات الله تعالى، والقول بالجبر، أي: دعوى أن العبد مجبور على فعله. قال الشهرستانيُّ -في سياق ذكره لمقالات الجهم-: «منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأن ذلك يقتضي تشبيهًا، فنفى كونه حيًّا عالمًا، وأثبت كونه قادرًا، فاعلًا، خالقًا؛ لأنه لا يوصف شيءٌ من خلقه بالقدرة، والفعل، والخلق» (١). وقال البغداديُّ: «الجهميَّة: أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال وأنكر الاستطاعات كلَّها … وقال: لا فعل ولا عمل لأحدٍ غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز … ، وزعم أيضًا أن علم الله تعالى حادثٌ، وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيءٌ أو حيٌّ أو عالمٌ أو مريدٌ، وقال: لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره كشيءٍ وموجودٍ وحيٍّ وعالمٍ ومريدٍ ونحو ذلك، ووصفه بأنه قادرٌ وموجِدٌ وفاعلٌ وخالقٌ ومحيٍ ومميتٌ؛ لأن هذه الأوصاف مختصَّةٌ به وحده» (٢). وبهذا يتبيَّن التلازم بين بدعتي التعطيل والقول بالجبر عند الجهم، وأن قوله بالجبر إنما كان لازمًا لقوله بالتعطيل، فإنه أراد أن ينزِّه الله عن مشابهة

стр. 22

الخلق، فما أثبته للخلق كالحياة والعلم نفاه عن الله، وما أثبته لله من القدرة والفعل نفاه عن العبد، وبهذا كان الجهم رأسًا في مقالتي: تعطيل الله عن صفاته، والقول بجبر العبد على فعله. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في سياق نقله اتِّفاق السلف على إثبات الصفات لله تعالى، وعلى أن العبد فاعلٌ حقيقةً-: «وأوَّل من ظهر عنه إنكار ذلك هو الجهم بن صفوان وأتباعه، فحُكِي عنهم أنهم قالوا: إن العبد مجبورٌ، وأنه لا فعل له أصلًا، وليس بقادرٍ أصلًا، وكان الجهم غاليًا في تعطيل الصفات، فكان ينفي أن يسمَّى الله تعالى باسمٍ يُسمَّى به العبد، فلا يُسمَّى شيئًا ولا حيًّا ولا عالمًا ولا سميعًا ولا بصيرًا» (١). ويذكر المحقِّقون من أهل العلم أن الجهم أخذ هذه المقالات من الجعد ابن درهمٍ، وأن منتهاها يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهوديِّ. قال الإمام البخاريُّ: «قال قتيبة: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد ابن درهم» (٢). وقال الإمام أحمد: «وأخذه جهمٌ من الجعد بن درهم، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الذي سحر النبيَّ ﷺ » (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فإن أوَّل من حُفِظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام: الجعد بن درهمٍ، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها، فنُسِبت

стр. 23

مقالة الجهميَّة إليه. وقيل: إن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الذي سحر النبيَّ ﷺ » (١). فتبيَّن بهذا أن منشأ هذه البدعة في الإسلام يرجع إلى لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الساحر الذي سحر النبيَّ ﷺ ، وكان لبيدٌ يقول بخلق التوراة. ثم أخذها عنه ابن أخته طالوت، وهو أوَّل من صنَّف في ذلك، وكان زنديقًا، فأفشى الزندقة (٢). ثم أخذها عنه أبان بن سمعان، وهو الذي أثَّر في الجعد بن درهمٍ. فتلقَّف الجعد هذه المقالة منه، وهو أوَّل من أحدث مقالة التعطيل في الأمَّة، فزعم بأن الله ما اتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولا كلَّم موسى، وأن ذلك لا يجوز على الله. وللجعد أخبارٌ كثيرةٌ في الزندقة (٣). وأصل الجعد من خراسان، ويُقال: إنه من موالي بني مروان (٤)، ثم أقام بدمشق، وذلك في أيَّام هشام بن عبد الملك، فطلبه هشامٌ، ثم هرب فسكن الكوفة، فلقيه بها الجهم بن صفوان، فتقلَّد هذا القول عنه، فكتب هشامٌ إلى نائبه خالد بن عبد الله القسريِّ أن يقتله، ثم قتله خالد بن عبد الله القسريُّ يوم عيد الأضحى بالكوفة، وذلك أن خالدًا خطب الناس، فقال في خطبته تلك: «أيُّها الناس، ضحُّوا تقبَّل الله

стр. 24

ضحاياكم، فإني مضحٍّ بالجعد بن درهمٍ، إنه زعم أن الله لم يتَّخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلِّم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًّا كبيرًا». ثم نزل فذبحه في أصل المنبر بيده (١). ثم تبنَّى مذهبه الجهم، فأظهره وأشهره وناظر في نصرته حتى عُرِف به ونُسِب إليه، إلى أن قتله سلم بن أحوز أمير خراسان بها في سنة ١٢٨ هـ، ولكن بعد أن فشت مقالته (٢). ثم انتشرت مقالة الجبر في الناس عن طريق الجهميَّة، فتأثر بها بعض مثبتة القدر في الجملة الذين كانوا يردُّون على المعتزلة مقالتهم في نفي القدر، ومنهم الأشعريَّة الذين وافقوا الجهميَّة في أصل مقالتهم في الجبر، وإن خالفوهم في بعض تفاصيلها، كما سيأتي. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فإن الأشعريَّة وبعض المثبتين للقدر وافقوا الجهم بن صفوان في أصل قوله في الجبر، وإن نازعوه في بعض ذلك نزاعًا لفظيًّا؛ أتوا بما لا يُعقَل» (٣). فنتج عن هذا -وبعد تبنِّي الأشعريَّة مقالة الجبر- أن انقسم الجبريَّة إلى قسمين: القسم الأوَّل: (جبريَّةٌ غاليةٌ -ويُقال: خالصةٌ-، وهم الجهميَّة ومن وافقهم)؛ ينفون عن العبد الفعل والقدرة والكسب، فيزعمون أنه ليس للعبد فعلٌ ولا قدرةٌ، وإنما الفاعل القادر هو الله، وليس للعبد كسبٌ يستحقُّ عليه ثوابًا أو عقابًا،

стр. 25

وإنما النعيم والعذاب هما محض فعل الربِّ، ينعم على من يشاء وإن كان عاصيًا، ويعذِّب من يشاء وإن كان مطيعًا (١). القسم الثاني: (جبريَّة متوسِّطةٌ، وهم الأشعريَّة)، ينفون عن العبد الفعل، ويثبتون له قدرةً غير مؤثِّرةٍ، وكسبًا، ويقولون: إن الفاعل حقيقةً هو الله، والعبد ليس بفاعلٍ، وإنما هو كاسبٌ، وإضافة الفعل للعبد مجازٌ لا على الحقيقة (٢).

стр. 26

الفصل الأوَّل في بيان معتقد أهل السنة ومخالفيهم في أصول الاعتقاد في القدر ويشتمل على ستَّة مباحث: المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنة في الإيمان بالقضاء والقدر. المبحث الثاني: معتقد الطوائف المخالفة في القدر والرد عليهم. المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في مراتب القدر وبيان أدلتها. المبحث الرابع: معتقد أهل السنة في أفعال العباد الاختياريَّة، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم. المبحث الخامس: معتقد أهل السنة في الهداية والإضلال، وأقوال المخالفين فيهما، والرد عليهم. المبحث السادس: معتقد أهل السنة في الإرادتين، وأقوال المخالفين فيهما، والرد عليهم.

стр. 27

المبحث الأوَّل معتقد أهل السنة في الإيمان بالقضاء والقدر إجمالًا يعتقد أهل السنة وجوب الإيمان بالقدر، وأن الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، وأنه لا يتحقَّق الإسلام والإيمان إلا بالإيمان بالقدر خيره وشرِّه، على ما دلَّت على ذلك الأدلَّة. وقد نقل العلماء المصنِّفون في الاعتقاد معتقد أهل السنة في القدر، ونقلوا إجماعهم على الإيمان بالقدر وما يتعلَّق به من مسائل، كما نقلوا أقوال السلف في ذلك وتشديدهم على من كذَّب بالقدر أو خالف فيه. وفيما يلي بيانٌ لذلك: أوَّلًا: أقوال الأئمَّة في وصف معتقد أهل السنة في القدر: قال الإمام أحمد: «أجمع سبعون رجلًا من التابعين وأئمَّة المسلمين وفُقهاءِ الأمصار على أنَّ السنة التي تُوفِّي عليها رسولُ الله ﷺ : أوَّلها: الرِّضى بقَضاءِ الله والتسليمُ لأمره، والصبرُ تَحت حكمه، والأخذُ بما أمر الله به، والنَّهي عما نهى عنه؛ وإخلاصُ العمل لله، والإيمانُ بالقدر خَيره وشره» (١). وقال ابن قتيبة ﵀: «وعَدْل القول في القدر: أن تعلم أن الله عَدْلٌ لا يجور، كيف خلق، وكيف قدَّر، وكيف أعطى، وكيف منع، وأنه لا يخرج من قدرته شيءٌ، ولا يكون في ملكوته من السموات والأرض إلا ما أراد، وأنه لا دَيْن لأحدٍ عليه، ولا حقَّ لأحدٍ قبله، فإن أعطى فبفضلٍ، وإن منع فبعدلٍ، وأن

стр. 28

العباد يستطيعون ويعملون ويُجزَون بما يكسبون، وأن لله لطيفةً يبتدئ بها من أراد، ويتفضَّل بها على من أحبَّ، ويوقعها في القلوب فيعود بها إلى طاعته، ويمنعها من حقَّت عليه كلمته، فهذه جملة ما ينتهي إليه علم ابن آدم من قدر الله ، وما سوى ذلك مخزونٌ عنه» (١). وقال ابن أبي زيدٍ القيروانيُّ ﵀ في وصف عقيدة أهل السنة: «والإيمان بالقدر خيره وشرِّه، حلوه ومرِّه، وكلُّ ذلك قد قدَّره الله ربُّنا، ومقادير الأمور بيده، ومصدرها عن قضائه. علم كلَّ شيءٍ قبل كونه، فجرى على قدره، لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه وسبق علمه به، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. يضلُّ من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفِّقه بفضله، فكلٌّ ميسَّر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره، من شقيٍّ أو سعيدٍ. تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد، أو يكون لأحدٍ عنه غنىً، أو يكون خالقٌ لشيءٍ إلا هو، ربُّ العباد وربُّ أعمالهم، والمقدِّر لحركاتهم وآجالهم، الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجَّة عليهم» (٢). وقال أبو عثمان الصابونيُّ ﵀: «ومن قول أهل السنة والجماعة في أكساب العباد: أنها مخلوقةٌ لله تعالى، لا يمترون فيه، ولا يعدُّون من أهل الهدى ودين الحقِّ من ينكر هذا القول وينفيه، ويشهدون أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضلُّ من يشاء لا حجَّة لمن أضلَّه الله عليه ولا عذر له لديه … ويشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشرَّ والنفع والضرَّ بقضاء الله وقدره، لا مردَّ

стр. 29

لهما، ولا محيص ولا محيد عنهما، ولا يصيب المرء إلا ما كتبه له ربُّه … ومن مذهب أهل السنة وطريقتهم -مع قولهم بأن الخير والشرَّ من الله وبقضائه-: أن لا يُضاف إلى الله ما يتوهَّم منه نقصٌ على الانفراد؛ فلا يُقال: يا خالق القردة والخنازير والخنافس والجعلان، وإن كان لا مخلوق إلا والربُّ خالقه … ومن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله مريدٌ لجميع أعمال العباد، خيرها وشرِّها، لم يؤمن أحدٌ إلا بمشيئته، ولم يكفر أحدٌ إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمَّةً واحدةً، ولو شاء ألا يُعصى ما خلق إبليس، فكُفْر الكافرين، وإيمان المؤمنين؛ بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته، أراد كلَّ ذلك وشاءه وقضاه، ويرضى الإيمان والطاعة، ويسخط الكفر والمعصية» (١). وقال الحافظ عبد الغنيِّ المقدسيُّ ﵀: «وأجمع أئمَّة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشرِّه حلوه ومُرِّه قليله وكثيره، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيءٌ إلا بإرادته، ولا يجري خيرٌ وشرٌّ إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا، فهو سرٌّ استأثر به، وعلمٌ حجبه عن خلقه، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «أصل هذه المسألة أَنْ يعلم الإنسان أن مذهب أهل السنة والجماعة في هذا الباب وغيره ما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وكان عليه السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ. وهو أن الله خالق كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال العباد.

стр. 30

وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود شيءٌ إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيءٌ شاءه؛ بل هو قادرٌ على كلِّ شيءٍ، ولا يشاء شيئًا إلا وهو قادرٌ عليه. وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقد دخل في هذا أفعال العباد وغيرها. وقد قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم: قدَّر آجالهم، وأرزاقهم، وأعمالهم، وكتب ذلك، وكتب ما يصيرون إليه من سعادةٍ وشقاوةٍ. فهم يؤمنون بخلقه لكلِّ شيءٍ، وقدرته على كلِّ شيءٍ، ومشيئته لكلِّ ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها وكتابته إيَّاها قبل أن تكون» (١). وذكر في موطنٍ آخر أنَّ: «السلف والأئمَّة كما أنهم متَّفقون على الإيمان بالقدر، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها، وهم متَّفقون على إثبات أمره ونهيه، ووعده ووعيده، وأنه لا حجَّة لأحدٍ في ترك مأمورٍ ولا فعل محظورٍ؛ فهم أيضًا متَّفقون على أن الله حكيمٌ رحيمٌ، وأنه أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين» (٢). وقال ابن أبي العزِّ الحنفيُّ: «والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كلَّ شيءٍ بقضاء الله وقدره، وأن الله تعالى خالق أفعال العباد، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وأن الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبُّه، فيشاؤه كونًا، ولا يرضاه دينًا» (٣).

стр. 31

ثانيًا: أقوال السلف والأئمة في الإيمان بالقدر، والتحذير من المخالفين فيه، وتشديدهم في ذلك: عن ابن عمر ﵄ قال: «جاء رجلٌ إلى أبي بكرٍ، فقال: أرأيت الزنا، بقدرٍ؟ قال: نعم، قال: فإن الله قدَّره عليَّ ثم يعذِّبني؟ قال: نعم يا ابن الخنا، أما والله لو كان عندي إنسانٌ أمرت أن يجأ أنفك» (١). وعن أبي عثمان النهديِّ قال: سمعت عمر بن الخطَّاب ﵁ وهو يطوف بالبيت، يقول: «اللهمَّ إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبتني على الشقوة فامحني منها، وأثبتني في السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أمُّ الكتاب» (٢). وبلغ عمر ﵁ فقيل له: إن ناسًا يتكلَّمون في القدر، فقام خطيبًا فقال: «يا أيُّها الناس، إنما هلك من كان قبلكم في القدر، والذي نفس عمر بيده، لا أسمع برجلين تكلَّما فيه إلا ضربت أعناقهما، قال: فأحجم الناس، فما تكلَّم فيه أحدٌ حتى ظهرت نابغة الشام» (٣). وعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ أنه ذُكِر عنده القدر يومًا، فأدخل أصبعيه السبَّابة والوسطى في فيه، فرقم بهما في باطن يده، فقال: «أشهد أن هاتين الرقمتين كانتا في أمِّ الكتاب» (٤). وعن عليِّ ﵁ قال: «إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى

стр. 32

يستقرَّ يقينًا غير ظنٍّ أنه ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويقرَّ بالقدر كلِّه» (١). وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: «أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمَّدٍ، وشرُّ الأمور محدثاتها، فاتَّبعوا ولا تبتدعوا؛ فإن الشقيَّ من شقي في بطن أمِّه، والسعيد من وُعِظ بغيره» (٢). وكان ﵁ يدخل إصبعه في فيه، ويقول: «لا والله، لا يطعم رجلٌ طعم الإيمان حتى يؤمن بالقدر، ويقرَّ ويعلم أنه ميِّتٌ مُخْرَجٌ، وأنه مبعوثٌ من بعد الموت» (٣). وعن طاوسٍ ﵀ قال: «أشهد أني سمعت ابن عبَّاسٍ يقول: العجز والكيس بقدرٍ» (٤). وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «القدر نظام التوحيد، فمن وحَّد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره بالقضاء نقضًا للتوحيد، ومن وحَّد الله وآمن بالقدر كان العروة الوثقى لا انفصام لها» (٥). وعن يحيى بن يعمر قال: قلت لابن عمر ﵄: إنا نسافر فنلقى قومًا يقولون: لا قدر، قال: «إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريءٌ، وهم منه براءٌ، ثلاث مرَّاتٍ» (٦).

стр. 33

وعن عُبادة بن الصامت ﵁ أنه قال له ابنه عبد الرحمن: أوصني، قال: أجلسوني، فأجلسوه، ثم قال: يا بُنَيَّ اتَّق الله، ولن تتَّقي الله حتى تؤمن بالقدر، ولن تؤمن بالقدر حتى تؤمن بالقدر خيره وشرِّه، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «القدر على هذا، من مات على غير هذا أدخله الله النار» (١). وعن الحسن بن عليٍّ ﵄ قال: «قُضِي القضاء، وجفَّ القلم، وأمورٌ بقضاءٍ في كتابٍ قد خلا» (٢). وقال عمرو بن العاص ﵁: «انتهى عجبي إلى ثلاثٍ: المرء يفرُّ من القدر وهو لاقيه، ويرى في أعين أخيه القذا فيعيبها، ويكون في عينه مثل الجذع فلا يعيبها، ويكون في دابَّته الصعر ويقوِّمها جهده، ويكون في نفسه الصعر فلا يقومها» (٣). وعن أبي الحجَّاج الأزديِّ ﵀ قال: سألت سلمان، ما الإيمان بالقدر؟ فقال: «أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (٤).

стр. 34

وعن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: «ما طنَّ ذبابٌ بين اثنين إلا بكتابٍ مقدَّرٍ» (١). وعن الحسن البصريِّ ﵀ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: «إن الله قدَّر أجلًا، وقدَّر معه مرضًا، وقدَّر معه معافاةً، فمن كذَّب بالقدر فقد كذَّب بالقرآن، ومن كذَّب بالقرآن فقد كذَّب بالحقِّ» (٢). وعن عليِّ بن حسينٍ ﵀ أنه قال: «إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله على ضعف رأيهم، فقالوا لله: لم؟ ولا ينبغي أن يقال لله: لم؟» (٣). وقال جعفرٌ الصادق ﵀: «الله لا يُعصى قهرًا ولا يُطاع قهرًا، فإذا أراد الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت، فإن عذَّب فبحقٍّ، وإن عفا فبالفضل» (٤). وقال غيلان لربيعة بن أبي عبد الرحمن ﵀: «يا ربيعة، أنت الذي تزعم أن الله يحبُّ أن يُعصى؟ فقال له ربيعة: ويلك يا غيلان، أنت الذي تزعم أن الله يُعصى قسرا؟» (٥). وعن الأوزاعيِّ ﵀ أنه قال: «القدريَّة خصماء الله في الأرض» (٦). وقال مالك بن أنسٍ ﵀: «ما أضلَّ من يكذِّب القدر! لو لم تكن عليهم

стр. 35

حجَّةٌ إلا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، لكفى به حجَّةً» (١). وأقوال السلف في إثبات القدر كثيرةٌ مستفيضةٌ في كتب الاعتقاد والسنة، وهي في كثرتها وتنوُّع ألفاظها ودلالاتها تدلُّ على رسوخ الإيمان بالقدر في نفوس السلف ﵃.

стр. 36

المبحث الثاني معتقد الطوائف المخالفة في القدر، والرد عليهم أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرقٍ: مجوسيَّة، ومشركيَّة، وإبليسيَّة. كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فالمجوسيَّة؛ هم: الذين كذَّبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه؛ فغلاتهم أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته. وهؤلاء هم المُعتَزِلة، ومَنْ وافقهم، وهؤلاء يجعلون لله شركاء في خلقه؛ فيقولون: خالق الخير غير خالق الشرِّ، ويقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعةً بمشيئة الله تعالى. والمشركيَّة؛ هم: الذين أقرُّوا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]؛ فَمَنِ احتجَّ على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء. وهذه مقالة الجبريَّة من الجهميَّة وغيرهم ممَّن يدَّعي الحقيقة من المتصوِّفة ومن وافقهم، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبيَّة العامَّة لكلِّ مخلوقٍ. وأما الإبليسيَّة؛ فهم: الذين أقرُّوا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضًا من الربِّ ، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكَر ذلك عن إبليس مقدَّمهم كما نقله أهل المقالات، ونُقِل عن أهل الكتاب. وهؤلاء كثيرٌ في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة؛ كقول أبي العلاء المعرِّيِّ: أَنَهيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفُوْس تَعمُّدًا … وَبَعَثْتَ أَنْتَ لِقَبْضِهَا مَلَكَيْنِ وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَادًا ثَانِيًا … مَا كَانَ أَغنَاهَا عَنِ الحَالَيْنِ

стр. 37

وقول بعض السفهاء الزنادقة: يخلق نجومًا ويخلق بينها أقمارًا، يقول: يا قوم، غضُّوا عنهم الأبصار، ترمي النسوان، وتزعق معشر الحُضَّار، أطفوا الحريق، وبيدك قد رميت النار. ونحو ذلك، مما يوجِب كفر صاحبه وقتله (١). الردُّ عليهم: «الضلال في القدر حصل تارةً بالتكذيب بالقدر والخلق، وتارةً بالتكذيب بالشرع والوعيد، وتارةً بتظليم الربِّ. وفي سورة (الشمس) ردٌّ على هذه الطوائف، فقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] إثباتٌ للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها هي الفاجرة والمتَّقية، وإثباتٌ للتفريق بين الحسن والقبيح، والأمر والنهي بقوله: ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] إثباتٌ لفعل العبد، والوعد والوعيد بفلاح مَنْ زكَّى نفسه، وخيبة مَنْ دَسَّاها. وهذا صريحٌ في الردِّ على القدريَّة المجوسيَّة، وعلى الجبريَّة للشرع أو لفعل العبد، وهم المكذِّبون بالحقِّ. وأما الْمُظَلِّمُون للخالق؛ فإنه قد دلَّ على عدله بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، والتسوية: التعديل؛ فبين أنه عادلٌ في تسوية النفس التي ألهمها فجورها وتقواها» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وقد تبيَّن أن القدريَّة الخائضين بالباطل إما أن يكونوا مكذِّبين لما أخبر به الربُّ من خلقه وأمره، وإما أن يكونوا مُظَلِّمِين

стр. 38

له في حكمه، وهو سبحانه الصادق العدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ فإن الكلام إما إنشاءٌ، وإما إخبارٌ؛ فالإخبار صدقٌ لا كذبٌ، والإنشاء أمر التكوين وأمر التشريع عدلٌ لا ظلمٌ، والقدريَّة المجوسيَّة كذَّبوا بما أخبر به عن خلقه وشرعه من أمر الدِّين، والإبليسيَّة جعلوه ظالمًا في مجموعهما أو في كلِّ منهما (١). كما أن في دعاء الكرب -وهو قول النَّبِي ﷺ : «اللهم إنِّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك … » (٢) - ردًّا على الطوائف المخالفة في القدر. فقوله: «ماضٍ فِيَّ حكمُك»؛ ردٌّ على القدريَّة الذين ينكرون قدرته سبحانه على العبد؛ فليس عندهم لله حكمٌ نافذٌ في عبده غير الحكم الشرعيِّ بالأمر والنهي، ففي هذه اللفظة ردٌّ عليهم، وبيان أن حكم الله في العباد نافذٌ، وهذا الحكم هو الكونِيُّ القدريُّ، ولا يمكن حمله على الحكم الشرعيِّ؛ فإن العبد يطيع الله تارةً ويعصيه تارةً. وفي قوله: «عدلٌ فِيَّ قضاؤك»؛ ردٌّ على الجبريَّة الذين نسبوا الله إلى الظلم بدعوى الجبر على المعصية ثم العقوبة عليها. فاللفظ الأوَّل: توحيدٌ، واللفظ الثاني: عدلٌ (٣).

стр. 39

المبحث الثالث معتقد أهل السنة في مراتب القدر، وبيان أدلَّتها للإيمان بالقدر أربع مراتب لا يتحقَّق الإيمان بالقدر إلا بها (١) وهي: المرتبة الأولى: العلم. «وهي الإيمان بعلم الله المحيط بكلِّ شيءٍ من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات؛ فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَنْ هو منهم من أهل الجنَّة، ومَنْ هو منهم من أهل النار قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنَّة والنار، علم دِقَّ ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسرَّه وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كلُّ ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب» (٢). الأدلَّة على ذلك: أوَّلًا: من الكتاب: [١] قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].

стр. 40

[٣] قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. [٤] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال مجاهدٌ: «علم من إبليس المعصية وخلقه لها» (١). وقال قتادة: «كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو الجنة» (٢). ثانيًا: من السنَّة: [١] حديث عمران بن حُصينٍ ﵁، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! أيُعرَف أهل الجنَّة من أهل النار؟ قال: «نعم». قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كلٌّ يعمل لِمَا خُلِقَ له، أو: لِمَا ييسَّر له» (٣). [٢] حديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٤). [٣] حديث عليٍّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ذات يومٍ جالسًا، وفي
следующие страницы →