← Акыда

Акыда · id 1257

المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (245 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الثاني معتقد الطوائف المخالفة في القدر، والرد عليهم أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرقٍ: مجوسيَّة، ومشركيَّة، وإبليسيَّة. كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. فالمجوسيَّة؛ هم: الذين كذَّبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه؛ فغلاتهم أنكروا العلم والكتابة، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته. وهؤلاء هم المُعتَزِلة، ومَنْ وافقهم، وهؤلاء يجعلون لله شركاء في خلقه؛ فيقولون: خالق الخير غير خالق الشرِّ، ويقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعةً بمشيئة الله تعالى. والمشركيَّة؛ هم: الذين أقرُّوا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]؛ فَمَنِ احتجَّ على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء. وهذه مقالة الجبريَّة من الجهميَّة وغيرهم ممَّن يدَّعي الحقيقة من المتصوِّفة ومن وافقهم، وهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي مع الاعتراف بالربوبيَّة العامَّة لكلِّ مخلوقٍ. وأما الإبليسيَّة؛ فهم: الذين أقرُّوا بالأمرين، لكن جعلوا هذا متناقضًا من الربِّ ، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكَر ذلك عن إبليس مقدَّمهم كما نقله أهل المقالات، ونُقِل عن أهل الكتاب. وهؤلاء كثيرٌ في أهل الأقوال والأفعال من سفهاء الشعراء ونحوهم من الزنادقة؛ كقول أبي العلاء المعرِّيِّ: أَنَهيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفُوْس تَعمُّدًا … وَبَعَثْتَ أَنْتَ لِقَبْضِهَا مَلَكَيْنِ وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَادًا ثَانِيًا … مَا كَانَ أَغنَاهَا عَنِ الحَالَيْنِ

стр. 37

وقول بعض السفهاء الزنادقة: يخلق نجومًا ويخلق بينها أقمارًا، يقول: يا قوم، غضُّوا عنهم الأبصار، ترمي النسوان، وتزعق معشر الحُضَّار، أطفوا الحريق، وبيدك قد رميت النار. ونحو ذلك، مما يوجِب كفر صاحبه وقتله (١). الردُّ عليهم: «الضلال في القدر حصل تارةً بالتكذيب بالقدر والخلق، وتارةً بالتكذيب بالشرع والوعيد، وتارةً بتظليم الربِّ. وفي سورة (الشمس) ردٌّ على هذه الطوائف، فقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] إثباتٌ للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم أنها هي الفاجرة والمتَّقية، وإثباتٌ للتفريق بين الحسن والقبيح، والأمر والنهي بقوله: ﴿فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] إثباتٌ لفعل العبد، والوعد والوعيد بفلاح مَنْ زكَّى نفسه، وخيبة مَنْ دَسَّاها. وهذا صريحٌ في الردِّ على القدريَّة المجوسيَّة، وعلى الجبريَّة للشرع أو لفعل العبد، وهم المكذِّبون بالحقِّ. وأما الْمُظَلِّمُون للخالق؛ فإنه قد دلَّ على عدله بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، والتسوية: التعديل؛ فبين أنه عادلٌ في تسوية النفس التي ألهمها فجورها وتقواها» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وقد تبيَّن أن القدريَّة الخائضين بالباطل إما أن يكونوا مكذِّبين لما أخبر به الربُّ من خلقه وأمره، وإما أن يكونوا مُظَلِّمِين

стр. 38

له في حكمه، وهو سبحانه الصادق العدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]؛ فإن الكلام إما إنشاءٌ، وإما إخبارٌ؛ فالإخبار صدقٌ لا كذبٌ، والإنشاء أمر التكوين وأمر التشريع عدلٌ لا ظلمٌ، والقدريَّة المجوسيَّة كذَّبوا بما أخبر به عن خلقه وشرعه من أمر الدِّين، والإبليسيَّة جعلوه ظالمًا في مجموعهما أو في كلِّ منهما (١). كما أن في دعاء الكرب -وهو قول النَّبِي ﷺ : «اللهم إنِّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك … » (٢) - ردًّا على الطوائف المخالفة في القدر. فقوله: «ماضٍ فِيَّ حكمُك»؛ ردٌّ على القدريَّة الذين ينكرون قدرته سبحانه على العبد؛ فليس عندهم لله حكمٌ نافذٌ في عبده غير الحكم الشرعيِّ بالأمر والنهي، ففي هذه اللفظة ردٌّ عليهم، وبيان أن حكم الله في العباد نافذٌ، وهذا الحكم هو الكونِيُّ القدريُّ، ولا يمكن حمله على الحكم الشرعيِّ؛ فإن العبد يطيع الله تارةً ويعصيه تارةً. وفي قوله: «عدلٌ فِيَّ قضاؤك»؛ ردٌّ على الجبريَّة الذين نسبوا الله إلى الظلم بدعوى الجبر على المعصية ثم العقوبة عليها. فاللفظ الأوَّل: توحيدٌ، واللفظ الثاني: عدلٌ (٣).

стр. 39

المبحث الثالث معتقد أهل السنة في مراتب القدر، وبيان أدلَّتها للإيمان بالقدر أربع مراتب لا يتحقَّق الإيمان بالقدر إلا بها (١) وهي: المرتبة الأولى: العلم. «وهي الإيمان بعلم الله المحيط بكلِّ شيءٍ من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات؛ فعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم، وشقاوتهم وسعادتهم، ومَنْ هو منهم من أهل الجنَّة، ومَنْ هو منهم من أهل النار قبل أن يخلقهم، ومن قبل أن يخلق الجنَّة والنار، علم دِقَّ ذلك وجليله، وكثيره وقليله، وظاهره وباطنه، وسرَّه وعلانيته، ومبدأه ومنتهاه، كلُّ ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علَّام الغيوب» (٢). الأدلَّة على ذلك: أوَّلًا: من الكتاب: [١] قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].

стр. 40

[٣] قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. [٤] قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]. قال مجاهدٌ: «علم من إبليس المعصية وخلقه لها» (١). وقال قتادة: «كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو الجنة» (٢). ثانيًا: من السنَّة: [١] حديث عمران بن حُصينٍ ﵁، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله! أيُعرَف أهل الجنَّة من أهل النار؟ قال: «نعم». قال: فَلِمَ يعمل العاملون؟ قال: «كلٌّ يعمل لِمَا خُلِقَ له، أو: لِمَا ييسَّر له» (٣). [٢] حديث ابن عبَّاسٍ ﵄، قال: سُئِلَ النَّبِي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٤). [٣] حديث عليٍّ ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ ذات يومٍ جالسًا، وفي

стр. 41

يده عودٌ ينكت به، فرفع رأسه، فقال: «ما منكم من نفسٍ إلا وقد عُلِمَ مَنْزلها من الجنَّة والنار»، قالوا: يا رسول الله! أفلا نتَّكل؟ قال: «لا، اعملوا؛ فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِق له»، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (١). المرتبة الثانية: الكتابة. «وهي الإيمان بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلق، فما يحدث شيءٌ في الكون إلا وقد علمه وكتبه قبل حدوثه» (٢). الأدلة على هذه المرتبة: أوَّلًا: الأدلة من الكتاب: [١] قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. قال ابن القيِّم: «فالزبور هنا جميع الكتب المُنَزَّلة من السماء، لا تختص بزبور داود، والذكر: أمُّ الكتاب الذي عنده، والأرض: الدنيا، وعباده الصالحون: أمَّة محمَّدٍ ﷺ . هذا أصحُّ الأقوال في هذه الآية» (٣). [٢] قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. قال ابن القيِّم: «فجمع بين الكتابَيْن: الكتاب السابق لأعمالهم قبل وجودهم،

стр. 42

والكتاب المقارِن لأعمالهم» (١). وقال: «والمقصود: أن قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ -وهو اللوح المحفوظ، وهو أمُّ الكتاب، وهو الذكر الذي كُتِب فيه كلُّ شيءٍ- يتضمَّن كتابة أعمال العباد قبل أن يعملوها» (٢). [٣] قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]. قال ابن كثيرٍ: «يخبر عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيطٌ بما في السموات وما في الأرض … وأنه تعالى علم الكائنات قبل وجودها، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ» (٣). ثانيًا: الأدلَّة من السنَّة: [١] حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةً» قال: «وعرشه على الماء» (٤). [٢] حديث عمران بن حُصينٍ ﵁ عن النَّبِي ﷺ ، وفيه: «كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق الله السموات والأرض، وكتب في الذكر كلَّ شيءٍ» (٥).

стр. 43

ويدخل في الإيمان بكتابة المقادير خمسة تقادير (١): الأوَّل: التقدير الذي كان عند خلق الله للقلم، وقبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنةٍ. ودليل هذا التقدير قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، كما دلَّ عليه الحديثان السابقان: حديث عمران بن حُصينٍ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃. الثاني: التقدير حين أخذ الله الْميثاق على بَنِي آدم، ودلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. الثالث: التقدير العمريُّ عند تخليق النطفة؛ فيُكتَب ذكورتها وأنوثتها، وأجلها وعملها، وشقاوتها وسعادتها. وقد دلَّ عليه حديث عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النَّبِي ﷺ أنه قال: «إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمِّه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مُضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيُؤمر بأربع كلماتٍ، ويُقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقيٌّ أو سعيدٌ … » (٢). الرابع: التقدير الحوليُّ في ليلة القدر، يُقدَّر فيها كلُّ ما يكون في السنة. ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤].

стр. 44

الخامس: التقدير اليوميُّ، وهو سوق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها فيما سبق. ودليله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]. وهذا التقدير اليوميُّ تفصيلٌ من التقدير الحوليِّ، والحوليُّ تفصيلٌ من التقدير العمريِّ لكلِّ إنسانٍ، والعمريُّ تفصيلٌ من التقدير العمريِّ الأوَّل عند أخذ الميثاق، وهذا التقدير تفصيلٌ من التقدير الأزليِّ الذي في اللوح المحفوظ (١). المرتبة الثالثة: المشيئة. «وهي الإيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركةٍ ولا سكون إلا بمشيئته سبحانه؛ لا يكون في ملكه ما لا يريد» (٢). الأدلَّة على هذه المرتبة: أوَّلًا: الأدلَّة من الكتاب: [١] قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]. [٣] قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. [٤] قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. [٥] قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣].

стр. 45

[٦] قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. ثانيًا: الأدلَّة من السنَّة: [١] حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يقل أحدكم: اللهمَّ اغفر لِي إِنْ شئتَ، ارحمنِي إِنْ شِئتَ، ارزقنِي إن شئت، وليعزم مسألته؛ إنه يفعل ما يشاء، لا مُكرِه له» (١). [٢] حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن قلوب بَنِي آدم بين إصبعَين من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ يصرِّفه حيث يشاء»، ثم قال رسول الله ﷺ : «اللهمَّ مصرِّفَ القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك» (٢). المرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد. «وهي الإيمان بأن الله خالق كلِّ شيء؛ فهو خالق كلِّ عاملٍ وعمله، وكلِّ متحرِّكٍ وحركته، وكلِّ ساكنٍ وسكونه، وما من ذرَّةٍ في السموات والأرض إلا والله خالقها وخالق حركتها وسكونها» (٣). الأدلة على هذه المرتبة: أوَّلًا: الأدلَّة من الكتاب: [١] قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]. [٢] قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].

стр. 46

[٣] قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢]. ثانيًا: الأدلَّة من السنَّة: [١] حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: سمعتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول خَلْفَ الصلاة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهمَّ لا مانع لِمَا أعطيتَ ولا معطي لِمَا منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١). وقد أخرج هذا الحديث البخاريُّ في (كتاب القدر) من الصحيح، وقال ابن بطَّالٍ في شرحه: «المراد بهذا الحديث إثبات خلق الله تعالى جميع أعمال العباد» (٢). [٢] حديث حُذيفة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله خالق كل صانعٍ وصنعته» (٣). والأدلَّة على هذه المرتبة من الكتاب والسنَّة كثيرةٌ جدًّا، يَعِزُّ حصرها، والعقول والفطر السليمة شاهدةٌ بهذا قاطعةٌ به. قال الإمام ابن القيِّم في سياق تقرير هذه المرتبة: «وهذا أمرٌ متَّفقٌ عليه بين الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، وعليه اتَّفقت الكتب الإلهيَّة ودلت عليه أدلة العقول والفطر والاعتبار» (٤).

стр. 47

المبحث الرابع معتقد أهل السنة في أفعال العباد الاختياريَّة، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم أفعال العباد قسمان: - أفعالٌ اضطراريَّةٌ؛ كحركة المرتعش، والعروق النابضة. - وأفعالٌ اختياريَّةٌ؛ مثل أعمال البرِّ من صلاةٍ، وصدقةٍ وصومٍ، ومثل المعاصي بأنواعها. وقد اختلف الناس في القسم الثاني على أربعة أقوالٍ: القول الأول: قول أهل السنَّة: يقولون: إنَّ العباد فاعلون حقيقةً، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، والمصلِّي والصائم، وللعباد قدرةٌ على أعمالهم، ولهم إرادةٌ، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] (١). وقد يشكل على البعض؛ كيف يُقال: إن أفعال العباد هي من أفعالهم على الحقيقة، والله خالقها على الحقيقة؟ وهذا لا يشكل على مَنْ عرف حقيقة قول أهل السنَّة، وقد بين ذلك بوضوحٍ العلماء المحقِّقون، فجزاهم الله عن الإسلام وأهله أعظم الجزاء. قال الإمام البخاريُّ: «قال أهل العلم: التخليق فعل الله، وأفاعيلنا مخلوقةٌ، لقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾

стр. 48

[الملك: ١٣ - ١٤]، يعنِي: السرَّ والجهر من القول، ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما مَنْ قال: خلق الربِّ تعالى لمخلوقاته ليس هو نفس مخلوقاته؛ قال: إن أفعال العباد مخلوقةٌ كسائر المخلوقات، ومفعولةٌ للرب كسائر المفعولات، ولم يقل: إنها نفس فعل الربِّ وخلقه، بل قال: إنها نفس فعل العبد، وعلى هذا تزول الشبهة؛ فإنه يُقال: الكذب والظلم ونحو ذلك من القبائح يتَّصف بها مَنْ كانت فعلًا له كما يفعلها العبد وتقوم به، ولا يتَّصف بها مَنْ كانت مخلوقةً له إذا كان قد جعلها صفةً لغيره؛ كما أنه سبحانه لا يتَّصف بما خلقه في غيره من الطعوم والألوان والروائح والأشكال والمقادير والحركات وغير ذلك» (٢). وقال ﵀: «وأما جمهور الخلق من أهل السنَّة وغيرهم؛ فيقولون: إن الخلق غير المخلوق، وفعل الله القائم به ليس هو مفعوله المنفصل عنه، ويقولون: أفعال العباد مخلوقةٌ لله مفعولةٌ له، لا أنها نفس خلقه ونفس فعله، وهي نفس فعل العبد، فهي فعل العبد حقيقةً لا مجازًا» (٣). وقال الإمام ابن القيِّم: «ويؤمنون بأن مَنْ يهده الله فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأنه هو الذي يجعل المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا، والمصلِّي مصلِّيًا، والمتحرِّك متحرِّكًا … وهم متَّفقون على أن الفعل غير المفعول … ، فحركاتهم واعتقادهم أفعالٌ لهم حقيقةً، وهي مفعولةٌ لله سبحانه مخلوقةٌ له

стр. 49

حقيقةً، والذي قام بالربِّ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه، والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم؛ فهم المسلمون المصلُّون القائمون القاعدون حقيقةً، وهو سبحانه المُقْدِر لهم على ذلك» (١). وبهذا يتبيَّن أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى باعتبار علم الله بها وكتابتها ومشيئتها وخلقه لها في العبد، وهي من فعل العبد باعتبار قيامه بها ومباشرته إيَّاها بما خلق الله فيه من قدرة وإرادة. ولهذا فرَّق الأئمَّة بين الفعل والمفعول؛ فالفعل فعل العبد، وهو مخلوقٌ مفعولٌ للرب، وتصديق هذا من كلام الله قوله عزَّ من قائلٍ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ فأخبر أنه خالقٌ لأعمال العباد، ولم يخبر أنه فاعلٌ لها، بل أخبر أنهم هم الفاعلون العاملون. القول الثاني: قول القدريَّة، وبه قالت المعتزلة. قالوا: إن العبد قادرٌ على فعل نفسه، وله فيه المشيئة الكاملة، والقدرة التامَّة، وأن مشيئته وقدرته مستقلَّةٌ عن إرادة الله وقدرته، وأن العباد خالقون لأعمالهم وأفعالهم، وأنها ليست مخلوقةً لله (٢). قال القاضي عبد الجبَّار -وهو من أئمَّة القدريَّة-: «اتَّفق كلُّ أهل العدل على أن أفعال العباد مِنْ تصرُّفهم وقيامهم وقعودهم حادثةٌ من جهتهم، وأن الله ﷻ أقدرهم على ذلك، ولا فاعل لها ولا محدث سواهم، وأن مَنْ قال: إن الله سبحانه خالقها ومحدثها؛ فقد عظم خطؤه» (٣).

стр. 50

وقال ابن المرتضى: «وأجمعوا -أي: المعتزلة- أن فعل العبد غير مخلوقٍ فيه» (١). أدلَّتهم: استدلَّ القدريَّة لقولهم ببعض الأدلَّة، زعموا دلالتها على معتقدهم، منها: [١] قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، قالوا: أثبت الله خالقِين متعدِّدين؛ فدلَّ على أن العبد خالقٌ لفعل نفسه، والله أحسن الخالقين. [٢] قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤، والواقعة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. قالوا: رتَّب الجزاء على العمل؛ فدلَّ على أن العبد قادرٌ على فعله، ولهذا جُوزي به، ولو لم يكن قادرًا عليه لما جُوزي به. الردُّ عليهم: [١] أما استدلالهم بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ فمعنَى الآية: أحسن المصوِّرين المقدِّرين. والخلق يُذكَر ويُراد به: التقدير، وهو المراد هنا، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، أي: خالق كلِّ شيءٍ مخلوقٍ؛ فدخلت أفعال العباد في عموم (كل). والمعنَى الثانِي للخلق: الإيجاد والإبداع (٢). قال الأزهريُّ: «الخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثالٍ لم يُسبَق إليه. وقال أبو بكرٍ الأنباريُّ: الخلق في كلام العرب على ضربين:

стр. 51

أحدهما: الإنشاء على مثالٍ أبدعه. والآخر: التقدير. وقال في قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]. معناه: أحسن المقدِّرين، وكذلك قوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، أي: تقدِّرون كذبًا. قال الأزهريُّ: العرب تقول: خلقت الأديم؛ إذا قدَّرته وقِسْتَه لتقطع منه مَزَادةً أو قِرْبةً أو خُفًّا. وقال زُهيرٌ: ولأنت تفْري ما خلقتَ وبع … ض القوم يَخْلُق ثم لا يفري يمدح رجلًا، فيقول له: أنتَ إذا قَدَّرْتَ أمرًا قطعته وأمضيته، وغيرك يقدِّر ما لا يقطعه» (١). [٢] أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤، والواقعة: ٢٤]، وترتُّب الجزاء على العمل؛ فجوابه: أن الباء في الآية هي باء (السبب)، أي: بسبب أعمالكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسبَّبات؛ فرجع الأمر كلُّه إلى فضل الله ورحمته. وهذا على قولٍ لأهل العلم في تفسير الآية. وعلى قولٍ آخر: أن دخول الجنَّة برحمة الله، ولكن اقتسام المنازل بحسب الأعمال؛ قال ابن عُيينة: «كانوا يرون النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة بفضله، واقتسام المنازل بالأعمال» (٢). [٢] دلالة الأدلَّة على أن أفعال العباد مخلوقةٌ منها:

стр. 52

(أ) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ فأخبر الله أنه خلق الخلق وأعمالهم. قال البغوي ﵀: «﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بأيديكم من الأصنام، وفيه دليلٌ على أن أفعال العباد مخلوقةٌ لله تعالى» (١). وقال ابن كثيرٍ ﵀: «يحتمل أن تكون «ما» مصدريَّةً، فيكون تقدير الكلام: والله خلقكم وعملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى «الذي»، تقديره: والله خلقكم والذي تعملونه. وكلا القولين متلازمٌ، والأوَّل أظهر» (٢). (ب) قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦، والزمر: ٦٢]؛ فدخلت أعمال العباد في عموم (كل). وما أفسد قول المعتزلة في إدخالهم (كلام الله) الذي هو صفته في عموم (كل) في الآية! فزعموا أنه مخلوقٌ، وأخرجوا (أعمال العباد) من عموم (كل) مع كونها مخلوقةً (٣). (ج) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١]؛ فأخبر أنه هو الذي جعل السرابيل، وهي الدروع والثياب المصنوعة، ومادَّتها لا تُسمَّى سرابيل إلا بعد أن تحيلها صنعة الآدميِّين وعملهم؛ فإذا كانت مجعولةً لله فهي مخلوقةٌ له بجملتها: صورتها ومادَّتها وهيئتها (٤). (د) حديث حُذيفة ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «إن الله خالق كلِّ صانعٍ

стр. 53

وصنعتَه»، وفي بعض الروايات: «إن الله يصنع كلَّ صانعٍ وصنعتَه» (١)؛ فدلَّ الحديث على أن الله تعالى خالقٌ للأعمال مع الذوات. قال البخاريُّ عقبه: «فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقةٌ» (٢). القول الثالث: قول الجبريَّة، وبه قالت الجهميَّة. قالوا: إن العبد لا قدرة له على عمله، ولا إرادة ولا اختيار له فيه، وأن العباد مجبورون على أفعالهم، وحركاتُهم فيها كحركة الأشجار عند مهبِّ الريح، وكحركة المرتعش، وكنبض العروق، وأنهم مجبورون على الطاعة والمعصية، وإنما تُنسَب أفعالهم إليهم على سبيل المجاز، وهو على حسب ما يُضاف الشيء إلى محلِّه، دون ما يُضاف إلى محصِّله، بِمَنْزلة قول القائل: مات، وكبِر، وسال الوادي، وطلعت الشمس (٣). أدلَّتهم: استدلَّ الجبريَّة لقولهم ببعض الأدلَّة، زعموا دلالتها على قولهم، منها: [١] قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، قالوا: نفى الله عن نبيِّه الرمي، وأثبته لنفسه؛ فدلَّ على أنه لا صنع للعبد. [٢] قوله ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁: «لا يَدْخلُ أحدٌ منكم الجنةَ بعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي الله منه برحمةٍ وفضلٍ» (٤).

стр. 54

قالوا: دلَّ الحديث على أن الجزاء غير مترتِّبٍ على الأعمال؛ فدلَّ على أن العبد لا عمل له (١). الردُّ عليهم: أما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]؛ فهذه الآية حجَّةٌ عليهم، ويظهر هذا ببيان مناسبة نزولها ومعناها. أورد ابن كثيرٍ في تفسيره عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: «رفع رسول الله ﷺ يديه -يعنِي: يوم بدرٍ- فقال: «يا ربِّ، إِنْ تهلك هذه العصابةُ فلن تُعبد في الأرض أبدًا»، فقال له جبريل: «خذ قبضةً من التراب فارم بها في وجوههم»، فأخذ قبضةً من التراب فرمى بها في وجوههم؛ فما من المشركين أحدٌ إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه ترابٌ من تلك القبضة، فولَّوا مدبرين». وعن محمَّد بن كعبٍ القرظِيِّ قال: «لما دنا القوم بعضهم من بعضٍ؛ أخذ رسول الله ﷺ قبضةً من ترابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: «شاهت الوجوه»، فدخلت في أعينهم كلِّهم، وأقبل أصحاب رسول الله ﷺ يقتلونهم ويأسرونهم … » (٢). والله تعالى أثبت لرسوله رميًا بقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾؛ فعُلِم أن المثبَت غير المنفيِّ، وذلك أن الرمي له ابتداءٌ وانتهاءٌ، فابتداؤه الحذف، وانتهاؤه الإصابة، وكلٌّ منهما يُسَمَّى رميًا. فالمعنَى حينئذٍ -والله تعالى أعلم-: وما أصبتَ إذ حذفتَ، ولكن الله أصاب، وإلا فطرد قولهم: وما صلَّيتَ إذ صلَّيتَ ولكن الله صلَّى، أو ما صمتَ

стр. 55

إذ صمتَ، وما أكلتَ إذ أكلتَ، وما شربتَ إذ شربتَ. ومعلوم أن الإصابة لجيش كاملٍ بكفٍّ من ترابٍ؛ أن هذا فوق قدرة البشر، وإن كان أصل الرمي من النَّبِيِّ ﷺ . فبطل زعم الجبريَّة، ودلَّت الآية على مذهب أهل السنَّة (١). وأما استدلالهم بالحديث: «لا يدخل أحدٌ منكم الجنَّةَ بعَمَلِهِ»، وأن الجزاء لا يترتَّب على العمل؛ فلا حجَّة لهم فيه؛ فالباء في الحديث (باء العوض)، والحديث دلَّ على نفي أن يكون العمل ثمنًا لدخول الجنَّة. قال شارح الطحاويَّة: «وأما ترتُّب الجزاء على الأعمال؛ فقد ضلَّت فيه الجبريَّة والقدريَّة، وهدى الله له أهل السنَّة، وله الحمد والمنة؛ فإن الباء التي في النفي غير الباء التي في الإثبات؛ فالمنفيُّ في قوله ﷺ : «لن يدخل الجنَّة أحدٌ بعمله» (باء العوض)، وهو أن يكون العمل كالثمن لدخول الجنة، كما زعمت المعتزلة أن العامل يستحقُّ دخول الجنَّة على ربِّه بعمله، بل ذلك برحمة الله وفضله. والباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ونحوها (باء السبب)، أي: بسبب عملكم، والله تعالى هو خالق الأسباب والمسبَّبات، فرجع الكلُّ إلى محض فضل الله ورحمته» (٢). [٣] الأدلَّة الدالَّة على أن العباد فاعلون على الحقيقة، وأن لهم مشيئةً واختيارًا على أفعالهم بعد مشيئة الله تعالى: (أ) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ

стр. 56

مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]؛ فأسند الله عمل الخير والشرِّ إلى العبد؛ فدلَّ على أنه مِنْ كسبه، وأنه سبحانه سيجازيه به. (ب) قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فقد أثبت الله تعالى للعبد فعلًا وكسبًا، والكسب هو الذي يعود على فاعله منه نفعٌ أو ضررٌ (١). (ج) قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]، فقد أنكر الله تعالى على المشركين احتجاجهم بالقدر على شركهم، وتحريم ما حرَّموا، وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: بهذه الشبهة ضلَّ مَنْ ضل، ووصفهم بأنهم متَّبعون للظنِّ، وأن لله عليهم الحجَّة البالغة؛ فدلَّ على أن هذه الأعمال من الشرك وتحريم ما حرَّموا من أعمالهم ليس لهم أن يحتجُّوا عليها بالقدر (٢). القول الرابع: قول الأشاعرة ومَن وافقهم. قالوا: إن أفعال العباد مخلوقةٌ لله -جل وعلا-، وهي مع كونها خلق الله فهي كسبٌ للعبد، وله عليها قدرةٌ غير مؤثرةٍ. وقول الأشاعرة هنا متناقضٌ غير معقولٍ؛ فإن القدرة إذا لم يكن لها تأثيرٌ أصلًا في الفعل كان وجودها كعدمها، ولم تكن قدرةً، وفي الحقيقة إنه لا يُعقَل

стр. 57

فرقٌ بين الفعل الذي نفوه، والكسب الذي أثبتوه (١). ولذا سخر منهم خصومُهم المعتزلةُ وسائرُ العقلاءِ، فقالوا: «ثلاثة أشياء لا حقيقة لها: طفرة النظَّام، وأحوال أبي هاشمٍ، وكسب الأشعريِّ» (٢). وحقيقة هذا القول يعود إلى قول الجهميَّة الجبريَّة، قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ولا يقول -أي: الأشعريُّ- إن العبد فاعلٌ في الحقيقة، بل كاسبٌ، ولم يذكروا بين الكسب والفعل فرقًا معقولًا، بل حقيقة قولهم قول جهمٍ: إن العبد لا قدرة له ولا فعل ولا كسب» (٣). ولهذا عدَّهم بعض العلماء من أصناف الجبريَّة، كما ذهب إلى ذلك الجرجانيُّ في قوله: «الجبريَّة اثنتان: متوسِّطةٌ تثبت للعبد كسبًا؛ كالأشعريَّة، وخالصةٌ لا تثبته؛ كالجهميَّة» (٤).

стр. 58

المبحث الخامس معتقد أهل السنة في الهداية والإضلال وأقوال المخالفين فيهما، والرد عليهم أولًا: معتقد أهل السنة في الهداية والإضلال: يعتقد أهل السنة أن الهداية والإضلال من الله تعالى، يهدي مَنْ يشاء برحمته، ويضلُّ مَنْ يشاء بعدله. وأنه مَنْ يهده فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه (١). وقد دلَّت على هذا الأدلة من الكتاب والسنة: [١] قال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. [٢] وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]. [٣] وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١]. [٤] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. [٥] وفي الحديث القدسيِّ من حديث أبي ذرٍّ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه: «يا عبادي، إني حرمتُ الظلمَ على نفسي، وجعلته بينكم مُحرَّمًا، يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هديتُهُ، فاستهدونِي أهْدِكُمْ … » (٢). [٦] وعن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ عن النَّبِيِّ ﷺ أنه كان يقول: «اللهم إنِّي أسألك الهدى والتُّقَى والعفاف والغِنَى» (٣).

стр. 59

وبذلك جاءت الآثار عن السلف وأقوال الأئمَّة من بعدهم: أخرج الفريابِيُّ في (كتاب القدر) بسندٍ صحيحٍ عن عبد الله بن الزبير ﵁ أنه كان يقول في خطبته: «إن الله هو الهادي والفاتن» (١). وفي السنَّة للخلَّال عن أبي بكرٍ المرُّوذيِّ ﵀ قال: «قلتُ لأبِي عبد الله: يقول الرجل: إن الله جبر العباد؟ فقال: هكذا لا تقُل، وأنكر، وقال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣]» (٢). وقال الطحاويُّ ﵀: «يهدي مَنْ يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضلُّ مَنْ يشاء ويخذل ويبتلي عدلًا» (٣). قال ابن القيِّم ﵀: «وقد اتَّفقت رسل الله مِنْ أوَّلهم إلى آخرهم وكتبه المُنَزَّلة عليهم على أنه سبحانه يضلُّ مَنْ يشاء ويهدي مَنْ يشاء، وأنه مَنْ يهده فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال بيده سبحانه لا بيد العبد، وأن العبد هو الضال المهتدي، فالهداية والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه» (٤). ومما ينبغي أن يُعلَم ويُعتقَد: أن هداية الله تعالى للخلق وإضلاله لبعضهم بحكمة الله وعدله لا ظلم في ذلك. وقد ينقدح في أذهان بعض أهل الجهل أن في عدم هداية الله لبعض الخلق

стр. 60

ظلمًا؛ إذ كيف يمنعهم الهداية ويعاقبهم يوم القيامة؟ وقد أجاب عن هذا الاستشكال الأئمَّة المحقِّقون -جزاهم الله عن الإسلام وأهله أعظم الجزاء-. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «إن ما يُبتلى به العبد من الذنوب الوجودية -وإن كانت خلقًا لله- فهو عقوبةٌ له على عدم فعله ما خلقه الله له وفطره عليه؛ فإن الله إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له، ودلَّه على الفطرة، كما قال النَّبِيُّ ﷺ : «كلُّ مولودٍ يُولَد على الفطرة» (١)، وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]، فهو لما لم يفعل ما خُلِق له، وما فُطِر عليه، وما أُمِر به -من معرفة الله وحده وعبادته وحده- عُوقِب على ذلك بأن زيَّن له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي. فإذا أخلص العبد لربِّه كان هذا مانعًا من فعل ضدِّ ذلك، ومن إيقاع الشيطان له في ضدِّ ذلك، وإن لم يخلص لربه الدِّين ولم يفعل ما خُلِق له وفُطِر عليه عُوقِب على ذلك، وكان من عقابه تسلُّط الشيطان عليه حتى يزيِّن له فعل السيِّئات، وكان إلهامه لفجوره عقوبةً له على كونه لم يتَّق الله، وعدم فعله للحسنات ليس أمرًا وجوديًّا حتى يُقال: إن الله خلقه، بل هو أمرٌ عدمِيٌّ، لكن يُعاقَب عليه؛ لكونه عدم ما خُلِق له وما أُمِر به، وهذا يتضمَّن العقوبة على أمرٍ عدمِيٍّ، لكن بفعل السيِّئات لا بالعقوبات التي يستحقُّها بعد إقامة الحجَّة عليه بالنار ونحوها» (٢).

стр. 61

وقال ابن القيِّم ﵀: «قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ فهداهم هدى البيان والدلالة؛ فلم يهتدوا؛ فأضلَّهم عقوبةً لهم على ترك الاهتداء أوَّلًا بعد أن عرفوا الهدى فأعرضوا عنه، فأعماهم عنه بعد أن أراهموه، وهذا شأنه سبحانه في كلِّ مَنْ أنعم عليه بنعمةٍ فكفرها؛ فإنه يسلبه إيَّاها بعد أن كانت نصيبه وحظه» (١). وقال ﵀: «والله سبحانه ماضٍ في العبد حكمه، عدلٌ في عبده قضاؤه، فإنه إذا دعا عبده إلى معرفته ومحبَّته وذكره وشكره فأبى العبد الا إعراضًا وكفرًا؛ قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره وصدَّه عن الإيمان به، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى، وذلك عدلٌ منه فيه» (٢). فظهر بهذا أن الهداية فضلٌ من الله، والإضلال عدلٌ، ولهذا شرع الله لنا سؤاله هذه الهداية. قال ابن القيِّم ﵀: «وأمر سبحانه عباده كلَّهم أن يسألوه هدايتهم الصراط المستقيم كلَّ يومٍ وليلةٍ في الصلوات الخمس» (٣). كما أن مِنْ الوجوه التي تُرَدُّ بها الشبهة السابقة: أن هداية الله لمن شاء من خلقه مِنْ باب التوفيق، وإضلاله لمن شاء من باب الخذلان، والتوفيق إعانة الله للعبد، والخذلان ترك الإعانة، فلا يُتصوَّر مع هذا الظلم. قال ابن القيِّم ﵀: «وقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك

стр. 62

الله إلى نفسك ويخلِّي بينك وبينها، والتوفيق: ألاَّ يكلك الله إلى نفسك» (١). مراتب الهداية: للهداية أربع مراتب دلت عليها الأدلة: المرتبة الأولى: الهداية العامَّة، وهي هداية كلِّ نفسٍ إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذه أعمُّ مراتبها، وقد دلَّ عليها قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ١ - ٣]؛ فذكر سبحانه أربعة أمورٍ عامَّة: الخلق، والتسوية، والتقدير، والهداية، وجعل التسوية من تمام الخلق، والهداية من تمام التقدير. قال عطاءٌ ﵀: خلق فسوَّى، أحسن ما خلقه. وشاهده قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧]؛ فإحسان خلقه يتضمَّن تسويته وتناسب خلقه وأجزائه بحيث لم يحصل بينها تفاوتٌ يُخِلُّ بالتناسب والاعتدال؛ فالخلق: الإيجاد، والتسوية: إتقانه وإحسان خلقه. ومن الأدلَّة أيضًا على هذه المرتبة: قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]؛ فإعطاء الخلق إيجاده في الخارج، والهداية التعليم، والدلالة على سبيل بقائه وما يحفظه ويقيمه. ومن هذه الهداية: هداية الذَّكَر للأنْثى كيف يأتيها. وبهذا فسَّر ابن عبَّاسٍ والكلبيُّ الآية. ومن ذلك هداية الجنين للخروج من الرحم عند الولادة، وهدايته لالتقام الثدي بعد الولادة، وهدايته لمعرفته أمَّه دون غيرها، إلى غير ذلك من هداية

стр. 63

المخلوقات إلى مصالحها (١). المرتبة الثانية: هداية الإرشاد والبيان للمُكَلَّفين، وهذه المرتبة أخصُّ من المرتبة الأولى، وأعمُّ من الثالثة، وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتِّباع الحقِّ، وإن كانت شرطًا فيه، أو جزءَ سببٍ، وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبَّب، بل قد يتخلَّف عنه المقتضَى إما لعدم كمال السبب أو لوجود مانعٍ. وهذه الهداية هي التي أثبتها الله لرسوله ﷺ ؛ حيث قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذه المرتبة هي حجَّة الله على خلقه التي لا يعذِّب أحدًا إلا بعد إقامتها عليه، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] (٢). المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل، وهذه المرتبة أخصُّ من التي قبلها، وهي التي ضلَّ جهَّال القدريَّة بإنكارها، وصاح عليهم سلف الأمَّة وأهل السنَّة منهم من نواحي الأرض عصرًا بعد عصرٍ إلى وقتنا هذا. وهذه المرتبة نفاها الله عن رسوله ﷺ بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. وهذه المرتبة تستلزم أمرين: أحدهما: فعل الربِّ تعالى، وهو الهدى. والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [لإسراء: ٩٧]، ولا سبيل إلى

стр. 64

وجود الأثر إلا بمؤثِّره التامِّ؛ فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]. وهذا صريحٌ في أن هذا الهدى ليس له ﷺ ، ولو حرص عليه، ولا إلى أحدٍ غير الله، وأن الله سبحانه إذا أضلَّ عبدًا لم يكن لأحدٍ سبيلٌ إلى هدايته، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (١). المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنَّة والنار يوم القيامة، قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤ - ٥]. فهذه هدايةٌ بعد قتلهم؛ فقيل: المعنَى: سيهديهم إلى طريق الجنَّة، ويصلح بالهم في الآخرة بإرداء خصومهم وقبول أعمالهم (٢). ثانيًا: المخالفون لأهل السنَّة في مسألة الهداية والإضلال: وقد خالف في ذلك طائفتان: الطائفة الأولى: (القدريَّة). أثبتوا هداية الإرشاد فقط، وأنكروا هداية التوفيق، والإضلال. وقالوا: إن العبد يهتدي بنفسه، ويَضِلُّ بنفسه، والله لا يهدى أحدًا ولا يُضِلُّ أحدًا، بل قالوا: إن الله لا يقدر أن يهدي ضالًّا، ولا يُضِلَّ مهتديًا، ولا يقدر أن يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك.

стр. 65

وتأوَّلوا الهداية المضافة لله في النصوص بهداية الإرشاد، أو تسميته المهتدي مهتديًا، وتأوَّلوا الإضلال بتسميته الضالَّ ضالًّا (١). قال البغداديُّ: «وهذا خلاف قول القدريَّة في دعواها أن الهداية من الله تعالى على معنى الإرشاد والدعاء إلى الحق، وليس إليه من هداية القلوب شيءٌ، وزعموا أن الإضلال منه على وجهين، أحدهما: التسمية، بأن يسمِّي الضلَّال ضلَّالًا. والثاني: على معنى جزاء أهل الضلال على ضلالتهم» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «والتزموا أنه لا يقدر أن يهدي ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدر أن يُضِلَّ مهتديًا، وقالوا عن هذا: إذا أمر اثنين بأمرٍ واحدٍ، وخصَّ أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالمًا» (٣). وقال ابن القيِّم في سياق حديثه عن الهداية والإضلال: «وهذا أمرٌ متَّفقٌ عليه بين الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وعليه اتَّفقت الكتب الإلهيَّة ودلت عليه أدلة الفطر والعقول والاعتبار، وخالف في ذلك مجوس الأمَّة؛ فأخرجت طاعات ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده المؤمنين -وهي أشرف ما في العالم- عن ربوبيَّته وتكوينه ومشيئته، بل جعلوهم هم الخالقون لها، ولا تعلُّق لها بمشيئته، ولا تدخل تحت قدرته، وكذلك قالوا في جميع أفعال الحيوانات الاختياريَّة. فعندهم أنه سبحانه لا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا، ولا يقدر أن

стр. 66

يجعل المسلم مسلمًا والكافر كافرًا والمصلِّي مصلِّيًا، وإنما ذلك بجعلهم أنفسهم كذلك لا بجعله تعالى. وقد نادى القرآن بل الكتب السماويَّة كلُّها والسنَّة وأدلَّة التوحيد والمعقول على بطلان قولهم، وصاح بهم أهل العلم والإيمان من أقطار الأرض، وصنَّف حزب الإسلام وعصابة الرسول وعسكره التصانيف في الردِّ عليهم، وهي أكثر من أن يحصيها إلا الله» (١). وقال ابن أبي العزِّ: «قالت المعتزلة: الهدى من الله: بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالًّا، أو حكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، وهذا مبنِيٌّ على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقةٌ لهم» (٢). الرد عليهم: وقولهم هذا باطلٌ، وهو متفرِّعٌ عن أصلهم الباطل في دعواهم أن أفعال العباد لا تدخل تحت تقدير الله ولا مشيئته و لا خلقه، وأن العبد مستقلٌّ بفعله وله قدرةٌ تامَّةٌ عليه. وبناء على هذا قرَّروا هنا أن العبد مستقلٌّ بهدايته وضلاله، والله لا يهدي ولا يضلٌّ أحدًا، بل لا قدرة له على ذلك. وقد تقدَّم الردُّ عليهم في ذلك في مبحث أفعال العباد بما أغنى عن إعادته هنا. وأما تأويلهم الهداية والإضلال بما تقدم؛ فقد أجاب عن ذلك العلماء: قال البغداديُّ بعد حكاية قولهم في تأولهم الهداية والإضلال -على ما تقدم نقله-: «ولو صحَّ ما قالوا؛ لوجب أن يُقال: إنه أضلَّ الكافرين؛ لأنه

стр. 67

سمَّاهم ضالِّين، ولوجب أن يُقال: إن إبليس أضلَّ الأنبياء والمؤمنين؛ لأنه سمَّاهم ضالِّين، ولزمهم أن يكون من أقام الحدود على الزناة والسارقين والمرتدِّين مضلًّا لهم؛ لأنه قد جازاهم على ضلالتهم، وهذا فاسدٌ، فما يؤدِّي إليه مثله» (١). وقال ابن القيِّم ﵀: «والقدريَّة تردُّ هذا كلَّه إلى المتشابه، وتجعله من متشابه القرآن، وتتأوَّله على غير تأويله، بل تتأوَّله بما يُقطَع ببطلانه وعدم إرادة المتكلِّم له، كقول بعضهم: المراد من ذلك تسمية الله العبدَ مهتديًا وضالًّا، فجعلوا هداه وإضلاله مجرَّد تسمية العبد بذلك، وهذا مما يُعلَم قطعًا أنه لا يصحُّ حمل هذه الآيات عليه، وأنت إذا تأمَّلتها وجدتها لا تحتمل ما ذكروه ألبتَّة. وليس في لغة أمَّةٍ من الأمم فضلًا عن أفصح اللغات وأكملها (هداه) بمعنَى: سمَّاه مهتديًا، و (أضلَّه) سمَّاه ضالًّا، وهل يصحُّ أن يُقال: (علَّمه) إذا سمَّاه عالمًا، و (فهَّمه) إذا سمَّاه (فَهِمًا)؟!» (٢). وقال ﵀: «وتأوَّل بعضهم هذه النصوص على أن المراد بها هداية البيان والتعريف لا خلق الهدى في القلب؛ فإن الله سبحانه لا يقدر على ذلك عند هذه الطائفة!! وهذا التأويل من أبطل الباطل؛ فإن الله سبحانه يخبر أنه قسم هدايته للعبد قسمين: قسمًا لا يقدر عليه غيره، وقسمًا مقدورًا للعباد؛ فقال في القسم المقدور للبشر: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال في غير

стр. 68

المقدور للبشر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]» (١). الطائفة الثانية: (الجبريَّة). قالوا: إن الله أكره العباد وأجبرهم على أعمالهم، فليس لهم فعلٌ، ولا إرادةٌ، ولا اختيارٌ، ولا كسبٌ ألبتَّة، وحال بينهم وبين الهدى ابتداءً من غير ذنبٍ ولا سببٍ من العبد يقتضي ذلك، فلم يُيَسِّر إليه سبيلًا ولا أعطاه عليه قدرةً، ولا مكَّنه منه بوجهٍ. وزاد بعضهم: بل أحبَّ له الضلال والكفر والمعاصي ورضيه منه (٢). الرد عليهم: وقولهم هذا مركَّب من ضلالتين: أُولاهما: (دعوى الجبر -أي: أن الله جبر العباد على أعمالهم-)، وقد تقدَّم الردُّ عليهم في ذلك في مبحث أفعال العباد بما ظهر به الحقُّ وبطلان دعواهم. والثانية: دعواهم أن الله حال بينهم وبين الهداية، وهذا كذبٌ على الله وافتراءٌ عظيمٌ مخالفٌ لما دلَّت عليه النصوص، وقد تقدَّم في النصوص أن الله هدى كلَّ من خاطبهم بالشرع هداية الإرشاد بإرسال الرسل، فقامت عليهم بذلك الحجَّة الرساليَّة، وأما هداية التوفيق فهي فضلٌ من الله كما تقدم، والله يهدي من بذل الأسباب في تحصيلها، كما قال تعالى في الحديث القدسيِّ: «يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هديته، فاستهدونِي أهدكم … » الحديث (٣). وقد هدى الله هذه الهداية من علم الله أنه أهلٌ لها وبذل الأسباب في تحقيقها. وأما من لم يبذل الأسباب في طلبها ويسع في تحقيقها؛ فقد يُعاقَب

стр. 69

بحرمانها بعدل الله. قال ابن القيِّم: «فإن قيل: كيف تقوم حجَّته عليهم وقد منعهم من الهدى وحال بينهم وبينه؟ قيل: حجَّته قائمةٌ عليهم بتخليته بينهم وبين الهدى، وبيان الرسل لهم، وإراءتهم الصراط المستقيم حتى كأنهم يشاهدونه عيانًا، وأقام لهم أسباب الهداية ظاهرًا وباطنًا، ولم يحل بينهم وبين تلك الأسباب، ومَن حال بينه وبينها منهم بزوال عقلٍ أو صِغَرٍ لا تمييز معه أو كونه بناحيةٍ من الأرض لم تبلغه دعوة رسله؛ فإنه لا يعذِّبه حتى يقيم عليه حجَّته، فلم يمنعهم من هذا الهدى، ولم يحل بينهم وبينه. نعم، قطع عنهم توفيقه، ولم يرد من نفسه إعانتهم والإقبال بقلوبهم إليه، فلم يحل بينهم وبين ما هو مقدورٌ لهم، وإن حال بينهم وبين ما لا يقدرون عليه، وهو فعله ومشيئته وتوفيقه؛ فهذا غير مقدورٍ لهم، وهو الذي مُنِعوه وحِيل بينهم وبينه. فتأمَّل هذا الموضع واعرف قدره، والله المستعان» (١).

стр. 70

المبحث السادس معتقد أهل السنَّة في الإرادتين، وأقوال المخالفين فيهما والرد عليهم أولا: معتقد أهل السنَّة في الإرادتين: يعتقد أهل السنَّة أن الإرادة التي يتَّصف بها الله ﵎ تنقسم إلى قسمَين: «إرادة كونيَّة قدريَّة، وإرادة شرعيَّة دِينيَّة». قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «طريقة أئمَّة الفقهاء وأهل الحديث وكثيرٍ من أهل النظر وغيرهم: أن الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادةٌ تتعلَّق بالأمر، وإرادة تتعلَّق بالخلق … فإرادة الأمر هي المتضمَّنة للمحبَّة والرضى، وهي الإرادة الدينيَّة، والثانية المتعلِّقة بالخلق هي المشيئة، وهي الإرادة الكونيَّة القدريَّة» (١). وقال الإمام ابن أبي العزِّ ﵀: «والمحقِّقون من أهل السنَّة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادةٌ كونيَّةٌ خلقيَّةٌ، وإرادةٌ دينيَّةٌ أمريَّةٌ شرعيَّةٌ» (٢). وفيما يلي تعريفٌ بكلٍّ منهما: أوَّلًا: الإرادة الكونيَّة القدريَّة: وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، والمتعلِّقة بما قدَّره الله وقضاه. وهي مستلزمة لوقوع المراد، ويُقال فيها: «ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» (٣). ومن الأدلة عليها:

стр. 71

[١] قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. [٣] قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. [٤] قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وهذه الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبَّة، بل قد يكون بها ما يحبَّه الله ويرضاه، وقد يكون بها ما لا يحبُّه ولا يرضاه؛ كما خلق إبليس وهو لا يحبُّه، وخلق المؤمن وهو يحبُّه، وكذلك قد يخلق ما لا يأمر به كمعصية العاصي، أو ما أمر به كطاعة المؤمن، وقد يأمر بما لم يشأ أن يخلقه؛ كالطاعة في حق مَنْ لم يوفِّقه إليها، أو ما يشاء أن يخلقه؛ كطاعة مَنْ يوفقه للطاعة (١). ثانيًا: الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة: وهي متعلِّقةٌ بالأمر الذي أراد الله من عبده فعله، وهي متضمِّنةٌ للمحبَّة والرضى، ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة (٢). ومن الأدلَّة عليها: [١] قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].

стр. 72

[٣] قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وهذه الإرادة تستلزم الأمر. قال ابن القيِّم: «والصواب: أن الأمر يستلزم الإرادة الدِّينيَّة ولا يستلزم الإرادة الكونيَّة؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا؛ كإيمان مَنْ أمره ولم يوفِّقه للإيمان» (١). صُوَر اجتماع الإرادتين وافتراقهما: هاتان الإرادتان قد تجتمعان وقد تفترقان، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، ولذلك أربع صورٍ ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: الصورة الأولى: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ كإيمان أبي بكرٍ وسائر المؤمنين، وحصول الطاعات منهم. الصورة الثانية: ما تعلَّقت به الإرادة الدِّينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفَّارُ والفجَّارُ؛ كإيمان أبي جهلٍ وسائر الكافرين، وما أراده الله من طاعتهم. الصورة الثالثة: ما تعلَّقت به الإرادة الكونيَّة فقط، وهو ما قدَّره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي الواقعة في الناس، ولولا إرادته لها كونًا لما وقعت. الصورة الرابعة: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي؛ فإن الله لم يأمر بها ولم يردها شرعًا، كما أنه لم يردها كونًا؛ فلم تقع،

стр. 73

ومثالها: كفر المؤمن والمعاصي التي عصمه الله منها؛ فلم تقع منه (١). الفرق بين الإرادتين الشرعيَّة والكونيَّة: [١] ما أراده الله كونا لا بدَّ من وقوعه، وما أراده شرعًا لا يلزم وقوعه؛ فقد يقع وقد لا يقع، إلا أن تتعلَّق به الإرادة الكونيَّة. [٢] ما أراده الله كونا قد يحبُّه الله ويرضاه، وقد لا يحبُّه ولا يرضاه، فالله أراد المعصية كونًا ولا يرضاها شرعًا، وما أراده الله شرعا لا بدَّ أن يحبَّه ويرضاه. [٣] الإرادة الكونيَّة لا تستلزم الأمر إلا إذا اجتمعت مع الإرادة الشرعيَّة، والإرادة الشرعيَّة تستلزم الأمر؛ فكلُّ ما أراده الله شرعًا أمر به. [٤] الإرادة الكونيَّة قد تكون مقصودةً لغيرها، كإرادة خلق إبليس وسائر الشرور؛ لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار، وغير ذلك من المحابِّ، والإرادة الشرعيَّة مقصودةٌ لذاتها؛ فالله أراد الطاعة لنفسها ورضيها وأحبَّها (٢). ثانيًا: أقوال المخالفين في تقسيم الإرادتين: خالف في هذا التقسيمَ: طائفتان: الطائفة الأولى: القدريَّة. أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن كفر الكافر ومعصية العاصي لا تدخل تحت إرادة الله ولا تقديره. وقالوا: إن الأمر يستلزم الإرادة، فكلُّ ما أمر به فقد أراده، وقالوا: علمنا

стр. 74

أن الله لم يأمر بالكفر والمعاصي فهو لم يردها (١). الطائفة الثانية: الجبريَّة. أثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية، وقالوا: إن الكفر والمعاصي مرادة لله تعالى ومحبوبة له وقد جبرهم عليها لا خيار لهم في تركها. وقالوا: إن الأمر لا يستلزم الإرادة، ولهذا لم يأمر الله بالكفر وأراده (٢). الرد على القدرية والجبرية وبيان شبهتهما: شبهة الفريقين هي عدم التفريق بين الإرادتين الكونية والشرعية، وتسويتهم بينهما، وظنُّهم أن الإرادة والمشيئة مترادفتان، وأنهما مستلزمتان للمحبَّة والرضى. فذهب القدريَّة إلى إنكار المشيئة والإرادة فيما يقع من الكفر والمعاصي؛ لأن الله لا يحبُّها ولا يرضاها. وذهب الجبريَّة إلى أن الله يحبُّ الكفر والمعاصي؛ لأنه شاءها وقدَّرها. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وجهمٌ ومَن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبَّته ورضاه بمعنًى واحدٍ، ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه؛ فقالوا: إنه يكون بلا مشيئةٍ، وقالت الجهميَّة: بل هو يشاء ذلك، فهو يحبُّه ويرضاه» (٣). فضَلَّ القدريَّة المعتزلة في دعواهم أنه يقع في ملك الله ما لا يريد ولا يشاء. وضَلَّ الجبريَّة الجهميَّة في دعواهم أن الكفر والمعاصي محبوبةٌ لله مرضيَّةٌ.

стр. 75

والقدريَّة مصيبون في أن الله لا يحبُّ الكفر والمعاصي، والجبريَّة مصيبون في أن الله قدَّرها وشاءها. وهدى الله أهل السنَّة لإثبات الحقِّ الذي عند كلا الطائفتين، وردِّ الباطل الذي ضلَّت فيه الطائفتان. وقد أفضى بالقدريَّة قولهم إلى إنكار القدر، كما أفضى بالجبريَّة قولهم إلى إنكار الشرع، ولهذا فضَّل العلماء القدريَّة في هذا الباب على الجبريَّة؛ لأن إنكار الشرع شرٌّ من إنكار القدر. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فالمعتزلة ونحوهم من القدريَّة الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي، والوعد والوعيد خيرٌ من هؤلاء الجبريَّة القدريَّة الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي» (١).
следующие страницы →