تقدمة [هذه الطبعة]
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) ﴾ .
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة (١) .
стр. 2
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
فهذه تقدمة بين يدَي الطبعة الجديدة من الحلقة الأولى من سلسلة: «أحاديث ومرويات في الميزان» والتي كان عنوانها:
(حديث «قلب القرآن يس» في الميزان وجملة مما رُوي في فضلها) .
وقد أبقيت أصل الكتاب على حاله ـ سوى أحرف يسيرة ـ تيسيراً على إخواني الأفاضل الذين تفضلوا بقبول نشر هذه السلسلة وإخراجها في أبهى حلة إن شاء الله تعالى، وجعلت الاستدراكات التي طرأت عليه ـ حتى الآن ـ ملحقة بآخره.
وفيها حديثان زدت أحدهما، واستدرك عليَّ الآخرَ أحدُ طلبة العلم الذي أجد فيه مخايل النجابة، والشغف الشديد بهذا العلم الشريف.
أسأل الله لي وله وللمسلمين جميعاً التوفيق والسداد، والقبول والرشاد، وأسأله أن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
(ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم) .
стр. 3
اللهم أصلح ذات بيننا، وألف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وأزواجنا وذرياتنا،
واجعلنا شاكرين لنعمتك، مُثْنِينَ بها، قابليها، وأتمها علينا (١) .
آمين. آمين. آمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.
وكتبه:
محمد عمرو بن عبد اللطيف
بمنزله بمدينة نصر
ليلة الثلاثاء العاشرمن ذي القعدة سنة ١٤٢٥
من هجرة حبيب الله ﷺ .
стр. 4
تقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) ﴾ .
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 5
فإني أتقدم إلى إخواني الكرام من المهتمين بحديث النبي ﷺ والمشتغلين بتخريجه وتحقيقه ومعرفة مراتبه بهذه الرسالة الجديدة التي ستكون بإذن الله جل وعلا باكورة السلسلة التي أسميتها (أحاديث ومرويات في الميزان) .
وهي بعنوان: (حديث «قلب القرآن يس» في الميزان) وجملة مما رُوي في فضلها، أعني ما رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» لكنني آثرت اختصار العنوان مكتفياً بالإشارة وقد أشرت إلى ذلك في تقدمتي لرسالة أهلي ـ أم عبد الرحمن بنت النوبي ـ حفظها الله تعالى ـ: (إماطة الجهل بحال حديثَي «ما خير للنساء؟» و «عقدة الحبل» ) ، وأومأت في الحاشية ـ بإيجاز ـ إلى قصة اختيار هذه الرسالة.
وأزيد هنا إبداء اغتباطي وفرحي بستر الله وفضله حيث لم يقدر لي ـ سبحانه ـ أن أورده في الجزء الثاني من «تكميل النفع» ، فقد تبين لي بَعْدُ ثبوته عن صاحب لمعمر بن راشد ﵀ لم يُسَمَّ، على احتمال أبديته في موضوعه مما يتنافى مع شرطي في الكتاب المتقدم ذكره. أضف إلى ذلك أن التأني في تنقيحه قد أفاد كثيراً في تدعيمه بالفوائد الجمة، والتعليقات التي رأيتها تنفع القارئ الكريم لأدنى مناسبة مع العلم بأن اكتمال عناصر هذه الرسالة لدي ـ قبل الشروع في
стр. 6
تبييضها وتنقيحها ـ هو الذي دعاني إلى البدء بها في هذه السلسلة التي أدعو الله أن يُبَلِّغَهَا أقواماً ينتفعون بما فيها ولا يضنون على أخيهم بالنصح والإرشاد والملاحظات النافعة، ولا بالدعوات الصالحة بظهر الغيب: أن يتقبل الله مني صالح عملي، وأن يتجاوز عن سيئاتي، وأن يجعل ما أقول وأفعل حجة لي لا عَلَيَّ.
وأن يجعل الحرص والإسهاب الذَيْن لا يخفيان علي القارئ اللبيب مما خلص لوجه ربنا الكريم. إنه خير مسؤول وأقرب مأمول.
وهو حسبي ونعم الوكيل.
كما أتقدم إلى الجميع ـ ناصحاً ـ أن يتقوا الله فيَّ، ويقدروني قدري، ويكرروا النظر والتأمل فيما سطرته في تقدمتى للجزء الأول من «تكميل النفع» وفي ص ١٠٣: ١٠٥ منه أيضاً.
والذي استبان لي بيقين أن استعجالي في تصنيف الرسائل والكتب، والتعليق عليها، بل ومراجعة بعضها، هو الذي جرَّ عليَّ أموراً لم تكن في الحسبان، وتَعَرُّفاً من الكثيرين عَلَيَّ، بصورة لم تخطر على القلب، بحيث ارتسم في أذهان الكثيرين تصور غير صادق لحقيقة أمري ومبلغ علمي، وزادهم اغتراراً بي: إجازةٌ من الشيخ محمد نجيب المطيعي ﵀ لم أستشرف لها ولم أسع إليها، ولم أُرٍه من نفسي ما يؤهلني لها (١) . إنما هو مجرد توسم للخير فِيَّ من شيخ فاضل لم ألازمه ولم أُطِل صحبته ولا الانتفاع به.
стр. 7
وقد صرت أسمع ألقاباً وأوصافاً لا تنبغي للمتقين، ولا تليق إلا بالعلماء ـ حقاً وصدقاً ـ من الحفاظ العاملين!
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تعليق آمالٍ على المسكين وأنه أهل أن يدرس فقهاً، أو يلقي محاضرة في قضية عامة، أو يُطْلَب منه موعد لحل مشكلة زوجية ينبني عليها تقرير مصير!! وجماعة من المتقين من علماء الأمة ـ حقاً وصدقاً ـ كانوا يتحاشون كثيراً من هذه الأمور فلا ينطقون فيها بحرف، مع الأهلية والكفاءة!
إن إنساناً ابتُلِي بمعرفة الناس إيَّاه وتمييزه في المعاملة ومبالغتهم في أمره أحياناً إلى درجة الكذب عليه (!) ينبغي أن يُرحم وأن يُعان على تخليص رقبته، وعلى هوى نفسه وشيطانه ودنياه، فإن النفوس ـ في هذا الزمان ـ ضعيفة تسارع إليها الفتنة إن لم يتداركها ربها ـ تعالى ـ برحمته فأرجو هؤلاء وأولئك أن يصححوا تصورهم، وألاَّ يحملوا ما ذكرتُ على تواضع أو غيره، فإن لكل مقام مقالاً كما قال أبو الطفيل عليه رضوان الله، وذلك قبل أن يؤاخذني ربي ـ جل وعلا ـ على ما يقولون (١) ويفعلون ويعتقدون ويغالون.
إذ أن المقصد الأسمى عند كل من عرف هذا الرب الجليل ـ تعالى ـ
стр. 8
ورضيه رباً وإلهاً، ورضي محمداً ﷺ نبياً ورسولاً، وشريعة الإسلام ديناً ومنهجاً هو رضوانه ـ تعالى ـ في الدنيا والآخرة، ومغفرته للذنوب الأوزار، وستره عليه في الدنيا والآخرة، ودخول جنته، والتزحزح عن ناره وعذابه، وكل ما سوى ذلك فهو تابع له، دائر في فلكه.
فعلى كل امرئٍ أن يُقبل على شأنه ويعرض عما لا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة. اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد.
وكتبه:
محمد عمرو بن عبد اللطيف
القاهرة في أوقات متفرقة كان آخرها يوم الثلاثاء الموافق
٧ من صفر سنة ١٤١٤ هـ
و٢٦ من يوليو سنة ١٩٩٣م.
стр. 9
نص الحديث
(إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات)
стр. 10
الطرق الإجمالية للحديث مرفوعاً وموقوفاً ومقطوع اً:
رُوِيَ هذا الحديث ـ بالتمام الذي قدمته ـ من حديث أنس بن مالك ـ وهذا لفظه ـ وبنحوه من حديث ابن عباس، وأبي بن كعب ـ من طريقين عنه بتفاوت في تضعيف الثواب المتقرر فيه، وبشطره (١) الأول من حديث أبي هريرة، وابن عباس، ومعقل بن يسار.
وبشطره الثاني من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بتفاوت في تضعيف الثواب في لفظ ثانيهما، وابن عباس، وعقبة بن عامر، ومن معضل حسان بن عطية المحاربي.
ورُويَ موقوفاً ـ بشطره الأول فيما يظهر ـ على معقل بن يسار، وأبي قلابة الجرمي ـ مقطوعاً ـ بتفاوت في الثواب، وعبد الرحمن بن أبي ليلي الأنصاري مقطوعاً أيضاً بالشطر الأول، وعن صاحب لمعمر لم يُسَم مقطوعاً أيضاً بتفاوت في الثواب (وهذا الثواب المتقرر فيه مروي عن سليمان التيمي أو الحسن البصري على تردد) . وعن يحيى بن أبي كثير مقطوعاً أيضاً بشطره الأول (٢) (وفي نسبته إليه أو إلى غيره تردد مشار إليه في محله) .
стр. 11
هذا، وقد ختمت الرسالة بفائدة لم أَرَ فيها كبير فائدة، حيث أنها تتعلق بشرح بعض العلماء لهذا الحديث غير الصحيح، لكنني ـ أثناء ذلك ـ دعمتها ببعض الفوائد، وعقبت تعقيباً ينبئ عن وجهة نظري النهائية في الحديث سنداً ومتناً.
وهذا أوان الشروع في البيان التفصيلي لهذه الطرق وفقاً للترتيب الذي أجملتُه:
١ـ حديث أنس:
قال الإمام أبو عيسى الترمذي ﵀ في «جامعه» (١)(٢٨٨٧) : «حدثنا
стр. 12
قتيبة وسفيان بن وكيع قالا: حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن الحسن بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس قال: قال النبي ﷺ : (إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات) » . ثم قال: «هذا حديث غريب (١) لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن، وبالبصرة لا يعرفون (٢) من حديث قتادة إلا من هذا الوجه وهارون أبو محمد شيخ مجهول.
стр. 13
حدثنا (١) أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا أحمد بن سعيد الدرامي حدثنا قتيبة عن حميد بن عبد الرحمن بهذا، وفي الباب عن أبي بكر الصديق، ولا يصح من قبل إسناده، إسناده ضعيف» .
زاد في المخطوط و «التحفة» : «وفي الباب عن أبي هريرة» ، وقال الحافظ أبو بشر الدَّوْلابيّ ﵀ في «الكنى والأسماء» له (٢/١٠٢) : «أخبرنى أحمد بن شعيب (٢) قال: أنبأ قتيبة بن سعيد ... » فذكره مختصراً. (وتحرف عنده: الحسن بن صالح إلى: جبير بن صالح!) . ورواه الخطيب (٤/١٦٧) من طريق أبي زرعة الرازي حدثنا أبوحفص عمرو بن على حدثني أحمد بن سعيد الدرامي النيسابوري حدثنا قتيبة بن سعيد ـ أبو رجاء البغلاني ـ به مختصراً.
وهو والبيهقي في «الشعب» (٢٤٦٠) من طريقين عن داود بن الحسين حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي به.
стр. 14
ورواه الخطيب والشجري (١) في «أماليه» (١/١١٨) بإسناد واحد إلى علي بن طيفور النسوي، والشجري من طريق محمد بن غالب التستوري (٢) .
والبيهقي من طريق أبي عبد الله محمد بن الفضل الزاهد، والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٠٣٥) من طريق علي بن عبد العزيز (وهو أبو الحسن البغوي الحافظ) قالوا جميعاً: «حدثنا قتيبة بن سعيد به» .
وقال الحافظ أبو محمد الدرامي ﵀ في «سننه» (٢/٤٥٦) . «حدثنا محمد بن سعيد حدثنا حميد بن عبد الرحمن ... » به.
وقال أبو الفتح الأزدي في «الضعفاء» : «حدثنا أبو يعلي الموصلي (٣) ، حدثنا عثمان ابن أبي شيبة عن حميد الرؤاسي ... » به. كما في «الميزان» (٤/١٧٢) .
ورواه البيهقي (٢٤٦١) من طريق عباس الأسفاطي (وهو ابن الفضل، صدوق من شيوخ الطبراني) ثنا عثمان بن أبي شيبة به.
стр. 15
وقال الإمام محمد بن نصر المروزي ﵀ في «قيام الليل» : «حدثنا نصر بن علي قال: وجدت في كتاب عبد الله بن داود (وهو الخريبي) عن حسن بن صالح قال: حدثني هارون أبو محمد ثنا مقاتل بن حيان ... » به مختصراً. كما في «مختصره» للمقريزي (ص٧٣) .
وقد علق العلامة المباركفوري ﵀ على الجملة الوسطى من كلام الترمذي تعليقاً غريباً غير مرضي، فقال في «تحفة الأحوذي» (٨/١٩٧) :
«لعل مقصود الترمذي بهذا الكلام أن أهل العلم بالحديث بالبصرة لا يعرفون من حديث قتادة عن صحابي إلا من هذا الوجه أي إلا عن أنس لأن قتادة لم يسمع من صاحبي غير أنس (١) (!) . قال الحافظ في تهذيب التهذيب: وقال الحاكم في علوم الحديث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس. وقال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل: «أنبأ حرب بن إسماعيل فيما كتب إليّ، قال: قال أحمد بن حنبل: ما أعلم قتادة روى عن أحد من أصحاب النبى ﷺ إلا عن أنس ﵁
стр. 16
قيل: فابن سرجس؟ وكأنه لم يره سماعاً. انتهى. والله تعالى أعلم» .
قلت: لاشك أن المتبادر إلى الأذهان ـ لأول وهلة ـ أن الترمذي ﵀ يريد بقوله: «لا يعرفون» أنهم لا يعرفون هذا الحديث أو هذا المتن، فيكون مقصوده أن البصريين لا يعرفون هذا المتن ـ من حديث قتادة عن أنس ـ إلا من هذا الوجه بخصوصه الذي أتى به هارون أبو محمد هذا عن مقاتل بن حيان عنه به. فمقاتل إنما هو نبطي بلخي ـ كان بمرو وكابل ـ وليس هو بصرياً وإن رَوَى عن غير واحد من البصريين، وليس هذا الحديث عند مشاهير الثقات من أصحاب قتادة ـ وأغلبهم من أهل البصرة أو كان بها ـ كهشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة، وشعبة، وهمام، وأيوب، وأبان العطار، وسلام بن أبي مطيع، وشيبان النحوي، وأبي عوانة، وأضرابهم، بل ليس عند الثقات المتكلم في حديثهم عن قتادة خاصة: كحماد بن سلمة، ومعمر، وجرير بن حازم، ويزيد بن إبراهيم التستري. والله أعلم.
وقال أبو محمد بن أبي حاتم ﵀ في «علل الحديث» (١٦٥٢) : «سألت أبي عن حديث رواه قتيبة بن سعيد وابن أبي شيبة عن حميد بن عبد الرحمن عن الحسن بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ : «إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس، ومن قرأ كذا» قال: قال أبي: مقاتل هذا هو مقاتل بن سليمان،
стр. 17
رأيت هذا الحديث في أول كتاب وضعه مقاتل بين سليمان، وهو حديث باطل لا أصل له. قلت لأبي، مقاتل أدرك قتادة؟ قال: وأكبر من قتادة، أبو الزبير» أهـ.
قلت: وسيأتي التعقيب على هذا في محله بإذن الله.
* وقال أبو الفتح الأزدي ﵀ في ترجمة (مقاتل بن حيان) من «ضعفائه» : «سكتوا عنه» . ثم ذكر عن وكيع أنه قال: «ينسب إلى الكذب» (١) . ثم قال: «وقال ابن معين: ضعيف. وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن حيان ولا بابن سليمان» . ثم قال: «حدثنا أبو يعلي الموصلي ... » فذكر الحديث كما قدمت كما في «الميزان» (٤/١٧٢) .
قال الذهبي: «قلت: الظاهر أنه مقاتل بن سليمان (٢) ، وقد جاء توثيق يحيى ابن معين لابن حيان من وجوه عنه. وقال فيه الدارقطني: صالح الحديث. نعم، أما ابن خزيمة فقال: لا أحتج بمقاتل بن حيان ... » .
قلت: وسيأتي ما في استظهاره في محله أيضاً. والله المستعان.
* وقال الإمام أبو بكر بن العربي المالكي ﵀ في «عارضة الأحوذي» (١١/١٧) : «حديثها ضعيف (يعني سورة يس) فلم نقبل عليه.
стр. 18
وللناس فيها رواء وآراء وروايات وتأويلات وذلك كله لا أصل له. وقد روى أبو داود: «اقرؤا يس على موتاكم» (١) ولم يصح» أهـ.
* وصدَّر الحديثَ الحافظُ المنذري ﵀ في «الترغيب والترهيب» (٢/٦٣٦) بتحقيق الشيخ هراس) . بصيغة التمريض جازماً بضعفه. وحكى استغراب الترمذي له، وتمم محققه ﵀ عبارة الترمذي.
* وقال الحافظ الذهبي ﵀ في ترجمة (هارون أبي محمد) من «الميزان» (٤/٢٨٨) : «عن مقاتل بن حيان حديث: «قلب القرآن يس» . قال الترمذي: مجهول. قلت: أنا (٢) أتهمه بما رواه القضاعي في شهابه ... » فذكره بإسناده إليه، وسيأتي ما بينه وبين إسناد «الشهاب» المطبوع من التفاوت في حينه.
* وأورده الحافظ ابن كثير ﵀ في أول تفسير (سورة يس) من «تفسيره» (٣/٥٦٢ - ٥٦٣) ، وحكى كلام الترمذي بغير تعقيب.
* وكذا الحافظ ابن حجر ﵀ في «الكافي الشاف» (ص١٤٠) مختصراً.
* وحكى الحافظ المناوي ﵀ في «الفتح السماوي» (٣/٩٥١-٩٥٢) ما قاله ابن حجر عن الولي العراقي ﵀ حاشا تجهيل هارون،
стр. 19
فجعله من كلام الحافظ ﵀ نفسه، وليس كذلك، بل هو من نقله عن الترمذي. ولذلك تعقبه محقق «الفتح» .
* وقال الشيخ العلامة الألباني ـ حفظه الله ـ في «السلسلة الضعيفة» (١٦٩) : «موضوع» .
وعزاه للترمذي والدرامي وحدهما. وحكى كلام الترمذي بزيادة: «حسن» .
وقال: «قلت: كذا في نسختنا من الترمذي: «حسن غريب» ونقل المنذري في «الترغيب» (٢/٢٢) والحافظ ابن كثير في «تفسيره» (٣/٥٦٣) والحافظ في «التهذيب» أنه قال: «حديث غريب» ليس في نقلهم عنه أنه حسنه ولعله الصواب فإن الحديث ضعيف ظاهر الضعف بل هو موضوع من أجل هارون، فقد قال الحافظ الذهبي في ترجمته بعد أن نقل عن الترمذي تجهيله إياه: «قلت: أنا أتهمه بما رواه القضاعي في «شهابه» . ثم ساق له هذا الحديث. وفي «العلل» (٢/٥٥ ـ ٥٦) لابن أبي حاتم: «سألت أبي عن هذا الحديث» (فذكره باختصار آخره) . قال: «قلت: كذا جزم أبو حاتم ـ وهو الإمام الحجة ـ أن مقاتلاً المذكور في الإسناد هو ابن سليمان مع أنه وقع عند الترمذي والدارمي «مقاتل بن حيان» كما رأيت، فعله خطأ من بعض الرواة. ويؤيده أن الحديث رواه القضاعي كما سبق وكذا أبو الفتح الأزدي من طريق حميد الرؤاسي بسنده المتقدم عن مقاتل عن قتادة به. كذا قال: «عن مقاتل» لم ينسبه فظن بعض الرواه أنه ابن حيان فنسبه إليه. من
стр. 20
هؤلاء الأزدي نفسه فإنه ذكر عن وكيع أنه قال في مقاتل بن حيان: «يُنسب إلى الكذب» قال الذهبي: كذا قال أبو الفتح ... » . فذكره بنحو ما تقدم عن «الميزان» .
قال: «قلت: وإذا ثبت أنه ابن سليمان كما استظهره الذهبي وجزم به أبو حاتم فالحديث موضوع قطعاً لأنه ـ أعني ابن سليمان ـ كذاب كما قال وكيع وغيره. ثم اعلم أن حديث أبي بكر الذي أشار إليه الترمذي وضعه لم أقف على متنه، وأما حديث أبي هريرة قال الحافظ ابن كثير: «منظور فيه» ثم قال: قال أبو بكر البزار: حدثنا عبد الرحمن بن الفضل حدثنا زيد بن الحباب حدثنا حميد المكي مولى آل علقمة عن عطاء بن أبي رباح مرفوعاً به دون قوله: «من قرأها ... » ثم قال البزار: «لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد» .
قلت: وحميد (١) هذا مجهول كما قال الحافظ في «التقريب» وعبد الرحمن بن الفضل شيخ البزار لم أعرفه (٢) أهـ.
стр. 21
قلت: جزى الله شيخ أهل الحديث ـ حفظه الله ـ عن الإسلام والسنة خيراً، على أنني أود أن ألقى الضوء على بعض ما تقدم عند تحقيقه لهذا الحديث، فأقول:
أولاً: الملاحظ أن جميع روايات الحديث أتت عن الحسن بن صالح ـ وهو ابن صالح بن حي الهمداني الكوفي ـ باستثناء روايتي الأزدي وابن أبي حاتم: «عن مقاتل بن حيان» والنسخة التي نقل منها الحافظ الذهبي ﵀ الحديث من «مسند الشهاب» كأن فيها اختصاراً أو تصرفاً منه أو من بعض الرواة.
فالذي في «الميزان» : «أخبرنا أبو محمد النحاس» والذي في «الشهاب» ـ المطبوع ـ: «أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر النحاس» .
وفي «الميزان» : «عن مقاتل» وفي «المسند» : «عن مقاتل بن حيان» . ومتن «الميزان» : «لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس. فمن قرأها كتب له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرار» ، ومتن «المسند» : «إن لكل شيء قلباً، وإن قلب القرآن يس، فمن قرأ يس كتب له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرار» .
стр. 22
نعم، وفي إسناد «الميزان» أيضاً: «محمد بن سعيد» . وفي مطبوع «المسند» : «قتيبة بن سعيد» . ولم يتبين لي الصواب منهما، فكلاهما قد رواه عن الرؤاسي كما تقدم.
أقول: فكان يحسن بالشيخ ـ أمتع الله به ـ أن يراجع نقل «الميزان» على «مسند الشهاب» المخطوط أو المطبوع إن كان أحدهما بحضرته وقتئذ. زادنا الله وإياه حرصاً. وظني أن عثمان بن أبي شيبة ـ وحده ـ هو الذي قال: «عن مقاتل» فقد قرنه ابن أبي حاتم ـ في سؤاله لأبيه ـ بقتيبة، ولم أره عن قتيبة إلا باسمه كاملاً: (مقاتل بن حيَّان) وكذا كل من رواه عن حميد الرؤاسي والحسن بن صالح. وعثمان هو راويه عن حميد الرؤاسي عند الأزدي (١) فتأمل.
وليس عثمان فوق قتيبة ومن تابعه فلا يرجُح عليهم، وبالتالي فلن نعتمد روايته التي فيها (عن مقاتل) مُهْملاً بمجردها.
ثانياً: يتعين إلصاق الوهم بالحسن بن صالح ـ عفا الله عنه ـ مع ثقته وصدقه ـ إن برَّأنا ساحة (هارون أبي محمد) ذاك المجهول من قلب اسم (مقاتل ابن سليمان) إلى: (مقاتل بن حيان) ، حيث لم نر أحداً وصفه بأنه راوي أول كتاب وضعه ابن سليمان، على قول أبي حاتم ﵀ فهو غيره في أغلب الظن. وتبرأة ساحة هذا الرجل أمر متعذر،
стр. 23
أما اتهام الذهبي إياه، فمتوجه ـ عندي ـ إلى قلب اسم شيخه ـ حسب ـ لا إلى وضع هذا الحديث بهذا الإسناد، لأن اتهامه بذلك إنما يكون منتهضاً في حالة كون رجال الإسناد ثقات سواه كما هو معلوم. وليس الأمر كذلك، لأن مقاتلاً هو المتهم بالكذب والوضع ـ من جهة ـ ولأن روايته هذا الحديث ثبتت عند الناقد الجهبذ أبي حاتم الرازي ﵀ من غير طريق هارون هذا عنه ـ من جهة أخرى ـ، إلا أن يكون سرق الحديث وقلب إسناده. فالله أعلم. وبالله التوفيق.
ثالثاً: الحديث باطل لا أصل له من هذا الوجه بخصوصه، من طريق قتادة عن أنس، ولذلك لم يعرفه أهل البصرة إلا منه كما ذكر أبو عيسى الترمذي ﵀. لكن المتن لا يتهيأ الحكم بوضعه أو بطلانه، أو هو على الأقل مما تتفاوت الأنظار في الحكم عليه بذلك (١) . أما النكارة فظاهرة بل مسلَّمة.
وأما الشطر الثاني، فالحكم عليه بالبطلان متوجه لتضمنه أمارة من أمارات الوضع، وهي المبالغة في تقرير الثواب. ولهذه القاعدة استثناءات فيما صح إسناده وتلقي بالقبول.
رابعاً: حديث أبي بكر الصديق ﵁ الذي أشار إليه الترمذي ـ
стр. 24
رحمه الله ـ عزاه العلامة القرطبي في «تفسيره» (١٥/٢) والحافظان ابن كثير وابن حجر في «الكافي» إلى الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (١) ، وحكاه العلامة المباركفوري في «التحفة» (٨/١٩٨) عن ابن كثير، ولم يزد.
وقد رواه أيضاً ابن الضريس في «فضائل القرآن» (٢١٧، ٢١٨) والعقيلي (٢/١٤٣) والشجري في «أماليه» (١/١١٨) ، والبيهقي في «الشعب» (٢٤٦٥) والخطيب (٢/٣٨٨) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/٢٤٧) من طرق عن إسماعيل بن أبي أويس، حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الجدعاني ـ من قريش من بن تميم، من أهل مكة ـ عن سليمان بن مرقاع عن هلال عن الصلت أن أبا بكر قال: قال رسول الله ﷺ : «سورة يس تدعى في التوراة: المعمة، قيل: وما المعمة؟ قال: تعم صاحبها بخير الدنيا والآخرة وتدعى: المدافعة القاضية، وتدفع عن صاحبها كل سوء، وتقضي له كل حاجة، ومن قرأها عدلت له عشرين حجة، ومن سمعها عدلت له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها ثم شربها أدخلت جوفه ألف دواء، وألف نور، وألف يقين، وألف بركة، وألف رحمة، ونزعت منه كل غل، وكل داء» !!
وهو في «الكنز» (١/٥٩٠) معزواً إلى الحكيم والبيهقي وحدهما،
стр. 25
وقد ضعفه الترمذي ـ كما تقدم عنه ـ واستنكره العقيلي ثم البيهقي، وقال ابن الجوزي في «الموضوعات» ـ وقد أورده من حديث أنس (١) وأبي بكر، وبأخصر منه من حديث علي ـ: «هذا الحديث من جميع طرقه باطل لا أصله له» حتى قال: «وأما حديث أبي بكر، فقال النسائي: محمد بن عبد الرحمن الجدعاني متروك الحديث» . قلت: وقوله أشبه بالصواب، فإن لوائح الوضع والتهافت على هذا الكلام لا تخفى على أحد!
وفي الإسناد علل أخرى سوى الجدعاني.
* فابن مرقاع، قال العقيلي: «منكر الحديث» وأورد هذا الحديث في ترجمته (٢) .
* وإسماعيل، وهو ابن عبد الله بن أبي أويس المدني ضعيف باستثناء رواية البخاري عنه، ولا مانع من أن ينسحب هذا الحكم على كل من ثبت أنه كان ينتقي من أصوله من أهل الحذق والمعرفة.
قال الحافظ ﵀ في «هدي الساري» (ص٤١٠ ريان) : «احتج به
стр. 26
الشيخان إلا أنهما لم يكثرا من تخريج حديثه، ولا أخرج له البخاري مما تفرد به سوى حديثين، وأما مسلم فأخرج له أقل مما أخرج له البخاري، وروى له الباقون سوى النسائي، فإنه أطلق القول بضعفه ... » ، حتى قال: «قلت: وروينا في مناقب البخاري بسند صحيح أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقي (١) منها وأن يعلم له على ما يحدث به ليحدث به ويعرض عما سواه. وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه لأنه كتب من أصوله. وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا إن شاركه فيه غيره، فيعتبر فيه» .
قلت: وهو يخرج عنه في «تواريخه» أشياء يستنبط منها أموراً ويستدل بها على علل، فالظاهر أن حكمها كذلك.
وعليه، فقد قال في ترجمة الجدعاني من «تاريخه الكبير» (١/١٥٧) : «وقال لي إسماعيل: سمعت محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الجدعاني القرشي المكي منذ ستون سنة (كذا، والصواب: ستين) عن عبيد الله وسليمان ابن مرقاع» . فكأنه يعني هذا الحديث. والله أعلم.
* وهلال، والصلت أشار الخطيب إلى جهالتهما في «تاريخه» (٢/٣٨٧) حيث قال: «وفي إسناده غير واحد من المجهولين» (٢) .
стр. 27
* ولم يتبين لي سماع بعض هؤلاء من بعض حتى الصديق ﵁ (وقد) تعقب ابنَ الجوزي كلٌ من السيوطيُّ في «اللآلئ» (١/٢٣٤) وابن عراق في «تنزيه الشريعة» (١/٢٨٩) بما لا طائل من ورائه. وحسب هذا الحديث ما ذكرت وبينت.
خامساً: أورد ابن حبان في «ثقاته» (٨/٣٧٩، ٣٨٢) كلاً من: (عبد الرحمن بن الفضل ابن مالك بن مغول) و (عبد الرحمن بن الفضل بن موفق) .
والأول ذكر أنه يروي عن وكيع وعبد الله بن بكير الغنوي، والثاني ذكر أنه يروي عن أبي نعيم وأبيه، وكلهم كوفيون، ومن نفس طبقة زيد بن الحباب حاشا الغنوي، فلعل شيخ البزار في حديث أبي هريرة أحد هذين.
ثم استدركت بأنه الثانى ـ جازماً بذلك ـ لما وجدت الخطيب ـ قدراً بدون تعمد بحث ـ يقول في ترجمة البزار من «تاريخه» (٤/٣٣٤) : «سمع هدبة بن خالد، وعمر ابن موسى الحادي، وإسماعيل بن سيف، وعبد الرحمن بن الفضل بن موفق، ... » ، وما توفيقي إلا بالله. وسوف أتعرض لهذا الرجل بصورة مباشرة لدى الكلام عن علل حديث أبي هريرة بإذن الله.
٢ ـ حديث ابن عباس:
رواه ابن مردويه في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» (٥/٢٥٧) ،
стр. 28
ولفظه: «لكل شيء قلب، وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس فكأنما قرأ القرآن عشر مرات» .
والتفسير المذكور في عداد المفقود حتى هذه اللحظة، ولم أر من نقله بإسناده أو بعضه عنه، لكنني لست أشك أن تفرد ابن مردويه ـ في الأعم الأغلب ـ مظنة النكارة والضعف الشديد. كما أشرت في غير هذا الموضع والأمثلة على ذلك كثيرة لدي.
٣ ـ حديث أبي بن كعب:
أولاً: من طريق زر بن حبيش الأسدي عنه: قال الحافظ أبو عبد الله القضاعي ﵀ في «مسند الشهاب» (١٠٣٦) :
«أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن محمد الأدفوي، ثنا أبو الطيب أحمد بن سليمان الجريري إجازة، أنبا أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، حدثنى زكريا ابن يحيى، ثنا شبابة، ثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد بن جدعان، وعطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء قلباً، وإن قلب القرآن يس، ومن قرأ يس وهو يريد بها الله غفر الله له، وأُعطيَ من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة، وأيما مسلم قُرئ عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف من سورة يس عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً، يصلون عليه ويستغفرون له، ويشهدون غسله، ويشيعون جنازته، ويصلون عليه (كذا) ويشهدون دفنه، وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن الجنة بشربة من شراب الجنة، فيشربها على فراشه، فيقبض
стр. 29
ملك الموت روحه وهو ريان، فيمكث في قبره وهو ... ريان، ويبعث يوم القيامة وهو ريان، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» !!!
ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/٢٣٩) من طريق أبي بكر بن أبي داود السجستاني قال: حدثنا محمد بن عاصم قال حدثنا شبابة بن سوار به مطولاً في فضائل القرآن سورة سورة، إلا أنه لم يسق هذه القطعة في فضل يس (١) .
وفيه: مخلد بن عبد الواحد. قال ابن حبان في «المجروحين» (٣/٤٣) : «يروي عن البصريين وعلي بن زيد بن جدعان وغيره (كذا، والصواب عندي حذف الواو الأولى) روى عنه المكي بن إبراهيم والناس، منكر الحديث جداً ينفرد بأشياء مناكير لا تشبه حديث الثقات فبطل الاحتجاج به فيما وافقهم من الروايات» .
стр. 30
وقال الذهبي في ترجمته من «الميزان» (٤/٨٣) : «وروى عنه شبابة بن سوار، عن ابن جدعان. وعن عطاء بن أبي ميومنة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ بذاك الخبر الطويل الباطل في فضل السور، فما أدري من وضعه إن لم يكن مخلد افتراه. حدث به الخطيب (١) عن ابن رزقويه، عن ابن السماك، عن عبد الله بن روح المدائني، عن شبابة، قال محمد بن إبراهيم الكناني، سألت أبا حاتم عن حديث شبابة، عن مخلد من قرأ سورة كذا فله كذا. فقال: ضعيف» .
وقال ابن الجوزي: «وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة ما يخصها وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما لأنهما ليسا من أصحاب الحديث، وإنما عجبت من أبي بكر بن أبي داود كيف فرقه على كتابه الذي صنفه في فضائل القرآن وهو يعلم أنه حديث محال، ولكن شره جمهور المحدثين (كذا في الموضوعات ولعل الصواب: ولكنه شره) فإنهم من عادتهم تنفيق حديثهم ولو بالبواطيل، وهذا قبيح منهم لأنه قد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من حدث عني حديثاً يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» . وهذا حديث فضائل السور مصنوع بلا شك، وفي إسناد الطريق
стр. 31
الأول: بزيع (١) ، قال الداقطني: وهو متروك، وفي الطريق الثاني: مخلد بن عبد الواحد، قال ابن حيان: (فذكر بعض كلامه) ، وقد اتفق بزيع ومخلد على رواية هذا الحديث عن علي بن زيد، وقد قال أحمد ويحيى: علي بن زيد (٢) ليس بشيء.
وبعد هذا فنفس الحديث يدل على أنه مصنوع ... » إلخ.
قلت: وطريق بزيع بن حسان ـ أبي الخليل البصري ـ بمتابعة مخلد بن عبد الواحد عند العقيلي في «الضعفاء» (١/١٥٦) وعنه ابن الجوزي. وروى ـ عقب ذلك ـ بإسناده إلى علي بن الحسن بن شقيق المروزي سمعت ابن المبارك يقول في حديث أبي بن كعب عن النبي ﷺ : «من قرأ سورة كذا فله كذا، ومن قرأ سورة كذا» قال ابن المبارك: «أظن الزنادقة وضعته» .
ثانياً: من طريق هارون بن كثير عن زيد بن أسلم ـ أو: سالم ـ عن أبيه عن أبي أمامة عنه: قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي (٣/٨٥) : «أخبرنا هلال الحفار
стр. 32
قال: قرئ على أبي بكر محمد بن علي بن رزق الخلال وأنا أسمع في رجب سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. وحدثنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف قالا: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك بن الفضل بن خالد البزار، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، حدثنا سلام بن سليم المدائني، حدثنا هارون بن
стр. 33
كثير، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ... ﷺ : «يا أُبَيّ إن جبريل أمرني أن أقرأ عليك القرآن، وهو يقرأ عليك السلام» . قال: «وذكر الحديث بطوله» . قلت: ورواه أيضاً ابن عدي (٧/٢٥٨٨) ، فاختصر لفظه، وابن مردويه في «تفسيره» كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/٢٢٧) و «الكافي الشاف» (ص١٤٠) ، والثعلبي كما فيه، والشجري (١/٩٨: ١٠٣) من هذا الوجه ولفظه ـ كما هو عنده ـ: «إن لكل شيء قلباً، وإن قلب القرآن يس، ومن قرأ سورة يس يريد بها الله غفر الله له ... » فذكره بنحو الرواية الأولى عن أُبَيّ.
وسلام المدائني متروك (١) ، ولكن قال ابن عدي ﵀: «ورواه عن هارون ابن كثير القاسم بن الحكم العُرَنيّ (٢) بطوله سورةً سورةً، ورواه عن هارون يوسف
стр. 34
ابن عطية ـ الكوفي لا البصري ـ بعضه، وهارون غير معروف، ولم يحدث به عن زيد ابن أسلم غيره، وهذا الحديث غير محفوظ عن زيد» .
قلت: والقاسم أصلحهم حالاً، فإنه صدوق لا بأس به، رُمي بشيء من الغفلة.
ويوسف بن عطية الكوفي متروك اتهمه الفلاس (١) .
ويحتمل أن يكونوا قد توبعوا في الأسانيد التي لم نطلع عليها. فالله أعلم.
(وهارون) ، قال أبو حاتم الرازي ﵀ في حديث آخر له بهذا الإسناد إلى أبي أمامة وابن عمر: «هذا حديث باطل، لا أعرف من الإسناد إلا أبا أمامة» (!) كما في «علل الحديث» لولده عبد الرحمن (١٨٨٠) .
وفيه: «عن زيد بن سالم أو ابن أسلم عن أبيه» .
وقال الذهبي في «الميزان» (٤/٢٨٦) : «مجهول وزيد عن أبيه نكرة» .
ومما زاده عليه الحافظ في «اللسان» (٦/١٨١) : «قلت: ووقع في بعض طرقه: زيد بن أسلم، وهو تحريف، والصواب: زيد بن سالم» .
وقال السيوطي في «اللآليء» : «ومن طرقه الباطلة طريق هارون بن كثير عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أُبَيّ بن كعب. أخرجه ابن عدي في الكامل، وقال: رواه عن هارون ... إلخ» .
إلى أن قال: «وهذه الأحاديث الثلاثة (يعني: هذا، وحديثي بزيع ومخلد) مخرجة بطولها في آخر تفسير ابن مردويه ... » .
(طرفة) تتعلق بهذا الحديث:
روى ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/٢٤١) بإسناده إلى محمود بن غيلان سمعت مؤملاً (٢)
يقول: حدثني شيخ بفضائل سور
стр. 35
القرآن الذي يروى عن أُبَيّ بن كعب، فقلت للشيخ: من حدثك؟ قال: حدثني شيخ بواسط وهو حي. فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه، فقال حدثني شيخ بعبدان فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً، فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا وجوههم إلى القرآن» .
ثم رواها (١/٢٤١ - ٢٤٢) من وجه آخر عن محمود بن غيلان بنحو الأولى.
وفي الإسناد الآخر: القاضي أبو العلاء الواسطي ـ شيخ الخطيب فيها ـ عن أبي بكر المفيد. وفيهما مقال شديد. وفي الأول بعض من لم أتحقق منه. فالله أعلم.
٤ ـ حديث أبي هريرة بالشطر الأول:
قال الحافظ أبو بكر البزار ﵀ في «مسنده» : «حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، ثنا زيد، ثنا حميد، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لكل شيء قلباً، وقلب القرآن يس» .
كما في «كشف الأستار» (٢٣٠٤) للحافظ الهيثمي، و «مختصر زوائد البزار» (١٥٤٩) للحافظ ابن حجر ـ رحمهما الله ـ وهذا إسناد منكر، له علتان:
الأولى: جهالة حال عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق ـ وهو الثقفي
стр. 36
الكوفي ـ شيخ البزار، حيث انفرد ابن حبان بإيراده في «الثقات» ـ كما تقدم.
وما رأيت له ترجمة مستقلة في مكان آخر، ولم أر هذا الحديث موصولاً عن زيد بن الحباب العكلي الحافظ إلا من جهته، فهل له مدخل في نكارته من هذا الوجه؟ علم ذلك عند الله تعالى.
ويحتمل أنه قد توبع، فقد عرف الحديث من هذا الوجه بعض الحفاظ كالترمذي ﵀ كما تقدم عنه.
ورواه ابن مردويه أيضاً في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» (٥/٢٥٧) حيث قال السيوطي ﵀ عقب حديث ابن عباس باللفظ التام المتقدم: «وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة وأنس مثله» . فالله أعلم.
الثانية: جهالة شيخ شيخه ـ أيضاً ـ: حميد المكي مولى آل علقمة كما تقدم عن الحافظ ابن حجر ﵀ (وقال) الإمام البخاري ﵀ في «تاريخه الصغير» (٢/١٢٣ـ ١٢٤) وعنه ابن عدي (٢/٦٨٩) :
«حميد المكي مولى ابن علقمة، روى عنه زيد بن حباب ثلاثة أحاديث زعم أنه سمع عطاء عن أبي هريرة عن سلمان (تحرفت إلى: سليمان، والتصويب من «الكامل» و «تهذيب الكمال» (٧/٤١٥) ولما سيأتي قريباً) عن النبي ﷺ وحديثين آخرين لا يتابع فيهما» .
قال الحافظ المزي ﵀: «يعني حديث سلمان في الدعاء: «من
стр. 37
قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك ... الحديث» ، وفي آخره: «من قالها مرة عتق ثلثه (١) من النار ... الحديث» .
وقال البرقاني في «سؤالاته للدارقطني» (٦٦) : «قلت: فحميد مولى علقمة عن عطاء؟ قال: مجهول» (٢) .
وقال ابن عدي: «وحميد المكي لم ينسب ولم يُذكر أبوه، وحديثه هذا المقدار الذي ذكره البخاري لا يتابع عليه كما قال» .
وقال الذهبي في «المغني» (١/١٩٦) : «قال البخاري: لا يتابع عليه» .
وقال في «الكاشف» (١/٢٥٩) : «لين» .
وحكى في «الميزان» (١/٦١٨) ما حكاه عن البخاري في «المغني» ، وزاد: «قلت: له ثلاثة أحاديث (٣) . قال ابن عدي: لا يتابع على بعض (٤) حديثه. قلت: هو أصغر من حميد بن قيس المكي المذكور» .
стр. 38
وجهَّله الحافظ في «التقريب» (١٥٦٨) كما تقدم.
وحديثه هذا أورده في «الكافي الشاف» (ص ١٤٠) معزواً للبزار، وأعله بضعفه.
وقال فيه ابن كثير ﵀: «منظور فيه» كما تقدم.
ولم أره في «مجمع الزوائد» للهيثمي ﵀ مع كونه على شرطه.
(والملاحظ) أن مناكير حميد هذا، التي يرويها بهذا الإسناد الواحد تدندن ـ كلها ـ حول قضية بعينها، هي (فضل ذكر الله بل حول صحابة بأعيانهم، هم: أبو بكر الصديق، وأبو هريرة، وسلمان ﵃!
فمنها:
١ ـ ما رواه الترمذي في «جامعه» (٣٥٠٩) عن إبراهيم بن يعقوب عن زيد بن الحباب عنه به: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قلت: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال: المساجد. قلت: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» .
وعين هذا الحديث، رواه البزار كما في «الكشف» (٣٠٧٨) عن إبراهيم بن سعيد الجوهري ثنا زيد بن الحباب به أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر ﵀ (١) ـ: «ألا ترتع في روضة من رياض الجنة
стр. 39
وتريح فيها؟» فقال: يا رسول الله، وما الرتع، قال: «الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر «قال سلمان: إن لكل شيء غرساً، فما غراس الجنة؟ قال:» سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر» . وشيخا الترمذي والبزار كلاهما ثقة حافظ!
نعم، وروي هذا المتن مختصراً من طرق بغير هذا السياق (١) .
стр. 40
٢ ـ وما رواه البزار في «مسنده» أيضاً كما في «الكشف» (٣٠٩٢) : «حدثنا رجل من أصحابنا عن زيد بن الحباب به: بينما النبي ﷺ جالس، وأبو بكر ﵁ وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، ونعيم بن سلامة، إذ قدم بريد على النبي ﷺ من بعث بعثه، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما رأينا بعثاً أسرع إياباً، ولا أكثر مغنماً من هؤلاء، فقال النبي ﷺ : «يا أبا بكر ألا أدلك على ما هو أسرع إياباً وأفضل مغنماً؟ من صلى الغداة في جماعة ثم ذكر الله حتى تطلع الشمس» .
قال البزار: «لا نعلم أحداً شارك حميداً في هذا، ولا نعلم رواه عن عطاء عن أبي هريرة غيره» .
قلت: قد رُوي معناه من أوجه أخرى لا يصح منها شيء.
وشيخ البزار ـ وإن كان مبهماً ـ لا ندري من هو، وقد يكون (عبد الرحمن بن الفضل بن الموفق) أيضاً، لكنه توبع.
قال الحافظ ﵀ في ترجمة (نعيم بن سلام، ويقال: ابن سلامة السلمي) من «الإصابة» (٣/٥٦٧) : «له ذكر في حديث أخرجه البزار من طريق زيد بن الحباب ... » فذكره، وقال: «وقع لنا بعلو في المعرفة لابن منده ... » ثم رأيته في «المعرفة» لأبي نعيم (٢ أق ٢١٧ أ) معلقاً من طريق محمد بن عصام عن زيد به.