← Акыда

Акыда · id 1257

المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (245 стр.). Показаны 211–245 · переход к 216.

стр. 211

وسعيد بن عبد العزيز صاحبي مكحول وهما أعرف الناس به وقد برَّآه من القدر. فإن ليثًا لم يلق مكحولًا ولم يصحبه وروايته عنه مرسلة، فقد «سئل أبو زرعة عن ليث بن أبي سليم هل سمع من مكحول؟ قال: لا هو مرسل» (١). ثم ما حكاه ليث عن مكحول: (أنه يعجبه كلام غيلان) فهو مع انقطاع سنده -فإن روايته عن مكحول مرسلة والمرسل منقطع لا تقوم به حجة-؛ ففي متنه نكارة من جهة معارضته لما هو مشهور من إنكار مكحول على غيلان وهجره له، وهذا ثابت من أكثر من وجه بنقل أصحاب مكحول وتصريحهم بسماعهم ذمَّ مكحولٍ لغيلانَ ذمًّا شديدًا وهجره له. وكذلك مقولة مكحول في غيلان (قل قليله) -إن ثبتت- فتفسيرها بأن معناها: «ما أقل في الناس مثله!» غريب يأباه اللفظ، والألفاظ قوالب المعاني؛ فإن مكحولًا لو أراد هذا المعنى لقال: (ما أقله في الناس) أو قال: (قَلَّ في الناس نظيره)، بل قوله: (قل قليله) دلالتها على الذم أظهر، وأن معناها (قلَّ بالبدعة قليل غيلان من العلم) أي: أن علمه قليل، ثم قلَّ بالبدعة قليله، فهذا الذي تقتضيه اللفظة من حيث المعنى. وكذا الحال يشهد لهذا من أنها -إن ثبتت عن مكحول- فإنه إنما أراد ذم غيلان لا مدحه وهي أوفق من جهة المعنى لقوله: «بئس الخليفة كان غيلان لمحمد ﷺ على أمته من بعده» (٢)، أما أن تحمل على أنه قصد بها مدحًا، متضمنًا هذا الإطراء المبالغ فيه، وأنه أراد أنه (قَلَّ في الناس مثله)؛ فهذا من قلب المعاني والجمع بين الأضداد. الرابع: أن مكحولًا إمام أهل الشام وكانت له منزلة وكلمة نافذه فيهم،

стр. 212

قال ابن كثير: «وكان له وجاهة عند الناس، مهما أمر به من شيء يفعل» (١). وقد تعرض لحسد شأنه شأن كل ذي نعمة وفضل، فعاداه أناس وتكلموا فيه وكانوا يغرون به رجاء بن حيوة وهو إمام أهل الشام ويطعنون فيه عنده. روى الذهبي عن عاصم بن رجاء بن حيوة قال: «جاء مكحول إلى أبي، فقال: يا أبا المقدام، إنهم يريدون دمي، قال: قد حذرتك القرشيين ومجالستهم، ولكنهم أدنوك وقربوك، فحدثتهم بأحاديث، فلما أفشوها عنك كرهتها، فراح، فجاء الذين يعيبونه، فذكروه فقال أبي: دعوه، فقد كنتم حديثًا وأنتم تحسنون ذكره .. » (٢). وكان مكحول يقول: «ما زلت مضطلعًا على من ناوأني حتى عاونهم عليَّ رجاء بن حيوة، وذلك أنه كان سيد أهل الشام في أنفسهم» (٣). فرجل هذا شأنه لا يبعد أن يكذب عليه ويطعن فيه بما ليس فيه يؤكد هذا الأثر السابق عن إبراهيم بن مروان، قال: قال أبي: «قلت لسعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد، إن الناس يتهمون مكحولا بالقدر، فقال: كذبوا، لم يكن مكحول بقدري» (٤). الخامس: أن قول مكحول في (الرزق) ليس صريحا في تقرير قول القدرية؛ فلفظ الرزق فيه إجمال كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ﵀: «لفظ (الرزق) فيه إجمال؛ فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا يدخل

стр. 213

الحرام في مسمى هذا الرزق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] وقوله: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: ٧٥] وأمثال ذلك. وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]» (١). وبهذا يتبين أن قول مكحول: «إن الله لا يرزق إلا طيبًا» (٢) له وجه صحيح على المعنى الأول الذي ذكره شيخ الإسلام، قال شيخ الإسلام: «فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق» ولا يلزم لمن قال: إن الله لا يرزق إلا طيبًا، يريد به هذا المعنى أن يكون موافقًا للقدرية والمعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يقدر الحرام ولا يرزقه، بناء على قولهم في أن الذنوب هي صادرة من قبل العبد ولا تدخل في تقدير الرب ولا خلقه. قال الأشعري: «قالت المعتزلة: إن الأجسام الله خالقها، وكذلك الأرزاق وهي أرزاق الله -سبحانه- فمن غصب إنسانًا مالًا أو طعامًا فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إياه. وزعموا بأجمعهم أن الله -سبحانه- لا يرزق الحرام كما لا يملِّك الله الحرام، وأن الله -سبحانه- إنما رزق الذي ملَّكه إياهم دون الذي غصبه. وقال أهل الإثبات: الأرزاق على ضربين: منها ما ملَّكه الله الإنسان ومنها ما جعله غذاءً له وقوامًا لجسمه وإن كان حرامًا عليه فهو رزقه إذ جعله الله

стр. 214

-سبحانه- غذاءً له لأنه قوام لجسمه … » (١). فتبين أن قول مكحول محتمل لمعنى صحيح مقرر عند أهل السنة، ومقتضى حسن الظن بهذا الإمام الجليل أن يحمل كلامه على مَحمل حسن. قال سعيد بن المسيب: «كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ : أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا وأنت تجد له في الخير محملًا» (٢). السادس: أن الإمام الأوزاعي حقق هذا المسألة وحكى الشبهة في نسبة بعض أئمة التابعين للقدر، وأنه كشف عن ذلك مع قرب العهد والتجرد للحق، ثم صرح بما انتهى إليه من ذلك في قوله: «لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن ومكحولًا، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل» (٣)، فكفى بذلك الباحثين المؤونةَ في تحقيق هذا المسألة وخلص إلى هذه النتيجة التي لا ينبغي العدول عنها، وهي براءة أئمة التابعين من بدعة القدر وهذا هو الذي يليق بمقامهم فإنهم على ميراث الصحابة الكرام علرضي الله عنهم جميعا وجزاهم عن الأمة خيرًا. وبهذا يتبين براءة الإمام مكحول من القدر، وأن نسبته إليه إما مرجعها للكذب عليه من خصومه، أو لما اشتبه من كلامه، وأنه بريءٌ من القول بالقدر لما تقدم عرضه من الأدلة، فلله الحمد والمنة.

стр. 215

ثالثًا: قتادة: هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأعمى، أحد علماء التابعين، والأئمة العاملين، كانت ولادته سنة ستين للهجرة. وتوفي سنة سبع عشرة ومائة بواسط (١). واختلف في نسبته للقدر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يقول بالقدر. وهذا هو المشهور المنقول عن الأئمة: قال أحمد بن حنبل: «كان قتادة وسعيد يقولان بالقدر ويكتمان» (٢). ويعني بسعيد: (سعيد بن أبي عروبة) (٣). وقال يحيى بن معين: «رمي بالقدر» (٤). وقال ابن سعد: «قتادة بن دعامة السدوسي وكان يكنى أبا الخطاب، وكان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث، وكان يقول بشيء من القدر» (٥). وقال العجلي: «قتادة بن دعامة السدوسي: يكنى أبا الخطاب، بصري، تابعي، ثقة وكان ضرير البصر، وكان يقول بشيء من القدر، وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه.» (٦).

стр. 216

وقال وكيع: «كان سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي وغيرهما يقولون: قال قتادة: كل شيء بقدر إلا المعاصي» (١). وقال ابن شوذب: «ما كان قتادة يرضى حتى يصيح به صياحًا، يعني: القدر» (٢). وقال الذهبي: «قتادة حافظٌ ثقةٌ لكنه مدلس، وقد رمي بالقدر» (٣). وقال ﵀: «وقد تفوَّه قتادة بشيءٍ من القدر» (٤). وقال ابن عبد الهادي: «وكان مدلسًا يرى القدر، فإنه قال: كل شيء بقدر إلا المعاصي» (٥). القول الثاني: أنه قال به ثم رجع عنه. وذهب إليه ياقوت الحموي، فقد قال في ترجمة قتادة: «وكان يقول بشيء من القدر ثم رجع عنه» (٦). وقال الذهبي معلقًا على قول الإمام أحمد: «كان قتادة وسعيد يقولان بالقدر ويكتمان. قلت: لعلهما تابا ورجعا عنه كما تاب شيخهما (٧)» (٨).

стр. 217

القول الثالث: أنه لم يقل بالقدر. ويدل على هذا مفهوم قول الأوزاعي المتقدم: «لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن ومكحولًا، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل» (١). وقتادة تابعي مشهور وهو داخل في عموم التابعين الذين صرح الأوزاعي ببراءتهم من القدر. وصرح بذلك أبو داود فقال: «لم يثبت عندنا عن قتادة القول بالقدر، والله أعلم» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «عن قتادة: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] قال: لا والله ما أكره الله عبدًا على معصية قط ولا على ضلالة ولا رضيها له ولا أمره، ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها ونهاكم عن معصيته. قلت: قتادة ذكر هذا عند هذه الآية ليبين أن الله قدّر ما قدّره من السعادة والشقاوة كما قال الحسن وقتادة وغيرهما من أئمة المسلمين» (٣). وقال ﵀: «وذكر قتادة أن الله لم يكره أحدًا على معصية، وهذا صحيح؛ فإن أهل السنة المثبتين للقدر متفقون على أن الله لا يكره أحدًا على معصية كما يكره الوالي والقاضي وغيرهما للمخلوق على خلاف مراده، يكرهونه بالعقوبة والوعيد، بل هو سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل وقدرته وعمله وهو خالق كل شيء، وهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية وأنه

стр. 218

لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر حتى قيل: إن مالكا كره لمعمر أن يروي عنه التفسير لكونه اتهم بالقدر، وهذا القول حق ولم يعرف أحد من السلف قال: «إن الله أكره أحدا على معصية». بل أبلغ من ذلك أن لفظ «الجبر» منعوا من إطلاقه كالأوزاعي والثوري والزبيدي وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وغيرهم» (١). وظاهر من كلام شيخ الإسلام براءة قتادة من قول القدرية، وأن قتادة إنما نسب للقول بالقدر لقوله المتقدم في تفسير: ﴿قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ثم ذكر أنَّ كلامه حق وصحيح وهو موافق للأئمة. وكلام قتادة بين ظاهر لكل متأمل أنه لا لبس فيه، فهو ﵀ إنما نفى إكراه الله العباد على المعاصي، ولم ينف تقدير الله لها وخلقها في العباد، وفرق بين الأمرين، والقول بنفي الجبر للعباد على أفعالهم هو قول أهل السنة الذين خالفوا فيه الجبرية، وقولهم بخلق الله لأفعال العباد وتقديرها هو قول أهل السنة الذي خالفوا فيه القدرية. الترجيح: وفي الحقيقة إن الناظر ابتداءً في هذه الأقوال في نسبة هذا الإمام للقدر من عدمه يجد أن الأكثر والأشهر من الأئمة على القول بنسبته للقدر، وأن هذا القول من حيث الشهرة ومنزلة من قال به من الأئمة هو الأرجح. غير أنه بإنعام النظر والتدقيق في مقالات الأئمة الذين نسبوا الإمام قتادة للقدر والوقوف على ألفاظهم وما تقتضيه الأصول في الحكم على المسلمين، وبعض ما سأذكره لاحقًا من وجوه؛ يترجح له براءة الإمام قتادة -إن شاء الله- من القول بالقدر.

стр. 219

وترجيح ذلك من عدة وجوه: الأول: أن تلك النقول عن الأئمة ليست قاطعة في نسبة قتادة للقول ببدعة القدرية. فمنها ما ورد بصيغة التمريض كقول يحيى بن معين والذهبي: «رمي بالقدر» وما ورد بصيغة التمريض، ك «قيل» و «روي» و «ذكر» بالبناء لما لم يذكر فاعله (١) فهذه الصيغة موضوعة لبيان ضعف الحديث أو الشك في صحته، وقيل: «لا يستفاد منها صحة ولا تنافيها» (٢) فهي على كل حال لا تدل على صحة، وقول بعض الأئمة: (رمي بالقدر) لا تدل على الجزم بذلك فلا يبنى عليها حكم. ومنها ما ورد بصيغة: «يقول بشيء من القدر» كما في قول ابن سعد والعجلي وهذه الصيغة تدل على التقليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥] قال ابن كثير في تفسيرها: «أي: بقليل من ذلك» (٣). وقال السعدي:

стр. 220

«أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع، لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك» (١). وهذا يدل على أن الذي نسب إلى قتادة شيء يسير من القدر لا كلام القدرية الباطل، وبالتالي فنسبته للقدر على الإطلاق محل نظر، هذا مع ما يعتري هذا الإطلاق من أن يكون متوهَّمًا من كلامه على ما سيأتي إيضاحه. ومنها ما ورد بصيغة: «أنه يكتم القول بالقدر» كما في قول أحمد عن قتادة وسعيد: «يقولان بالقدر ويكتمان». وقول العجلي عن قتادة: «وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه» وهذا يدل على أن قتادة لم يصرح بالقدر ظاهًرا ولم يتكلم فيه بشيءٍ ولم يدع إليه، وغاية ما بلغ هؤلاء الأئمة أنه يخفيه وبناء الأحكام في الدنيا إنما هو على الظاهر كما تقدم تقريره، وهؤلاء الأئمة أمناء في النقل فنقلهم ما بلغهم في مقام جرح الرواة ليتحقق منه احتياطًا لصيانة العلم والحذر من أهل البدع؛ لا يدل على تبنيهم لهذا. وأما قول ابن شوذب: «ما كان قتادة يرضى حتى يصيح به صياحًا، يعني: القدر». فهذا كلام محتمل أنه يصيح به على وجه الإثبات أو على وجه النفي للقدر. والذهبي حمله على النفي وعلق بعده بما يدل على ذلك (٢)، فإن كان هذا بقرينة تدل على ذلك فنعم، وإلا فاللفظ محتمل، ويقوي المعنى الآخر ما تقدم نقله عن الأئمة أن قتادة كان يكتم ذلك، أي: «القول ببدعة القدر» فكيف يقال هنا: إنه كان يصيح به؟! فهذا مما يرجح أن هذا القول سيق في مقام الذب عن قتادة وأنه أبعد ما يكون عن القول بقول القدرية، ولا يكتفي

стр. 221

في إثبات القدر حتى يصيح به صياحًا، والله أعلم. وأما قول سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدستوائي: أن قتادة كان يقول: «كل شيء بقدر إلا المعاصي» (١)؛ فهو صريح في نسبته للقدر، لكن هل هذا نص كلامه؟ فإن كان كذلك فهو ظاهر في قوله بالقدر -عفا الله عنه-، وإن كان هذا إنما هو بما فهمه الإمامان سعيد وهشام من كلامه؛ فليس بحجة على نسبة قتادة للقول بالقدر، فكثيرًا ما يُحمل بعض كلام أهل العلم على غير ما قصدوه -كما سبق التنويه عليه سابقا-. ويقوي هذا الاحتمال أن المحفوظ المتداول من قول قتادة هو قوله: «لا والله ما أكره الله عبدًا على معصية قط ولا على ضلالة ولا رضيها له ولا أمره، ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها، ونهاكم عن معصيته»، فلعل سعيدًا وهشامًا فهما من قوله هذا ما نقلاه عنه بالمعنى، ويؤكد هذا قول شيخ الإسلام السابق في التعليق على قول قتادة المتقدم: «وهذا الذي قاله قتادة قد يُظن فيه أنه من قول القدرية، وأنه لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر» (٢). وكلام قتادة ظاهر جدًّا في أنه ينفي الإكراه على المعاصي وينفي رضى الله بها، وهذا كله حق ولوكان من قوله نفي التقدير لصرح به هنا، وهذا نص صريح في بيان قوله في المعاصي وكلامه هذا يدل على رسوخه في هذه المسألة؛ فإن هذا التفصيل الذي ذكره من أدق ما ذكر في هذا الباب، بل لعله أول من نبه عليه وهو تفريقه بين إكراه العبد على المعصية، وكونها مقدرة عليه؛ فالأول منفي والثاني ثابت، وكذلك نفيه رضى الله بها لا يتنافى مع تقديرها، ولو أن قتادة ﵀ يرى نفي تقدير المعاصي لصرح به هنا، وهذا مما يدل على أن

стр. 222

ما نسبه له الإمامان سعيد وهشام الدستوائي ليس من قول قتادة، بل بحسب ما فهماه من قوله، والله يعفو عن الجميع. الوجه الثاني: أقوال قتادة المنقولة عنه -وهي مبثوثة في كتب التفسير وكتب الاعتقاد- في إثباته القدر تدل على إثباته القدر وبراءته من البدعة القدرية. ومن ذلك: روى اللالكائي عن الحكم بن عمر، قال: «أرسلني خالد بن عبد الله إلى قتادة وهو بالجيزة أسأله عن مسائل، فكان فيما سألت، قلت: أخبرني عن قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]، هم مشركو العرب؟ قال: لا، ولكنهم الزنادقة المباينة الذين جعلوا لله شركاء في خلقه، فقالوا: إن الله يخلق الخير، وإن الشيطان يخلق الشر، وليس لله على الشيطان قدرة» (١). وفي مسائل حرب الكرماني: عن جويرية بن أسماء قال: «سأل رجل قتادة عن القدر؟ فقال: رأي العرب أحب إليك أم رأي العجم؟ فقال الرجل: لا بل رأي العرب، قال قتادة: فإن العرب لم تزل في جاهليتها وإسلامها تثبت القدر، ثم تمثل ببيت من الشعر: مَا كَانَ قَطْعِي هَوْلَ كُلِّ تَنُوفَةٍ (٢) … إِلَّا كِتَابٌ قَدْ خَلَا مَسْطُورُ» (٣)

стр. 223

وعن معمر عن قتادة: في قوله تعالى ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] قال: النعم والمصائب» (١). وعن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ [القمر: ٣] قال: «معناه: أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر.» (٢). وعنه ﵀: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] قال: «فسقوا فأضلَّهم الله على فِسقهم» (٣). وهذه النقول صريحة في إثبات القدر من قول قتادة ﵀ وهي التي ينبغي أن يحمل عليها اعتقاده. الوجه الثالث: أن مما يدل على أن الأئمة إنما نقلوا ما نقلوا عن قتادة في هذا الباب بحسب ما بلغهم، وأنهم لا يقطعون بصحة نسبة ذلك لقتادة -على ما تقدم بيانه من صيغ كلامهم السابق- أنهم مجمعون على عدالته والأخذ عنه ولو كانوا يرون ابتداعه ما وثقوه ووصفوه بالأمانة والإمامة بل وصفوه بالقدوة، وأين قتادة عندهم من غيلان وجعد وجهم؟! ومما جاء في ثنائهم عليه: قول ابن سعد: «قتادة بن دعامة السدوسي .. وكان ثقة مأمونا، حجة في الحديث» (٤). قال الذهبي: «قال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء،

стр. 224

ثم وصفه أحمد بالفقه والحفظ، وأطنب في ذكره وقال: قلما تجد من يتقدمه» (١). وقال الذهبي: «قتادة حافظ ثقة» (٢). وقال الذهبي: «حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين» (٣). وقال: «وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع، فإنه مدلس معروف بذلك، وكان يرى القدر -نسأل الله العفو-. ومع هذا، فما توقف أحد في صدقه، وعدالته، وحفظه» (٤). وقال ابن كثير: «أحد علماء التابعين، والأئمة العاملين» (٥). وقال ابن عبد الهادي: «وقد أجمع الأئمة على الاحتجاج به رحمة الله عليه» (٦). وقد أخذ العلم وروى عنه أئمة أعلام. قال الذهبي: «روى عنه أئمة الإسلام: أيوب السختياني، وابن أبي عروبة، ومعمر بن راشد، والأوزاعي، ومسعر بن كدام، وعمرو بن الحارث المصري، وشعبة بن الحجاج، وجرير بن حازم، وشيبان النحوي، وهمام بن يحيى، وحماد ابن سلمة، وأبان العطار، وسعيد بن بشير، وسلام بن أبي مطيع، وشهاب بن خراش، وحسام بن مصك، وخليد بن دعلج، وسعيد بن زربي، والصعق بن

стр. 225

حزن، وعفير بن معدان، وموسى بن خلف العمي، ويزيد بن إبراهيم التستري، وأبو عوانة الوضاح، وأمم سواهم» (١). والشاهد من هذا: أن الله بحكمته كتب الظهور والتمكين لهذا الدين ولأهله القائمين على ما هو معلوم من الأدلة. وقد جعل الله لهذا الإمام هذه المكانة عند السلف حتى أجمعوا على إمامته والأخذ عنه، ثم جعل الله القبول في قلوب أهل العلم من بعد السلف عبر الأجيال ونشر علم قتادة في كتب التفسير وأصبحت أقوال قتادة وغيره من أئمة السلف حجة لأهل العلم في فهم كلام ربهم وسنة نبيهم، وما أشكل عليهم من أمر دينهم، فلولا أن هذا الإمام على السنة ما جعل الله له هذه المكانة الرفيعة في الدين وعند أهل العلم قديما وحديثا، وهذا المقام تتجلى فيه السنن الشرعية والكونية لمن كان له علم وتدبر لذلك؛ فيأبى الله والمؤمنون أن تكون هذه المكانة لغير صاحب سنة، ولهذا أراد النبي ﷺ في بداية الأمر أن يعهد لأبي بكر ويوصي له بالخلافة ثم ترك ذلك اعتمادًا على هذا الأصل العظيم، على ما أخرج البخاري من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون» (٢). وفي رواية مسلم: «ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣). وليعتبر في مقابل هذا بحال أهل البدع، وما كانوا يظهرون من العلم والفصاحة

стр. 226

في الكلام، والورع في الدين، والزهد في الدنيا، على ما هو مدون في كتب التراجم والسير من أمثال: ابن سبأ، والجهم، والجعد، وواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وغيلان الدمشقي، فأين هؤلاء من هؤلاء الأئمة، وما هو أثر هؤلاء المبتدعة في العلم وفي نفع الناس في الدين، وهل تجد لهؤلاء المبتدعة أثارة من علم في تفسير آية، أو شرح حديث، أو تحرير مسألة، وهذا الأمر قل من يتنبه له من طلبة العلم المتأخرين، ولو تنبهوا له لأدركوا هذه الحقيقة بعين البصيرة ولم يشتبه عليهم حال أهل البدع بحال أئمة الدين والهدى الذين وقعت منهم زلات وهنات، ذكرت في كتب التراجم وتناقلها الناس قديمًا، ثم غمرتها بحور الحسنات في الجهاد في العلم والتحقيق، وكفرتها صالح الطاعات وطول القنوت في العمل، ونشر الله لهم من جميل الذكر وعظيم الفضل ما سارت به الركبان، وكفر عنهم تلك الزلات والهنات ما أصبحت به في طي النسيان، فلم يبق لها في الناس ذكر ولا أثر، إلا لمن نقب عنها في بطون الكتب، ولو تجرأ على إظهارها جاهل مفتون ومتعالم مغرور، ليطعن بها على ذلك الإمام المشهور لكان كالمنادي على نفسه بين الناس بالفضيحة والخذلان ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].

стр. 227

رابعًا: ابن أبي ذئب: وهو الإمام محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، المدني، أحد الأئمة الأعلام، قر ين الإمام مالك، ولد سنة ٨٠ هـ، وتوفي سنة ١٥٩ هـ. وهو من أتباع التابعين (١). واختلف في نسبته للقدر على قولين: القول الأول: أنه يقول بالقدر. ومما جاء في ذلك: قول ابن سعد في ترجمته: «فقيهًا ورعًا عابدًا فاضلًا، وكان يُرمى بالقدر» (٢). وقال الشافعي: «سمعت مالك بن أنس يقول: لو برئ ابن أبي ذئب من القدر ما كان على ظهر الأرض أحد خيرًا منه» (٣). القول الثاني: أنه لم يقل بالقدر. فقد برأه منه وشهد له بذلك الأئمة الكبار. روى صالح ابن الإمام أحمد قال: «وذكر ابن أبي ذئب. قلت: كان يرمى بالقدر. قال: ما علمت، كان رجلًا صالحا صاحب أمر بالمعروف، وكان أكثر من مالك» (٤). قال الواقدي: «وكان من أورع الناس وأودعهم ورمي بالقدر، وما كان قدريا، لقد كان يتقي قولهم ويعيبه ولكنه كان رجلًا كريمًا، يجلس إليه كل

стр. 228

أحد ويغشاه، فلا يطرده ولا يقول له شيئًا، وإن مرض عاده، فكانوا يتهمونه بالقدر لهذا وشبهه» (١). قال الذهبي معلقًا: «قلت: كان حقه أن يكفهِرَّ في وجوههم، ولعله كان حسن الظن بالناس» (٢). وعن أحمد بن علي الأبار قال: «سألت مصعب الزبيري عن ابن أبي ذئب، وقلت له: حدثونا عن أبي عاصم أنه قال: كان ابن أبي ذئب قدريا؟ قال: معاذ الله إنما كان زمن المهدي أخذوا القدرية وضربوهم ونفوهم، فجاء قوم من أهل القدر فجلسوا إليه واعتصموا به من الضرب، فقال قوم: إنما جلسوا إليه؛ لأنه كان يرى القدر، فقد حدثني من أثق به أنه ما تكلم فيه قط» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا اتهم بمذهب القدر غير واحد ولم يكونوا قدرية، بل كانوا لا يقبلون الاحتجاج على المعاصي بالقدر، كما قيل للإمام أحمد: كان ابن أبي ذئب قدريًّا، فقال: الناس كل من شدد عليهم المعاصي، قالوا هذا قدري» (٤). وبهذا يتبين براءة ابن أبي ذئب من القول ببدعة القدر وإنما نُسب للقدر لسببين ذكرهما العلماء وهما: الأول: أنه كان رجلا كريمًا، يجلس إليه كل أحد ويغشاه، فلا يطرده، ولا

стр. 229

يقول له شيئًا، وإن مرض، عاده، فكانوا يتهمونه بالقدر لهذا كما ذكره الواقدي وعلق على ذلك الذهبي بقوله: «كان حقه أن يَكفهِرَّ في وجوههم، ولعله كان حسن الظن بالناس». الثاني: أنه قدم إليه بعض القدرية بعد ضربهم ونفيهم زمن الخليفة المهدي واعتصموا به من العقوبة وجلسوا إليه، فنسب إليهم على ما تقدم من قول عن الزبيري. وبهذا يظهر براءة الأئمة الأربعة من القول بالقدر، وأن نسبتهم للقول بالقدر ترجع لعدة أسباب: منها: ما هو عام في نسبة عدد كبير من الأئمة للقول بالقدر، وهو ما ذكره الإمام أحمد في قوله: «الناس كل من شدد عليهم المعاصي؛ قالوا هذا قدري» (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا اتهم بمذهب القدر غير واحد ولم يكونوا قدرية، بل كانوا لا يقبلون الاحتجاج على المعاصي بالقدر» (٢). ومنها أسباب خاصة على ما سبق بيانه وتفصيله. ولعل الله أن ييسر لهذا الأمر من الباحثين من يتولى دراسة ما نسب للعلماء من مقالات أهل البدع، كرمي بعضهم (بالقدر) أو (التشيع) أو (الإرجاء)، وكشف حقيقة تلك التهمة من منطلق شرعي يتسم بالتجرد ويتوخى العدل، ويهدف لمعرفة حقيقة تلك النسبة من عدمها؛ إحقاقا للحق ونصحًا للخلق وحفظا للشريعة وصيانة للسنة وذبا عن أعراض من برئ من تلك البدع من الأئمة.

стр. 230

الخاتمة في ختام هذا البحث؛ أحمد الله تعالى على نعمه الجزيلة وآلائه العظيمة، التي من جملتها ما مَنَّ به مِنْ ختام هذا البحث في باب القدر، حيث اشتمل على مباحثَ جليلةٍ، ومسائلَ مفيدةٍ في هذا الباب العظيم، والأصل الأصيل من أصول الدين. ويمكن إبراز أهمِّ النتائج التي توصَّل إليها البحث في النقاط التالية: ١) القضاء والقدر بينهما تلازمٌ، ويدخل أحدهما في معنَى الآخر في بعض مواطن ورودهما في النصوص وكلام العلماء، وهما كلمتان إِنِ اجْتَمَعَتَا في الذكر افْتَرَقَتَا في المعنَى، وإِنِ افْتَرَقَتَا في الذكر اجتمعتا في المعنَى. ٢) القدر سابقٌ للقضاء على الصحيح من أقوال العلماء، وهو الذي عليه المحقِّقون من أهل العلم. ٣) الإيمان بالقدر ركنٌ عظيمٌ من أركان الإيمان، لا يصحُّ إيمان العبد إلا بتحقيقه، وهو نظام التوحيد؛ فَمَنْ حقَّقه كَمل توحيده، ومَنْ كذَّب به نقض توحيده. ٤) تضافرت الأدلَّة من الكتاب والسنَّة على إثبات القدر، وعلى ذلك انعقد إجماع الصحابة وأهل الحلِّ والعقد من السلف والخلف. ٥) أصل الخلاف في القدر يرجع إلى مقالتين مخالفتين للكتاب والسنَّة وما عليه سلف الأمَّة، وهما: أ- مقالة القدريَّة: وهي القول بقدرة العبد على فعله قدرة تامة، وإنكار مراتب القدر كلها كما هو قول أوائلهم وغلاتهم، أوإنكار المشيئة والخلق كما هو قول متأخريهم.

стр. 231

وأوَّل ظهور مقالة القدرية في أواخر عصر الصحابة ﵃، في خلافة عبد الملك بن مروان، وأوَّل مَنْ تكلَّم في القدر: رجلٌ من أهل العراق يُقال له: سنسويه، وكان نصرانيًّا فأسلم، ثم تنصَّر، فأخذ عنه معبد الجهنيُّ، وأخذ غيلان عن معبدٍ. ب- مقالة الجبريَّة: وهي القول بجبر العبد على فعله، ودعوى أن الفاعل الحقيقيَّ هو الله، وإنما يُضاف الفعل للعبد مجازًا. وأوَّل مَنْ أظهر القول بالجبر: الجهم بن صفوان، وقد أخذ جهمٌ من الجعد بن درهمٍ، وأخذه الجعد من أبان بن سمعان، وأخذه أبان من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهوديِّ الذي سحر النبيَّ ﷺ . ٦) أهل السنَّة متَّفقون على الإيمان بالقدر، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها، ومتَّفقون على إثبات أمره ونهيه ووعده ووعيده، وأنه لا حجَّة لأحدٍ في ترك مأمورٍ ولا فعل محظورٍ، وهم متَّفقون على أن الله حكيمٌ، وأنه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين. ٧) استفاضت الآثار عن السلف بتقرير القدر وأهمَّيَّة الإيمان به، والتشديد على المخالفين فيه. ٨) أهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرقٍ: (أ) مجوسيَّةٌ: وهم الذين كذَّبوا بقدر الله، وآمنوا بأمره ونهيه. (ب) مشركيَّةٌ: وهم الذين أقرُّوا بالقدر، وأنكروا الأمر والنهي. (ج) إبليسيَّةٌ: وهم الذين أقرُّوا بالأمرين، لكنهم جعلوا هذا متعارضًا متناقضًا، وطعنوا في حكمة الربِّ وعدله.

стр. 232

٩) للإيمان بالقدر أربع مراتب، لا يصحُّ الإيمان بالقدر إلا بتحقيقها، وهي: (أ) العلم. (ب) الكتابة. (ج) المشيئة. (د) الخلق. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة من الكتاب والسنَّة. ١٠) أفعال العباد تنقسم إلى قسمين: اضطراريَّةٍ؛ كحركة المرتعش، والعروق النابضة. واختياريَّةٍ؛ مثل: أعمال البرِّ والمعاصي. ١١) اختلف الناس في الأفعال الاختياريَّة على أربعة أقوالٍ: القول الأول: قول أهل السنَّة -وهو الحقُّ-. قالوا: إن العباد فاعلون حقيقةً، والله خالق أفعالهم، والعبد هو المؤمن والكافر، والبرُّ والفاجر، والمصلِّي والصائم، وللعباد قدرةٌ على أعمالهم، ولهم فيها إرادةٌ، والله خالقهم وخالق قدرتهم وإرادتهم. القول الثاني: قول القدريَّة، وبه قالت المعتزلة. قالوا: إن العبد قادرٌ على فعل نفسه، وله فيه المشيئة الكاملة والقدرة التامَّة، والعباد خالقون لأفعالهم، وليست مخلوقةً لله. القول الثالث: قول الجبريَّة، وبه قالت الجهميَّة. قالوا: إن العبد لا قدرة له على عمله، ولا إرادة ولا اختيار له فيه، والعباد مجبورون على أفعالهم، وأفعالهم إنما تُنسَب إليهم على سبيل المجاز. القول الرابع: قول الأشاعرة ومَن وافقهم. قالوا: إن أفعال العباد مخلوقةٌ لله ﷻ ، وهي مع كونها خلق الله فهي كسبٌ للعبد، وله عليها قدرةٌ غير مؤثِّرةٍ.

стр. 233

١٢) يعتقد أهل السنة أن الهداية والإضلال من الله تعالى، يهدي مَنْ يشاء برحمته، ويضلُّ مَنْ يشاء بعدله. وأنه مَنْ يهده فلا مُضلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأن الهدى والإضلال فعله سبحانه وقدره، والاهتداء والضلال فعل العبد وكسبه. ١٣) للهداية أربع مراتب دلت عليها الأدلة: المرتبة الأولى: الهداية العامَّة، وهي هداية كلِّ نفسٍ إلى مصالح معاشها وما يقيمها. وهذه المرتبة أعمُّ المراتب. المرتبة الثانية: هداية الإرشاد والبيان للمكلَّفين. وهذه المرتبة أخصُّ من المرتبة السابقة، وقد أثبت الله هذه الهداية لرسوله ﷺ في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]. المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام. وهذه المرتبة أخصُّ من المرتبة السابقة، وهي التي نفاها الله عن رسوله ﷺ في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦]. المرتبة الرابعة: الهداية إلى الجنَّة والنار يوم القيامة، هداية المؤمنين إلى الجنَّة، وهداية الكافرين إلى النار. ١٤) المخالفون لأهل السنَّة في مسألة الهداية والإضلال طائفتان: الطائفة الأولى: (القدريَّة). أثبتوا هداية الإرشاد فقط، وأنكروا هداية التوفيق، والإضلال. وقالوا: إن العبد يهتدي بنفسه، ويَضِلُّ بنفسه، والله لا يهدي أحدًا ولا يُضِلُّ أحدًا. وتأوَّلوا الهداية المضافة لله في النصوص بهداية الإرشاد، أو تسميته المهتدي مهتديًا، وتأوَّلوا الإضلال بتسميته الضالَّ ضالًّا.

стр. 234

الطائفة الثانية: (الجبريَّة). قالوا: إن الله أكره العباد وأجبرهم على أعمالهم، فليس لهم فعلٌ، ولا إرادةٌ، ولا اختيارٌ، ولا كسبٌ ألبتَّة، وحال بينهم وبين الهدى ابتداءً من غير ذنبٍ ولا سببٍ من العبد يقتضي ذلك، فلم يُيَسِّر إليه سبيلًا ولا أعطاه عليه قدرةً. ١٥) يعتقد أهل السنَّة أن الإرادة التي يتَّصف بها الله ﵎ تنقسم إلى قسمَين: (١) إرادةٌ كونيَّةٌ قدريَّةٌ، وهي المشيئة الشاملة لجميع الحوادث، والمتعلِّقة بما قدَّره الله وقضاه، وهي مستلزمةٌ للوقوع. (٢) إرادةٌ دينيَّةٌ شرعيَّةٌ، وهي متعلِّقةٌ بالأمر الذي أراد الله من عباده فعله شرعًا، وهي غير مستلزمةٍ للوقوع إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة. وقد دلَّت الأدلَّة على هاتين الإرادتين، وإثباتهما جميعًا هو عقيدة أهل السنَّة. ١٦) قد تجتمع هاتان الإرادتان وقد تفترقان، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، ولذلك أربع صورٍ: الصورة الأولى: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ كإيمان أبي بكرٍ وسائر المؤمنين، وحصول الطاعات منهم. الصورة الثانية: ما تعلَّقت به الإرادة الدِّينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفَّارُ والفجَّارُ؛ كإيمان أبي جهلٍ وسائر الكافرين، وما أراده الله من طاعتهم. الصورة الثالثة: ما تعلَّقت به الإرادة الكونيَّة فقط، وهو ما قدَّره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي الواقعة في الناس، ولولا إرادته لها كونًا لما وقعت.

стр. 235

الصورة الرابعة: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي؛ فإن الله لم يأمر بها ولم يردها شرعًا، كما أنه لم يردها كونًا؛ فلم تقع، ومثالها: كفر المؤمن والمعاصي التي عصمه الله منها فلم تقع منه. ١٧) بين الإرادتين فروقٌ تُميِّز إحداهما عن الأخرى، منها: ١) ما أراده الله كونا لا بدَّ من وقوعه، وما أراده شرعًا لا يلزم وقوعه؛ فقد يقع وقد لا يقع، إلا أن تتعلَّق به الإرادة الكونيَّة. ٢) ما أراده الله كونا قد يحبُّه الله ويرضاه، وقد لا يحبُّه ولا يرضاه، فالله أراد المعصية كونًا ولا يرضاها شرعًا، وما أراده الله شرعا لا بدَّ أن يحبَّه ويرضاه. ٣) الإرادة الكونيَّة لا تستلزم الأمر إلا إذا اجتمعت مع الإرادة الشرعيَّة، والإرادة الشرعيَّة تستلزم الأمر؛ فكلُّ ما أراده الله شرعًا أمر به. ٤) الإرادة الكونيَّة قد تكون مقصودةً لغيرها، كإرادة خلق إبليس وسائر الشرور؛ لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار، وغير ذلك من المحابِّ، والإرادة الشرعيَّة مقصودةٌ لذاتها؛ فالله أراد الطاعة لنفسها ورضيها وأحبَّها. ١٨) خالف في تقسيم الإرادتين طائفتان: الطائفة الأولى: القدريَّة. أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن كفر الكافر ومعصية العاصي لا تدخل تحت إرادة الله ولا تقديره. الطائفة الثانية: الجبريَّة. أثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية، وقالوا: إن الكفر والمعاصي مرادة لله تعالى ومحبوبة له، وقد جبرهم عليها لا خيار لهم في تركها.

стр. 236

١٩) اختلف المسلمون في مفهوم الحكمة والتعليل في أفعال الله بعد اتِّفاقهم على أن الله موصوفٌ بالحكمة. ومجمل أقوال الناس في ذلك ترجع إلى ثلاثة أقوالٍ: القول الأوَّل: (قول أهل السنَّة وجمهور المسلمين). يقولون: إن الله تعالى يخلق لحكمةٍ، ويأمر لحكمةٍ، والحكمة صفة له قائمة به وهو حكيمٌ في خلقه، وأمره، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنىً ومصلحةٍ وحكمةٍ، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ لأجلها فَعَلَ، كما هي ناشئةٌ عن أسبابٍ بها فَعَلَ. القول الثاني: (قول الأشعريِّ وبعض الفقهاء وكثيرٍ من الظاهريَّة كابن حزمٍ وأمثاله). قالوا: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد، وإيقاعها على الوجه الذي أراده. وإن أطلقوا لفظها فلا يعنون به معناها، بل يطلقونها لأجل مجيئها في القرآن، ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. القول الثالث: (قول المعتزلة وأتباعهم من الشيعة). قالوا: إنه يخلق ويأمر لحكمةٍ مخلوقةٍ منفصلةٍ عنه، من غير أن يعود إليه من ذلك حكمٌ ولا قام به فعلٌ ولا نعتٌ. وهذه الحكمة تعود إلى العباد، وهي نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك. ٢٠) اختلف الناس في مسألة الصلاح والأصلح على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنة). يقولون: إن الخلق لا يوجبون على الله شيئًا، لا فعل الصلاح ولا الأصلح، فالخلق خلقه والأمر أمره، لا يُسأل عما يفعل، ولا معقِّب لحكمه. ويقولون مع ذلك: إن الله له الحكمة البالغة فيما يخلق ويقدِّر، وفيما يأمر ويشرِّع. ويقولون: إن الله أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم.

стр. 237

القول الثاني: (قول المعتزلة ومَن وافقهم من الشيعة). اتَّفقوا على أنه يجب على الله فعل الصلاح والخير لكلِّ عبدٍ معيَّنٍ في دينه، وسمَّوه عدلًا. قالوا: وتركه سفهٌ يجب تنزيه الله عنه. واختلفوا في مسألتين متفرِّعتين عن هذه المسألة -على قولين-: المسألة الأولى: هل يجب على الله فعل الصلاح لعباده في الدين والدنيا، أم في الدين فقط؟ المسألة الثانية: هل يجب على الله فعل الأصلح؟ القول الثالث: (قول الجهميَّة والأشاعرة). قالوا: لا يجب على الله فعل الصلاح ولا الأصلح، وأن ذلك ليس بواجبٍ عليه، وليس بلازمٍ وقوعه منه. بل قالوا: إنه لا يفعل لمصلحةٍ ولا لجلب منفعةٍ لعباده أو دفع مضرَّةٍ. ولا يثبتون له حكمةً ولا رحمةً في أفعاله، بل عندهم يفعل بمشيئةٍ محضةٍ. ٢١) اختلف الناس في مسألة التكليف بما لا يُطاق على أربعة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنة). منعوا من إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق، واجمعوا على إنكار ذلك وذم من يطلقه. وقالوا: إن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام. فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير. وأما الاستطاعة والطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فهذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين. وجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار.

стр. 238

القول الثاني: (قول الجهميَّة). قالوا بجواز التكليف بما لا يُطاق مطلقًا، ومنه تكليف الأعمى البصر، والزَمِن أن يسير إلى مكَّة. القول الثالث: (قول المعتزلة). قالوا بعدم جواز التكليف بما لا يُطاق؛ لأنه قبيحٌ، والله تعالى منزَّهٌ عن فعل القبيح. القول الرابع: (قول الأشاعرة). قالوا: إن التكليف بما لا يُطاق جائزٌ. وهذا بناءً على قولهم: إن العبد لا يكون قادرًا إلا حين الفعل، وإن القدرة لا تكون إلا مع الفعل. فعلى هذا؛ كلُّ مكلَّفٍ حين التكليف قد كُلِّف بما لا يطيقه حينئذٍ، وإن كان قد يطيقه حين الفعل بقدرةٍ يخلقها الله له وقت الفعل. ٢٢) اختلف الناس في حقيقة الشرِّ المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: إن الشرَّ على نوعين: النوع الأوَّل: (الشرُّ المطلق أو الكلِّيُّ)، وهو الشرُّ المحض الذي لا خير فيه بوجهٍ من الوجوه. فهذا لا يدخل في الوجود، بل هو معدومٌ لا يخلقه الله. فهذا ليس إليه، ولا يُضاف إليه تعالى. النوع الثاني: (الشرُّ النسبيُّ أو الجزئيُّ)، وهو الشرُّ الإضافيُّ الذي هو خيرٌ باعتبارٍ، وشرٌّ باعتبارٍ آخر. فالله تعالى يخلق هذا النوع باعتبار الخير الراجح الذي فيه، لا باعتبار الشرِّ المرجوح الذي فيه. القول الثاني: (قول القدرية). قالوا: لا يجوز أن يُقال: إن الله سبحانه مريدٌ للشرِّ أو فاعلٌ له، والشرُّ ليس بفعلٍ له، فلا يكون مفعولًا له، فيستحيل أن يريد الشرَّ، فالشرُّ ليس بإرادته ولا بفعله. القول الثالث: (قول الجبريَّة). قالوا: الربُّ سبحانه يريد الشرَّ ويفعله؛ لأن الشرَّ موجودٌ، فلا بدَّ له من خالقٍ، ولا خالق إلا الله، والشرُّ مخلوقٌ له ومفعولٌ.

стр. 239

٢٣) اختلف المسلمون في حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله تعالى: وضع الأشياء في غير مواضعها. فهو متنزِّهٌ عنه، مع اتِّصافه بكمال ضدِّه، وهو العدل الذي هو وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها. وهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، فيعدل تفضُّلًا، ولا يظلم تنزُّهًا، وهو مستحقٌّ للحمد والثناء على تفضُّله وتنزُّهه. القول الثاني: (قول الجبريَّة من الجهميَّة والأشاعرة ومَن وافقهم من الظاهريَّة). قالوا: الظلم هو التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وكلاهما منتفٍ في حقِّ الله تعالى. وقالوا: إن الظلم ممتنعٌ عليه، وهو مستحيلٌ في حقِّه سبحانه، كالجمع بين النقيضين، وليس هو داخلًا في اختياره ومشيئته. القول الثالث: (قول المعتزلة). عرَّفوا الظلم بأنه: إضرار غير مستحقٍّ. وقالوا: الظلم الذي يتنزَّه الله عنه هو الظلم الذي يكون من الآدميِّين بعضهم لبعضٍ. فشبَّهوا أفعاله بأفعال العباد، ثم زعموا أن خلقه لأفعال العباد وإرادته لأعمالهم وتعذيبه للعاصي ظلمٌ منه يتنزَّه عنه، وسمَّوا أنفسهم العدليَّة. ٢٤) اختلف الناس في مسألة الرضى بالقدر على ثلاثة أقوالٍ: القول الأوَّل: (قول أهل السنَّة). قالوا: الرضى بالقضاء فيه تفصيلٌ باعتبار متعلَّقه؛ فإن القضاء إما أن يتعلَّق (بالطاعات والمعاصي)، أو (بالمسرَّات والمصائب). وحكم الرضى به على وجهين: الوجه الأوَّل: ما يُرضى به من القضاء. وهو على قسمين:

стр. 240

القسم الأوَّل: ما يُقدَّر للعبد من الطاعات. فهذا يجب الرضى به. القسم الثاني: ما يُقدَّر على العبد من النعم والمسرَّات، أو النقم والمصائب مما لا يدخل في اختياره. فهذا يُشرَع الرضى به. الوجه الثاني: ما يُقدَّر على العبد من الكفر والبدع والمعاصي. فهذا النوع فيه تفصيلٌ؛ فإن ما يقدِّره الله منها له وجهان: الأوَّل: من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ فهي مكروهةٌ مسخوطةٌ، فلا يُشرَع الرضى بها، بل يُشرَع بغضها وسخطها. الثاني: من جهة كونها مخلوقةً للربِّ؛ فهي محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها وقدَّرها لحكمةٍ، فيُشرَع الرضى بقضائه وقدره. القول الثاني: (قول الجهميَّة وغلاة الجبريَّة). قالوا: الرضى بالقضاء قربةٌ وطاعةٌ، فنحن نرضى به ولا نسخطه. فنرضى بكلِّ ما قدَّره الله من المسرَّات والخيرات، وكلِّ ما جرت به المقادير من إيمانٍ وكفرٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ وخيرٍ وشرٍّ. القول الثاني: (قول المعتزلة القدرية). قالوا: الرضى بالقضاء مأمورٌ به، فنحن نرضى به. ولكن الكفر والذنوب ليست مقضيَّةً ولا مقدَّرةً من الله، وليست محبوبةً ولا مرضيَّةً له، فلا نرضى بها ولا نحبُّها، بل نسخطها ونبغضها. ٢٥) تنازع الناس في استطاعة العبد على أربعة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: إن الاستطاعة نوعان: الأولى: (استطاعةٌ متقدِّمةٌ على الفعل)، ومرجعها إلى الصحَّة وسلامة الجوارح. وهي المصحِّحة للفعل المجوِّزة له، وهي صالحةٌ للضدَّين الفعل والترك.

стр. 241

الثانية: (استطاعةٌ مقارنةٌ للفعل)، ومرجعها إلى التوفيق وإعانة الله للعبد على الفعل. وهي الموجِبة للفعل المحقِّقة له، وهي لا تصلح لغيره. القول الثاني: (قول الجهميَّة وطائفةٍ من الأزارقة). قالوا: إنه ليس للعبد استطاعةٌ، لا قبل الفعل ولا معه. القول الثالث: (قول المعتزلة والشيعة، وهو الغالب على نفاة القدر). قالوا: للعبد استطاعةٌ تكون قبل الفعل، ولا تكون معه البتَّة. وهي صالحةٌ للضدَّين. ويستطيع بها العبد أن يفعل الخير والشرَّ، والطاعة والمعصية. القول الرابع: (قول الأشاعرة وهو الغالب على مثبتة القدر). قالوا: للعبد استطاعةٌ مع الفعل، لا تكون قبله. وهي لا تصلح للضدَّين. وإنما تصلح لفعلٍ واحدٍ؛ إذ هي مقارنةٌ له لا تنفكَّ عنه ٢٦) أن الإيمان بالقدر لا يسوِّغ الاتِّكال وترك العمل. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة، وأجمع عليه سلف الأمَّة. وقد خالف أهل البدع في هذه المسألة على قولين: القول الأوَّل: (قول الجبريَّة ومَن وافقهم). آمنوا بالقدر، وظنُّوا أن ذلك كافٍ في حصول المقصود، فأعرضوا عن الأسباب الشرعيَّة والأعمال الصالحة بناءً على قولهم في إنكار الأسباب بالكلِّيَّة. القول الثاني: (قول القدريَّة). آمنوا بالشرع وعظموا الأمر والنهي وبالغوا في قدرة العبد متكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وقصروا في التوكل على الله والاستعانة به في تحقيق مطالب الدين والدنيا. ٢٧) لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، بل الحجَّة قائمةٌ على العباد بما جعل الله لهم من الإرادة والاختيار في أعمالهم من خيرٍ وشرٍّ. وقد دلَّت على ذلك الأدلَّة، وصرَّح به الأئمَّة في تقرير معتقد أهل السنَّة.

стр. 242

والاحتجاج بالقدر إنما يكون على المصائب لا على المعايب، كما دلَّت على ذلك النصوص الصحيحة. وعلى هذا تُحمَل محاجَّة آدم وموسى؛ فهذه المحاجَّة بين آدم وموسى كانت على المصيبة التي لحقت الذرِّيَّة بإخراج آدم من الجنَّة، ولم تكن على ذنب آدم وخطيئته. ٢٨) دلَّت الأدلة على النهي عن الخوض في القدر، وأن ذلك من جملة الإيمان بالقدر. ولا بدَّ من معرفة الحدِّ الفاصل بين الكلام في القدر بحقٍّ -الذي هو داخل في العلم المرغب في طلبه وتحصيله-، وبين الخوض في القدر بالباطل -الواجب اجتنابه والتحذير منه-. وحدُّ ذلك يكون بمراعاة الفوارق بين الكلام في القدر بعلمٍ، وبين الخوض المحرَّم من عدَّة اعتباراتٍ: باعتبار النيَّة والقصد من الكلام، وباعتبار المتكلِّم، وباعتبار المتكلَّم فيه، وباعتبار طريقة الكلام. ٢٩) اختلف الناس في مسألة الأسباب والمسبَّبات على أربعة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة). يثبتون الأسباب، ويقولون: إن قدرة العبد مع فعله لها تأثيرٌ كتأثير سائر الأسباب في مسبَّباتها، وليس لها تأثير الخلق والإبداع، والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات. والأسباب ليست مستقلَّةً بالمسبَّبات؛ بل لا بدَّ لها من أسبابٍ تصحِّحها وأخرى تمانعها، والمُسَبَّبُ لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه ويدفع عنه جميع أضداده المعارضة له، والله هو المتفرِّد بخلقها وإيجادها أو إعدامها.

стр. 243

القول الثاني: (قول الجهميَّة والأشاعرة وطائفةٍ من الفقهاء والصوفيَّة). أنكروا الأسباب، وزعموا أنه ليس للأسباب تأثيرٌ على المسبَّبات. وبالغوا في ذلك حتى أنكروا الأسباب المحسوسة، فقالوا: ليس للنار أثرٌ في الإحراق، ولا للخبز أثرٌ في الإشباع. وقالوا: إن الله يفعل عندها لا بها. القول الثالث: (قول الفلاسفة). غلوا في عامة الأسباب والقوى والطبائع وجعلوها مؤثرة بنفسها وقد اتخذوها أربابا وآلهة يتوجهون إليها بالدعاء والطلب وقضاء الحاجات. القول الرابع: (قول المعتزلة). غلوا في الأسباب من أفعال الحيوان، وقالوا: إن كل ما تولد عن فعل العبد فهو فعله لا يضاف إلى غيره، كالشبع والري وزهوق الروح ونحو ذلك، وقالوا: إن العبد بفعله للسبب مستقلٌّ بإيجاده وإحداثه، ولذا أنكروا خلق الله لأفعال العباد، ولم يقولوا بذلك في سائر القوى والطبائع، بل يقرون بخلق الله لها وإيجادها خلافًا للفلاسفة. ٣٠) اختلف الناس في مسألة التحسين والتقبيح -باعتبار المدح والذم والثواب والعقاب- على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول (قول أهل السنة). قالوا بالتفصيل، فقالوا: إن العقل يُدرِك الحسن والقبح في بعض الأمور دون بعضٍ، وأن التحسين والتقبيح في الأفعال عقليَّان وشرعيَّان؛ فمن الأفعال ما هي متَّصفةٌ بصفات الحسن والقبح وتقتضي الحمد والذمَّ قبل ورود الشرع، كإدراك العقول لحسن العدل ومدح فاعله، وإدراكها لقبح الظلم وذمِّ فاعله. ومنها ما لا يُدرَك حسنه وقبحه إلا بورود الشرع، كحسن قسمة الميراث بحسب ورود الشرع، وقبح الجمع بين خمس زوجاتٍ دون أربعٍ.

стр. 244

وأما الثواب والعقاب؛ فهما شرعيَّان يتوقَّفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يجبان بالعقل. والله ﵎ لا يعاقب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة. القول الثاني: (قول المعتزلة). غلوا في التحسين والتقبيح العقليَّين، فزعموا أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن الحسن والقبح صفتان ذاتيَّتان للفعل، وأن الأمر لا يكون إلا بحسنٍ، والنهي لا يكون إلا عن سيِّئٍ، وأن الشرع إنما هو كاشفٌ عن حسن الفعل الثابت في نفسه لا مثبِت لحسن الفعل. وقالوا: إن العقل يدرك الثواب المترتِّب على حسن الأفعال والعقاب المترتِّب على سيِّئها في الآخرة. وأن الله يعاقب العباد على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولًا. القول الثالث: (قول الأشاعرة ومَن وافقهم كابن حزمٍ). قالوا: لا قبح ولا حسن ولا شرَّ ولا خير يُدرَك بالعقل فيما خوطب به الناس من الشرع، والشارع إذا أمر بشيءٍ صار حسنًا، وإذا نهى عن شيءٍ صار قبيحًا؛ فالقبيح ما قيل فيه: «لا تفعل»؛ والحسن ما قيل فيه: «افعل»، أو ما أُذِن في فعله. وقد اكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. وقالوا: إن الأمر والنهي والثواب والعقاب كلَّها شرعيَّةٌ، وهي لا ترجع لحكمةٍ، بل لمحض الإرادة. ٣١) الصواب في جواب مَنْ سأل: هل الإنسان مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ؟ يكون بالعدول عن الألفاظ المجملة إلى الألفاظ الشرعيَّة؛ فيُجاب بأن للعبد مشيئةً وإرادةً على أفعاله، ولكن مشيئته ليست نافذةً إلا بمشيئة الله تعالى. ٣٢) ورد في بعض كتب التراجم وكتب الجرح والتعديل نسبة بعض الأئمَّة من التابعين ومَن بعدهم إلى القدر. ومن أشهر مَنْ رُمِي بالقدر من التابعين:

стр. 245

الأئمَّة: الحسن البصريُّ، ومكحولٌ، وقتادة، ومن أتباع التابعين: الإمام ابن أبي ذئبٍ. وقد ثبت من خلال البحث براءة هؤلاء الأئمَّة من القول بالقدر، وأن نسبتهم للقول بالقدر ترجع لعدَّة أسبابٍ: منها ما هو عامٌّ، كنسبة عددٍ من الأئمَّة للقول بالقدر لإنكارهم الذنوب على أهل المعاصي. ومنها أسبابٌ خاصَّةٌ، على ما سبق بيانه وتفصيله. هذا، والله تعالى أعلم. كتبه إبراهيم بن عامر الرحيلي ١٠/ ٩/ ١٤٣٩ هـ