← Акыда

Акыда · id 1257

المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (245 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا بدَّ من صرف الانتفاء عنه؛ فلا بدَّ من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقدره … وكذلك أمر الآخرة؛ ليس بمجرَّد العمل ينال الإنسان السعادة، بل هي سببٌ، ولهذا قال النبيُّ ﷺ : «إنه لن يدخل أحدكم الجنَّة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ» (١)، وقد قال: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، فهذه باء السبب، أي: بسبب أعمالكم، والذي نفاه النبيُّ ﷺ باء المقابلة، كما يُقال: اشتريت هذا بهذا، أي: ليس العمل عوضًا وثمنًا كافيًا في دخول الجنَّة، بل لا بدَّ من عفو الله» (٢).

стр. 177

المبحث الثاني معتقد أهل السنة في مسألة التحسين والتقبيح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم الحُسْنُ والقُبْحُ يُطلقان على معنيين: الأوَّل: الحسن والقبح باعتبار الملاءمة والمنافرة، فما هو ملائم للإنسان نافع تحصل له به اللذة فهو حسن، وما هو مضاد له ضار له يحصل به الألم فهو قبيح (١). وهذا النوع متَّفقٌ عليه بين العقلاء وعموم المسلمين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وهذا الفرق معلوم بالحس، والعقل والشرع مجمع عليه بين الأولين والآخرين؛ بل هو معلوم عند البهائم … والعقلاء متفقون على أن كون بعض الأفعال ملائما للإنسان وبعضها منافيا له إذا قيل: هذا حسن وهذا قبيح. فهذا الحسن والقبح مما يعلم بالعقل باتفاق العقلاء» (٢). الثاني: الحسن والقبح باعتبار المدح والذم والثواب والعقاب، فما حصل به المدح والثواب فهو حسن، وما حصل به الذم والعقاب فهو سيئ (٣). وهذا النوع محلُّ نزاعٍ كبيرٍ بين طوائف الأمَّة، واختلافهم فيه يرجع إلى ثلاثة أقوالٍ مشهورةٍ (٤):

стр. 178

القول الأول: (قول أهل السنة). قالوا بالتفصيل، فقالوا: إن العقل يُدرِك الحسن والقبح في بعض الأمور دون بعضٍ، وأن التحسين والتقبيح في الأفعال عقليَّان وشرعيَّان؛ فمن الأفعال ما هي متَّصفةٌ بصفات الحسن والقبح وتقتضي الحمد والذمَّ قبل ورود الشرع (١)، كإدراك العقول لحسن العدل ومدح فاعله، وإدراكها لقبح الظلم وذمِّ فاعله. ومنها ما لا يُدرَك حسنه وقبحه إلا بورود الشرع، كحسن قسمة الميراث بحسب ورود الشرع، وقبح الجمع بين خمس زوجاتٍ دون أربعٍ؛ فإن هذا لا يُعرَف إلا بالشرع. وسيأتي لهذا مزيد تقريرٍ لاحقًا. وأما الثواب والعقاب؛ فهما شرعيَّان يتوقَّفان على أمر الشارع ونهيه، ولا يجبان بالعقل. والله ﵎ لا يعاقب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله : ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] (٢). وقد وضَّح شيخ الإسلام ابن تيميَّة وتلميذه ابن القيِّم هذه المسألة، وبيَّنا ما يُعرَف حسنه وقبحه من الأفعال بالعقل والشرع، أو بالشرع وحده، وأن الأفعال بهذا الاعتبار على ثلاثة أنواعٍ (٣): النوع الأوَّل: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحةٍ أو مفسدةٍ تُعرَف بالعقل قبل ورود الشرع بها، كما يُعلَم أن العدل مشتملٌ على مصلحة العالم، والظلم مشتملٌ على فسادهم. فهذا النوع يُعلَم حسنه وقبحه بالعقل والشرع، وأما ترتُّب

стр. 179

الثواب والعقاب؛ فهذا مما لا يُعلَم إلا بالشرع فحسب. النوع الثاني: أن يكون الفعل مشتملًا على مصلحةٍ لا تُعرَف إلا بالشرع، فإذا أمر به الشارع صار حسنًا، وأن يكون الفعل مشتملًا على مفسدةٍ لا تُعرَف إلا بالشرع، فإذا نهى عنه الشارع صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع. كحسن قسمة الميراث بحسب ورود الشرع، فلا يُعرَف إلا بالشرع. قال تعالى في آخر آية الميراث من سورة النساء: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١]. قال السمعانيُّ: «أي: لا تعلمون أيُّهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنهم مَنْ يظنُّ أن الآباء تنفع؛ فتكون الأبناء أنفع، ومنهم مَنْ يظنُّ أن الأبناء أنفع؛ فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع لكم، وقد دبَّرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه واتَّبعوه» (١). وقال ابن عادل النعماني: «لما ذكر أنصباء الأولاد، وأنصباء الأبوين، وكانت العقول لا تدرك معاني تلك التقديرات، فربَّما خطر ببال الإنسان أن القسمة لو وقعت على غير هذا الوجه كانت أنفع له وأصلح، لا سيَّما وقد كانت قسمة المواريث عند العرب على غير هذا الوجه، فأزال الله تعالى هذه الشبهة بأن قال: إن عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فربَّما اعتقدتم في شيءٍ أنه صالحٌ لكم، وهو عين المضرَّة، وربَّما اعتقدتم في شيءٍ أنه مضرَّةٌ، ويكون عين المصلحة، وأما الإله الرحيم فهو يعلم مغيَّبات الأمور وعواقبها، وكأنه قال: اتركوا تقديرات المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم وانقادوا للمقادير التي قدَّرها

стр. 180

الله تعالى عليكم» (١). وكقبح الجمع بين خمس زوجاتٍ دون أربع؛ فإن هذا لو عُرِض على العقول لاختلفت فيه اختلافًا عظيمًا؛ فمن العقول ما لا تستقبح الجمع بين عددٍ كبيرٍ من النساء كعشرةٍ أو أكثر، ومن العقول ما قد تستقبح الجمع بين زوجتين فأكثر، ومنها ما قد تستقبح ثلاثًا دون اثنتين، أو أربعًا دون ثلاثٍ، أو خمسًا دون أربعٍ، وهذا هو الصواب الذي دلَّ عليه الشرع، ولولا الشرع ما عُرِف أنه الصواب والحكمة، وما عداه باطلٌ مخالفٌ للحكمة، لكن ليس كلُّ العقول تدركه؛ فإن الجمع بين أكثر من أربعٍ مظنَّة التقصير في الحقوق إما لعجزٍ أو حيفٍ، فمنع الشارع من الزيادة على الأربع سدًّا للذريعة المفضية لذلك، ولهذا لما أُمِن ذلك في حقِّ النبيِّ ﷺ أباح الله له الجمع بين أكثر من أربعٍ، ولما كان بعض الرجال يضعف عن التعدُّد ولو كانتا اثنتين مُنِع من ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣]. النوع الثالث: أن يكون الفعل مشتملًا على مفسدةٍ تُعرَف بالعقل، فيأمر به الشارع، ولا يكون المراد الفعل، وإنما يُراد منه الامتحان؛ هل يطيع العبد أم يعصي؟! ثم يُنسَخ الفعل لقبحه. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة؛ فقد يأمر بما ليس بحسن في نفسه وينسخ» (٢). ومثال ذلك: أمر إبراهيم بذبح ابنه كان للامتحان؛ فإن ذبح الابن قبيحٌ، وقد دلَّ على قبحه تحريم الله له، ووصفه لفاعله بالخسران والسفه، كما في

стр. 181

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. ولهذا أثنى الله على إبراهيم بعزمه على الفعل والشروع في مقدِّماته بعد تحقُّق المقصود من الأمر والنجاح في الابتلاء، وأما فعل الذبح فنُسِخ مع الفداء بذبحٍ عظيمٍ. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٧]. القول الثاني: (قول المعتزلة): غلوا في التحسين والتقبيح العقليَّين، فزعموا أن العقل يدرك حسن الأفعال وقبحها، وأن الحسن والقبح صفتان ذاتيَّتان للفعل لازمةٌ له قبل ورود الشرع، وأن الأمر لا يكون إلا بحسنٍ، والنهي لا يكون إلا عن سيِّئٍ، وأن الشرع إنما هو كاشفٌ عن حسن الفعل الثابت في نفسه لا مثبِتٌ لحسن الفعل. ثم بالغوا، وقالوا: إن العقل يدرك الثواب المترتِّب على حسن الأفعال، والعقاب المترتِّب على سيِّئها في الآخرة (١). ثم رتَّبوا على ذلك أن الله يعاقب العباد على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولًا (٢). وقالوا: ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من المخلوق قبح من الخالق. وهم مشبِّهة الأفعال؛ يشبِّهون الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الأفعال (٣).

стр. 182

قال القاضي عبد الجبَّار: «قد ذكرنا أن وجوب المصلحة وقبح المفسدة متقرِّران في العقل، إلا أنا لما لم يمكنا أن نعلم عقلًا أن هذا الفعل مصلحةٌ وذلك مفسدةٌ، بعث الله تعالى إلينا الرسل ليعرفونا ذلك من حال هذه الأفعال، فيكونون قد جاؤوا بتقرير ما قد ركَّبه الله تعالى في عقولنا وتفصيل ما قد تقرَّر فيها» (١) وقال أيضًا في (كتاب المحيط): «واعلم أن النهي الوارد عن الله يكشف عن قُبْح القبيح، لا أنه يوجِب قُبْحَه، وكذلك الأمر يكشف عن حسنه، لا أنه يوجِبه» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وطائفةٌ تقول: بل الأفعال متَّصفةٌ بصفاتٍ حسنةٍ وسيِّئةٍ، وأن ذلك قد يُعلَم بالعقل، ويُستحَقُّ العقاب بالعقل وإن لم يرد سمعٌ، كما يقول ذلك المعتزلة ومَن وافقهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم» (٣). وقال ابن القيِّم: «والمعتزلة تقول: قُبْحها -أي: الأعمال- والعقاب عليها ثابتان بالعقل» (٤). الرد عليهم: مذهب المعتزلة هذا مخالفٌ للكتاب والسنَّة وما عليه سلف الأمَّة من وجوهٍ كثيرةٍ، منها: ١ - مبالغتهم في العقل، حيث جعلوه مستقلًّا بمعرفة الحسن والقبح في

стр. 183

كلِّ شيءٍ. وهذا غير صحيحٍ بهذا الإطلاق؛ فإن من تفاصيل الشرع المتضمِّنة للحكمة والمصلحة ما لا تدركه العقول؛ ولذا قال عمر ﵁: «اتَّهموا الرأي على الدين» (١). وقال عليٌّ ﵁: «لو كان دين الله بالرأي لكان باطن الخفِّ أحقَّ بالمسح من أعلاه» (٢). وقال الإمام أحمد ﵀: «وليس في السنَّة قياسٌ، ولا تُضرَب لها الأمثال، ولا تُدرَك بالعقول ولا الأهواء» (٣). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -معلِّقًا على قول الإمام أحمد-: «هذا قوله وقول سائر أئمَّة المسلمين؛ فإنهم متَّفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تدركه كلُّ الناس بعقولهم، ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول» (٤). ٢ - زعمهم أن الشرع إنما هو كاشفٌ عن حسن الفعل الثابت في نفسه لا مثبِتٌ لحسن الفعل. وهذا غير صحيحٌ، وبطلانه من وجهين: الأوَّل: أن الشرع قد يأمر بما لا يُعرَف حسنه إلا بالشرع، وينهى عما لا يُعرَف قبحه إلا بالشرع، فيكتسب الفعل حينئذٍ صفة الحسن والقبح بالشرع. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «إن الشارع إذا أمر بشيءٍ صار حسنًا، وإذا نهى عن شيءٍ صار قبيحًا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع» (٥).

стр. 184

الثاني: أن فعل المأمور به شرعًا يصير له حسنٌ آخر غير الحسن الأوَّل المعروف بالعقل. قال شيخ الإسلام -في سياق ردِّه على المعتزلة وبيان خطئهم في ذلك-: «إن الأمر وإن كان كاشفًا عن حسن الفعل؛ فالفعل بالأمر يصير له حسنٌ آخر غير الحسن الأوَّل» (١). ٣ - زعمهم أن الأمر لا يكون إلا بحسنٍ، والنهي لا يكون إلا عن سيِّئٍ. وهذا غير صحيحٍ؛ فإن الشارع قد يأمر بما ليس بحسنٍ للامتحان. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة؛ فقد يأمر بما ليس بحسنٍ في نفسه وينسخ» (٢). وقد تقدم تقرير هذه المسألة مع التمثيل والاستدلال عند ذكر معتقد أهل السنَّة. ٤ - زعمهم أن العقل يُدرِك الثواب والعقاب المترتِّب على الأفعال، وأن العباد يُعاقَبون على أفعالهم القبيحة من غير طريق الشرع. وهذا باطلٌ مردودٌ بالنصوص. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وهذا مما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح؛ فإنهم قالوا: إن العباد يُعاقَبون على أفعالهم القبيحة ولو لم يبعث إليهم رسولًا. وهذا خلاف النصِّ. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]» (٣). وقال ابن القيِّم: «فلا تلازم بين ثبوت الحسن والقبح العقليَّين وبين استحقاق

стр. 185

الثواب والعقاب؛ فالأدلة إنما اقتضت ارتباط الثواب والعقاب بالرسالة وتوقُّفهما عليها» (١). ٥ - قولهم: «ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من المخلوق قبح من الخالق». هذا تشبيهٌ للخالق بالمخلوق في الأفعال، وهو باطلٌ، كما أن تشبيه الخالق بالمخلوق في الصفات باطلٌ (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -بعد نصِّه على بطلان قول المعتزلة في التحسين والتقبيح-: «وإذا ضُمَّ إلى ذلك قياس الرب على خلقه؛ فقيل: «ما حسن من المخلوق حسن من الخالق، وما قبح من المخلوق قبح من الخالق»؛ ترتَّب على ذلك أقوال القدريَّة الباطلة، وما ذكروه في التجوير والتعديل. وهم مشبِّهة الأفعال؛ يشبِّهون الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الأفعال. وهذا قولٌ باطلٌ، كما أن تمثيل الخالق بالمخلوق والمخلوق بالخالق في الصفات باطلٌ» (٣). القول الثالث: (قول الأشاعرة ومَن وافقهم كابن حزمٍ): قالوا: لا قبح ولا حسن ولا شرَّ ولا خير يُدرَك بالعقل فيما خُوطِب به الناس من الشرع، والشارع إذا أمر بشيءٍ صار حسنًا، وإذا نهى عن شيءٍ صار قبيحًا؛ فالقبيح ما قيل فيه: «لا تفعل»؛ والحسن ما قيل فيه: «افعل»، أو ما أُذِن في فعله. وقد اكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع (٤).

стр. 186

وقالوا: إن الأمر والنهي والثواب والعقاب كلُّها شرعيَّةٌ، وهي لا ترجع لحكمةٍ، بل لمحض الإرادة، فليس في الطاعة معنىً يناسب الثواب، ولا في المعصية معنىً يناسب العقاب، ولا كان في الأمر والنهي حكمةٌ لأجلها أمر ونهى. وأنه يجوز أن يأمر بما هو سيِّئٌ حتى الشرك والظلم والفواحش، وينهى عما هو حسنٌ حتى التوحيد والعدل والطاعة (١). قال الجوينيُّ: «العقل لا يدلُّ على حسن شيءٍ ولا قبحه في حكم التكليف، وإنما يُتلقَّى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجَب السمع. وأصل القول في ذلك: أن الشيء لا يحسن لنفسه وجنسه وصفةٍ لازمةٍ له، وكذلك القول فيما يقبح، وقد يحسن في الشرع ما يقبح مثله المساوي له في جملة أحكام صفات النفس، فإذا ثبت أن الحسن والقبح عند أهل الحقِّ لا يرجعان إلى جنسٍ وصفة نفسٍ، فالمعنيُّ بالحسن: ما ورد الشرع بالثناء على فاعله، والمراد بالقبيح: ما ورد الشرع بذمِّ فاعله» (٢). وقال الإيجي: «القبيح ما نُهِي عنه شرعًا، والحسن بخلافه. ولا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائدًا إلى أمرٍ حقيقيٍّ في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبِت له والمبيِّن، ولو عكس القضيَّة فحسَّن ما قبَّحه وقبَّح ما حسَّنه؛ لم يكن ممتنعًا، وانقلب الأمر» (٣). وقال ابن حزمٍ: «لا سبيل إلى أن يكون مع الباري تعالى في الأزل شيءٌ موجودٌ أصلًا قبيحٌ ولا حسنٌ ولا عقلٌ يقبح فيه شيءٌ أو يحسن، فقد وجب يقينًا أن لا يمتنع من قدرة الله تعالى وفعله شيءٌ يحدثه لقبحٍ فيه، ووجب أن

стр. 187

لا يلزمه تعالى شيءٌ لحسنه؛ إذ لا قبح ولا حسن البتَّة» (١). الرد عليهم: قول الأشاعرة هذا باطلٌ، وهو مخالفٌ للأدلَّة من الكتاب والسنَّة والعقل والفطر السليمة من عدَّة وجوهٍ: الأول: مبالغتهم في نفي التحسين والتقبيح العقليَّين في خطاب الشرع، وزعمهم عدم تمييز العقل قبل ورود الشرع بين خيرٍ وشرٍّ وعدلٍ وظلمٍ وصدقٍ وكذبٍ وأمانةٍ وخيانةٍ، وهذا باطلٌ مخالفٌ للنصوص والعقل والفطر السليمة. فإن العقلاء مجمعون على اختلاف أديانهم، وتفاوت عقولهم، وتنوُّع ثقافاتهم، وتفاوت أزمانهم، وتباعد أمصارهم؛ على أن العقول تميِّز بين حسن العدل والصدق، وقبح الظلم والكذب، والمدح بما هو حسنٌ من تلك الخصال، والذمِّ بما يضادُّها من الخصال القبيحة. فكيف وقد اعتضد العقل بالشرع، وذلك في مخاطبة الله في كتابه الحكيم الناسَ بحججٍ عقليَّةٍ تتضمَّن إدراك العقول وتمييزها بين الخير والشرِّ وبين الحسن والقبيح وبين الممدوح والمذموم من الأفعال والأخلاق، ثم يختم هذه الحجج بالاستفهامات الإنكاريَّة: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)؟ (أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)؟ (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)؟ المتضمِّنة الإنكار عليهم في عدم تعقُّلهم وتذكُّرهم وتفكُّرهم في هذه الحجج التي يدركونها بعقولهم، ولو كانوا لا يدركونها بعقولهم لم يخاطبهم بها محتجًّا بها على توحيده وصدق رسله، ولم تكن فيها حجَّةٌ، وكان هذا بمنزلة مَنْ يخاطب بهذه الحجج مجنونًا لا يعقل أو أعجميًّا لا يفهم أو صبيًّا لا يميِّز، وهو مما يتنزَّه عنه كلام أحكم الحاكمين.

стр. 188

وذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]، وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٤]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ [الرعد: ١٦]، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠]، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩]. الثاني: تجويزهم على الله المساواة بين الحسن والقبيح، والعادل والظالم، والصادق والكاذب، والمطيع والفاجر. وهذا غاية في البطلان والضلال، وليس أبلغ في ردِّه من كلام ربِّ العالمين الذي نفى هذا عن نفسه في أبلغ خطابٍ، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، وقوله: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]. وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «الأشاعرة يجوِّزون على الله عقلًا أن يسوِّي بين الصادق والكاذب … وأن يعذِّب المؤمنين، ولكن بالسمع لا بالعقل. وإذا كان هذا أعظم مناقضةٍ للحكمة والعدل من غيره، وتبيَّن بالبراهين اليقينيَّة أن الربَّ لا يجوز عليه خلاف الحكمة والعدل؛ عُلِم بالاضطرار أن الربَّ سبحانه لا يسوِّي بين هؤلاء وهؤلاء، فضلًا عن أن يفضِّل الأشرار على

стр. 189

الأخيار، وهو سبحانه أنكر التسوية»، ثم ساق الآيتين السابقتين (١). الثالث: نفيهم الحكمة عن الله في الأمر والنهي والثواب والعقاب، وزعمهم أن ذلك لا يرجع لحكمةٍ، بل لمحض الإرادة، وأنه يجوز على الله أن يأمر بالشرك والظلم والفواحش وينهى عن التوحيد والعدل والطاعة. وهذا باطلٌ معلوم البطلان بدلالة النصوص وإجماع السلف والأئمَّة من بعدهم. فإن الله أثبت لنفسه الحكمة من وجوهٍ متعدِّدةٍ؛ فمن أسمائه: (الحكيم). قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]. وهو متَّصفٌ (بالحكمة). قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. ووصف كتابه بأنه حكيمٌ، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢]. ووصف نبيَّه بأنه يعلِّم أمَّته الحكمة -وهي السنَّة في أشهر أقوال المفسِّرين (٢) -. قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وهو الذي يؤتي الحكمة مَنْ شاء من خلقه، وهذا من آثار حكمته البالغة. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. وأثبت الملائكة الكرام -وهم أعلم الخلق بربِّهم- لله تعالى الحكمة والعلم. قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]. والأدلَّة في هذا كثيرةٌ لا تكاد تُحصى.

стр. 190

وأخبر ﵎ عن نفسه أنه يأمر بما فيه خيرٌ ومصلحةٌ من أنواع الطاعات، وينهى عما يضادُّ ذلك من الشرِّ والمفسدة من صور المحرَّمات والفواحش، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]. كما نفى عن نفسه سبحانه أن يأمر بالفحشاء، وكذَّب المشركين فيما نسبوه له من ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ بعد حكاية قول الأشاعرة في هذه المسألة-: «فهذا القول ولوازمه هو أيضًا قولٌ ضعيفٌ مخالفٌ للكتاب والسنَّة ولإجماع السلف والفقهاء، مع مخالفته أيضًا للمعقول الصريح؛ فإن الله نزَّه نفسه عن الفحشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] … والله تعالى عليمٌ حكيمٌ، علم بما تتضمَّنه الأحكام من المصالح فأمر ونهى لعلمه بما في الأمر والنهي والمأمور والمحظور من مصالح العباد ومفاسدهم» (١). وقد توسَّع الإمام ابن القيِّم ﵀ في الردِّ عليهم في كتاب «مفتاح دار السعادة»، فبيَّن بطلان قولهم من ثلاثةٍ وستِّين وجهًا (٢). وقد أشار إلى ذلك في كتاب «إغاثة اللهفان»، بقوله -في سياق حديثه عن استحسان صفات الكمال ونفعها، واستقباح أضدادها-: «ومَن قال: إن ذلك لا يُعلَم بالعقل ولا بالفطرة، وإنما عُرِف بمجرَّد السمع؛ فقوله باطلٌ، قد بيَّنا بطلانه في كتاب «المفتاح» من ستِّين وجهًا، وبيَّنا هناك دلالة القرآن والسنَّة والعقول والفطر على فساد هذا القول» (٣).

стр. 191

المبحث الثالث بيان الحقِّ في مسألة: هل الإنسان مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ؟ يتردَّد هذا السؤال كثيرًا على الألسنة عند الحديث عن مسألة القدر، وقد أجاب بعض العلماء المعاصرين: بأن الإنسان مُسَيَّرٌ ومُخَيَّرٌ معًا؛ فهو مُسَيَّرٌ باعتبار ما قدَّر الله له من الأمور التي لا اختيار له فيها؛ كالمرض والموت والحوادث التي تصيبه، وهو مُخَيَّرٌ فيما يفعله باختياره؛ كقيامه وجلوسه ودخوله وخروجه وطاعته ومعصيته. قال الشيخ عبد الله بن حميدٍ ﵀: «الإنسان مُسَيَّرٌ ومُخَيَّرٌ معًا؛ فأنت مُخَيَّرٌ بالنسبة إلى خلقك؛ فالله خلقك وجعل لك عقلًا لتميِّز به بين الخطأ والصواب؛ فتختار ما هو أنفع لك؛ فاختيارك للأصلح والأنفع هو دليلٌ على أنك مُخَيَّرٌ؛ فأنت تفعل هذا الشيء باختيارك، وأنت واختيارك بيد الله ؛ فالله -جل وعلا- هو المتصرِّف في هذا الكون. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]» (١).

стр. 192

وقال الشيخ عبد العزيز بن بازٍ ﵀: «الإنسان مُسَيَّرٌ ومُيَسَّرٌ ومُخَيَّرٌ؛ فهو مُسَيَّرٌ ومُيَسَّرٌ بحسب ما مضى من قدر الله؛ فإن الله قدَّر وقضى ما يكون في العالم قبل أن يخلق السماء والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قدَّر كلَّ شيءٍ ، وسبق علمه بكلِّ شيءٍ، كما قال ﷻ : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢]. ومن أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشرِّه. فالإنسان مُيَسَّرٌ ومُسَيَّرٌ من هذه الحيثيَّة لما خُلِق له، على ما مضى من قدر الله، لا يخرج عن قدر الله، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢]. وهو مُخَيَّرٌ أيضًا من جهة ما أعطاه الله من العقل والإرادة والمشيئة؛ فكلُّ إنسانٍ له عقلٌ إلا أن يُسلَب كالمجانين، ولكن الأصل هو العقل؛ فمَن كان عنده العقل فهو مُخَيَّرٌ يستطيع أن يعمل الخير والشرَّ. قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقال -جل وعلا-: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]» (١). وقال الشيخ محمَّد بن عثيمين ﵀ في جواب مَنْ سأل: هل الإنسانُ مُخَيَّرٌ أم مُسَيَّرٌ؟ «على السائل أن يسأل نفسه: هل أجبره أحدٌ على أن يسأل هذا السؤال؟ وهل هو يختار نوع السيَّارة التي يقتنيها؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة، وسيتبيَّن هل هو مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ. ثم يسأل نفسه: هل يصيبه الحادث باختياره؟ هل يصيبه المرض باختياره؟ هل يموت باختياره؟ إلى أمثال ذلك من الأسئلة، وسيتبيَّن له الجواب هل هو مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ؟ والجواب: أن الأمور التي يفعلها الإنسان العاقل يفعلها باختياره بلا ريب. واسمع إلى قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩]، وإلى قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]. ولكن العبد إذا أراد شيئًا وفعله علمنا أن الله تعالى قد أراده؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]،

стр. 193

فلكمال ربوبيَّته لا يقع شيءٌ في السموات والأرض إلا بمشيئته تعالى. وأما الأمور التي تقع على العبد أو منه بغير اختياره؛ كالمرض والموت والحوادث؛ فهي بِمحض القدر وليس للعبد اختيارٌ فيها ولا إرادةٌ، والله الموفَّق» (١). فتبين بهذا أن الإنسان ليس مسلوبَ الإرادة والمشيئة مطلقًا، وليست مشيئته وإرادته نافذةً دائمًا، وليس هو مسيَّرًا -على ما يعبِّر به البعض-، ولا مخيَّرًا -على ما يعبِّر به آخرون-. وإنما له مشيئةٌ واختيارٌ في أفعاله الاختياريَّة بعد مشيئة الله، دون ما قدَّره الله عليه من المصائب والحوادث مما لا يحصل بمشيئته واختياره، وإن كان هو مُتسبِّبًا فيها. ولكن ههنا تنبيهٌ مهمٌّ: وهو أن هذا المعنَى الذي دلَّت عليه النصوص يجب أن يُعبَّر عنه بالألفاظ الشرعيَّة، والقول بأن (الإنسان مُسَيَّرٌ أو مُخَيَّرٌ)؛ لم يأتِ في النصوص التعبير به عن هذا المعنَى -فيما أعلم-. وإنما جاء في النصوص ذكر الإرادة والمشيئة؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨]. فأثبت الله تعالى للعباد مشيئةً وإرادةً، ثم بيَّن أنها لا تنفذ ولا تتحقَّق إلا بإرادته ومشيئته. وموقف السلف مِنْ الألفاظ المجملة: تَجَنُّب إطلاقها نفيًا أو إثباتًا؛ ولهذا كره السلف إطلاق لفظ: (التأثير)، ولفظ: (الجبر)، وهما في معنَى القول بأن الإنسان (مُخَيَّرٌ أو مُسَيَّرٌ)، أو مقاربان له.

стр. 194

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكذلك لفظ (الجبر) فيه إجمالٌ؛ يُراد به إكراه الفاعل على الفعل بدون رضاه، كما يُقال: «إن الأب يجبر المرأة على النكاح»، والله تعالى أجلُّ وأعظم من أن يكون مُجْبِرًا بهذا التفسير؛ فإنه يخلق للعبد الرضى والاختيار بما يفعله، وليس ذلك جبرًا بهذا الاعتبار. ويُراد بالجبر خلق ما في النفوس من الاعتقادات والإرادات؛ كقول محمَّد بن كعبٍ القرظِيِّ: «الجبَّار الذي جبر العباد على ما أراد»، وكما في الدعاء المأثور عن عليٍّ ﵁: «جبَّار القلوب على فطراتها شقيِّها وسعيدها»، والجبر ثابتٌ بهذا التفسير. فلما كان لفظ (الجبر) مجملًا نهى الأئمَّة الأعلام عن إطلاق إثباته أو نفيه … وكذا لفظ (التأثير)؛ فيه إجمالٌ؛ فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبَّب، والعلَّة مع المعلول، والشرط مع المشروط؛ فإن أُرِيد بالقدرةِ القدرةُ الشرعيَّة المصحِّحة للفعل المتقدِّمة عليه؛ فتلك شرطٌ للفعل، وسببٌ من أسبابه، وعلَّةٌ ناقصةٌ له. وإن أُرِيد بالقدرةِ القدرةُ المقارنة للفعل المستلزمة له؛ فتلك علَّةٌ للفعل، وسببٌ تامٌّ. ومعلومٌ أنه ليس في المخلوقات شيءٌ هو وحده علَّةٌ تامَّةٌ وسببٌ تامٌّ للحوادث بِمعنَى أن وجوده مستلزمٌ لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصَّةً، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن» (١). فلفظ: (مُسَيَّر)، هو في معنَى (مجبور)، أو قريبٌ منه. كما أن لفظ (مُخَيَّر) مقاربٌ لقول مَنْ يقول: (إن الإنسان مؤثِّرٌ في فعله)؛ لأن مَنْ يقول: (إن الإنسان مُخَيَّرٌ)؛ يريد أنه قادرٌ على أن يفعل أو لا يفعل، وهذا حقيقة القدرة والتأثير.

стр. 195

وبهذا يتبيَّن أن العدول عن هذه الألفاظ المجملة إلى الألفاظ الشرعيَّة الواضحة الدلالة على الحقِّ، والموافقة للنصِّ، والسالمة من الشبه؛ هو الأعدل والأقوم، والموافق لطريقة السلف. فإن قال قائلٌ: التفريق بين الأعمال الاختياريَّة؛ كالطاعات والمعاصي، والأعمال المقدَّرة؛ كالأمراض والحوادث، وأن العبد مُخَيَّرٌ في القسم الأوَّل مُسَيَّرٌ في القسم الثاني؛ يزول به اللبس. فجوابه: أن القول بأن العبد مُخَيَّرٌ فيما يُسَمَّى بالأفعال الاختياريَّة؛ كالطاعات والمعاصي ليس على إطلاقه؛ فله مشيئةٌ واختيارٌ فيها، لكن مشيئته ليست مطلقةً، بل هي مقيَّدةٌ بمشيئة الله، وقد أخبر الله عن هذا في قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، فبيَّن سبحانه أن مشيئة العبد في الاستقامة وفعل الطاعات ليست نافذةً إلا بمشيئته. وفي الحديث القدسيِّ الطويل من حديث أبي ذرٍّ ﵁ فيما يرويه النَّبِي ﷺ عن ربِّه شاهدٌ قويٌّ لفقر العبد لربِّه وأنه لا يمكن أن يتحقَّق له شيءٌ مما أراد إلا بمشيئة الله وإرادته. ومما جاء في هذا الحديث قوله -جل وعلا-: «يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هديته، فاستهدونِي أهدكم، يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلا مَنْ أطعمته، فاستطعمونِي أطعمكم، يا عبادي كلُّكم عارٍ إلا مَنْ كسوته، فاستكسونِي أكسكم … » الحديث (١). فتبيَّن أن العبد لا مشيئة له ولا اختيار إلا بعد مشيئة الله، وهذا ظاهرٌ ملموسٌ من الواقع، فليس كلُّ مَنْ أراد عملًا صالحًا يوفق إليه، ولا مَنْ أراد عملًا سيِّئًا يُمكَّن منه. وعلى هذا؛ فالقول بأنه مُخَيَّرٌ في هذه الأعمال -على الإطلاق-

стр. 196

محلُّ نظرٍ، والصواب: أن العبد له إرادة ومشيئة على الطاعات والمعاصي لكن إرادته مشيئته لا تكون نافذة إلا بمشيئة الله. وكذلك الأعمال المقدَّرة عليه من الأمراض والحوادث؛ فهي وإن كانت مقدَّرةً على العبد من الله؛ إلا أن العبد متسبِّبٌ في ما يصيبه من المصائب، كما أخبر سبحانه في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥]، وقال -عزَّ من قائلٍ-: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. قال ابن جريرٍ ﵀ في تفسير آية الشورى: «فإنما يصيبكم ذلك عقوبةً من الله لكم بما اجترمتم من الآثام» (١). وذهب جمعٌ من المفسِّرين في تفسير آية آل عمران أن قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، إشارةٌ إلى مخالفة الرماة يوم أحدٍ بتركهم الجبل وقد أمرهم النَّبِيُّ ﷺ بلزومه، وقيل: إشارةٌ إلى أنهم يوم بدرٍ خُيِّروا بين قتل أسارى بدرٍ وأخذ الفداء، على أن يستشهد منهم في العام القابل قدر الأسارى (٢). قال الشيخ محمَّد الأمين ﵀: «وعلى هذا؛ فالمعنَى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ حيث اخترتم الفداء واستشهاد قدر الأسارى منكم» (٣). فظاهرٌ من هذا أن ما أصابهم كان بسبب اختيارهم ذلك. وهذا التفسير

стр. 197

نصٌّ في المسألة، والله تعالى أعلم. وكذلك في مقابل هذا؛ فإن الإنسان متسبِّبٌ فيما يقدِّر الله له من الخير مع رحمة الله به، كما قال تعالى مُخبِرًا عن نوحٍ في دعوته قومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. قال ابن الجوزيِّ في معنى ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: أي: «استدعوا مغفرته بالتوحيد» (١). وقال: «ومعنَى الكلام: أنه أخبرهم أن الإيمان يجمع لهم خير الدنيا والآخرة» (٢). قال القرطبِيُّ ﵀: «في هذه الآية والتي في هودٍ (٣) دليلٌ على أن الاستغفار يُستَنْزل به الرزق والأمطار. قال الشعبيُّ: خرج عمر يستسقي، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فأمطروا، فقالوا: ما رأيناك استسقيت؟ فقال: (لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يُستَنْزل بها المطر)» (٤). ومن السنَّة قول النبيِّ ﷺ في وصيَّته لابن عبَّاسٍ: «احفظ الله يحفظك» (٥).

стр. 198

قال ابن رجبٍ في شرحه: «مَنْ حفظ حدود الله، وراعى حقوقه؛ حفظه الله؛ فإن الجزاء من جنس العمل» (١). وقال: «وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: حفظه له في مصالح دنياه؛ كحفظه في بدنه وولده وأهله وماله. والثانِي: حفظه له في دِينه وإيمانه؛ فيحفظه في حياته من الشبهات المضلَّة، ومن الشهوات المحرَّمة» (٢). والمقصود: أن العبد مُتسبِّبٌ ومستجلِبٌ لما يقدِّره الله له وما يصيبه من خيرٍ وشرٍّ. ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة في سياق تقرير مذهب السلف في الأفعال الناتجة عن أسباب أفعال المخلوقين أن للمخلوق فيها عملًا وإن لم يكن مباشرًا لفعلها، قال ﵀: «فتبيَّن أن ما يحدث من الآثار عن أفعال العباد لهم بها عملٌ؛ لأن أفعالهم كانت سببًا فيها» (٣). وبهذا يظهر أن القول: بأن العبد مُسَيَّرٌ أو مجبورٌ على ذلك -مع كونه لم يرد في الشرع بهذا اللفظ-؛ فإن إطلاقه من جهة المعنَى محلُّ نظرٍ؛ لكون العبد متسبِّبًا بأفعاله المتعلِّقة بمشيئته في ذلك. وعلى هذا؛ فالسلامة في هذا الباب -إن شاء الله- هو العدول عن الألفاظ المجملة إلى الألفاظ الشرعيَّة، وذلك بأن يُقال: (للعبد مشيئةٌ وإرادةٌ على أفعاله، ولكن مشيئته لا تكون نافذةً إلا بمشيئة الله تعالى). والله تعالى أعلم.

стр. 199

المبحث الرابع بيان المراد ببدعة القدر التي رُمِي بها بعض الأئمَّة وحقيقة ذلك ورد في بعض كتب التراجم وكتب الجرح والتعديل نسبة بعض الأئمَّة من التابعين ومَن بعدهم إلى القدر. ومن أشهر مَنْ رُمِي بالقدر من التابعين: الأئمَّة: الحسن البصريُّ، ومكحولٌ، وقتادة، ومن أتباع التابعين: الإمام ابن أبي ذئبٍ. وها هو بيان ذلك بذكر ما قيل في كلِّ واحدٍ منهم، وبيان سبب رميه بالقدر، ومدى صحَّته. أولا: الإمام الحسن البصري. وهو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري؛ كان من سادات التابعين وكبرائهم، ولد بالمدينة سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر ﵁، وتوفي سنة عشر ومائة وعمره تسع وثمانون سنة (١). واختلف في نسبته للقدر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يقول بالقدر. ومما جاء في ذلك: عن إبراهيم النخعي قال: «إن الحسن تكلم في القدر» (٢).

стр. 200

وقال حميد الطويل لأيوب السختياني -وهما من أصحاب الحسن-: «لوددت أنه قُسِم علينا غرمٌ، وأن الحسن لم يتكلم بالذي تكلم به» (١)، قال أيوب: «يعني: في القدر» (٢). القول الثاني: أنه كان يقول به فرجع عنه. وذهب إلى هذا بعض الأئمة: فعن أيوب السختياني: «قال: لا أعلم أحدًا يستطيع أن يعيب الحسن إلا به -يعني: القدر- أنا نازلته في القدر غير مرة حتى خوفته السلطان فقال: لا أعود فيه بعد اليوم، وقد أدركت الحسن والله ما يقوله» (٣). وقال سليمان التيمي: «رجع الحسن عن قوله في القدر» (٤). وقال الذهبي: «وقد مر إثبات الحسن للأقدار من غير وجه عنه، سوى حكاية أيوب عنه، فلعلها هفوة منه، ورجع عنها -ولله الحمد-» (٥). القول الثالث: أنه لم يقل به. وقال به جماعة من الأئمة مؤكدين براءته من القول بالقدر وأن نسبته إلى القدر من الكذب عليه أو مما توهم من كلامه: فعن ابن سيرين -وقيل له في الحسن: وما كان ينحل إليه أهل القدر؟ - قال: «كانوا يأتون الشيخ بكلام مجمل، لو فسروه له لساءهم» (٦).

стр. 201

وقال أيوب السختياني: «كذب على الحسن ضربان من الناس: قوم القدر رأيهم لينَفِّقوه بين الناس بالحسن، وقوم في صدورهم شنآن وبغض للحسن» (١). وقال الأوزاعي: «لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن ومكحولا، فكشفنا عن ذلك؛ فإذا هو باطل» (٢). وقال أبو سعيد بن الأعرابي: «كان يجلس إلى الحسن طائفةٌ من هؤلاء، وكان هو يتكلم في الخصوص حتى نسبته القدرية إلى الجبر، وتكلم في الاكتساب حتى نسبته السُّنة إلى القدر، كل ذلك لافتنانه وتفاوت الناس عنده، وتفاوتهم في الأخذ عنه، وهو بريء من القدر ومن كل بدعة، فلما توفي تكشفت أصحابه وبانت سرائرهم وما كانوا يتوهمونه من قوله بدلائل يلزمونه بها، لا نصًّا من قوله» (٣). قال ابن بطَّة بعد ذكره معتقد القدرية ومقالاتهم الباطلة: «وربما قيل لبعضهم: من إمامك فيما تنتحله من هذا المذهب الرَّجس النَّجس، فيدَّعي أن إمامه في ذلك الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀، فيضيف إلى قبيح كفره وزندقته أن يرمي إمامًا من أئمة المسلمين وسيِّدًا من ساداتهم وعالما من علمائهم بالكفر، ويفتري عليه البهتان ويرميه بالإثم والعدوان ليحسن بذلك بدعته عند من قد خصمه وأخزاه، وأنا أذكر من كلام الحسن ﵀ في القدر، ورده على القدرية ما يسخن اللهُ به عيونَهم، ويظهر للسامعين قبيح كذبهم إن شاء الله تعالى وبه التوفيق» (٤).

стр. 202

ثم ساق جملة من الأثار عن الحسن البصري في إثبات القدر. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا اتهم بمذهب القدر غير واحد ولم يكونوا قدرية، بل كانوا لا يقبلون الاحتجاج على المعاصي بالقدر … وقد قيل إنه بهذا السبب نسب إلى الحسن القدر، لكونه كان شديد الإنكار للمعاصي ناهيًا عنها، ولذلك نجد الواحد من هؤلاء ينكر على من ينكر المنكر، ويقول: هؤلاء قدر عليهم ما فعلوه، فيقال لهذا: وإنكار هذا المنكر أيضًا بقدر الله، فنقضت قولك بقولك» (١). وقال الذهبي: «وقد بدت منه هفوة في القدر لم يقصدها لذاتها، فتكلموا فيه، فما التفت إلى كلامهم، لأنه لما حوقق (٢) عليها تبرأ منها» (٣). وقال صفي الدين الخزرجي في ترجمته للحسن: «أحد أئمة الهدى والسنة، رُمي بالقدر، ولا يصح» (٤). وهذا القول هو الراجح بل الصواب المؤكد من الأقوال -إن شاء الله-. وترجيحه من عدة وجوه: الأول: أنه قول أصحاب الحسن وأعرف الناس بأقواله، وقد أكد هذا ثلاثة من كبار أصحاب الحسن مصرحين أن الحسن فسر لهم القرآن كله على إثبات القدر، وليس بعد هذا شيء في قوة الدلالة على براءة الحسن ﵀ من القول

стр. 203

ببدعة القدر. فعن حبيب بن الشهيد ومنصور بن زاذان قالا: «سألنا الحسن عن ما بين ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]. ففسره على الإثبات» (١). قال الذهبي معلِّقًا: «قلت: على إثبات أن الأقدار لله» (٢). وعن حميد الطويل قال: «قرأت على الحسن في بيت أبي خليفة القرآن أجمع من أوله إلى آخره، فكان يفسره على الإثبات» (٣). الثاني: تصريح أيوب السختياني وهو من أجل أصحاب الحسن بأن نسبة الحسن للقدر من الكذب عليه، وأن الذي تولى ذلك ضربان من الناس لسببين: «قوم القدر رأيهم لينفقوه بين الناس بالحسن، وقوم في صدورهم شنآن وبغض للحسن» (٤). الثالث: تصريح الإمام الجليل عبد الرحمن الأوزاعي بتحقيق هذه المسألة والكشف عنها، مع قرب عهده من الأئمة والتجرد للحق بما يقطع ببراءة أئمة التابعين من القول بالقدر عامة وبطلان نسبته للحسن ومكحول -رحمهما الله- خاصة كما في قوله: «لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن ومكحولًا، فكشفنا عن ذلك؛ فإذا هو باطل» (٥).

стр. 204

الرابع: تبرئة جمع من الأئمة المحققين للحسن البصري من القول بالقدر. بالإضافة لمن تقدم كالإمام ابن بطة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الذهبي، وصفي الدين الخزرجي، كما تقدم نقل أقوالهم في ذلك. الخامس: شهادة بعض المصنفين في (الاعتقاد) وفي (الفرق والمقالات) بأن الحسن البصري كان على قول السلف في القدر، وإنكاره على المخالفين فيه وتحذيره منهم وهجره لهم: قال الشهرستاني: «فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله تعالى» (١). روى اللالكائي عن الحسن البصري أنه «ينهى عن مجالسة معبد الجهني ويقول: لا تجالسوه فإنه ضال مضل» (٢). ويحكي البغدادي إنكار الحسن لبدعة القدرية فيقول: «ثم حدث في أيام الحسن البصري خلاف واصل بن عطاء الغزال في القدر، وفى المنزلة بين المنزلتين، وانضم إليه عمرو بن عبيد بن باب في بدعته فطردهما الحسن عن مجلسه» (٣). السادس: تصريح الحسن نفسه وتقريره لمعتقد أهل السنة في القدر واشتهار ذلك عنه ولم ينقل عنه ما يخالف ذلك. ومما جاء عنه في ذلك: ما رواه حميد الطويل قال: سمعت الحسن يقول: «خلق الله الشيطان، وخلق

стр. 205

الخير، وخلق الشر، فقال رجل: قاتلهم الله، يكذبون على هذا الشيخ» (١). وعن حميد قال: كان الحسن يقول: «لأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب لي من أن أقول: إن الأمر في يدي أصنع به ما شئت» (٢). وعن قتادة، عن الحسن قال: «من كذَّب بالقدر فقد كذب بالقرآن» (٣). وعن عوف بن أبي جميلة: قال: سمعت الحسن البصري يقول: «من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام»، ثم قال: «إن الله خلق خلقًا فخلقهم بقدره، وقسم الآجال، وقسم أرزاقهم بقدر والبلاء والعافية بقدر» (٤). إلى غير ذلك من المأثور عنه في إثبات القدر وتقريره له، مما هو مبثوث في كتب التفسير والحديث والاعتقاد، مما لا يمكن حصره إلا بصعوبة. وبهذا يتبين براءة الحسن البصري ﵀ من القول بالقدر جملةً وتفصيلًا، وإنما نسب للقول بالقدر إلى أربعة أسباب: ١ - أن ذلك كان من صنيع القدرية ليروج مذهبهم بنسبته إليه. ٢ - أن هذا من كذب خصومه ومبغضيه للنيل منه والطعن فيه. ٣ - أنه نسب للقدر بسب إنكاره على بعض أهل المعاصي الذين يحتجون بالقدر على ذنوبهم، ثم ينسبون من أنكر عليهم الذنوب إلى إنكار القدر. قال الإمام أحمد: «الناس كل من شدد عليهم المعاصي، قالوا: هذا قدري» (٥).

стр. 206

٤ - أن هذا من أوهام جلسائه في فهم كلامه من غير أن يثبت عنه. وما أكثر ما كُذب على أهل العلم قديما وحديثا بسبب سوء الفهم لكلامهم. كما قال الشاعر (١): وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا … وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ ثانيا: الإمام مكحول: هو أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي، تابعي جليل القدر، إمام أهل الشام في زمانه، توفي سنة ثلاث عشرة ومائة (٢). وقد اختلف في نسبته إلى القدر من عدمه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يقول بالقدر. وقد وردت بذلك عدة نقول: فعن ابن خراش أنه قال: «مكحول شامي صدوق، وكان يرى القَدَر» (٣). وقال الذهبي: «هو صاحب تدليس، وقد رمي بالقَدَر، فالله أعلم» (٤). وعن علي بن حملة قال: «كنا على ساقية بأرض الروم، والناس يمرون

стр. 207

وذلك في الغلس ورجل يقص، فدعا، فقال: اللهم ارزقنا رزقًا طيِّبًا، واستعملنا صالحًا، فقال مكحول وهو في القوم: إن الله لا يرزق إلا طيِّبًا. ورجاءُ بن حَيَوة، وعديُّ بن عديّ ناحية، فقال أحدهما لصاحبه: أسمعت؟ قال: نعم. فقيل لمكحول: إن رجاء وعديًّا سمعاك، فشق عليه» (١). وروى الإمام أحمد في العلل: «قال ليث: وكان مكحول يعجبه كلام غيلان فكان إذا ذكره قال: كَلَّ كَليلُه يريد قلَّ قليله، يعني: ما أقل في الناس مثله! يعني: غيلان، وكانت فيه لكنة -يعني: مكحولا-» (٢). القول الثاني: أنه كان يقول بالقدر فرجع عنه. ومما جاء في ذلك: عن يحيى بن معين أنه قال: «كان قدريًّا ثم رجع عنه» (٣). وقال عبد الرزاق: «كان مكحول يقوله -يعني: القدر- وبلغنا أن مكحولًا تنصَّل من القدر» (٤). القول الثالث: أنه بريء من القول بالقدر. ومن أظهر الأدلة على ذلك تصريح مكحول نفسه ببراءته من القدر وأنه ليس من قوله، على ما روى الإمام أحمد في (كتاب العلل) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة قال: «وقف رجاء بن حيوة على مكحول وأنا معه فقال: يا مكحول، بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، والله لو أعلم ذلك لكنت صاحبك من

стр. 208

بين الناس، قال: فقال مكحول: لا والله، أصلحك الله، ما ذاك من شأني ولا قولي -أو نحو ذلك-» (١). وقد برَّأ مكحولًا من القول بالقدر بعَضُ أهل العلم: وقد تقدم قول الأوزاعي: «لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن ومكحولًا، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل» (٢). وروى ابن بطة عن الأوزاعي أيضًا أنه قال: «لا نعلم أحدًا من أهل العلم نسب إلى هذا الرأي إلا الحسن ومكحولًا، ولم يثبت ذاك عنهما» (٣). وقال أبو مسهر: «كان سعيد بن عبد العزيز يبرئ مكحولًا ويدفعه عن القدر» (٤). وعن إبراهيم بن مروان قال: «قال أبي: قلت لسعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد، إن الناس يتهمون مكحولًا بالقدر، فقال: كذبوا، لم يكن مكحول بقدري» (٥). وقد ثبت إنكار مكحول على غيلان وهجره له. فعن أيوب قال: «سمعت مكحولا يقول لغيلان: لا تموت إلا مفتونًا» (٦).

стр. 209

قال ابن عساكر بعد نقله هذا الأثر: «والصواب مقتولًا» (١). وعن محمد بن عبد الله الشعيثي قال: «سمعت مكحولًا يقول: بئس الخليفة كان غيلان لمحمد ﷺ على أمته من بعده» (٢). ونقل ابن حجر في لسان الميزان: أن مكحولًا نهى غيلان عن مجالسته فقال: «لا تجالسني» (٣). وعن إبراهيم بن عبد الله الكناني قال: «حلف مكحول لا يجمعه وغيلان سقف بيت إلا سقف المسجد، وإن كان ليراه في أسطوان من أسطوانات السوق فيخرج منه» (٤). وروى العقيلي عن محمد بن عبد الله الشعيثي، عن مكحول قال: أتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله، أتيت صديقًا لك اليوم أعوده فدفع في صدري دونه، فقال: من هو؟ فكأنه كره أن يخبره، فما زال به حتى قال: هو غيلان، قال: غيلان؟ قال: نعم، قال: إن دعاك غيلان فلا تجبه، وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تتبع جنازته» (٥). والصواب من هذا الأقوال -والله أعلم- هو القول الثالث: وهو القول ببراءة مكحول من القول بالقدر؛ وذلك لعدة وجوه: الأول: أن مكحولًا ﵀ تبرأ من القول بالقدر وأقسم على ذلك لما سأله

стр. 210

رجاء بن حيوة قائلا له: «بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر .. » فقال مكحول: «لا والله، أصلحك الله، ما ذاك من شأني ولا قولي» كما تقدم في الأثر السابق، وليس لنا الحكم إلا على الظاهر، ونهينا عن التنقيب عن بواطن الناس وعلى ما في قلوبهم، وقد قال النبي ﷺ لأسامة ﵁ لما قتل الرجل بعد أن قال: (لا إله إلا الله) وقول أسامة «إنما قالها خوفًا من السلاح» فقال النبي ﷺ : «أفلا شققت عن قلبه .. » (١). وإذا كان هذا في كافر لم يعرف بإسلام قبل التلفظ بالكلمة فكيف بتابعي جليل وإمام في السنة كبير وشيخ الشام في وقته؛ كيف لا تُقبل علانيته وقد نفى التهمة عن نفسه مقسمًا ببراءته من القدر وأنه ليس من شأنه ولا قوله؟!! الثاني: أن مكحولًا قد برأه من القدر الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وهما إمامان جليلان من أجلِّ أصحاب مكحول ومن أكثر أصحابه مجالسة له. قال أبو زرعة الدمشقي: «قلت، يعني لدحيم: من بعد عبد الرحمن بن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز. قلت: فسعيد أكثر مجالسة لمكحول من الأوزاعي؟» (٢) وأعرف الناس بالعالم تلاميذه وخاصة طلابه وقد نفيا عنه القدر وتقدم قولاهما في ذلك فلا يلتفت لقول غيرهما في شيخهما. الثالث: قول ليث وهو: ليث بن أبي سليم في مكحول «وكان مكحول يعجبه كلام غيلان .. » (٣) فنقل ليث عن مكحول لا يَقوى على معارضة قول الأوزاعي

стр. 211

وسعيد بن عبد العزيز صاحبي مكحول وهما أعرف الناس به وقد برَّآه من القدر. فإن ليثًا لم يلق مكحولًا ولم يصحبه وروايته عنه مرسلة، فقد «سئل أبو زرعة عن ليث بن أبي سليم هل سمع من مكحول؟ قال: لا هو مرسل» (١). ثم ما حكاه ليث عن مكحول: (أنه يعجبه كلام غيلان) فهو مع انقطاع سنده -فإن روايته عن مكحول مرسلة والمرسل منقطع لا تقوم به حجة-؛ ففي متنه نكارة من جهة معارضته لما هو مشهور من إنكار مكحول على غيلان وهجره له، وهذا ثابت من أكثر من وجه بنقل أصحاب مكحول وتصريحهم بسماعهم ذمَّ مكحولٍ لغيلانَ ذمًّا شديدًا وهجره له. وكذلك مقولة مكحول في غيلان (قل قليله) -إن ثبتت- فتفسيرها بأن معناها: «ما أقل في الناس مثله!» غريب يأباه اللفظ، والألفاظ قوالب المعاني؛ فإن مكحولًا لو أراد هذا المعنى لقال: (ما أقله في الناس) أو قال: (قَلَّ في الناس نظيره)، بل قوله: (قل قليله) دلالتها على الذم أظهر، وأن معناها (قلَّ بالبدعة قليل غيلان من العلم) أي: أن علمه قليل، ثم قلَّ بالبدعة قليله، فهذا الذي تقتضيه اللفظة من حيث المعنى. وكذا الحال يشهد لهذا من أنها -إن ثبتت عن مكحول- فإنه إنما أراد ذم غيلان لا مدحه وهي أوفق من جهة المعنى لقوله: «بئس الخليفة كان غيلان لمحمد ﷺ على أمته من بعده» (٢)، أما أن تحمل على أنه قصد بها مدحًا، متضمنًا هذا الإطراء المبالغ فيه، وأنه أراد أنه (قَلَّ في الناس مثله)؛ فهذا من قلب المعاني والجمع بين الأضداد. الرابع: أن مكحولًا إمام أهل الشام وكانت له منزلة وكلمة نافذه فيهم،

стр. 212

قال ابن كثير: «وكان له وجاهة عند الناس، مهما أمر به من شيء يفعل» (١). وقد تعرض لحسد شأنه شأن كل ذي نعمة وفضل، فعاداه أناس وتكلموا فيه وكانوا يغرون به رجاء بن حيوة وهو إمام أهل الشام ويطعنون فيه عنده. روى الذهبي عن عاصم بن رجاء بن حيوة قال: «جاء مكحول إلى أبي، فقال: يا أبا المقدام، إنهم يريدون دمي، قال: قد حذرتك القرشيين ومجالستهم، ولكنهم أدنوك وقربوك، فحدثتهم بأحاديث، فلما أفشوها عنك كرهتها، فراح، فجاء الذين يعيبونه، فذكروه فقال أبي: دعوه، فقد كنتم حديثًا وأنتم تحسنون ذكره .. » (٢). وكان مكحول يقول: «ما زلت مضطلعًا على من ناوأني حتى عاونهم عليَّ رجاء بن حيوة، وذلك أنه كان سيد أهل الشام في أنفسهم» (٣). فرجل هذا شأنه لا يبعد أن يكذب عليه ويطعن فيه بما ليس فيه يؤكد هذا الأثر السابق عن إبراهيم بن مروان، قال: قال أبي: «قلت لسعيد بن عبد العزيز: يا أبا محمد، إن الناس يتهمون مكحولا بالقدر، فقال: كذبوا، لم يكن مكحول بقدري» (٤). الخامس: أن قول مكحول في (الرزق) ليس صريحا في تقرير قول القدرية؛ فلفظ الرزق فيه إجمال كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قال ﵀: «لفظ (الرزق) فيه إجمال؛ فقد يراد بلفظ الرزق ما أباحه أو ملكه فلا يدخل

стр. 213

الحرام في مسمى هذا الرزق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] وقوله: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: ٧٥] وأمثال ذلك. وقد يراد بالرزق ما ينتفع به الحيوان وإن لم يكن هناك إباحة ولا تمليك فيدخل فيه الحرام كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]» (١). وبهذا يتبين أن قول مكحول: «إن الله لا يرزق إلا طيبًا» (٢) له وجه صحيح على المعنى الأول الذي ذكره شيخ الإسلام، قال شيخ الإسلام: «فلا يدخل الحرام في مسمى هذا الرزق» ولا يلزم لمن قال: إن الله لا يرزق إلا طيبًا، يريد به هذا المعنى أن يكون موافقًا للقدرية والمعتزلة الذين يقولون: إن الله لا يقدر الحرام ولا يرزقه، بناء على قولهم في أن الذنوب هي صادرة من قبل العبد ولا تدخل في تقدير الرب ولا خلقه. قال الأشعري: «قالت المعتزلة: إن الأجسام الله خالقها، وكذلك الأرزاق وهي أرزاق الله -سبحانه- فمن غصب إنسانًا مالًا أو طعامًا فأكله أكل ما رزق الله غيره ولم يرزقه إياه. وزعموا بأجمعهم أن الله -سبحانه- لا يرزق الحرام كما لا يملِّك الله الحرام، وأن الله -سبحانه- إنما رزق الذي ملَّكه إياهم دون الذي غصبه. وقال أهل الإثبات: الأرزاق على ضربين: منها ما ملَّكه الله الإنسان ومنها ما جعله غذاءً له وقوامًا لجسمه وإن كان حرامًا عليه فهو رزقه إذ جعله الله

стр. 214

-سبحانه- غذاءً له لأنه قوام لجسمه … » (١). فتبين أن قول مكحول محتمل لمعنى صحيح مقرر عند أهل السنة، ومقتضى حسن الظن بهذا الإمام الجليل أن يحمل كلامه على مَحمل حسن. قال سعيد بن المسيب: «كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ : أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا وأنت تجد له في الخير محملًا» (٢). السادس: أن الإمام الأوزاعي حقق هذا المسألة وحكى الشبهة في نسبة بعض أئمة التابعين للقدر، وأنه كشف عن ذلك مع قرب العهد والتجرد للحق، ثم صرح بما انتهى إليه من ذلك في قوله: «لم يبلغنا أن أحدًا من التابعين تكلم في القدر إلا هذين الرجلين: الحسن ومكحولًا، فكشفنا عن ذلك، فإذا هو باطل» (٣)، فكفى بذلك الباحثين المؤونةَ في تحقيق هذا المسألة وخلص إلى هذه النتيجة التي لا ينبغي العدول عنها، وهي براءة أئمة التابعين من بدعة القدر وهذا هو الذي يليق بمقامهم فإنهم على ميراث الصحابة الكرام علرضي الله عنهم جميعا وجزاهم عن الأمة خيرًا. وبهذا يتبين براءة الإمام مكحول من القدر، وأن نسبته إليه إما مرجعها للكذب عليه من خصومه، أو لما اشتبه من كلامه، وأنه بريءٌ من القول بالقدر لما تقدم عرضه من الأدلة، فلله الحمد والمنة.

стр. 215

ثالثًا: قتادة: هو أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي البصري الأعمى، أحد علماء التابعين، والأئمة العاملين، كانت ولادته سنة ستين للهجرة. وتوفي سنة سبع عشرة ومائة بواسط (١). واختلف في نسبته للقدر على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يقول بالقدر. وهذا هو المشهور المنقول عن الأئمة: قال أحمد بن حنبل: «كان قتادة وسعيد يقولان بالقدر ويكتمان» (٢). ويعني بسعيد: (سعيد بن أبي عروبة) (٣). وقال يحيى بن معين: «رمي بالقدر» (٤). وقال ابن سعد: «قتادة بن دعامة السدوسي وكان يكنى أبا الخطاب، وكان ثقة مأمونًا، حجة في الحديث، وكان يقول بشيء من القدر» (٥). وقال العجلي: «قتادة بن دعامة السدوسي: يكنى أبا الخطاب، بصري، تابعي، ثقة وكان ضرير البصر، وكان يقول بشيء من القدر، وكان لا يدعو إليه، ولا يتكلم فيه.» (٦).
следующие страницы →