← Акыда

Акыда · id 1257

المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (245 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

[١] قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤]. [٣] قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. [٤] قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وهذه الإرادة لا تستلزم الرضى والمحبَّة، بل قد يكون بها ما يحبَّه الله ويرضاه، وقد يكون بها ما لا يحبُّه ولا يرضاه؛ كما خلق إبليس وهو لا يحبُّه، وخلق المؤمن وهو يحبُّه، وكذلك قد يخلق ما لا يأمر به كمعصية العاصي، أو ما أمر به كطاعة المؤمن، وقد يأمر بما لم يشأ أن يخلقه؛ كالطاعة في حق مَنْ لم يوفِّقه إليها، أو ما يشاء أن يخلقه؛ كطاعة مَنْ يوفقه للطاعة (١). ثانيًا: الإرادة الدينيَّة الشرعيَّة: وهي متعلِّقةٌ بالأمر الذي أراد الله من عبده فعله، وهي متضمِّنةٌ للمحبَّة والرضى، ولا تستلزم وقوع المراد إلا إذا تعلَّقت بالإرادة الكونيَّة (٢). ومن الأدلَّة عليها: [١] قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. [٢] قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٧ - ٢٨].

стр. 72

[٣] قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وهذه الإرادة تستلزم الأمر. قال ابن القيِّم: «والصواب: أن الأمر يستلزم الإرادة الدِّينيَّة ولا يستلزم الإرادة الكونيَّة؛ فإنه لا يأمر إلا بما يريده شرعًا ودينًا، وقد يأمر بما لا يريده كونًا وقدرًا؛ كإيمان مَنْ أمره ولم يوفِّقه للإيمان» (١). صُوَر اجتماع الإرادتين وافتراقهما: هاتان الإرادتان قد تجتمعان وقد تفترقان، وقد توجد إحداهما دون الأخرى، ولذلك أربع صورٍ ذكرها شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: الصورة الأولى: ما تعلَّقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ كإيمان أبي بكرٍ وسائر المؤمنين، وحصول الطاعات منهم. الصورة الثانية: ما تعلَّقت به الإرادة الدِّينيَّة فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفَّارُ والفجَّارُ؛ كإيمان أبي جهلٍ وسائر الكافرين، وما أراده الله من طاعتهم. الصورة الثالثة: ما تعلَّقت به الإرادة الكونيَّة فقط، وهو ما قدَّره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها؛ كالمباحات، والمعاصي الواقعة في الناس، ولولا إرادته لها كونًا لما وقعت. الصورة الرابعة: ما لم تتعلَّق به الإرادتان، وهو ما لم يكن من أنواع المباحات والمعاصي؛ فإن الله لم يأمر بها ولم يردها شرعًا، كما أنه لم يردها كونًا؛ فلم تقع،

стр. 73

ومثالها: كفر المؤمن والمعاصي التي عصمه الله منها؛ فلم تقع منه (١). الفرق بين الإرادتين الشرعيَّة والكونيَّة: [١] ما أراده الله كونا لا بدَّ من وقوعه، وما أراده شرعًا لا يلزم وقوعه؛ فقد يقع وقد لا يقع، إلا أن تتعلَّق به الإرادة الكونيَّة. [٢] ما أراده الله كونا قد يحبُّه الله ويرضاه، وقد لا يحبُّه ولا يرضاه، فالله أراد المعصية كونًا ولا يرضاها شرعًا، وما أراده الله شرعا لا بدَّ أن يحبَّه ويرضاه. [٣] الإرادة الكونيَّة لا تستلزم الأمر إلا إذا اجتمعت مع الإرادة الشرعيَّة، والإرادة الشرعيَّة تستلزم الأمر؛ فكلُّ ما أراده الله شرعًا أمر به. [٤] الإرادة الكونيَّة قد تكون مقصودةً لغيرها، كإرادة خلق إبليس وسائر الشرور؛ لتحصل بسبب ذلك المجاهدة والتوبة والاستغفار، وغير ذلك من المحابِّ، والإرادة الشرعيَّة مقصودةٌ لذاتها؛ فالله أراد الطاعة لنفسها ورضيها وأحبَّها (٢). ثانيًا: أقوال المخالفين في تقسيم الإرادتين: خالف في هذا التقسيمَ: طائفتان: الطائفة الأولى: القدريَّة. أثبتوا الإرادة الشرعية وأنكروا الإرادة الكونية، وزعموا أن كفر الكافر ومعصية العاصي لا تدخل تحت إرادة الله ولا تقديره. وقالوا: إن الأمر يستلزم الإرادة، فكلُّ ما أمر به فقد أراده، وقالوا: علمنا

стр. 74

أن الله لم يأمر بالكفر والمعاصي فهو لم يردها (١). الطائفة الثانية: الجبريَّة. أثبتوا الإرادة الكونية وأنكروا الإرادة الشرعية، وقالوا: إن الكفر والمعاصي مرادة لله تعالى ومحبوبة له وقد جبرهم عليها لا خيار لهم في تركها. وقالوا: إن الأمر لا يستلزم الإرادة، ولهذا لم يأمر الله بالكفر وأراده (٢). الرد على القدرية والجبرية وبيان شبهتهما: شبهة الفريقين هي عدم التفريق بين الإرادتين الكونية والشرعية، وتسويتهم بينهما، وظنُّهم أن الإرادة والمشيئة مترادفتان، وأنهما مستلزمتان للمحبَّة والرضى. فذهب القدريَّة إلى إنكار المشيئة والإرادة فيما يقع من الكفر والمعاصي؛ لأن الله لا يحبُّها ولا يرضاها. وذهب الجبريَّة إلى أن الله يحبُّ الكفر والمعاصي؛ لأنه شاءها وقدَّرها. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وجهمٌ ومَن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبَّته ورضاه بمعنًى واحدٍ، ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان فلا يشاؤه؛ فقالوا: إنه يكون بلا مشيئةٍ، وقالت الجهميَّة: بل هو يشاء ذلك، فهو يحبُّه ويرضاه» (٣). فضَلَّ القدريَّة المعتزلة في دعواهم أنه يقع في ملك الله ما لا يريد ولا يشاء. وضَلَّ الجبريَّة الجهميَّة في دعواهم أن الكفر والمعاصي محبوبةٌ لله مرضيَّةٌ.

стр. 75

والقدريَّة مصيبون في أن الله لا يحبُّ الكفر والمعاصي، والجبريَّة مصيبون في أن الله قدَّرها وشاءها. وهدى الله أهل السنَّة لإثبات الحقِّ الذي عند كلا الطائفتين، وردِّ الباطل الذي ضلَّت فيه الطائفتان. وقد أفضى بالقدريَّة قولهم إلى إنكار القدر، كما أفضى بالجبريَّة قولهم إلى إنكار الشرع، ولهذا فضَّل العلماء القدريَّة في هذا الباب على الجبريَّة؛ لأن إنكار الشرع شرٌّ من إنكار القدر. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «فالمعتزلة ونحوهم من القدريَّة الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي، والوعد والوعيد خيرٌ من هؤلاء الجبريَّة القدريَّة الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي» (١).

стр. 76

الفصل الثاني المسائل المتعلِّقة بأفعال الله في باب القدر، وتنزُّهه عن الشرِّ والظلم ويشتمل على خمسة مباحث: المبحث الأوَّل: معتقد أهل السنة في الحكمة في أفعال الله، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم المبحث الثاني: معتقد أهل السنة في مسألة الصلاح والأصلح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم المبحث الثالث: معتقد أهل السنة في مسألة التكليف بما لا يُطاق، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم المبحث الرابع: معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الشرِّ، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم المبحث الخامس: معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الظلم، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم

стр. 77

المبحث الأوَّل معتقد أهل السنة في الحكمة في أفعال الله، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم اختلف المسلمون في الحكمة والتعليل في أفعال الله بعد اتِّفاقهم على أن الله موصوفٌ بالحكمة، ويرجع هذا الاختلاف إلى اختلافهم في مفهوم الحكمة في أفعاله. ومجمل أقوال الناس في ذلك ترجع إلى ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة وجمهور المسلمين). يقولون: إن الله تعالى يخلق لحكمةٍ، ويأمر لحكمةٍ، والحكمة صفة له قائمة به وهو حكيمٌ في خلقه، وأمره (١). لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنىً ومصلحةٍ وحكمةٍ، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ لأجلها فَعَلَ، كما هي ناشئةٌ عن أسبابٍ بها فَعَلَ (٢). ويعتقد أهل السنة: أن الله يفعل لعلَّةٍ، ولام التعليل داخلةٌ في أفعال الله وأحكامه، خلافًا للأشاعرة (٣). وأما لفظ (الغرض): فيطلقه بعض المنتسبين لأهل السنَّة، ويقولون: إنه يفعل لغرضٍ -أي: حكمةٍ-، وكثيرٌ من أهل السنَّة يقولون: يفعل لحكمةٍ، ولا يطلقون لفظ (الغرض). ذكرهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٤).

стр. 78

فهذا مجمل معتقد أهل السنَّة في مسألة الحكمة والتعليل ملخَّصًا من أقوال الأئمَّة. ومن نصوصهم في ذلك: قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وجمهور أهل السنَّة على إثبات الحكمة والتعليل في أفعاله وأحكامه» (١). وقال ﵀: «وقال الجمهور من أهل السنَّة وغيرهم: بل هو حكيمٌ في خلقه وأمره، والحكمة ليست مطلق المشيئة؛ إذ لو كان كذلك لكان كلُّ مريدٍ حكيمًا … فأئمَّة الفقهاء متَّفقون على إثبات الحكمة والمصالح في أحكامه الشرعيَّة» (٢). وقال ابن القيِّم ﵀: «المذهب الوسط الذي هو في المذاهب كالإسلام في الأديان، وعليه سلف الأمَّة وأئمَّتها والفقهاء المعتبرون: من إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره، وإثبات لام التعليل وباء السببيَّة في القضاء والشرع، كما دلَّت عليه النصوص مع صريح العقل والفطرة، واتَّفق عليه الكتاب والميزان» (٣). وقال ﵀: «قد دلت أدلة العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة أنه سبحانه حكيمٌ، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا لغير معنىً ومصلحةٍ وحكمةٍ هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرةٌ عن حكمةٍ بالغةٍ لأجلها فَعَلَ، كما هي ناشئةٌ عن أسبابٍ بها فَعَلَ، وقد دلَّ كلامه وكلام رسوله

стр. 79

على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تُحصى ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها» (١). القول الثاني: (قول الجهمية والأشاعرة، وطوائف من الفقهاء، وكثيرٍ من الظاهريَّة كابن حزمٍ وأمثاله). قالوا: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد، وإيقاعها على الوجه الذي أراده، وإن أطلقوا لفظها فلا يعنون به معناها، بل يطلقونها لأجل مجيئها في القرآن، ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. وقالوا: خلق المخلوقات وأمر بالمأمورات لا لعلَّةٍ ولا لداعٍ ولا باعثٍ، بل فعل ذلك لمحض المشيئة وصِرْف الإرادة (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وكذلك الحكمة؛ أجمع المسلمون على أن الله تعالى موصوفٌ بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك. فقالت طائفةٌ: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد، وإيقاعها على الوجه الذي أراده، ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة … » إلى أن قال بعد ذكر الأقوال في المسألة: «وأصحاب القول الأوَّل كجهم بن صفوان وموافقيه، كالأشعريِّ ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالكٍ والشافعيِّ وأحمد وغيرهم؛ يقولون: ليس في القرآن لام التعليل في أفعال الله، بل ليس فيه إلا لام العاقبة» (٣). وقال الإسفرايينيُّ: «إنه حكيمٌ في جميع أفعاله، وحقيقة الحكمة في أفعاله : وقوعها موافقةً لعلمه وإرادته، وهو الحكمة في أفعال الحكماء في الشاهد؛ لأن مَنْ فعل فعلًا لا يقع على موافقة إرادته؛ يُقال: إنه لم

стр. 80

يرتِّبه على حكمةٍ منه فيه، فإذا حصل مراده فيه؛ يُقال: إنه حكيمٌ في فعله» (١). وقال ابن حزمٍ: «وأما الله تعالى فلا طاعة لأحدٍ عليه، فبطل أن تكون أفعاله جاريةً على أحكام العبيد المأمورين المربوبين المسؤولين عما يفعلون، لكن أفعاله تعالى جاريةٌ على العزَّة والقدرة والجبروت والكبرياء والتسليم له، وأنه لا يُسأل عما يفعل ولا مزيد» (٢). و احتجَّ أصحاب هذا القول بحجَّتين: إحداهما: أن ذلك يستلزم التسلسل، فإنه إذا فعل لعلَّةٍ، فتلك العلَّة أيضًا حادثةٌ، فتفتقر إلى علَّةٍ. وهكذا إلى غير نهاية، وهو باطل. وجواب هذه الشبهة: أن هذا التسلسل هو في الحوادث المستقبلة لا في الحوادث الماضية، فإنه إذا فعل فعلًا لحكمة كانت الحكمة حاصلة بعد الفعل، والتسلسل في المستقبل جائز عند جماهير المسلمين وغيرهم من أهل الملل وغير أهل الملل، فإن نعيم الجنة وعذاب النار دائمان مع تجدد الحوادث فيهما، وإنما أنكر ذلك الجهم بن صفوان (٣). الثانية: قالوا: مَنْ فعل لعلَّةٍ كان مستكملًا بها، والمستكمل بغيره ناقصٌ بنفسه، وذلك ممتنعٌ على الله (٤). والجواب عن هذه الشبهة: أن الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له، فإن حكمته قائمةٌ به كسائر صفاته، فثبوت حكمته لا يستلزم استكماله

стр. 81

بغيرٍ منفصلٍ عنه (١). القول الثالث: (قول المعتزلة وأتباعهم من الشيعة). قالوا: إنه يخلق ويأمر لحكمةٍ مخلوقةٍ منفصلةٍ عنه، من غير أن يعود إليه من ذلك حكمٌ ولا قام به فعلٌ ولا نعتٌ، وهذه الحكمة تعود إلى العباد، وهي نفعهم والإحسان إليهم؛ فلم يخلق ولم يأمر إلا لذلك (٢). قال القاضي عبد الجبَّار: «إن الله سبحانه ابتدأ الخلق لعلَّةٍ، نريد بذلك وجه الحكمة الذي له حَسُن منه الخلق، فيبطل على هذا الوجه قول مَنْ قال: إنه تعالى خلق الخلق لا لعلَّةٍ، لما فيه من إيهام أنه خلقهم عبثًا، لا لوجهٍ تقتضيه الحكمة وذلك -أي: نقص من يفعل لا لغرض- ظاهر في الشاهد» (٣). ثم رتَّبوا على ذلك مسائل عظيمةً رأوها لازمةً لمعتقدهم في هذه المسألة: ومن ذلك: إنكارهم قدرة الله على أعمال العباد، وزعموا أن العباد يطيعون ويعصون دون أن يكون لله مشيئةٌ في أفعالهم، وأنه تعالى لا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا، وأنه يجب عليه أن يفعل الصلاح والأصلح لكلِّ عبدٍ، ولو فعل غير هذا لتنافى مع حكمته وإحسانه لعباده، بل زعموا أن خلاف هذا عبثٌ يجب أن يتنزَّه الله عنه. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وتفصيل حكمة الله في خلقه وأمره يعجز عن معرفتها عقول البشر، والقدريَّة دخلوا في التعليل على طريقةٍ فاسدةٍ مثَّلوا الله

стр. 82

فيها بخلقه، ولم يثبتوا حكمةً تعود إليه، فسلبوه قدرته وحكمته ومحبَّته وغير ذلك من صفات كماله … وأثبتوا حسنًا وقبحًا لا يتضمَّن محبوبًا ولا مكروهًا، وهذا لا حقيقة له، كما أثبتوا تعليلًا لا يعود إلى الفاعل حكمه» (١). وقال ابن القيِّم ﵀: «أهل البدع من المعتزلة والقدريَّة الذين يوجبون على ربِّهم مراعاة الأصلح لكلِّ عبدٍ -وهو الأصلح عندهم وفي ظنهم-، فيشرِّعون له شريعةً بعقولهم، ويحجِّرون عليه ويحرِّمون عليه أن يخرج عنها، ويوجبون عليه القيام بها، وكذلك كانوا من أحمق الناس وأعظمهم تشبيهًا للخالق بالمخلوق في أفعاله، وأعظمهم تعطيلًا له عن صفات كماله، فنزَّهوه عن صفات الكمال وشبَّهوه بخلقه في الأفعال، وأدخلوه تحت الشريعة الموضوعة بآراء الرجال، وسمَّوا ذلك عدلًا وتوحيدًا بالزور والبهتان» (٢). بيان الحق في ذلك والرد على المخالفين: والحق في ذلك هو ما عليه أهل السنة؛ فقد هداهم الله للحقِّ الذي ضلَّت عنه الطائفتان، وسلَّمهم من الضلال الذي حقَّ عليهم. فأهل السنة يعتقدون أن الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له -كما ادَّعت المعتزلة-، فثبوت حكمته لا يستلزم استكماله بغيره (٣). والحكمة أيضًا ليست مطلق المشيئة -كما زعمت الجهمية والأشاعرة-؛ إذ لو كان كذلك لكان كلُّ مريدٍ حكيمًا (٤).

стр. 83

ويثبت أهل السنة لله الحكمة البالغة في خلقه وأمره مع كمال القدرة ونفوذ مشيئته في تدبير شؤون خلقه قدرًا وشرعًا. والمعتزلة أثبتوا لله حكمةً وعدلًا، وأنكروا قدرة الله على أفعال العباد وخلقه لها ومشيئته لها؛ بدعوى معارضة ذلك للحكمة والعدل في الثواب والعقاب. والجهميَّة والأشعريَّة أثبتوا له قدرةً ومشيئةً نافذةً بلا حكمةٍ؛ بدعوى أن الفعل لعلَّةٍ يستلزم الحاجة والنقص، والله متنزِّهٌ عن ذلك ويتنافى مع قدرته. والله تعالى يقول: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فقد أثبت تعالى لنفسه مشيئةً نافذةً في أعمال العباد مع العلم والحكمة. فإثباته للمشيئة النافذة ردٌّ على المعتزلة القدريَّة نفاة القدرة، وإثباته للعلم والحكمة ردٌّ على الجهميَّة والأشعريَّة نفاة الحكمة، فسبحان العليم الحكيم؛ فما من محدثةٍ وبدعةٍ إلا اشتمل كتابه على دحضها وردِّها. ونظير هذه الآية من السنَّة قول النَّبِيِّ ﷺ في دعاء الكرب: «اللهمَّ إنِّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك … » (١)؛ ففيه ردٌّ على الطائفتين. ففي قوله: «ماضٍ فِيَّ حكمُك» ردٌّ على المعتزلة القدريَّة الذين ينكرون قدرته سبحانه على أفعال العباد ومشيئته لها. وفي قوله: «عدلٌ فِيَّ قضاؤك» ردٌّ على الجهميَّة والأشعريَّة المجبرة الذين ينكرون حكمته وعدله في تدبير شؤون خلقه. قال ابن القيِّم: «ومَن تأمَّل كلام سلف الأمَّة وأئمَّة أهل السنَّة رآه ينكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط، فينكر قول المعتزلة المكذِّبين بالقدر، وقول

стр. 84

الجهميَّة المنكرين للحكم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدريَّة المجوسيَّة، ولا بقول القدريَّة الجبريَّة نفاة الحكمة والرحمة والتعليل. وعامَّة البدع المحدَثة في أصول الدين من قول هاتين الطائفتين الجهميَّة والقدريَّة، والجهميَّة رؤوس الجبريَّة وأئمَّتهم أنكروا حكمة الله ورحمته، وإن أقرُّوا بلفظٍ مجرَّدٍ فارغٍ عن حقيقة الحكمة والرحمة. والقدريَّة والنفاة أنكروا كمال قدرته ومشيئته. فأولئك أثبتوا نوعًا من الملك بلا حمدٍ، وهؤلاء أثبتوا نوعًا من الحمد بلا ملكٍ، فأنكر أولئك عموم حمده، وأنكر هؤلاء عموم ملكه، وأثبت له الرسل وأتباعهم عموم الملك وعموم الحمد كما أثبته لنفسه، فله كمال الملك وكمال الحمد، فلا يخرج عينٌ ولا فعلٌ عن قدرته ومشيئته وملكه، وله في كلِّ ذلك حكمةٌ وغايةٌ مطلوبةٌ يستحقُّ عليها الحمد، وهو في عموم قدرته ومشيئته وملكه على صراطٍ مستقيمٍ، وهو حمده الذي يتصرَّف في ملكه به ولأجله» (١).

стр. 85

المبحث الثاني معتقد أهل السنة في مسألة الصلاح والأصلح، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم هذه المسألة مترجمة في كتب الاعتقاد بمسألة (الصلاح والأصلح). وحاصلها هل يجب على الله فعل (الصلاح أو الأصلح للعباد، أو لا يجب عليه شيئ من ذلك؟). والصلاح: ما فيه صلاحهم ونفعهم، والأصلح: الأنفع والأحسن لهم. وأول من أحدث القول في هذه المسألة المعتزلة ثم تكلم الناس فيها نفيا وإثباتا (١). واختلفوا فيها على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنة). يعتقدون في ذلك ما دلت عليه الأدلَّة، فيقولون: إن الخلق لا يوجبون على الله شيئًا لا فعل الصلاح ولا الأصلح، ولا غير ذلك مما يدبِّره سبحانه من شؤون خلقه، فالخلق خلقه، والأمر أمره، لا يُسأل عما يفعل، ولا معقِّب لحُكْمه. قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]، وقال تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. ويقولون مع ذلك: إن الله له الحكمة البالغة فيما يخلق ويقدِّر، وفيما يأمر ويشرِّع. خلق العباد لحكمةٍ عظيمةٍ، وشرع الدين وهو مشتملٌ على الحكمة ومصالح العباد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى

стр. 86

الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. ويقولون: إن الله أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، وقال تعالى في وصف نبيِّه ﷺ : ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. والضرر الذي يلحق بعض المخلوقين إنما يحصل لهم لمخالفة أمره سبحانه، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. وهو ﵎ لتمام ملكه وعزَّته وقُدُّوسيَّته وحكمته تنزَّه عن كلِّ نقصٍ، وعامَّة المخلوقات تسبِّحه وتنزِّهه عن كلِّ نقصٍ، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجمعة: ١]. والله ﵎ حرَّم على نفسه الظلم، وهو لا يحبُّ الفساد، ولا يعذِّب العباد بغير جرمٍ، فلا يقع منه ما حرَّم سبحانه على نفسه بوعده الصادق. قال تعالى في الحديث القدسيِّ: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا» (١). وقال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١].

стр. 87

وهو لعظيم رحمته وإحسانه كتب على نفسه الرحمة، ونصر المؤمنين، وأن الغلبة له ولرسله وجنده، وهو لا يخلف وعده، وكلُّ ذلك متحقِّقٌ لا محالة، قال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١]. وله سبحانه الحمد والفضل والمنَّة بما أوجب على نفسه، وله الثناء الحسن والشكر بما وفَّى من وعده. وهذا بخلاف حقِّه على العباد؛ فهو متعيِّنٌ عليهم، ويترتَّب على تركه الذمُّ والعقاب، فإن عذبهم على تقصيرهم فيه فبعدله وحكمته، وإن عفا عنهم فيه فبفضله وإحسانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وذهب جمهور العلماء إلى أنه إنما أمر العباد بما فيه صلاحهم، ونهاهم عما فيه فسادهم، وأن فعل المأمور به مصلحةٌ عامَّةٌ لمن فعله، وأن إرساله الرسل مصلحةٌ عامَّةٌ، وإن كان فيه ضررٌ على بعض الناس» (١). وقال ﵀: «وأما الإيجاب عليه والتحريم بالقياس على خلقه؛ فهذا قول القدريَّة، وهو قولٌ مبتدَعٌ مخالفٌ لصحيح المنقول وصريح المعقول. وأهل السنَّة متَّفقون على أنه سبحانه خالق كلِّ شيءٍ وربُّه ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا؛ ولهذا كان من قال من أهل السنَّة بالوجوب؛ قال: إنه كتب على نفسه الرحمة، وحرَّم الظلم على نفسه،

стр. 88

لا أن العبد نفسه مستحقٌّ على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق» (١). القول الثاني: (قول المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة). اتَّفقوا على أنه يجب على الله فعل الصلاح والخير لكلِّ عبدٍ معيَّنٍ في دينه، وسمَّوه عدلًا. قالوا: وتركه سفهٌ يجب تنزيه الله عنه. ويجعلون هذا الواجب من جنس ما يجب على الإنسان (٢). قال الشهرستانيُّ: «واتَّفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير، ويجب من حيث الحكمة رعاية مصالح العباد. وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلافٌ. وسمَّوا هذا النمط: عدلًا» (٣). وقالوا: إن الله استصلح عباده، ولا يقدر بعد ذلك على أن يفعل لمخلوقٍ من المصلحة غير ما فعل. قال أبو بكرٍ الباقلانيُّ: «وزعم البغداديُّون منهم والنظَّام من البصريِّين أيضًا: أن القديم سبحانه قد استصلح عباده بغاية ما يقدر عليه من الصلاح، وأنه ليس في خزائنه ولا في سلطانه، ولا يتوهَّم منه صلاحٌ يقدر عليه أكثر مما قد استصلحهم به في دينهم ودنياهم. وزعم البصريُّون منهم خاصَّةً: أنه تعالى قد استصلح عباده بغاية ما في قدرته من الصلاح في باب دينهم خاصَّةً، وأنه لا يقدر على صلاحٍ لهم في باب الدين أصلح مما فعله بهم» (٤).

стр. 89

ونقل البغداديُّ عن النظَّام أنه يقول: «إن الله لا يقدر أن يفعل بعباده خلاف ما فيه صلاحهم، ولا يقدر على أن ينقص من نعيم أهل الجنَّة ذرَّةً؛ لأن نعيمهم صلاحٌ لهم، والنقصان مما فيه الصلاح ظلمٌ عنده، ولا يقدر أن يزيد في عذاب أهل النار ذرَّةً، ولا على أن ينقص من عذابهم شيئًا … ثم زاد على هذا بأن قال: إن الله تعالى لا يقدر على أن يُعمي بصيرًا أو يُزمِن صحيحًا أو يُفقِر غنيًّا إذا عَلِمَ أن البصر والصحَّة والغنى أصلح لهم» (١). وقال ابن حزمٍ: «ومن العجب اتِّفاق النظَّام والعلَّاف شيخي المعتزلة على أنه ليس يقدر الله تعالى من الخير على أصلح مما عمل» (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «ومذهبهم أنه لا يقدر أن يفعل مع مخلوقٍ من المصلحة الدينيَّة غير ما فعل، ولا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يُضِلَّ مهتديًا» (٣). تعالى الله عن قولهم علوًّا عظيمًا. وقد اختلف المعتزلة -بعد اتِّفاقهم على وجوب فعل الصلاح على الله للعباد- في مسألتين متفرِّعتين عن هذه المسألة: المسألة الأولى: هل يجب على الله فعل الصلاح لعباده في الدين والدنيا، أم في الدين فقط؟ لهم في ذلك قولان (٤): القول الأوَّل: أنه يجب على الله فعل الصلاح للعباد في الدين دون الدنيا.

стр. 90

وهو قول معتزلة البصرة، ومنهم: أبو عليٍّ الجُبَّائيُّ، وأبو هُذيلٍ العلَّاف، وإبراهيم النظَّام، والجاحظ. القول الثاني: أنه يجب على الله فعل الصلاح للعبد في الدين والدنيا معًا. وهو قول معتزلة بغداد، ومنهم: محمدٌ الإسكافيُّ، وعبد الرحيم الخيَّاط، وعبد الله البلخيُّ، وابن أبي الحديد. المسألة الثانية: هل يجب على الله فعل الأصلح. اختلفوا في ذلك على قولين (١): القول الأوَّل: أنه يجب على الله فعل الأصلح لكلِّ عبدٍ من عباده، ويسمونه (اللطف). وهذ قول عامَّة المعتزلة، عدا بشر بن المعتمر. واحتجُّوا لقولهم بأمرين: ١ - أن أصلح الأشياء هو الغاية، وقد فعله الله بعباده، ولا شيء يُتوهَّم وراء الغاية. ٢ - أنه لو كان في معلوم الله شيءٌ يؤمنون عنده أو يصلحون به ثم لم يفعله بهم؛ لكان مريدًا لفسادهم، وهو منزَّهٌ عن هذا. القول الثاني: أنه لا يجب على الله فعل الأصلح. وهو قول بشر بن المعتمر. وله فيه مأخذان: ١ - أن الأصلح لا نهاية له، فلا أصلح إلا وفوقه ما هو أصلح منه، ولا نهاية لقدرة الله على ذلك فيكون محالًا.

стр. 91

٢ - أن الله لو فعل لهم الأصلح لآمن الناس به جميعًا وأطاعوه ولم يعصوه. وقد وجدنا من الناس الكافر والعاصي، فدلَّ على أنه لا يجب على الله. القول الثالث: (قول الجهميَّة، والأشاعرة). قالوا: لا يجب على الله فعل الصلاح ولا الأصلح، وأن ذلك ليس بواجبٍ عليه، وليس بلازمٍ وقوعه منه. بل قالوا: إنه لا يفعل لمصلحةٍ ما، وأنكروا أن يكون الله يفعل لجلب منفعةٍ لعباده أو دفع مضرَّةٍ. بل يقولون: إنه لا يفعل شيئًا لأجل شيءٍ ولا بشيءٍ، ولا يثبتون له حكمةً ولا رحمةً في أفعاله، بل عندهم يفعل بمشيئةٍ محضةٍ (١). قال الشهرستانيُّ في سياق ذكر مقالات الأشعريِّ: «ولا يجب على الله تعالى شيءٌ ما بالعقل، لا الصلاح، ولا الأصلح، ولا اللطف، وكلُّ ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة الموجبة، فيقتضي نقيضه من وجهٍ آخر» (٢). وقال الغزاليُّ: «وأنه لا يجب رعاية الأصلح لهم، وأنه لا يجب عليه ثواب الطاعة وعقاب المعصية» (٣). وقال الإسفرايينيُّ: «وقد بيَّنَّا نحن أن الوجوب على الله تعالى محالٌ، وكلُّ عاقلٍ يعلم أن الكافر لا صلاح له في كفره ولا ما يحلُّ به من تبعات فعله» (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -بعد حكايته لقول المعتزلة في مسألة الصلاح والأصلح-: «والقدريَّة المجبرة الجهميَّة لا يثبتون له حكمةً ولا رحمةً، بل

стр. 92

عندهم يفعل بمشيئةٍ محضةٍ، لا لها حكمةٌ ولا رحمةٌ. والجهم بن صفوان رأس هؤلاء، كان يخرج إلى المبتلين من الجذمى وغيرهم، فيقول: أرحم الراحمين يفعل هذا؟! يريد أنه ليس له رحمةٌ، فهؤلاء وأولئك في طرفين متقابلين» (١). بيان الحق في ذلك والرد على المخالفين: والحق في ذلك هو ما قال به أهل السنة وقولهم وسط بين المقالتين المخالفتين، وقد اشتملت كلتا المقالتين المخالفتين على حقٍّ وباطلٍ. وهدى الله أهل السنَّة لما اختُلِف فيه من الحقِّ بإذنه، وعصمهم من الضلال بفضله (٢). فالمعتزلة القدريَّة: أصابوا فيما أثبتوا لله من الحكمة والتنزُّه عن ضدِّها. وأخطؤوا في إخضاع هذه الحكمة لعقولهم وإيجابهم على الله تعالى بمقتضى العقل والقياس على الخلق. ومن ذلك إيجابهم على الله فعل الصلاح أو الأصلح لكل عبدٍ. كما أخطؤوا فيما نسبوه إليه من عدم القدرة على فعل ما لم يفعل لخلقه من الصلاح، فنسبوه إلى العجز -تعالى الله عن ذلك-. والجهميَّة والأشعريَّة: أصابوا في عدم الإيجاب على الله من المخلوقين، وفي ردِّهم لمقالة المعتزلة في إيجابهم على الله فعل الصلاح والأصلح بمجرَّد العقل والقياس على الخلق. وأخطؤوا في نفيهم الحكمة والرحمة عن الله في أفعاله، وزعمهم أنه لا يفعل لحكمةٍ ولا لرحمةٍ بل لمجرَّد المشيئة، ولا يفعل لمنفعة العباد وصلاحهم، وأنه يجوز عليه أن يعذِّب المطيع وينعِّم العاصي.

стр. 93

وأهل السنَّة: جمعوا بين الحقِّ الذي تفرَّق في الطائفتين، وسلموا من الضلال الذي افترقتا فيه. فأثبتوا لله الحكمة في الخلق والأمر والتنزُّه عن ضدِّها وما لا يليق بعظمته، لكن ليس على فهم القدريَّة المعتزلة المستلزم الإيجاب على الله بمجرَّد العقل، وأنه يجب عليه فعل الصلاح والأصلح لكلِّ عبدٍ. ولم يوجبوا على الله فعل الصلاح والأصلح، لكن ليس على فهم الجهميَّة والأشاعرة المجبرة المستلزم نفي الحكمة والرحمة والمصلحة عن الله في أفعاله ودعوى أنه يفعل لمجرَّد المشيئة المحضة.

стр. 94

المبحث الثالث معتقد أهل السنة في مسألة التكليف بما لا يُطاق، وأقوال المخالفين فيها، والرد عليهم هذه المسألة مشهورة بمسألة (التكليف بما لا يطاق)، ومدار الكلام فيها: هل يجوز على الله تكليف العباد في الشرع بما لا يطاق لهم؟. والإطاقة والطاقة هي الاستطاعة، وما لا يطاق: ما لا يستطاع ولا يقدر عليه، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. وقد اختلف الناس في هذه المسألة على أربعة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنة). منعوا من إطلاق القول بالتكليف بما لا يُطاق واجمعوا على إنكار ذلك وذم من يطلقه. وقالوا: إن إطلاق القول بتكليف ما لا يطاق من البدع الحادثة في الإسلام. فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وأما الاستطاعة والطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل؛ فهذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين، وجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «فإطلاق القول بتكليف ما لا يطاق

стр. 95

من البدع الحادثة في الإسلام. كإطلاق القول: بأن الناس مجبورون على أفعالهم، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على إنكار ذلك وذم من يطلقه» (١). وقال ﵀: «وليس في السلف والأئمَّة مَنْ أطلق القول بتكليف ما لا يُطاق، كما أنه ليس فيهم مَنْ أطلق القول بالجبر، وإطلاق القول بأنه يُجبِر العباد كإطلاق القول بأنه يكلِّفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أُمِروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين» (٢). وقال ﵀: «وعلى هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها، فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير، وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين» (٣). القول الثاني: (قول الجهميَّة). قالوا بجواز التكليف بما لا يُطاق مطلقًا، ومنه تكليف الأعمى البصر والزَّمِن أن يسير إلى مكَّة (٤). القول الثالث: (قول المعتزلة). قالوا بعدم جواز التكليف بما لا يُطاق؛ لأنه قبيحٌ، والله تعالى منزَّهٌ عن فعل القبيح.

стр. 96

وهذا مبنيٌّ على مذهبهم في أن القدرة تكون قبل الفعل فقط، حتى يتحقَّق التكليف. قالوا: وتكليف الزَّمِن بالمشي تكليفٌ بما يعجز عنه، فهو عبثٌ يتنزَّه الله عنه. قالوا: ومثله تكليف الكافر بالإيمان؛ لأن الإيمان إنما يُفعَل بقدرةٍ، وليس للكافر قدرةٌ على الإيمان، فتكليفه به كتكليف الزَّمِن بالمشي قبحٌ يتنزَّه الله عنه. قال القاضي عبد الجبار: «كلُّ عاقلٍ يعلم بكمال عقله قبح تكليف الزَّمِن بالمشي، وتكليف الأعمى بنقط المصحف على وجه الصواب، والدافع له مكابرٌ جاحدٌ للضروريَّات» (١). وقال أيضًا: «ومما يبيِّن لك أن تكليف الكافر بالإيمان كتكليف العاجز في القبح: هو أنهما اشتركا في تعذُّر الإيمان عليهما … يبيِّن ذلك أن الإيمان إنما يُفعَل بالقدرة، وليس في الكافر قدرةٌ على الإيمان كما في العاجز، فوجب استواؤهما في قبح التكليف» (٢). القول الرابع: (قول الأشاعرة). قالوا: إن التكليف بما لا يُطاق جائزٌ. وهذا بناءً على قولهم: إن العبد لا يكون قادرًا إلا حين الفعل، وإن القدرة لا تكون إلا مع الفعل. فعلى هذا كلُّ مكلَّفٍ حين التكليف قد كُلِّف بما لا يطيقه حينئذٍ، وإن كان قد يطيقه حين الفعل بقدرةٍ يخلقها الله له وقت الفعل (٣).

стр. 97

فهذا قول الأشاعرة من حيث الجملة، ثم اختلفوا في تفاصيل ما لا يُطاق على أقوال: الأوَّل: مَنْ يقول بجواز التكليف بالممتنع لذاته، كالجمع بين النقيضين -كالرازيِّ، وغيره-. واحتجُّوا بأن الله كلَّف أبا لهبٍ بالإيمان مع علمه بأنه لا يؤمن وإخباره بأنه لا يؤمن. فكلَّفه بالجمع بين النقيضين بأن يفعل الشيء وبأن يصدِّق أنه لا يكون مصدِّقا بذلك؛ وهذا ممتنعٌ لذاته (١). والثاني: من يقول بجواز التكليف بالممتنع عادةً، كالمشي على الوجه، والطيران، دون الممتنع لذاته كالجمع بين النقيضين؛ فإنه لا يُتصوَّر وجوده، فلا يُعقَل الأمر به (٢). والثالث: مَنْ يقول بجواز التكليف بما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه، دون التكليف بما لا يُطاق للعجز؛ فلا يكلِّف الله به. وهذا قول المقتصدين من الأشاعرة، كالقاضي أبي بكر بن الباقلَّانيِّ، وأكثر أصحاب أبي الحسن، كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀ (٣). قال شارح الطحاويَّة: «وهؤلاء موافقون للسلف والأئمَّة في المعنى، لكن كونهم جعلوا ما يتركه العبد لا يُطاق لكونه تاركًا له مشتغلًا بضدِّه؛ بدعةٌ في الشرع واللغة؛ فإن مضمونه أن فعل ما لا يفعله العبد لا يطيقه! وهم التزموا هذا؛ لقولهم: إن الطاقة -التي هي الاستطاعة، وهي القدرة- لا تكون إلا مع الفعل! فقالوا: كلُّ مَنْ لم يفعل فعلًا؛ فإنه لا يطيقه! وهذا خلاف الكتاب والسنَّة

стр. 98

وإجماع السلف» (١). بيان الحق في ذلك: الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة، وهو مقتضى الأدلة: وهو المنع من إطلاق القول بالتكليف بما لا يطاق؛ لكون هذه المسألة محدثة، ولما فيها من الإجمال، على ماتقدم إيضاحه في قول أهل السنة. وأما المسائل التي ادَّعى المتكلِّمون أنه من التكليف بما لا يُطاق؛ فالصواب فيها أنها على نوعين: النوع الأوَّل: الممتنع بقسميه -وهما: الممتنع لذاته، كالجمع بين الضدين، والممتنع عادةً، كالطيران والمشي على الوجه-؛ فهذا لا يقع التكليف به. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧]. قال السمعانيُّ ﵀: «قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: طاقتها. وقيل: ما (يشقُّ) عليها» (٢). وقال ابن كثيرٍ ﵀: «أي: لا يكلِّف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه ورأفته بهم وإحسانه إليهم» (٣). أما تكليف أبي لهبٍ وغيره بالإيمان؛ فهذا حقٌّ. وهو إذا أمر أن يصدِّق الرسول ﷺ في كلِّ ما يقوله وأخبر مع ذلك أنه لا يصدِّقه بل يموت كافرًا؛ لم

стр. 99

يكن هذا متناقضًا، ولا هو مأمورٌ أن يجمع بين النقيضين؛ فإنه مأمورٌ بتصديق الرسول في كلِّ ما بلَّغ، وهذا التصديق لا يصدر منه. ولو قيل له: آمن، ونحن نعلم أنك لا تؤمن بهذا الذي أُمِرت به، وهو أن محمَّدًا رسول الله، مع قدرتك عليه، وإذا صدَّقتنا في خبرنا أنك لا تؤمن لم يكن هذا تناقضًا. وإيضاحه: أنه لم يؤمر بالإيمان بالرسول ﷺ والتصديقِ بأنه لا يؤمن في حال واحدةٍ. بل أُمِر أوَّلًا بتصديق الرسول تصديقًا مطلقًا، وهو قادرٌ عليه، ثم وقع الخبر بكفره بعد تكذيبه، ولم يقل له: صدِّق ابتداءً بالرسول وبالخبر أنك لا تؤمن في وقتٍ واحدٍ (١). النوع الثاني: ما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه، كاشتغال الكافر بالكفر؛ فهذا جائزٌ. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: (تكليف ما لا يُطاق)، وهو على ضربين: أحدهما: تكليف ما لا يُطاق لوجود ضدِّه من العجز، وذلك مثل أن يكلَّف المقعد القيام، والأعمى الخطَّ ونقط الكتاب، وأمثال ذلك؛ فهذا مما لا يجوز تكليفه، وهو مما انعقد الإجماع عليه، وذلك لأن عدم الطاقة فيه ملحَقةٌ بالممتنع والمستحيل، وذلك يوجب خروجه عن المقدور، فامتنع تكليف مثله. والثاني: تكليف ما لا يُطاق لا لوجود ضدِّه من العجز، مثل أن يكلَّف الكافر الذي سبق في علمه أنه لا يستجيب للتكليف، كفرعون وأبي جهلٍ وأمثالهم؛ فهذا جائزٌ. وذهبت المعتزلة إلى أن تكليف ما لا يُطاق غير جائزٍ. قال: وهذه المسألة كالأصل لهذه» (٢).

стр. 100

وقال ﵀: (تكليف ما لا يُطاق) ينقسم إلى قسمين: أحدهما: ما لا يُطاق للعجز عنه، كتكليف الزَّمِن المشي، وتكليف الإنسان الطيران، ونحو ذلك. فهذا غير واقعٍ في الشريعة عند [جماهير] أهل السنَّة المثبتين للقدر. والثاني: ما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه، كاشتغال الكافر بالكفر؛ فإنه هو الذي صدَّه عن الإيمان، وكالقاعد في حال قعوده؛ فإن اشتغاله بالقعود يمنعه أن يكون قائمًا. والإرادة الجازمة لأحد الضدَّين تنافي إرادة الضدِّ الآخر، وتكليف الكافر الإيمان من هذا الباب. ومثل هذا ليس بقبيحٍ عقلًا عند أحدٍ من العقلاء، بل العقلاء متَّفقون على أمر الإنسان ونهيه بما لا يقدر عليه حال الأمر والنهي لاشتغاله بضدِّه، إذا أمكن أن يترك ذلك الضدَّ ويفعل الضدَّ المأمور به. وإنما النزاع هل يُسمَّى هذا تكليف ما لا يُطاق لكونه تكليفًا بما انتفت فيه القدرة المقارنة للفعل؟ فمن المثبتين للقدر مَنْ يُدخِل هذا في تكليف ما لا يُطاق، كما يقوله القاضي أبو بكرٍ والقاضي أبو يعلى وغيرهما، ويقولون: ما لا يُطاق على وجهين: منه ما لا يُطاق للعجز عنه، وما لا يُطاق للاشتغال بضدِّه. ومنهم مَنْ يقول: هذا لا يدخل فيما لا يُطاق، وهذا هو الأشبه بما في الكتاب والسنَّة وكلام السلف؛ فإنه لا يُقال للمستطيع المأمور بالحجِّ إذا لم يحجَّ إنه كُلِّف بما لا يطيق، ولا يُقال لمن أُمِر بالطهارة والصلاة فترك ذلك كسلًا أنه كُلِّف ما لا يطيق» (١).

стр. 101

المبحث الرابع معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الشرِّ، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم الشر منفيٌّ عن الله تعالى، ولا يضاف إليه؛ لما ثبت في صحيح مسلمٍ من حديث عليٍّ أن النبيَّ ﷺ كان يقول في دعاء الاستفتاح في الصلاة: «لبَّيك وسعديك، والخير كلُّه في يديك، والشرُّ ليس إليك» (١). فأثبت النبيُّ ﷺ الخير لله، وأضافه إليه، ووصفه بأنه بيديه سبحانه، ونفى عنه الشرِّ، ونزَّهه عنه، وأخبر أنه ليس إليه. واختلف الناس في حقيقة الشرِّ المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة). قالوا: إن الشرَّ على نوعين: النوع الأوَّل: (الشرُّ المطلق أو الكلِّيُّ)، وهو الشرُّ المحض الذي لا خير فيه بوجهٍ من الوجوه، فهذا لا يدخل في الوجود، بل هو معدومٌ لا يخلقه الله. فهذا ليس إليه، ولا يُضاف إليه تعالى، لا في أسمائه ولا صفاته ولا أفعاله، بل الله تعالى متنزِّهٌ عنه من كلِّ الوجوه نسبةً ووصفًا وفعلًا. وهذا هو المقصود بقول النبيِّ ﷺ : «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك» (٢). النوع الثاني: (الشرُّ النسبيُّ أو الجزئيُّ)، وهو الشرُّ الإضافيُّ الذي هو خيرٌ باعتبارٍ وشرٌّ باعتبارٍ آخر. وفيه خيرٌ ونفعٌ لبعض الناس وشرٌّ وضررٌ لآخرين،

стр. 102

فالله تعالى يخلق هذا النوع باعتبار الخير الراجح الذي فيه، لا باعتبار الشرِّ المرجوح الذي فيه. كخلق إبليس؛ فإنه ليس شرًّا محضًا، ففيه شرٌّ بالنسبة للكفَّار، وفيه خيرٌ للمؤمنين باعتبار وجود الكفر وما ترتَّب عليه من وجود الجهاد والصبر على الأذى الذي تميَّز به المؤمن من غيره، ورفع الله به درجات المؤمنين المجاهدين الصابرين في الجنَّة. ولما كان خلق الله لهذا النوع باعتبار الخير الذي فيه؛ فإنه لا يُضاف إليه الشرُّ الجزئيُّ منه؛ فإن هذا موهمٌ أنه خلقه للشرِّ، وهذا قول الجبريَّة، وهو باطلٌ. فالشرُّ الذي فيه لا يُضاف إلى الله فعلًا ولا وصفًا، وإنما يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشرُّ قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو قائمٌ به. ومما يزيد هذا بيانًا وإيضاحًا: أن الأشياء باعتبار انقسامها إلى الخير والشرِّ على ثلاثة أقسامٍ: الأوَّل: الخير المحض، فهذا يخلقه الله ويُضاف إليه. والثاني: الشرُّ المحض، فهذا لا يخلقه الله ولا يُضاف إليه. والثالث: النسبيُّ الذي هو خيرٌ باعتبارٍ وشرٌّ باعتبارٍ، يخلقه الله للخير الراجح الذي فيه فيُضاف إليه بهذا الاعتبار، ولم يخلقه للشرِّ الذي فيه فلا يُضاف إليه بهذا الاعتبار. فالذي يُضاف إلى الله هو الخير، إما الخير المحض، أو النسبيُّ الإضافيُّ. وأما الشرُّ فليس إليه، لا المحض ولا الإضافيُّ. وهذا معنى قول النبيِّ ﷺ : «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك» (١).

стр. 103

ولهذا كان هذا النوع -وهو الشرُّ النسبيُّ- إنما يُذكَر في النصوص على ثلاثة وجوهٍ: [١] إما بطريق العموم؛ كقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]. [٢] وإما بطريق إضافته إلى السبب؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]. [٣] وإما أن يُحذَف فاعلُه، كقول الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. فهذا هو معتقد أهل السنَّة في إضافة الشرِّ إلى الله، ذكرته ملخَّصًا مرتَّبًا من كلامي شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وتلميذه الإمام المحقِّق ابن القيِّم. وها هي ذي بعض نصوصهما في تقريره. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما السيِّئة: فهو إنما يخلقها بحكمةٍ. وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه؛ فإن الربَّ لا يفعل سيِّئةً قطُّ. بل فعله كلُّه حسنٌ وحسناتٌ، وفعله كلُّه خيرٌ؛ ولهذا كان النبيُّ ﷺ يقول في دعاء الاستفتاح: «والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك»؛ فإنه لا يخلق شرًّا محضًا، بل كلُّ ما يخلقه ففيه حكمةٌ هو باعتبارها خيرٌ، ولكن قد يكون فيه شرٌّ لبعض الناس، وهو شرٌّ جزئيٌّ إضافيٌّ. فأما شرٌّ كلِّيٌّ، أو شرٌّ مطلقٌ؛ فالربُّ منزَّهٌ عنه، وهذا هو الشرُّ الذي ليس إليه. وأما الشرُّ الجزئيُّ الإضافيُّ: فهو خيرٌ باعتبار حكمته؛ ولهذا لا يُضاف الشرُّ إليه مفردًا قطُّ، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١]، وإما أن يُضاف إلى السبب، كقوله ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: ٢]، وإما أن يُحذَف فاعلُه، كقول الجنِّ: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]. وهذا الموضع ضلَّ فيه فريقان

стр. 104

من الناس الخائضين في القدر بالباطل» (١). وقال ابن القيِّم ﵀: «وتحقيق الأمر: أن الشرَّ نوعان: شرٌّ محضٌ حقيقيٌّ من كلِّ وجهٍ، وشرُّ نسبيٌّ إضافيٌّ من وجهٍ دون وجهٍ. فالأوَّل لا يدخل في الوجود؛ إذ لو دخل في الوجود لم يكن شرًّا محضًا. والثاني هو الذي يدخل في الوجود» (٢). وقال ﵀: «فإن الربَّ سبحانه لا يفعل سوءًا قطُّ، كما لا يُوصَف به، ولا يُسمَّى باسمه، بل فعله كلُّه حسنٌ وخيرٌ وحكمةٌ، كما قال تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقال أعرف الخلق به: «والشرُّ ليس إليك» (٣) فهو لا يخلق شرًّا محضًا من كلِّ وجهٍ، بل كلُّ ما خلقه ففي خلقه مصلحةٌ وحكمةٌ، وإن كان في بعضه شرٌّ جزئيٌّ إضافيٌّ. وأما الشرُّ الكلِّيُّ المطلق من كلِّ وجهٍ؛ فهو تعالى منزَّهٌ عنه، وليس إليه» (٤). وقال -في بيان قواعد الأسماء والصفات ﵀: «إن أسماءه كلُّها حسنى، ليس فيها اسمٌ غير ذلك أصلًا. وقد تقدَّم أن من أسمائه ما يُطلق عليه باعتبار الفعل -نحو الخالق، والرازق، والمحيي، والمميت-. وهذا يدلُّ على أن أفعاله كلُّها خيراتٌ محضةٌ لا شرَّ فيها؛ لأنه لو فعل الشرَّ لاشتُقَّ له منه اسمٌ، ولم تكن أسماؤه كلُّها حسنى، وهذا باطلٌ؛ فالشرُّ ليس إليه، فكما لا يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته؛ لا يدخل في أفعاله، فالشرُّ ليس إليه، لا يُضاف إليه فعلًا ولا

стр. 105

وصفًا، وإنما يدخل في مفعولاته، وفرقٌ بين الفعل والمفعول، فالشرُّ قائمٌ بمفعوله المباين له، لا بفعله الذي هو فعله، فتأمَّل هذا؛ فإنه خفي على كثيرٍ من المتكلِّمين، وزلَّت فيه أقدامٌ، وضلَّت فيه أفهامٌ، وهدى الله أهل الحقِّ لما اختلفوا فيه بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ» (١). القول الثاني: (قول القدريَّة). قالوا: لا يجوز أن يُقال: إن الله سبحانه مريدٌ للشرِّ أو فاعلٌ له؛ لأن مريد الشرِّ وفاعله شرِّيرٌ، هذا هو المعروف لغةً وعقلًا وشرعًا، والله متنزِّهٌ عن هذا؛ فإن أسماءه كلّها حسنى، وأفعاله كلّها خيرٌ، وقد قام الدليل على أن فعله سبحانه عين مفعوله، والشرُّ ليس بفعلٍ له، فلا يكون مفعولًا له، فيستحيل أن يريد الشرَّ، فالشرُّ ليس بإرادته ولا بفعله (٢). القول الثالث: (قول الجبريَّة). قالوا: الربُّ سبحانه يريد الشرَّ ويفعله؛ لأن الشرَّ موجودٌ، فلا بدَّ له من خالقٍ، ولا خالق إلا الله. وهو سبحانه إنما يخلق بإرادته، فكلُّ مخلوقٍ فهو مرادٌ له، وهو فعله. ووافقوا القدريَّة على أن الفعل عين المفعول والخلق نفس المخلوق، ثم قالوا: والشرُّ مخلوقٌ له ومفعولٌ، فهو فعله وخلقه وواقعٌ بإرادته. قالوا: وإنما لم يُطلَق القول أنه يريد الشرَّ ويفعل الشرَّ أدبًا لفظيًّا فقط، كما لا يُطلَق القول بأنه ربُّ الكلاب والخنازير، ويُطلَق القول بأنه ربُّ كلِّ شيءٍ وخالقه (٣).

стр. 106

الحق في ذلك والرد على المخالفين ووجه ضلالهم: الحق في ذلك هو قول أهل السنة على ما تقدم تفصيله وبيانه مُوثَّقًا بالأدلة، وقد ضلَّ في هذه المسألة كلٌّ من القدريَّة والجبريَّة. ومنشأ ضلال الطائفتين: هو عدم التفريق بين الفعل والمفعول؛ فإنهم قد اتَّفقوا على أن الفعل هو المفعول، ثم افترقوا فيما فرَّعوا على هذه القاعدة المشتركة بينهم: فقالت القدريَّة: نعلم أن الشرَّ ليس بفعلٍ لله، فلا يكون مفعولًا له؛ فنفوا أن يقع شرٌّ من العباد بمشيئته وخلقه؛ فنسبوا الله إلى العجز، وزعموا أنه يقع في خلقه ما لا يريد ولا يقدر عليه. وقالت الجبريَّة: الشرُّ موجودٌ في مخلوقاته ومفعولاته، فلا بدَّ له من خالقٍ وفاعلٍ، فهو فعله وخلقه، ليس بفعل العبد. وقالوا: إنما يُقال: إن الله لا يفعل الشرَّ؛ أدبًا، كما لا يُقال: ربُّ الكلاب والخنازير. قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ﵀: «وهذا الموضع ضلَّ فيه فريقان من الناس الخائضين في القدر بالباطل: فرقةٌ كذَّبت بهذا، وقالت: إنه لا يخلق أفعال العباد، ولا يشاء كلَّ ما يكون؛ لأن الذنوب قبيحةٌ، وهو لا يفعل القبيح. وإرادتها قبيحةٌ، وهو لا يريد القبيح. وفرقةٌ لما رأت أنه خالق هذا كلِّه ولم تؤمن أنه خلق هذا لحكمةٍ، بل قالت: إذا كان يخلق هذا؛ فيجوز أن يخلق كلَّ شرٍّ، ولا يخلق شيئًا لحكمةٍ. وما ثَمَّ فعلٌ تنزَّه عنه، بل كلُّ ما كان ممكنًا جاز أن يفعله … وهذا منكرٌ من القول وزورٌ، كالأوَّل» (١).

стр. 107

وهدى الله أهل السنَّة للحقِّ الذي افترق فيه الفريقان، ففرَّقوا بين الفعل والمفعول، فقالوا: إن الشرَّ ليس فعلًا له يقوم به، وإنما يدخل في مفعولاته، فنزَّهوا الله عن فعل الشرِّ وعما يتنافى مع حكمته، وعظَّموه أن يقع في خلقه ما لا يريد ويتنافى مع قدرته. وهذا هو حقيقة التنزيه الذي دلَّت عليه النصوص، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]؛ فقد أثبت تعالى لنفسه مشيئةً نافذةً في أعمال العباد مع العلم والحكمة، فإثباته للمشيئة النافذة ردٌّ على القدريَّة نفاة القدرة، وإثباته للعلم والحكمة ردٌّ على الجبريَّة نفاة الحكمة. وكقول النَّبِيِّ ﷺ في دعاء الكرب: «اللهمَّ إنِّي عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيَتِي بيدك، ماضٍ فِيَّ حكمك، عدلٌ فِيَّ قضاؤك … » (١)، ففيه ردٌّ على الطائفتين. ففي قوله: «ماضٍ فِيَّ حكمُك»؛ ردٌّ على القدريَّة الذين ينكرون قدرته ومشيئته لأفعال العباد من الشرِّ والظلم وغيرهما. وفي قوله: «عدلٌ فِيَّ قضاؤك»؛ ردٌّ على الجبريَّة الذين ينكرون حكمته وعدله في تدبير شؤون خلقه، وينسبون له الشرَّ والظلم. قال الإمام ابن القيِّم: «ومَن تأمَّل كلام سلف الأمَّة وأئمَّة أهل السنَّة رآه ينكر قول الطائفتين المنحرفتين عن الوسط، فينكر قول المعتزلة المكذِّبين بالقدر، وقول الجهميَّة المنكرين للحِكَم والأسباب والرحمة، فلا يرضون لأنفسهم بقول القدريَّة المجوسيَّة، ولا بقول القدريَّة الجبريَّة نفاة الحكمة والرحمة والتعليل» (٢).

стр. 108

المبحث الخامس معتقد أهل السنة في تنزُّه الله عن الظلم، وأقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم دلَّت الأدلَّة على تنزُّه الله عن الظلم، وأنه لا يقع منه؛ فقد نفاه الله عن نفسه، وحرَّمه على نفسه؛ فلا يظلم العباد مثقال ذرَّةٍ. يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠]، ويقول تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]. والآيات في هذا كثيرةٌ، وهي ظاهرة الدلالة على أن الله لا يظلم أحدًا من الخلق شيئًا، ولا يقع منه الظلم ولو كان مثقال ذرَّةٍ، ولا يريد ذلك، بل يضاعف الحسنات فضلًا، ويجازي على السيِّئات بمثلها عدلًا. وفي الحديث القدسيِّ يقول تعالى: «يا عبادي، إني حرَّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّمًا، فلا تظالموا» (١). فأخبر ﵎ أنه حرَّم الظلم على نفسه وعلى عباده ونهاهم عنه، فالظلم لا يقع منه سبحانه لا في أمره الكونيِّ ولا الشرعيِّ، وأما العباد فهو لم يرده منهم شرعًا، بل حرَّمه عليهم، ولكن يقدِّره كونًا مع بغضه له كسائر الذنوب. وتنزُّه الله عن الظلم مجمَعٌ عليه بين المسلمين؛ لما تقدَّم من الأدلَّة، ولم ينازع في هذا أحدٌ من أهل القبلة.

стр. 109

ولكن اختلفوا في حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله على ثلاثة أقوالٍ: القول الأول: (قول أهل السنَّة): قالوا: حقيقة الظلم المنفيِّ عن الله تعالى: وضع الأشياء في غير مواضعها. فهو متنزِّهٌ عنه، مع اتِّصافه بكمال ضدِّه، وهو العدل الذي هو وضع الأشياء في مواضعها التي تليق بها. وهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، فيعدل تفضُّلًا، ولا يظلم تنزُّهًا، وهو مستحقٌّ للحمد والثناء على تفضُّله وتنزُّهه (١). ويدخل في عموم الظلم الذي يتنزَّه الله عنه ما ذكره سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢]. قال ابن عبَّاس: «لا يخاف ابن آدم يوم القيامة أن يُظلَم فيُزاد عليه في سيِّئاته، ولا يُظلَم فيُهضَم في حسناته» (٢). وبهذا قال جمعٌ من المفسِّرين (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -في سياق حكايته للأقوال في مسألة الظلم المنفيِّ عن الله بعد ذكره لقولي المعتزلة والجهميَّة-: «والصواب القول الثالث، وهو: أن الظلم وضع الأشياء في غير مواضعها، وكذلك ذكره أبو بكر بن الأنباريِّ وغيره من أهل اللغة، وذكروا على ذلك عدَّة شواهد، كما قد بُسِط في غير هذا الموضع، وحينئذٍ فليس في الوجود ظلمٌ من الله سبحانه، بل قد وضع كلَّ شيءٍ موضعه مع قدرته على أن يفعل خلاف ذلك، فهو سبحانه يفعل باختياره ومشيئته، ويستحقُّ الحمد والثناء على أن يعدل ولا يظلم» (٤).

стр. 110

وقال في موطنٍ آخر: «والقول الثالث: إن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والعدل وضع كلِّ شيءٍ في موضعه. وهو سبحانه حَكَمٌ عدلٌ يضع الأشياء مواضعها، ولا يضع شيئًا إلا في موضعه الذي يناسبه وتقتضيه الحكمة والعدل، ولا يفرِّق بين متماثلين، ولا يسوِّي بين مختلفين، ولا يعاقب إلا مَنْ يستحقُّ العقوبة، فيضعها موضعها؛ لما في ذلك من الحكمة والعدل. وأما أهل البرِّ والتقوى فلا يعاقبهم البتَّة، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية» (١). القول الثاني: (قول الجبريَّة من الجهميَّة والأشاعرة ومَن وافقهم من الظاهريَّة). قالوا: الظلم هو التصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، أو مخالفة الآمر الذي تجب طاعته. وكلاهما منتفٍ في حقِّ الله تعالى (٢). وقالوا: إن الظلم ممتنعٌ عليه، وهو مستحيلٌ في حقِّه سبحانه، كالجمع بين النقيضين، وليس هو داخلًا في اختياره ومشيئته. ويقولون: كلُّ ما يمكن فهو عدلٌ غير ظلمٍ، ولو عذَّب المطيعين ونعَّم العصاة لم يكن ظالمًا؛ لأن الظلم التصرُّف فيما ليس له، والله تعالى له كلُّ شيءٍ، أو هو مخالفة الأمر، والله لا آمر له (٣). قال الإسفرايينيُّ: «ولهذا قلنا: إن شيئًا من أفعاله لا يكون ظلمًا، وأنه
следующие страницы →