← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1258

الرد السديد على مطاعن حسن المالكي على أئمة الدعوة ومقررات التوحيد

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (215 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الشرع هو: التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهبٍ سوى مبايعة الإمام. (والصيام) هو: الإمساك عن كشف السر. (والكعبة) هي: النبي. (والباب): علي. (والصفا) هو: النبِي. (والمروة): علي. (والتلبية): إجابة الداعي. (والطواف بالبيت سبعًا) هو: الطواف بِمحمد إلى تمام الأئمة السبعة، إلى غير ذلك من تأويلاتهم الشاذة الباطلة على ما حكاه عنهم أبو حامد الغزالي في كتاب: «فضائح الباطنية» (١). وبهذا يعلم صلة هذا الرجل بمذهب الباطنية الباطل، كما هو ظاهر من هذا المسلك وفي مواطن أخرى من كلامه. الأمر الثالث: أنه بطريقته هذه جمع بين الطعن في العلماء في هذه البلاد، والطعن في التربويين والمدرسين؛ وذلك باتهامه العلماء بدس الأفكار الباطلة والعقائد المنحرفة في مقررات التوحيد، واتهامه التربويين بالسذاجة والغفلة؛ حيث لم يتفطنوا لهذا الدس والمكر كما صرح بذلك أكثر من مرة. فالناس عنده ما بين عالمٍ ماكرٍ، أو تربوي ساذجٍ، ولم ينج من هذه التهمة بزعمه إلا هو؛ حيث تنبه لمكر العلماء وترفع عن سذاجة التربويين.

стр. 107

وبحسب العاقل عبرة وموعظة النظر في حال هذا الرجل وما انتهى إليه من سفه في الرأي، وضعفٍ في النقل، ومَن عوفِي فليحمد الله. الأمر الرابع: مخالفة الكاتب لما دعا إليه في مقدمة كتابه في قوله: (ص ٢٠): «يجب على الجميع ترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد»، فليتأمل المنصف بُعدَ ما جاء في وصيته لغيره وعما يعامل به الناس في نفسه. فهو مع تحريفه للكلام البين الواضح بما لا تدل عليه لغة ولا شرع ولا عقل يطالب بحسن الظن به. وأما العلماء -بل كل أئمة أهل السنة قديمًا وحديثًا- فيسهل عليه أن يلصق بهم كل تهمةٍ باطلةٍ، وإن لم يأت من كلامهم ما يوجب ذلك، إلا تمحلات كاذبة يعترف بشذوذه في فهمها دون سائر التربويين المتخصصين في سائر فنون العلوم، فهذا منتهى العُجب والغرور بالنفس وغاية ما يُتَصَور في سوء الظن بالناس. طعن الكاتب في العلماء المعاصرين ورميه لهم بالغلو: قال الكاتب (ص ٤١) تحت عنوان: (الجذور الفكرية للمناهج التعليمية): «الجذر الأول: العلماء المعاصرون. وهم مع فضلهم وعبادتهم وإخلاصهم وحرصهم على حماية النشء وحماية الأمة من الأخطار … إلخ، إلا أنهم مقلدون لعلماء الدعوة في التكفير، وبعيدون عن الناحية التربوية، وهم يراقبون كل تطور في المناهج ويحرصون على أن تكون تحت رضاهم … ». إلى أن قال: «وعلماؤنا في المملكة هم جزء من المجتمع، وهم عائق كبير من

стр. 108

عوائق تطوير المناهج، والغريب أننا ننسى أنه كانت لهم مواقف سلبية من التعليم بشكلٍ عامٍّ، فلماذا تم تجاوزها ولم يتم تجاوز تحفظاتهم في مسألة تطوير المناهج؟». وجوابه: أنه اعترف بفضلهم، وعبادتهم، وإخلاصهم، وقوله بعد ذلك: «يراقبون كل تطور في المناهج، ويحرصون على أن تكون تحت رضاهم». هذا يتنافى مع ما وصفهم به من فضلٍ وإخلاصٍ؛ فالمخلص يطلب رضا الله لا حظوظ نفسه ورضاها، فهذا تناقض منه. وإذا كان الناس في هذه البلاد، بل في سائر بلاد المسلمين مطبقين على فضل علماء هذه البلاد وهم محل ثقتهم، ولا يشكون في إخلاصهم وورعهم وزهدهم، وذلك من خلال ما عرفوه من سيرهم وسبر أحوالهم: تبين كذب دعواه فيما رماهم به من هذه التهمة الباطلة. وأما دعواه أن علماء هذه البلاد مقلدون لعلماء الدعوة في التكفير، فتهمة مركبة من فريتين: الأولى: رميه للعلماء المعاصرين بالتقليد، وهذا كذب عليهم؛ فهم في الحقيقة أئمة كبار متبعون للأدلة من الكتاب والسنة، بعيدون كل البعد عن الجمود والتقليد المذموم، وهذه كتبهم وفتاواهم مليئة بالتحقيقات العلمية المبنية على الأدلة، ومن ذلك براعتهم في استنباط كثيرٍ من الأحكام من الأدلة لبعض النوازل والمستجدات التي لم تكن معروفة في عصور ماضية. على أن التقليد ليس كله مذمومًا؛ بل هو جائز بل مطلوب أحيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].

стр. 109

والتقليد يجوز في حق العامي العاجز عن الاجتهاد مطلقًا، وفي حق العالم فيما يعجز عن الاجتهاد فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحدٍ ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحدٍ ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز على القادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد، فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليلٍ له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء» (١). أما الفرية الثانية: فهي رميه لعلماء الدعوة بالتكفير، وهذا من أفضح الكذب وأشنعه، ومن قرأ كتبهم واطلع على أقوالهم وفتاواهم علم كذب الكاتب في هذا، لكن هذا الضال يرى أن ارتكاب أنواع الشرك الأكبر، وإنكار صفات الله وغيرها من المكفرات لا يخرج الرجل من الدين، ويرى أن مَنْ حكم بكونها مكفرات ولو كان حكمًا مطلقًا لا يتنَزل على أحدٍ بعينه فقد كفر المسلمين وأخرجهم من الملة بالباطل. وقد تقدم الرد عليه في طعنه في أئمة الدعوة بالتكفير بإيراد أقوالهم الداحضة

стр. 110

لهذه الفرية، بما يغني عن إعادته هنا (١). اتهامه للعلماء المعاصرين بالغلو في أحكام تخص التعليم: قال (ص ٤٢) تحت عنوان: (من نماذج الغلو: غلو العلماء المعاصرين في الأحكام ما يخص التعليم): «سأذكر النماذج دون الإشارة إلى أسماء قائليها؛ منعًا للإحراج؛ ولأن الهدف نقد الفكرة وليس نقد الأشخاص». ومما ذكره قوله: «وفي فتاواهم التحريم والنهي عن كل العلوم غير الشرعية كالرسوم، والأشغال، والرياضة، والألعاب، والحقوق، والطبيعة، والتصوير … ». وقال: «وحرموا لعب الكرة للطلاب وغيرهم، وأنها سرت إلى المسلمين من الغرب، فلم تكن على عهد الخلفاء الراشدين، ولا ملوك المسلمين». وقال: «وبالغوا في تحريم الدخان حتى أبلغوه لدرجة الخمر، وأنه مسكر كالخمر». إلى غير ذلك مما ذكره من نماذج من هذا القبيل. وجوابه من عدة وجوه: الوجه الأول: نسبته هذه الأقوال التي ذكرها للعلماء المعاصرين من حيث العموم كقوله: (بالغوا)، و (أفتوا)، و (حرموا)، لا شك أنه من أعظم التلبيس والكذب على العلماء؛ فهذه الأقوال إن صحت نسبتها لبعض مَنْ نقلها عنهم، فهي في الحقيقة لا تمثل إلا آراء قائليها، فكيف يلزم بها عامة العلماء.

стр. 111

الوجه الثاني: أنه لا يخفى تكلف الكاتب في التنقيب عن أخطاء لعلماء هذه البلاد في ثنايا الكتب. ولهذا لما لم يجد ما يطعن به على العلماء من كتبهم الحديثة على كثرتها لجأ إلى التنقيب في بطون الكتب القديمة عن فتاوى قديمة لبعض العلماء؛ ليشنع بها على سائر علماء هذه البلاد ويلزمهم بها على سبيل التعميم. الوجه الثالث: ما ادعاه من الإفتاء بتحريم العلوم غير الشرعية؛ كالرسوم والأشغال والرياضة، ليس صحيحًا، والفتاوى التي أحال عليها ليست صريحةً في تحريم هذه العلوم، وإنما فيها التحذير من التوسع فيها على حساب العلوم الدينية. جاء في فتوى الشيخ عبد الله بن حميد في سياق ذكره أسباب ضعف الطلاب في المواد الدينية: «وما ذاك إلا بسبب هذه الفنون المعوقة؛ كالرسوم والأشغال والرياضة البدنية والألعاب الأخرى مع وجود عوامل أخرى» (١). فظاهر من كلام الشيخ ﵀ أنه لم يقطع بتحريم تعلم تلك الفنون، ولكن يشير إلى أن التوسع فيها مع أسبابٍ أخرى كانت من المعوقات عن طلب العلم، وهذا حق لا ينكره إلا مكابر. وكذلك دعواه تحريم كرة القدم غير صحيحٍ، والموطن الذي أحال عليه من الدرر السنية (١٥/ ٢٠٠ - ٢٠٤) إنما تضمن النهي عن لعبة الكرة لما يصحبها من الأمور المنكرة كمزاولتها في أوقات الصلوات، أو ما يلحق لاعبيها من الأخطار على الأبدان، وكذلك تحيز بعض مشاهديها لبعض اللاعبين، وتجاوز ذلك إلى

стр. 112

الاعتداء على الآخرين بالضرب وغيره بحسب ما جاء في فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ (١٥/ ٢٠١ - ٢٠٥). ومعلوم أن نهي العالم عن شيءٍ لا يقتضي القطع بتحريمه؛ بل قد يكون للتنزيه، أو للتوجيه لما هو أولى، مع أن لعب كرة القدم وغيرها من الألعاب الأخرى متَى ما صاحبها شيءٌ من المخالفات الشرعية فلا شك في تحريمها لما أفضت إليه من المحرمات. وأما دعواه مبالغة العلماء في تحريم الدخان حتى أوصلوه إلى درجة الخمر؛ فغير صحيحٍ على هذا الإطلاق، والموطن الذي أحال عليه من الدرر السنية (١٥/ ٥٩)، إنما جاء فيه ضمن فتوى لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: «فأقول: لا ريب في خبث الدخان، وإسكاره أحيانًا وتفتيره، وتحريمه بالنقل الصحيح والعقل الصريح، وكلام الأطباء المعتبرين». فالشيخ لم يقل بأنه مسكر، وإنما قال: «وإسكاره أحيانًا». ولعل هذا محمولٌ على ما إذا صنع من مادةٍ مسكرةٍ؛ فإن بعض أنواعه تصنع من مواد مسكرةٍ كالحشيش وأشباهه. وبهذا يظهر تجني هذا الرجل على العلماء وكذبه عليهم فيما نسبه إليهم من أقوال وفتاوى لم تصدر منهم. الوجه الرابع: أن هذه الفتاوى لو ثبت اشتمالها على أخطاء علميةٍ بحق؛ فقد كانت في وقتٍ قديمٍ لم تتحرر لقائليها صور تلك المسائل على الوجه الصحيح؛ لكونها من المسائل الطارئة في ذلك الوقت، فليس من الإنصاف تعميم الحكم في تلك المسائل على عامة العلماء -كما تقدم التنبيه على ذلك-، بل ليس من الإنصاف في حق قائلها تجاهل

стр. 113

قوله الحديث في المسألة والتشنيع عليه بقولٍ قديمٍ قد يكون رجع عنه. ومن هنا كان العلماء المحققون ينقلون مذهبَي الشافعي ﵀ (القديم والجديد)، فيقولون: «قال في القديم، وقال في الجديد»؛ تحريًا للدقة والإنصاف، خلافًا لهذا الكاتب الذي لم يقتصر على التشنيع على صاحب القول حتى عم بهذا سائر علماء هذه البلاد، فعليه من الله ما يستحق. طعنه في شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، والرد عليه: قال الكاتب (ص ٤٤): «الجذر الثاني الذي كان له أثره السلبي على التعليم عندنا، وعلى المقررات التوحيدية بشكلٍ خاص، هي كتب وفتاوى واختيارات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي وقع -مع أثره العظيم- في بعض الأخطاء التي تكررت في المقررات، واتخذها الغلاة حجة في تثبيت الغلو في المقررات، ولم يرضوا بتصحيح ذلك، واستعدوا الدولة على مَنْ أراد محاكمة تلك الآراء بالنصوص الشرعية. ومن أبرز تلك الأخطاء: عدم شمولية المقرر، وجفاف لغته، وعدم مراعاته للتدرج، إضافة لخطأ رئيس، وهو التكفير الصريح لمسلمين متيقن إسلامهم، وهذا التكفير انتقل من كتب الشيخ للمقررات، وكان قد انتقل في كتب وآراء علماء الدعوة من عهده إلى اليوم؛ فهم متأثرون به مختارون لآرائه في الجملة … ». الرد عليه: دعواه أن لكتب الشيخ ﵀ أثرها السلبِي على المقررات، وعلى مقررات التوحيد بشكلٍ خاصٍ … إلخ كلامه.

стр. 114

هو في الحقيقة يعبر عن رأيه، وهذا غير مستغرب منه؛ فإن هذا الرجل مغرق في البدع والضلال، وقد قدمت في بداية هذا الكتاب بعض النقول من كتبه الدالة على ذلك، ومن ذلك طعنه في عقيدة أهل السنة، ونسبتها للتشبيه والتجسيم، وطعنه في أصحاب النبِي ﷺ ، وإخراجه طائفة كبيرة منهم من مفهوم الصحبة الشرعية -بحسب تعبيره-، وإنكاره عدالة الصحابة، وطعنه في سائر أئمة أهل السنة، وفي كتب العقائد، وتمجيده في مقابل هذا لأئمة أهل البدع والضلال؛ كالجهم، والجعد، وغيلان الدمشقي، وثناؤه البالغ على فرق الضلال؛ كالجهمية، والقدرية، والمعتزلة، والرافضة، والزيدية. فهل ينتظر من مثل هذا الضال بما هو عليه من حقدٍ عظيمٍ وبغضٍ شديدٍ للسنة وأهلها أن يرضى عن كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أو مقررات التوحيد؟! بل إن طعنه فيها يعد مدحًا لها وتزكية. على نحو قول الشاعر: وإذا أتتك مذمتِي من ناقصٍ … فهي الشهادة لِيَ بأني كامل وأما دعواه أن العلماء اسْتَعْدُوا الدولة على مَنْ أراد محاكمة تلك الآراء بالنصوص الشرعية: فجوابه: أنه ليس ما جاء في كتب الشيخ ﵀ ومقررات التوحيد من تقرير التوحيد والدعوة إليه والتحذير من الشرك، هي آراء للشيخ، أو لغيره من العلماء، بل هي أصول شرعية ومبادئ إسلامية أطبقت عليها سائر الأنبياء، وعلى اعتقادها والعمل

стр. 115

بها افترق الناس إلى موحدين مسلمين، وإلى مشركين كافرين، ولو حُكمت النصوص فيها لجاءت شاهدةً عليها ناطقة بها؛ إذ لم تستمد هي إلا من النصوص. وقوله: «استعداء الدولة»: إنما أراد به ما تقوم به هذه الدولة -زادها الله توفيقًا وتسديدًا- من حماية حمى العقيدة الصحيحة، والأخذ على أيدي الزنادقة والمنحرفين عن الجادة إلى البدع والضلالات، وهذا من مناقبها ومفاخرها، وما يقوم به العلماء من الرفع لولاة الأمر بذلك هذا من أعظم واجباتهم، ومن أجلِّ حسناتهم. ولكن يأبى هذا الضال إلا التلبيس والتضليل شأنه في ذلك شأن مَنْ قال الله فيهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١]. * * *

стр. 116

زعمه ذكر نماذج من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تكفير المسلمين، والرد عليه: قال الكاتب بعد كلامه السابق (ص ٤٤): «وحتى لا يكون كلامي إنشائيًّا إليكم نماذج من كلام الشيخ محمد، تلك النماذج التي تؤكد لنا أنه ﵀ قد وقع في التكفير … ». النموذج الأول والرد عليه: قال (ص ٤٤): «النموذج الأول: علماء نجد وقضاتها كانوا يعبدون الأصنام!! هذا لازم قول الشيخ محمد وإن لم يكن صريحه؛ فالشيخ محمد بن عبد الوهاب يكفر كل علماء نجد الذين عاصرهم وشيوخهم وشيوخ شيوخهم، ويرى أنهم لا يعرفون معنى: (لا إله إلا الله) ولا دين الإسلام .... والدليل على ثبوت ذلك عن الشيخ في قوله كما في الدرر السنية (١٠/ ٥١): لقد طلبت العلم واعتقد من عرفني أن لي معرفة، وأنا في ذلك الوقت لا أعرف معنى (لا إله إلا الله)، ولا أعرف دين الإسلام! قبل هذا الخير الذي مَنَّ الله به، وكذلك مشايخي ما منهم رجل عرف ذلك، فمن زعم من علماء العارض أنه عرف معنى (لا إله إلا الله) أو عرف معنَى الإسلام قبل هذا الوقت! أو زعم من مشايخه أن أحدًا عرف ذلك فقد كذب وافترى، ولبس على الناس أو مدح نفسه بما ليس فيه». ثم قال (ص ٤٥): «أقول: لا ريب عندي وعند كل منصفٍ -إن شاء الله- أن هذا فيه تكفير صريح للصفوة من علماء، وقضاة أهل نجد، وشيوخهم، وشيوخ شيوخهم فكيف بالعوام؟ … » إلى آخر كلامه.

стр. 117

وجوابه: أنه أقر بأن ما نسبه إلى الشيخ محمد ﵀ (من أن علماء نجد وقضاتها كانوا يعبدون الأصنام)، ليس هو صريح قول الشيخ، وإنما لازم قوله، والمقرر عند العلماء: أن لازم المذهب أو القول ليس بمذهب إلا إذا التزمه صاحب القول. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما قول السائل: هل لازم المذهب مذهب، أم ليس بمذهب؟ فالصواب: أن (١) مذهب الإنسان ليس بمذهب له إذا لم يلتزمه، فإنه إذا كان أنكره ونفاه كانت إضافته إليه كذبًا عليه» (٢). وعلى هذا، يكون هذا الكاتب كاذبًا فيما نسبه إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب على ما قرره شيخ الإسلام هنا. هذا مع أنه لا يسلم له أن ما ادعاه هو لازم قول الشيخ ﵀؛ وإنما غاية ما جاء في كلام الشيخ الذي نقله هو فشو الجهل في ذلك الزمان بمعنى: (لا إله إلا الله)، وحقيقة التوحيد؛ حتى إن المشايخ الذين ينتسبون للعلم ويقومون بالتدريس ما عرفوا ذلك. وهذا لا يستلزم تكفيرهم والحكم بخروجهم من الدين؛ لجهلهم بحقيقة الدين، فضلًا أن يدعي أن لازم قول الشيخ هنا أنهم عبدة للأصنام؛ بل ظاهر من كلام

стр. 118

الشيخ عدم تكفيره لهم؛ لكونهم من أهل الجهل الذين لم يميزوا بين دين النبي ﷺ ودين المشركين، ومن كانت هذا حاله لا يكفر حتى يعلم وتقوم عليه الحجة. وهذا أمر مقرر عند الشيخ ﵀ وغيره من العلماء. يقول ﵀: «وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله» (١). ويقول أيضًا: «وأما التكفير فأنا أكفر مَنْ عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى مَنْ فعله، فهذا الذي أكفر، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك» (٢). وفي كلام الشيخ ﵀ هنا وغيره مما هو في معناه مما جاء في كتبه دحض لهذه الفرية من أصلها، وبيان براءة الشيخ من تكفير مَنْ لا يستحق الكفر من المسلمين، بل براءته من تكفير مَنْ قام به قول أو فعل مكفر ولم تقم عليه الحجة بذلك، كما صرح به أنه: «لا يكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة»، وإنما يكفر «مَنْ عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى عنه». النموذج الثاني والرد عليه: قال الكاتب (ص ٤٥): «النموذج الثاني: أحد الحنابلة المقلدين لابن تيمية كان مشركًا، ومن نماذج تكفير المقلدين في كلام الشيخ قوله في رسالته إلى الشيخ

стр. 119

سليمان بن سحيم كما في الدرر السنية (١٠/ ٣١): (نذكر لك أنك أنت وأباك مصرحون بالكفر والشرك والنفاق … أنت وأبوك مجتهدان في عداوة هذا الدين ليلًا ونهارًا … أنك رجل معاند ضال على علمٍ مختار الكفر على الإسلام … وهذا كتابكم فيه كفركم!!). وقال كما في الدرر السنية (١٠/ ٧٨): (وابن فيروز هو أقربهم إلى الإسلام). قلت: مع أن ابن فيروز هذا اعترف الشيخ بأنه (رجل من الحنابلة وينتحل كلام ابن تيمية وابن القيم)، فسبحان الله العظيم إذا كان هذا الرجل الحنبلي الذي يقلد ابن تيمية وابن القيم لم يدخل في الإسلام إلى الآن، بل صرح الشيخ في مكانٍ آخر أنه كافر كفرًا أكبر مخرجًا من الملة، إذا كان هذا هو حال الحنبلي المقلد لابن تيمية، وابن القيم؛ فكيف بالفقهاء من المالكية والشافعية والأحناف والظاهرية؟!!». وجوابه: أن الكاتب نقل حكم الشيخ ﵀ في هؤلاء المذكورين وشنع عليه بِما قال فيهم، ولم يذكر للقارئ أقوال هؤلاء وما كانوا عليه، وهل استوجبوا ما قال الشيخ فيهم أم لا، بل بتر كلام الشيخ الذي نقل فيه بعض أقوالهم. ومن ذلك: قول الشيخ في رسالته لابن سحيم: «الأول: أنكم تقرون أن الذي يأتيكم من عندنا هو الحق، وأنت تشهد به ليلًا ونهارًا، وإن جحدت هذا شهد عليك الرجال والنساء، ثم مع هذه الشهادة أن هذا دين الله، وأنت وأبوك مجتهدان في عداوة هذا الدين ليلًا ونهارًا ومَن أطاعكما .... الثاني: أنك تقول: إني أعرف التوحيد، وتقر أن من جعل الصالحين وسائط فهو

стр. 120

كافر، والناس يشهدون عليك أنك تروح للمولد وتقرؤه عليهم، وتحضرهم وهم ينوحون ويندبون مشايخهم، ويطلبون منهم الغوث والمدد، وتأكل اللقم من الطعام المعد لذلك، فإذا كنت تعرف أن هذا كفر، فكيف تروح لهم وتعاونهم عليه وتحضر كفرهم؟!!» (١). وذكر الشيخ ﵀ من أفعال ابن سحيم هذا أن ابن سحيم يكتب للناس الطلاسم والحجب ويأخذ عليها المال. ومنها: أن ابن سحيم كان يقول: نعلم أن ما عليه الناس كان شركًا، ولكن ما سألونا، ولا ينكر عليهم. ومنها: أن ابن سحيم كتب ورقة يكفر فيها الطواغيت (شمسان) وأمثاله، واستدل لذلك من الكتاب والسنة، وقال ضمنها: «ما ينكر ذلك إلا أعمى القلب»، وقرأت في أماكن كثيرة، ثم ادعى بعد ذلك أن هؤلاء ليسوا بكفار (٢). وهذا الكلام كله مذكور في الرسالة التي نقل منها المالكي كلام الشيخ السابق، فترك هذا كله؛ لأنه يعلم أنه لو اطلع عليه الناس لعلموا أن حكم الشيخ فيهم حق، وأن مَنْ ذكر كانوا يعرفون التوحيد ويصرحون بأنه الدين الحق، بل لهم رسائل في ذلك، ثم بعد ذلك يجحدون هذا، ويقرون المشركين على شركهم، بل يكتب ابن سحيم المذكور الطلاسم الشركية ويأخذ عليها الأموال، كما كفر بعض الطواغيت ثم ادعى إسلامهم.

стр. 121

كما ذكر الشيخ محمد ﵀ في رسالةٍ أخرى تقرير ابن سحيم لكثيرٍ من مسائل التوحيد والشرك، وموافقته للحق في ذلك، ثم يرجع عن ذلك وينكر على الشيخ ما كان يقرره هو (١). النموذج الثالث، والرد عليه: قال المالكي (٤٦): «(الجذر) -والصواب (النموذج) - الثالث: المسلمون ينكرون البعث، يزعم الشيخ ﵀ وسامحه- أن أكثر أهل نجد، وأهل الحجاز على إنكار البعث، (كما في الدرر السنية ١٠/ ٤٣). قلت: وهذا مما يعلم بالضرورة أنه باطل وغير صحيحٍ، فأكثر الناس بل كلهم على الإيمان بيوم البعث سواء في زمنه أو قبله أو بعده، وإنما أصاب الناس فترة كثرت فيها البدع والخرافات ولا زالت كثيرة إلى يومنا هذا في الجزيرة وفي العالم الإسلامي، ولكن لا يعني هذا أن المسلمين كانوا كفارًا، أو أنهم ينكرون البعث فأين هذا من هذا؟!!». وجوابه: أن هذا الكلام الذي أورده عن الشيخ ﵀ له مناسبة، وهو في سياق رده على (ابن سحيم) الذي كان يخطئ الشيخ بدعوى مخالفته للسواد الأعظم من الأمة، وأنه شذ عن جماعة المسلمين. ونص كلام الشيخ ﵀: «وأما استدلالك بالأحاديث التي فيها إجماع الأمة والسواد الأعظم، وقول: «مَنْ شذ شذ في النار»، و: «يد الله مع الجماعة»، وأمثال

стр. 122

هذا، فهذا أيضًا من أعظم ما تلبس به على الجهال … ». إلى أن قال: «ومعلوم أن أهل أرضنا وأرض الحجاز الذي ينكر البعث منهم أكثر مِمن يقر به، والذي يعرف الدين أقل مِمن لا يعرفه … » (١). وهذا في الحقيقة وصف للحال التي كان عليها الناس في الجزيرة في ذلك الزمان؛ بسبب ما ساد الناس من جهلٍ كبيرٍ في تلك الفترة على ما هو معلوم، والشيخ أعرف بحال مجتمعه وأهل زمانه من هذا المتعالم المتجرئ. وفي كلام الشيخ ما يدل على أن إنكار الكثير منهم للبعث إنما هو بسبب الجهل بالدين كما هو ظاهر من قوله: «والذي يعرف الدين أقل مِمن لا يعرفه … ». وهذا لا يعني أن الشيخ يكفر هؤلاء، بل تقدم في كلامه السابق أنه يعذر الجاهل، ولا يكفر إلا بعد قيام الحجة، ومن ذلك قوله: «وأما التكفير، فأنا أكفر مَنْ عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه، وعادى مَنْ فعله، فهذا الذي أكفر، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك» (٢). فهذا نص صريح من الشيخ ﵀ ينبغِي أن يفسر به النص السابق؛ فقوله في النص السابق: «والذي يعرف الدين أقل مِمن لا يعرفه»، قد بين في النص الثاني أنه لا يكفرهم بقوله: «أنا أكفر مَنْ عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه، ونهى الناس عنه، وعادى مَنْ فعله»، ثم بين «أن أكثر الأمة ليسوا كذلك». فتأمل أيها القارئ بتر هذا الكاتب للكلام وعدم ذكره مناسبته وملابساته،

стр. 123

بقصد التشنيع على الشيخ بما لم يقله، وإلزامه بما لا يعتقده، شأنه في ذلك شأن إخوانه من الرافضة والباطنية الكذابين، المفترين على الله ورسوله وسلف الأمة بما ليس له مستند عند التحقيق والتدقيق؛ فعليهم من الله ما يستحقون. النموذج الرابع، والرد عليه: قال المالكي: (ص ٤٦): «النموذج الرابع: الكفر الذي يقصده الشيخ هو المخرج من الملة». وقال: «والكفر الذي يقصده الشيخ محمد بن عبد الوهاب ليس كفرًا أصغر، وإنما يريد ذلك الكفر الأكبر المخرج من الملة، وقد تكرر هذا كثيرًا في كتبه وتقريراته، ومن ذلك قوله (في الدرر السنية ١٠/ ٦٣): بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز، وصالح بن عبد الله وأمثالهما، كفرًا ظاهرًا ينقل عن الملة فضلًا عن غيرهما». وجوابه: أنه إن أراد أن الشيخ ﵀ لا يطلق الكفر إلا على ما هو أكبر، فهذا كذب على الشيخ؛ فإن الشيخ -كغيره من العلماء- يفرقون بين الكفر الأكبر والأصغر على نحو ما جاء في النصوص من إطلاق الكفر على الأكبر والأصغر. يقول ﵀: «إن مَنْ أطلق الشارع كفره بالذنوب، فالراجح فيه قولان: أحدهما: ما عليه الجمهور أنه لا يخرج من الملة. والثاني: الوقف، كما قال الإمام أحمد: أَمِرُّوها كما جاءت» (١).

стр. 124

والشيخ ﵀ إذا أطلق الكفر الأكبر لا يطلقه إلا على ما دلت عليه النصوص أنه كفر أكبر مخرج من الملة. وهذا النص الذي نقله هذا الملبس عن الشيخ من إطلاقه الكفر الأكبر على مَنْ أطلقه عليهم بَتَرَه من أوله؛ وفيه المقالة التي حكم الشيخ بكفر صاحبها. وهذا هو النص بتمامه: يقول ﵀: «وعلى أي شيء يدل كلامه أن مَنْ عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى، وسب دين الرسول ﷺ بعدما شهد به، مثل سب أبي جهل أنه لا يكفر بعينه، بل العبارة صريحة واضحة في تكفيره … » إلخ (١). فهل يخالف الشيخ أحدٌ من المسلمين في كفر مَنْ هذه حاله؟!! فالمالكي مطالب ببيان حكم من عبد الأوثان أكبر من عبادة اللات والعزى وسب دين الرسول ﷺ بعدما شهد به، مثل سب أبي جهل هل يكفره أم يعتقد أنه مسلم؟ فإن كان يكفره فَلِمَ التشنيع على الشيخ ﵀ في أمر يعتقده هو ويوافق الشيخ في حكمه، وإن كان المالكي لا يكفر من عبد الأوثان وسب دين الرسول بعد ما شهد به فليصرح بهذا حتى يعلم الناس حاله. النموذج الخامس، والرد عليه: قال الكاتب (ص ٤٦): «والشيخ ﵀ لما خالفه أحمد بن عبد الكريم أرسل الشيخ له رسالة فيها (الدرر السنة ١٠/ ٦٤) ( … طحت على ابن غنام وغيره، وتبرأت من ملة إبراهيم، وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين). أقول: هذا تكفير خاصة على منهج الشيخ».

стр. 125

وجوابه: أنه ليس في هذا النقل تصريح بتكفير المذكور، مع أن هذا الفعل المذكور -وهو البراءة من ملة إبراهيم واتباع المشركين - مما لا يُشك أنه كفر مخرج من الملة، بل هو صريح الكفر، فما وجه الإنكار في التكفير بهذا؟! ثم إن الكاتب حذف من النص جملة مهمة مؤثرة في الحكم بقصد التلبيس والتحريف، وهي قول الشيخ بعد قوله: «وأشهدتهم على نفسك باتباع المشركين من غير إكراهٍ لكن خوفًا ومداراة» (١). فحذف الجملة الأخيرة، ولا يخفى ما وراء ذلك. النموذج السادس، والرد عليه: قال الكاتب (ص ٤٦): «أما بلدان المشركين عند الشيخ ﵀ وسامحه- فهي كل البلاد التي لم تدخل تحت طاعته أو دعوته، ولم يستثن منها الحرمين الشريفين، انظر على سبيل المثال: (١٠/ ٧٥، ٦٤، ١٢، ٧٧، ٨٦)». وجوابه: أن هذه فرية باطلة، روج لها دعاة الباطل من قديم ليلبسوا بها على الناس، ويصرفوهم عن دين الله ودعوة التوحيد التي جاء بها الشيخ ﵀، وقد أجاب الشيخ ﵀ بنفسه عن هذه التهمة الباطلة وبين زيفها. يقول ﵀: «من محمد بن عبد الوهاب إلى مَنْ يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: ما ذكر لكم عني أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم:

стр. 126

إني أقول: مَنْ تبع دين الله ورسوله وهو ساكن في بلده ما يكيفه حتى يجيء عندي، فهذا أيضًا من البهتان، إنما المراد اتباع دين الله ورسوله في أي أرضٍ كانت، ولكن نكفر مَنْ أقر بدين الله ورسوله ثم عاداه وصد الناس عنه، وكذلك مَنْ عبد الأوثان بعدما عرف أنه دين المشركين وزينه للناس، فهذا الذي أكفره، وكل عالمٍ على وجه الأرض يكفر هؤلاء إلا رجلًا معاندًا، أو جاهلًا، والله أعلم والسلام» (١). ويقول ﵀ في رده على بعض المخالفين: «وكذلك تمويهه على الطغام بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]، بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن مَنْ عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمانٍ وأي مكانٍ، وإنما نكفر مَنْ أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك» (٢). وكلام الشيخ صريح في دحض هذه الفرية القديمة. وإن من أعجب العجب: أن يأتي هذا المخذول وينسب للشيخ هذه التهمة الباطلة بعد أن أظهر الله الحق، وعرف الخاصة والعامة في شتى بلاد الأرض براءة الشيخ من هذه التهمة الباطلة وغيرها مما يدعيه خصومه من الكذب والبهتان؛ بل تبين من لطف الله بالشيخ ونصرته له على خصومه بالحجة والبيان، والتمكين في الأرض، وإقبال الناس على دعوته الإصلاحية المباركة، وخذلان خصومه وسوء عاقبتهم-إلا مَنْ رجع إلى الحق-ما عرف الناس به أن دعوة الشيخ هي دعوة حق، وأنه مجدد للإسلام والسنة بصدقٍ، وأنه ما عرف الناس منذُ بدء دعوته إلى هذا

стр. 127

العصر الذي نحن فيه أحدًا أعظم بركة، وأحسن بلاءً، وأكثر نصرةً للدين، وأبلغ أثرًا في المسلمين من الشيخ محمد بن عبد الوهاب-﵀ رحمة واسعة، وجزاه عن الأمة خيرًا-. وليس عداء هذا المفتون للشيخ بعد هذا الظهور البين لدعوته وعظم أثرها في المسلمين اليوم إلا دليل على خذلانه وقلة توفيقه، نسأل الله العافية والسلامة من حاله ومن كل بلاء وفتنة. النموذج السابع، والرد عليه: يقول الكاتب (ص ٤٦): «النموذج السابع: تكفير الإمامية: تكفير الإمامية ومَن شك في كفرهم فهو كافر (١٠/ ٣٦٩)، نقل هذا عن المقدسي وأقره، مع أن ابن تيمية له كلام صريح بأن هؤلاء مبتدعة وليسوا كفارًا، لكن الشيخ ﵀ يجمع الشدائد، وتكفير الإمامية سهل إذا عرفنا أن الشيخ يكفر كل المتكلمين، ومنهم الأشاعرة، ويكفر العلماء والقضاة من أتباع المذاهب الأربعة». وجوابه: أن هذا الموطن الذي انتقده المالكي ليس من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وإنما جاء ضمن فتوى للشيخ (عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين)، وتقع هذه الفتوى في (المجلد العاشر/ الدرر السنية) من (ص ٣٦٠ إلى ٣٧٥)، وموطن نقده جاء في (ص ٣٦٩)، وبهذا يتبين عدم تثبته في نقده -هذا مع حسن الظن به! - أما إن كان متعمدًا نقد الشيخ محمد بكلام غيره فالأمر أدهى وأمر، ومع هذا فما انتقده على كلام الشيخ (أبا بطين) ليس بصحيحٍ.

стр. 128

والرد عليه من عدة وجوه: الوجه الأول: أن النقل الذي أشار إليه ليس فيه ذكر للإمامية، وهذا لفظه: «مَنْ زعم أن الصحابة ارتدوا بعد رسول الله ﷺ إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا فلا ريب في كفر قائل ذلك، بل مَنْ شك في كفره فهو كافر» (١). والقول بردة الصحابة إلا قليلًا منهم، وإن كان هو عقيدة الرافضة الإمامية، إلا أنه ليس في هذا الموطن تصريح بالإمامية؛ فيظهر كذب الكاتب فيما ادعاه. الوجه الثاني: أن تكفير الرافضة ليس مما يشنع به على الشيخ محمد ولا على الشيخ (أبا بطين) ولا غيرهما من العلماء، بل القول بكفرهم هو الحق الذي لا شك فيه؛ لمناقضة أقوالهم لأصل الدين من وجوه كثيرة. ومن ذلك: اعتقادهم تحريف القرآن. يقول المفيد -أحد كبار أئمتهم في القرن الخامس-: «إن الأخبار جاءت مستفيضةً عن أئمة الهدى من آل محمد باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف والنقصان» (٢). ومن عقائدهم المكفرة: غلوهم في الأئمة حتى أنزلوهم منزلة الرب T، ومما جاء في كتبهم ما ذكره الصفار في كتاب: (بصائر الدرجات) فيما نسبه لعلي أنه قال: «أنا عين الله، وأنا يد الله، وأنا جنب الله، وأنا باب الله» (٣).

стр. 129

وفي كتاب (علم اليقين) ما نسبوه لابن عباس أنه قال: «إن الله تعالى يوم القيامة يولي محمدًا حساب النبِيين، ويولي عليًّا حساب الخلق أجمعين» (١). وجاء في (كتاب الكافي) -وهو من أصح كتبهم عندهم- تحت باب: «إن الأئمة ﵈ يعلمون علم ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم شيءٌ -صلوات الله عليهم-»: «عن أبي عبد الله أنه قال: ورب الكعبة، ورب البنية (أي: الكعبة)، ثلاث مراتٍ، لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتُهما أني أعلم منهما، ولأَنبَأتُهما بِما ليس في أيدهما؛ لأن موسى والخضر ﵉ أُعطِيَا علم ما كان، ولم يُعطَيا علمَ ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله ﷺ وراثةً» (٢). ويقول الخميني: «فإن للإمام مقامًا محمودًا، ودرجةً ساميةً، وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون، وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملَكٌ مقربٌ، ولا نَبِي مرسَلٌ» (٣). ومن عقائدهم الباطلة المخرجة من الملة: اعتقادهم كفر الصحابة إلا نفرًا يسيرًا منهم. على ما جاء في الكافي فيما -نسبوه إلى أبي جعفر- أنه قال: «كان الناس أهل ردة بعد النبِي ﷺ إلا ثلاثة. فقلت: وَمَنْ الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، رحمة الله وبركاته عليهم، ثم عرف أناسٌ بعد يسير،

стр. 130

وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا، وأبَوا أن يبايعوا حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع» (١). إلى غير ذلك من أقوالهم المكفرة التي لا يشك أحدٌ من أهل العلم أنها كُفرٌ بينٌ من غير ترددٍ. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول ﷺ كُفرٌ، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا» (٢). ولهذا لا يعرف عالم بالكتاب والسنة إلا وهو يكفرهم، وأما مَنْ لم يكفرهم من العلماء؛ فلأنه لم يطلع على أقوالهم وعقيدتهم. وإنما استعظم المالكي القول بكفرهم لشدة ميله لهم، بل تشبثه بعقيدتهم المنحرفة، كما تقدم تقرير ذلك في صدر هذا الكتاب. الوجه الثالث: دعوى الكاتب أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب نقل القول بتكفير الإمامية عن المقدسي، ومخالفة شيخ الإسلام له كذب وباطل، فإن الكلام أصلًا ليس للشيخ محمد، وإنما هو للشيخ عبد الله أبا بطين، كما تقدم التنبيه عليه. وأيضًا: فالكلام المشار إليه -والذي تقدم نقله في الوجه الأول- ليس من كلام ابن قدامة كما زعم؛ بل نقله الشيخ (أبا بطين) عن شيخ الإسلام ابن تيمية وهو موجود بنصه في آخر كتاب: «الصارم المسلول على شاتم الرسول» (٣)، لشيخ الإسلام ابن تيمية. فليتأمل القارئ عظيم خذلان الكاتب عندما انتقد هذا النقل بكلام شيخ الإسلام، وهو من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 131

الوجه الرابع: دعوى الكاتب أن الشيخ محمدًا يكفر المتكلمين ومنهم الأشاعرة .. ». كذب وبهتان، فأين موطن هذا من كتب الشيخ؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤]. وقد تقدم في ثنايا هذا الرد النقل عن الشيخ ﵀ أنه لا يكفر إلا مَنْ دلت النصوص على كفره وقد قامت عليه الحجة بذلك؛ بل صرح بأنه لا يكفر «إلا مَنْ عرف دين الرسول، ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه» (١). وأما الأشاعرة، فهم وإن وقعوا في البدع، وانحرفوا عن طريقة أهل السنة في باب الصفات وغيره إلا أن الشيخ لم يكفرهم، بل كان يصفهم عند ذكرهم بالبدعة، وهذا هو الذي درج عليه أئمة أهل السنة قبل الشيخ، وبعده أنهم يبدعون الأشاعرة ولا يكفرونهم. يقول الشيخ محمد ﵀ في سياق رده على بعض المخالفين: «وقوله أيضًا: ويثبتون ما أثبته الرسول ﷺ : السمع، والبصر، والحياة، والقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام … إلى آخره، وهذا أيضًا من أعجب جهله، وذلك أن هذا مذهب طائفة من المبتدعة يثبتون الصفات السبع وينفون ما عداها ولو كان في كتاب الله ويؤولونه» (٢). فوصف أصحاب هذا المذهب وهو (مذهب الأشاعرة) بأنهم «طائفة من

стр. 132

المبتدعة»، ولم يقل: «من الكفار»، وفي هذا دليل على عدم تكفيره للأشاعرة، والشواهد من كلامه في هذا المعنَى كثيرة. الوجه الخامس: دعوى الكاتب أن الشيخ ﵀ يكفر العلماء والقضاة من أتباع المذاهب الأربعة. هذا من أبطل الباطل؛ فالشيخ ﵀ متبع للأئمة الأربعة، كما صرح بذلك في قوله: «فنحن مقلدون الكتاب والسنة، وصالح سلف الأمة، وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة؛ أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس وأحمد بن حنبل ﵏» (١). فكيف يعقل بعد هذا أن يكفر الشيخ أتباع الأئمة الأربعة وهو منهم؟! وقد كان الشيخ ﵀ يعتني بكتب العلماء المتأخرين من أتباع الأئمة الأربعة، وأهل الحديث ويأخذ ما وافق الحق منها. يقول ﵀: «وأما المتأخرون-﵏ فكتبهم عندنا فنعمل بما وافق النص منها، وما لا يوافق النص لا نعمل به» (٢). وكان ﵀ يطلب من مخالفيه مناظرتهم بكلام علماء مذاهبهم الفقهية، فيقول: «قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفية، والمالكي والشافعي والحنبلي، كُلٌّ أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم، فلما أبوا ذلك نقلت كلام العلماء من كل مذهب لأهله وذكرت كل ما قالوه» (٣).

стр. 133

ويقول ﵀: «ولا يخفاك أني أعرض على أهل الأحساء وغيرهم وأقول: كل إنسانٍ أجادله بمذهبٍ: إن كان شافعيًّا فبكلام الشافعية، وإن مالكيًّا فبكلام المالكية، أو حنبليًّا أو حنفيًّا فكذلك، فإذا أرسلت إليهم ذلك عدلوا عن الجواب؛ لأنهم يعرفون أني على الحق وهم على الباطل، وإنما يمنعهم من الانقياد التكبر والعناد» (١). ويستفاد من كلام الشيخ هذا عدة فوائد: الأولى: براءة الشيخ مما رماه به هذا الأفاك من تكفير أتباع الأئمة الأربعة، لعنايته بكتبهم واقتنائها، فما كان ليفعل ذلك لو كان يرى تضليلهم فضلًا أن يعتقد تكفيرهم. الثانية: سعة اطلاعه على كلام العلماء من أتباع الأئمة الأربعة، ويظهر ذلك من محاجته أصحاب كل مذهبٍ بكلام علمائهم، وعدم مقدرة الخصوم على مناظرته في ذلك، وهذا مما يؤكد براءته من تهمة تكفيرهم؛ إذ كيف يكفر مَنْ تكون له هذا العناية البالغة بكتبهم وهو يحاج بكلامهم في تقرير مذهبه على خصومه؟! الثالثة: أن الغالب على أتباع الأئمة الأربعة أنهم على السنة، خصوصًا المتقدمين منهم، وأن الانحراف عن السنة إنما نشأ من قبل بعض المتأخرين الذين كانوا ينتسبون لبعض المذاهب الفقهية، مع جهلهم بطريقة أئمة المذهب المنتسبين إليه؛ ولذا كان الشيخ ﵀ يرد على هؤلاء المخالفين بكلام أئمتهم الذين كانوا على السنة والحق.

стр. 134

النموذج الثامن، والرد عليه: قال المالكي (ص ٤٧): «تكفير مَنْ سب صحابيًّا (١٠/ ٣٦٩). وهذا غير صحيح؛ فالإمام علي لم يكفر الخوارج، وهم يكفرونه ويسبونه، وكذلك أبو بكر الصديق ثبت عنه في مسنده في المسند بسندٍ صحيحٍ النهي عن إيذاء مَنْ يسبه، ثم لماذا يجعلون سب الصحابي كفرًا وهم يدافعون عن معاوية، وقد كان يسب عليًّا؟ ألم يثبت في صحيح مسلم أمره بسب علي بن أبي طالب ﵁، أم أنه حمى علي مباحة، وحمى غيره مصونة؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾» [الصافات: ١٥٤، والقلم: ٣٦]. وجوابه: أن دعواه تكفير الشيخ محمد (لِمَنْ سب صحابيًّا)، في الموطن الذي أحال إليه، وهو (الدرر السنية: ١٠/ ٣٦٩)، غير صحيحٍ. وهاهو ذا النص الذي بنَى كلامه عليه: قال: «مَنْ سب الصحابة، أو أحدًا منهم، أو اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط؛ فلا شك في كفر هذا … ». وهذا الموطن من (الدرر السنية) ليس هو من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وإنما هو من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ نقله عنه الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀، في معرض جوابه عن سؤال ورد عليه عن معنَى كلام منقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهذا الموطن الذي نقله الشيخ (أبا بطين) عن شيخ الإسلام ابن تيمية موجود في كتاب: «الصارم المسلول» لشيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 135

ونصه: «أما مَنْ اقترنَ بسبه دعوى أن عليًّا إِلَهٌ، أو أنه كان هو النبِي وإنما غلط جبرئيل في الرسالة، فهذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر مَنْ توقف في تكفيره» (١). فظاهر من كلام شيخ الإسلام ﵀ أن القطع بكفر مَنْ سب الصحابة إنما هو في حق مَنْ اقترن سبه للصحابة بما ذكر من دعوى ألوهية علي أو نبوته، وهذا مِما لا شك في كفره. والنقل الموجود في الدرر السنية الذي يظهر أنه حصل فيه تصحيف، إما عند طباعة الكتاب، أو في أصل النسخة الخطية؛ حيث جاء النقل هكذا: «مَنْ سَب الصحابة، أو أحدًا منهم، أوِ اقترن بسبه دعوى أن عليًّا إِلَهٌ أو نَبِي … ». إلخ. فأوهم هذا القطع تكفير مَنْ سب الصحابة أو أحدًا منهم، سواء اقترن السب بما ذكر أم لم يقترن؛ فإن (أو) تدل على التخيير، كما هو معلومٌ عند النحاة. وهذا مخالفٌ لكلام شيخ الإسلام الذي هو صريحٌ في أن القطع بكفر الساب إنما هو في حال اقتران السب بما ذكر. وعلى كل حالٍ؛ فشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب مما لا شأن له بكل هذا، لا مِنْ قريبٍ أو بعيدٍ. وبهذا يظهر كذب المالكي على الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀؛ حيث ذكر هذا الموطن ضمن النماذج المنتقدة على الشيخ محمد، وليس هو من كلامه أصلًا. والمقصود هنا: تحرير هذا الموطن، وبيان أنه ليس من كلام شيخ الإسلام

стр. 136

محمد بن عبد الوهاب، ومِن ثَمَّ بيان ما حصل فيه من تصحيفٍ يخالف ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. وأما مسألة تكفير مَنْ سب الصحابة: فليس مما يشنع به على الشيخ محمد لو ثبت عنه، ولا على شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا على الشيخ أبا بطين؛ فإن العلماء مختلفون في ذلك، وقد ذهب إلى تكفير من سب الصحابة جمع كبير من السلف والخلف. وهاهي ذي بعض أقوالهم في ذلك: قال هارون بن زياد ﵀: «سمعت الفريابِي ورجل يسأله عمن شتم أبا بكر، قال: كافر. قال: فنصلي عليه؟ قال: لا. فسألته: كيف يصنع به وهو يقول: لا إله إلا الله؟ قال: لا تمسوه بأيديكم، ادفعوه بالخشب حتى تواروه في حفرته» (١). وقال محمد بن بشار ﵀: «قلت لعبد الرحمن بن مهدي: أحضر جنازة مَنْ سب أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: لو كان من عصبتِي ما ورثته» (٢). وقال الأوزاعي ﵀: «مَنْ شتم أبا بكر الصديق ﵁ قد ارتد عن دينه وأباح دمه» (٣). وقال مالك بن أنس ﵀: «الذي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ ليس له سهم -أو قال: نصيب- في الإسلام» (٤).

стр. 137

وقال بشر بن الحارث ﵀: «مَنْ شتم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فهو كافر، وإن صام وصلى وزعم أنه من المسلمين» (١). وقال المروزي ﵀: «سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل ﵀ عَمن شتم أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، فقال: ما أراه على الإسلام» (٢). وقال الطحاوي ﵀ في الصحابة: «وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» (٣). وقال القاضي أبو يعلى ﵀: «الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة: إن كان مستحلًّا لذلك كفر، وإن لم يكن مستحلًّا فسق ولم يكفر» (٤). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد قطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل مَنْ سب الصحابة، وكفر الرافضة» (٥). وذكر الألوسي ﵀ عن القاضي حسين المروزي ﵀ (من علماء الشافعية) أنه ذهب إلى: «أن سب الشيخين كفر، وإن لم يكن بما فيه إكفارهما، وإلى ذلك ذهب معظم الحنفية» (٦). وجاء في أحد البحوث المعاصرة: «ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير

стр. 138

مَنْ سب الصحابة ﵃ … ، وإليه ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية» (١). فإذا كان القول بتكفير ساب الصحابة أو بعضهم مذهب طائفةٍ من العلماء من السلف والخلف، وعلى القول به طوائف من أصحاب الأئمة الأربعة، فأي مطعنٍ يرد على مَنْ قال بذلك من العلماء؛ كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ أو غيره؟ ولكن هذا المفتون من حنقه على السنة وأهلها يطعن في الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لعظم مكانته في السنة وأثره في رجوع الناس إليها في هذه العصور بما لا يوجب الطعن عليه؛ بل ويكذب ويفتري عليه بما لم يقله من أجل الصد عن السنة وتنفير الناس منها. ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وأما دعواه أن معاوية أمر بسب علي وثبوت ذلك في صحيح مسلم: فكذب وبهتان. ولعله يشير لحديث عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعدًا، فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثًا قالهن له رسول الله ﷺ فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم» (٢).

стр. 139

وهذا الحديث ليس فيه تصريح بأن معاوية قد أمر بسب علي ﵄. قال النووي: «وقول معاوية هذا ليس فيه تصريح بأنه أمر سعدًا بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع من السب كأن يقول: هل امتنعت تورعًا، أو خوفًا، أو غير ذلك؟» (١). وقال أبو العباس القرطبِي: «وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن وعرف الحق لمستحقه» (٢). والذي يظهر لي في هذا -والله أعلم-: أن معاوية إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد بذلك استظهار بعض فضائل علي ﵁؛ فإن معاوية ﵁ كان رجلًا فطنًا ذكيًّا يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي ﵄ فألقى سؤاله بهذا الأسلوب. وأما ما ادعاه هذا الأفاك من الأمر بالسب فحاشى معاوية ﵁ أن يصدر منه مثل ذلك. والمانع من هذا عدة أمور: الأول: أن معاوية نفسه ما كان يسب عليًّا، بل كان معظمًا له، معترفًا له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه. قال ابن كثير: «وقد ورد من غير وجهٍ أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه

стр. 140

دخلوا على معاوية فقالوا له: هل تنازع عليًّا أم أنت مثله؟ فقال: والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل وأحق بالأمر مني … » (١). ونقل ابن كثير أيضًا عن جرير بن عبد الحميد عن مغيرة قال: «لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي. فقالت له امرأته: أتبكيه وقد قاتلته؟ فقال: ويحك! إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل، والفقه، والعلم» (٢). فهل يسوغ في عقلٍ ودينٍ أن يسب معاوية عليًّا بعد هذا؟ بل ويحمل الناس على سبه وهو يعتقد هذا فيه؟!! الثاني: أنه لا يعرف بنقلٍ صحيحٍ أن معاوية تعرض لعلي بسب أو شتمٍ أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته؟!! فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول، وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه. الثالث: أن معاوية ﵁ كان رجلًا ذكيًّا مشهورًا بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي -حاشاه ذلك- أفكان يطلب هذا من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو مَنْ هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلًا، فهذا لا يفعله أقل الناس عقلًا وتدبيرًا فكيف بمعاوية؟!! الرابع: أن معاوية ﵁ انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي ﵄ له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك فأي نفع له في سب علي؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس،

стр. 141

وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية ﵁ الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير. الخامس: أنه كان بين معاوية ﵁ بعد استقلاله بالخلافة وأبناء علي ﵃ من الألفة والتقارب ما هو مشهور في كتب السير والتاريخ. ومن ذلك: أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما: «ما أجازهما أحدٌ قبلي، فقال له الحسين: ولم تعطِ أحدًا أفضل منا» (١). ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له: «مرحبًا وأهلًا بابن رسول الله ﷺ ، وأمر له بثلثمائة ألف» (٢). وهذا مما يقطع بكذب ما ادعاه المالكي وأشباهه من الرافضة في حق معاوية من حمله الناس على سب علي؛ إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم؟!! وبهذا يظهر الحق في هذه المسألة وتندحر هذه الشبهة التي أراد هذا الأفاك التلبيس بها على مَنْ لا علم عنده، والله أعلم. النموذج التاسع والرد عليه: قال المالكي (ص ٤٧): «النموذج التاسع: تكفير أهل مكة: تكفير أهل مكة (١٠/ ٨٦، ٩/ ٢٩١) وذكر الشيخ أن دينهم هو الذي بعث رسول الله بالإنذار عنه، وزاد بعض الوهابية: بأنهم عباد قبورٍ! وأن مَنْ لم يكفرهم

стр. 142

فهو كافر مثلهم، وإن كان يبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين». والرد عليه: أن أهل مكة الذين ذكر أن الشيخ يكفرهم هم المشركون من قريش زمن البعثة، وهاهو ذا نص كلام الشيخ ﵀ في الموطن الذي ذكر: قال ﵀: «ولكن من أنفع ما يكون: القراءة عليهم فيما جرى على رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة في ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة، وتعريفهم أنه عنده هذه المسألة التي وقعت بيننا بعينها. فالدين الذي أرسله الله به هو الذي يسميه مطاوعتكم … وفعلوا في عداوته أشياء ما فعلها أبو جهل وأمثاله، والدين الذي يزينونه للناس هو دين أهل مكة الذي أرسل الله رسوله ينذر عنه». فكلام الشيخ ظاهر في أنه إنما أراد بقوله: «دين أهل مكة الذي أرسل الله رسوله ينذر عنه»، هو دين المشركين زمن البعثة، يدل على هذا السياق المذكور قبله، لكن المالكي زعم أنه إنما أراد تكفير أهل مكة في زمن الشيخ. وفي الحقيقة إن المرء ليتساءل ويشتد عجبه من صنيع هذا الرجل عندما ينتقد الشيخ بمثل هذا الكلام، وهل الحامل له على هذا هو فرط الجهل بمقاصد الكلام ومعاني الألفاظ، أم شدة الافتراء والكذب؟!! النموذج العاشر والرد عليه: قال المالكي (ص ٤٧): «النموذج العاشر: تكفير البدو: تكفير البدو (١٠/ ١١٣، ١١٤)، (٨/ ١١٩، ١١٨، ١١٧)، وأنهم أكفر من

стр. 143

اليهود والنصارى، وأنه ليس عندهم من الإسلام شعرة، وإن نطقوا بالشهادتين. انظر: الدرر السنية (٩/ ٢، ٢٣٨)». وجوابه: أن الشيخ ﵀ لم يكفر من البوادي إلا مَنْ أظهر الكفر الصريح، مما لا يتنازع فيه اثنان من العلماء أنه كفر. وقد كان الشيخ ﵀ يرد في المواطن التي أحال عليها المالكي من الدرر السنية على بعض علماء السوء الذين كانوا يقرون بما كان عليه الكثير من البوادي من الكفر والشرك وعبادة غير الله، ثم يزعمون أنهم لا يكفرون بذلك؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله. يقول الشيخ ﵀: «فلما بينت ما صَرَحت به آياتُ التنزيل وعَلمَه الرسول ﵌ أمتَه، وأجمع عليه العلماء: أن مَنْ أنكر البعث أو شك فيه، أو سب الشرع، أو سب الأذان إذا سمعه، أو فضل فرائض الطاغوت على حكم الله، أو سب مَنْ زعم أن المرأة ترث، أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه: أنه كافر مرتد، قال علماؤكم: معلوم أن هذا حال البوادي لا ننكره، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهي تحميهم من الكفر، ولو فعلوا ذلك». فهذا هو الموطن الأول الذي انتقده المالكي على الشيخ محمد وزعم فيه أن الشيخ قد كفر فيه البوادي، موهمًا أن تكفيره إياهم كان بغير حق وإنما لجهلهم بالدين. وأما الموطن الثاني وهو بحسب ما جاء في الدرر (٨/ ١١٧، ١١٨) يقول الشيخ ﵀: «أعظم من ذلك وأكبر تصريحهم -أي: العلماء- بأن البوادي ليس

стр. 144

معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام، وتفضيلهم دين آبائهم مخالفًا لدين النبِي ﵌، مع هذا يصرح هؤلاء الشياطين المردة الجهلة أن البدو إسلام، ولو جرى منهم ذلك كله؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله أيضًا». وهذا الموطن كسابقه في أن الشيخ لم يكفر إلا مَنْ ظهرت عليه علامات الردة الصريحة عن الإسلام على ما ذكره من صورٍ وأمثلةٍ لذلك. وهنا ألفت النظر إلى ما زعمه المالكي من أن الشيخ يقول في البوادي: (ليس عندهم من الإسلام شعرة)، فإن هذه اللفظة كما تقدم في النص ليست من كلام الشيخ، وإنما نقلها الشيخ عن العلماء الموالين للبوادي أنهم صرحوا بذلك في البوادي الموالين لهم، فأخذ المالكي هذه الجملة وزعم أنها من كلام الشيخ ليشنع بها عليه، وفي الحقيقة هي من شهادة العلماء على أولئك البوادي، وهي حجة للشيخ لا عليه. فهذه أجوبة بعض ما ادعاه المالكي من نماذج من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ زاعمًا دلالتها على تكفير الشيخ للمسلمين، وقد اكتفيت بالرد عليها دون غيرها من نماذج أخرى زعم دلالاتها على ما ذكر، طلبًا للاختصار وعدم إثقال القارئ بذلك، ولأن ما بقي من النماذج التي ذكر داخلة في معنَى ما رددت عليه فيها، ولا تخرج عنها من حيث الجملة، فما أجيب به عن هذه هو جواب عن تلك. ومن أمثلة ذلك: ما ذكره في النماذج (الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، والرابع عشر) مما ادعاه من تكفير الشيخ لبعض القبائل بأعيانها من البادية؛ فهي في الحقيقة داخلة في عموم ما ذكر من الحكم على البادية في ذلك الوقت، ولكن

стр. 145

المالكي بطريقته هذه يريد تكثير الأمثلة والنماذج في نقد الشيخ؛ ليلبس بذلك على الناس موهمًا كثرة أخطاء الشيخ، ولكن يأبى الله إلا أن يحق الحق. وإن مما يلفت النظر ويدل على خذلان المالكي: أنه بعدما أورد النماذج التي ادعى دلالاتها على تكفير الشيخ محمد للمسلمين أورد نماذج أُخرى من أقوال الشيخ تحت عنوان: (هل تناقض الشيخ) وذلك (ص ٥٥) من كتابه. وهذه النماذج تتضمن نقولًا مهمة من كتب الشيخ في براءته من التكفير وبطلان ما ادعاه عليه خصومه من تكفير المسلمين، فيكون المالكي بهذا قد رد على نفسه بنفسه، وأظهر الله الحق على يده رغم أنفه، ونكث ما أبرمه من مكرٍ وخديعةٍ وهو لا يشعر ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. اتهام المالكي أئمة الدعوة بعد الشيخ محمد بتكفير المسلمين، والرد عليه: زعم المالكي في (ص ٥٧، ٥٨) تحت عنوان: (المسيرة تتواصل) أن تلاميذ الشيخ ومقلديه واصلوا تكفير المسلمين بعده. ومما ذكره من الأمثلة لذلك بزعمه: - تكفير مَنْ وافق أهل بلده -كالحجاز أو اليمن أو الشام- ولو كان في الباطن محبًّا للوهابية مبغضًا لقومه (٨/ ١٢١)، جاء هذا على لسان سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب. - تكفير ابن عربي وابن الفارض وأنهما من أكفر أهل الأرض، كما في الدرر (٨/ ٣٦٦)، وهذا عند الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن. - التصريح بأن مكة والمدينة ديار كفرٍ. الدرر (٩/ ٢٨٥).
следующие страницы →