← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 1258

الرد السديد على مطاعن حسن المالكي على أئمة الدعوة ومقررات التوحيد

إبراهيم بن عامر الرحيلي

Полный текст (215 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ويقول الإمام ابن القيم في سياق ذكر أنواع الشرك: «ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عمن استغاث به وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها» (١). وبهذا يظهر أن الاستشفاع بالنبِي ﷺ بعد موته من الشرك؛ لدخوله في عموم دعاء مَنْ لا يقدر، ومَن لا يستطيع الاستجابة لداعيه، وهذا هو حقيقة الشرك الأكبر الذي انصرف به المشركون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وبه يتبين بطلان دعوى المالكي في التفريق بين سؤاله الشفاعة بعد موته، وسؤاله المغفرة، وتشنيعه على علماء هذه البلاد في ذلك. ٢ - يقول المالكي في (ص ١٧): «الدرس الثامن: محمد رسول الله ﷺ ، أنزل الله عليه القرآن الكريم يدعو إلى عبادة الله وحده وترك عبادة غيره، ولم يقل المقرر: (وترك عبادة الأصنام)، وهذا من الدس التكفيري الذي سيفسر في مراحل لاحقة بأن غيرنا من المسلمين يعبدون القبور والأولياء والصالحين، وأن المقلدين من أتباع المذاهب الأربعة يعبدون علماءهم ويتخذونهم أربابًا، وأن الفقه هو عين الشرك، وغير ذلك». وجوابه: أما قوله: «لم يقل المقرر: وترك عبادة الأصنام، وهذا من الدس التكفيري». فهذا من جهله بِحقيقة الشرك، وظنه أن الشرك محصور في عبادة الأصنام،

стр. 72

ولذا انتقد عبارة: «وترك عبادة غيره»، والقرآن والسنة جاءا بالنهي عن عبادة غير الله كما أخبر الله عن رسله أنهم دعوا أقوامهم إلى هذه الكلمة: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وقد أخبر الله عن نوح أنه قال هذه الجملة لقومه، وقالها أيضًا هود، وصالح، وشعيب، كما وردت بذلك الآيات من سور الأعراف وهود والمؤمنون (١). وفي خطاب موسى لقومه: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٤٠]. وقد أمر الله نبينا ﷺ أن يقول في محاجته لقومه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. والآيات في هذا كثيرة. ومن السنة: ما أخرجه مسلم في صحيحه فيما يرويه النبِي ﷺ عن ربه أن الله ﵎ قال: «أنا أغنَى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معِي غيري تركته وشركه» (٢). فقد جاءت هذه النصوص بالتحذير من عبادة غير الله واستعمال لفظ: (غير الله) دون لفظ: (الأصنام)؛ لأنه بالنهي عن عبادة (غير الله) يعم اللفظ كل مَنْ عُبِدَ من دون الله من الأصنام وغيرها من الملائكة والجن وصالحي البشر.

стр. 73

وأما على فهم المالكي؛ فالشرك إنما يكون في عبادة الأصنام فقط. وأما دعوى المالكي: تضمن المناهج اتهام أتباع الأئمة الأربعة بعبادة علمائهم، واتخاذهم أربابًا من دون الله: فهذا محض كذب وافتراء؛ فإنه من المعلوم لكل المدرسين والدارسين وسائر أفراد المجتمع في هذه البلاد المباركة أن الأئمة الأربعة لا يُذكَرُون في مقررات التوحيد وغيرها من المقررات إلا بالثناء الجميل اللائق بمقامهم في العلم والفضل، وكذلك أتباعهم وتلاميذهم الذين هم على طريقهم، هم محل احترامٍ وتقديرٍ لدى القائمين على التعليم في هذه البلاد. وما زال العلماء والمربون يقررون في كتبهم المطبوعة وفي الأشرطة المسجلة مما لا يكاد يحصى أن المذاهب الأربعة هي مذاهب أهل السنة، وأن مَنْ قلد عالمًا من هؤلاء الأئمة وغيرهم من العلماء أنه لا يُذَم بذلك إن لم يكن قادرًا على النظر والاستنباط من النصوص الشرعية؛ بل هذا فرضه، كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧]. حتى أصبح هذا الأمر متقررًا لدى كل مَنْ له اطلاع على المقررات الدراسية، وكلام العلماء في هذا البلاد. وأما الفقه؛ فإنه يحظى بعنايةٍ كبيرةٍ في المقررات، وقد أفردت لتدريسه مادة مستقلة في كل المراحل الدراسية، فكيف يدعي هذا الأفاك أن مقررات التوحيد تقرر: (أن الفقه عين الشرك)؟!! وكيف يسيغ في عقلٍ أن مؤسسة تعليمية تدرس مادة في كل مرحلة من مراحل التعليم فيها ثم تقرر لهؤلاء الدارسين في موطن آخر من المقررات أن ما درستموه في هذه المادة هو عين الشرك؟!!

стр. 74

ولبيان أهمية المادة في المناهج الدراسية في هذه البلاد جاء في مقدمة مقرر الفقه للصف السادس الابتدائي (الفصل الأول): «فقد قال -عليه الصلاة السلام-: «مَنْ يردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين» (١). وانطلاقًا من ذلك قررت وزارة المعارف تدريس الفقه في جميع المراحل الدراسية منذُ إنشائها؛ شعورًا بالواجب وإدراكًا لعظم الحاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية، وذلك لأن فهم هذا الدين مرتبط بمعرفة أحكامه وتصورها، كما أن الحاجة ماسة إليها لكي يعبد المسلم ربه على بصيرةٍ». * * *

стр. 75

نقده لمقرر الصف الثاني الابتدائي والرد عليه: ١ - يقول في (ص ١٨): «في الفصل الثاني (ص ٣٣)، تحت عنوان: (معرفة الدين)، جاء تعريف المقرر للإسلام بأنه: (الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله). قلت: [والكلام للمالكي] وهذا من الناحية النظرية لا شيء فيه، ولكن التربويين لا يعرفون أن هذا من التقعيد لتكفير المسلمين؛ لأن الشرك هنا ليس المراد به الشرك الأصلي (شرك الكفار)، وإنما المقصود به شرك المسلمين، (وأهل الشرك) هنا المراد بهم المسلمون، والدليل على ذلك أن هذه العبارة في تعريف الإسلام مأخوذة من كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة، والشيخ محمد وعلماء الدعوة لا يقصدون بالشرك والمشركين في جميع كتبهم ومؤلفاتهم إلا المخالفين لهم من المسلمين، وهذا مما يجهله التربويون ويخفيه العقائديون تهيئة منهم للطالب لأن يصبح مكفرًا للمسلمين». وجوابه من عدة أوجه: الوجه الأول: أنه أقر أن تعريف الإسلام بما نقل من الناحية النظرية لا شيء فيه، فكيف عرف أن المقصود هو الحكم على المسلمين بالشرك، أليس هو من الرجم بالغيب وسوء الظن بالمسلمين، مع أنه في مقدمة كتابه يطالب بحسن الظن به في نقده لمقررات التوحيد فيقول: «يجب على الجميع ترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد وغيرها … ». فسبحان الله! ما أعظم جرأة هذا الرجل! فهو مع طعنه في عقيدة أهل السنة

стр. 76

وطعنه في أهلها ودعوته للشرك والبدع وتمجيده لأهل الزيغ والضلال يطالب بحسن الظن فيه. وأما في معاملته لغيره، فيعطي لنفسه الحق في أن يحمل الكلام البين الواضح على ما شاء من المحامل السيئة، ثم يطعن به على أهل بلدٍ كاملٍ. وصنيعه هذا مما يدل على إفلاسه وخيبته؛ فإنه لَما لم يَجد ما يطعن به على مقررات التوحيد لجأ إلى تأويل الكلام الحق إلى معانٍ باطلة، ثم يطعن بها على أهل الحق، وهذا شأن كل أهل البدع الطاعنين على أهل السنة، إذا ما عجزوا عن نقد أقوالهم الحقة سلكوا هذا المسلك الباطل للتلبيس على ضعاف البصائر في ذلك. الوجه الثاني: قوله: «إن هذا من التقعيد لتكفير المسلمين … ». هذه دعوى مجردة من الدليل؛ فأين التقعيد لتكفير المسلمين في العبارة السابقة؟! بل دعواه هذه مناقضة لقوله سابقًا: «وهذا من الناحية النظرية لا شيء فيه». والموطن الذي انتقده من المقرر وهو تعريف الدين بأنه: (الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك)، حق قد دلت النصوص عليه لفظًا ومعنًى. فقد دل على الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة الكثيرُ من النصوص؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، [الحج: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]. وقوله تعالى مُخبِرًا عن إبراهيم ﵊: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].

стр. 77

قال ابن كثير في تفسيرها: «أَمَرَهُ بالإخلاص له، والاستسلام والانقياد؛ فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا» (١). وأما البراءة من الشرك؛ فقد دل عليها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. [الأنعام: ١٩]. قال الطبري في معنَى الآية: «قل: وإنني بريء من كل شريكٍ تدعونه لله وتضيفونه إلى شركته وتعبدونه معه، ولا أعبد سوى الله شيئًا، ولا أدعو غيره إلهًا» (٢). والآيات في هذا المعنَى كثيرةٌ جدًّا، وإنما ذكرت هنا ما تبطل به دعوى هذا المبطل فحسب. الوجه الثالث: أن دعواه أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة لا يقصدون بالشرك والمشركين في جميع كتبهم ومؤلفاتهم إلا المخالفين لهم من المسلمين، هذا من أعظم الكذب والبغي الذي يعلمه من له أدنَى اطلاع على كتب شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة بعده، وهذه فرية قديمة ألصقها الأعداء بدعوة الشيخ للتنفير منها، وصد الناس عنها. وقد أجاب الشيخ نفسه، ثم تلاميذه من بعده عن هذه الفرية بما أبطل الله به كيد الكائدين الصادين عن دين الله. يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في إحدى الرسائل الشخصية: «وأما

стр. 78

ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله» (١). ويقول ﵀: «وكذلك تمويهه [يعني: المردود عليه] على الطغام بأن ابن عبدالوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتِي كافر، ونقول: سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ، بل نُشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا بأن مَنْ عمل بالتوحيد وتبرأ من الشرك وأهله فهو مسلم في أي زمانٍ وأي مكانٍ، وإنما نكفر مَنْ أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر مَنْ حسنه للناس» (٢). ويقول أيضًا في بعض رسائله: «وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه فضلًا أن يفتريه، ومنها ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا مَنْ اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، ويا عجبًا كيف يدخل هذا في عقل عاقلٍ، هل يقول هذا مسلم أو كافر، أو عارف أو مجنون؟!!!» (٣). ويقول الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهما الله-: «وأما مَنْ يكذب علينا سترًا للحق وتلبيسًا على الخلق … وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا مَنْ هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير بأنه كان مشركًا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله … ، وجوابنا في كل مسألةٍ من ذلك: سُبحَانَكَ هَذَا بُهتَانٌ عَظِيمٌ، فمَن روى عنا شيئًا من ذلك أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى، ومَن شاهد حالنا وحضر مجالسنا

стр. 79

وتحقق ما عندنا علم قطعًا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين؛ تنفيرًا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة» (١). وكلام الشيخ وأبنائه وأئمة الدعوة كثير جدًّا في دفع هذه الفرية. وقد أظهر الله الحق ونصر الله جنده وأولياءه حتى عمت دعوة الشيخ -القائمة على الكتاب والسنة- كافة الأقطار الإسلامية، وانتفع الناس بها انتفاعًا عظيمًا في رجوعهم إلى دين الله الحق وعقيدة السلف الصالح، وما بقي مَنْ يجهل في هذا الزمان من المشتغلين بالعلم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد للدين والعقيدة الصحيحة في هذه العصور المتأخرة، وأنه من كبار العلماء المجاهدين، والعلماء الربانيين، الذين ما عرفت الأمة منذُ قيامه بدعوته إلى اليوم أعظم نفعًا وبركةً على الأمة منه. وما كان يخطر ببالٍ أن يأتي من أبناء هذه البلاد التي نفعها الله بدعوة الشيخ هذا النفع العظيم، مَنْ يردد دعوات المغرضين الصادين عن الدعوة، ويشكك في صدق دعوة الشيخ بعد أن أظهرها الله، وقمع أعداءها حتى جاء هذا المخذول المفتون بما جاء به من الطعن في الشيخ ودعوته، وفي علماء هذه البلاد ومناهج التوحيد، وإن في حاله لعبرة للمعتبرين، وبيان مدى ضعف العبد إن لم يَمُنَّ الله عليه بالهداية والثبات. فاللهم مقلب القلوب مُنَّ علينا بالهداية والثبات على دينك، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ فنضل مع الضالين. * * *

стр. 80

نقده لمقرر الصف الثالث الابتدائي والرد عليه: قال في (ص ١٨): «الفصل الثاني (ص ٢٧) تحت درس: (توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات): ١ - جاء تعريف توحيد الألوهية بأنه: (توحيد الله في أفعال العباد كالدعاء والخوف والتوكل والرجاء والصلاة والزكاة)، وهذه المراد منها كما ستأتِي مفسرة في كتب الدعوة السلفية من أن المسلمين من مخالفي الدعوة السلفية ليسوا موحدين، بل هم كفار مشركون شرك (١) أكبر ينقل عن الملة؛ لأنهم يدعون الأولياء ويخافونهم ويتوكلون عليهم ويرجونهم ويتوسلون بهم … إلخ. وهذا أيضًا مما يجهله التربويون، ويعرفه الغلاة ويظنونه دينا، وإلا لو كان المراد دعاء الأصنام وعبادة غير الله لما كان هذا الاختلاف الكبير بين الوهابية ومخالفيهم من المسلمين». وجوابه: أنه قد تكرر منه هذا الأسلوب كثيرًا -على ما مضى- في أنه يورد عبارةً أو مقطعًا من مقررات التوحيد ثم يدعي أن المراد منه كذا وكذا، ثم ينتقد المراد بزعمه. وهذا ليس أسلوبًا علميًّا في النقد، ولا أعلم أن أحدًا سبقه إلى هذا؛ وذلك أنه ينبغي للناقد أن يحدد موطن النقد من كلام مخالفه ثم يبين وجه الخطأ فيه، أما أن يورد كلامًا وينتقد مفهومه بزعمه من غير إحالةٍ ولا توثيق لهذا المفهوم المزعوم، فهذا مما لم يعرف في أساليب النقد العلمي، ولا يصدر إلا من جاهل بهذا الباب، أو ملبس ماكر يريد مخادعة العامة بكلامه.

стр. 81

وأما زعمه أن مفهوم التوحيد يأتي مفسرًا في كتب الدعوة السلفية أن مخالفي الدعوة السلفية ليسوا موحدين، بل كفار مشركون شركًا أكبر ينقل من الملة؛ لأنهم يدعون الأولياء ويخافونهم ويتوكلون عليهم … إلخ. فهو مطالب بتوثيق هذا الكلام من كتب الدعوة السلفية، وهذا الكلام الذي ينسبه لكتب الدعوة السلفية متضمن لحق وباطلٍ. فأما دعواه أن السلفيين يرون أن مخالفي الدعوة السلفية ليسوا موحدين، وأنهم مشركون الشرك الأكبر؛ فهذا باطل بهذا العموم، فليس كل مَنْ خالف الدعوة السلفية مشركًا، بل المخالفات تتنوع، فقد تكون المخالفة من جنس أخطاء المجتهدين في فهم النص ولم تصل إلى حد البدعة، فيبين خطأ هذا المجتهد نصحًا للأمة، ولا يؤثم هو في اجتهاده، ولا يحكم عليه ببدعة أو فسق. وقد يكون الخطأ من قبيل أخطاء المبتدعة الذين انحرفوا عن السنة ووقعوا في البدع التي حذر منها السلف والأئمة، فمثل هؤلاء يبدعون وفق ضوابط معروفة عند أهل السنة، ولا يحكم عليهم بكفر أو شرك ما لم يقع منهم ما يوجب الكفر أو الشرك. وقد يكون الخطأ منافيًا لأصل الدين بارتكاب شيء مكفر أو نوع من أنواع الشرك الأكبر، فهذا الذي يحكم على مرتكبه بالكفر والشرك عند أهل السنة، لكن بعد قيام الحجة عليه بذلك، والتحقق من توفر شروط التكفير وانتفاء موانعه في حقه. فإن كان يقصد بالمخالفين للمنهج السلفي مَنْ كانت مخالفتهم دون الكفر

стр. 82

والشرك: فالسلفيون يبرءون إلى الله من تكفير هؤلاء، وهم من أشد الناس تحذيرًا من نسبة رجلٍ من المسلمين للكفر ما لم يستوجب ذلك شرعًا. وإن كان يقصد بالمخالفين مَنْ ارتكسوا في الشرك الأكبر بدعاء غير الله أو صرف نوعٍ من أنواع العبادة للمخلوقين ممن يدعون فيهم الولاية وغيرهم من الصالحين على حد تعبيره: (يدعون الأولياء، ويخافونهم، ويتوكلون عليهم)، فهؤلاء لا شك في كفرهم بعد قيام الحجة عليهم كما دلت على ذلك النصوص الشرعية. يقول الله تعالى في التحذير من دعاء غيره: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فتبين أن دعوة غير الله شرك» (١). وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]. فأخبر الله أن مَنْ دعا غيره فقد اتخذه إلهًا. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فتبين بهذه الآية ونحوها أن دعوة غير الله كفر وشرك وضلال» (٢). ويقول الله تعالى آمرًا بإخلاص الخوف له والتحذير من الشرك فيه: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].

стр. 83

وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٣٦]. وقال تعالى مخبرًا عن إبراهيم ﵇ في مناظرته لقومه: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١]. وقال تعالى في الأمر بإخلاص التوكل عليه: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]. وقال تعالى مخبرًا عن موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤]. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: «فجعل دليل صحة الإسلام التوكل» (١). ويقول تعالى في حكم الشرك في العبادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. ويقول T مخبرًا عن عيسى ﵇: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]. فهذا حكم الله فيمَن صرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، فالله تعالى هو الذي حكم فيهم بالكفر والشرك، ومَن رد حكم الله وحكم رسوله؛ فإنه كافر خارج من الدين، فليحذر المالكي من خطورة هذا الأمر، وليتب إلى الله قبل أن

стр. 84

يأتي الأجل وهو على هذا الانحراف الخطير في الدين والإغراق في الضلال المبين. قال المالكي في (ص ١٨): «ثم ذكر المقرر توحيد الأسماء والصفات، وقال في ذلك: ومن صفاته: الحياة، والرحمة، والعلم، والعلو، والقدرة، وهذه المراد منها إخراج الأشاعرة، والإباضية، والشيعة، وأتباع المذاهب الأربعة المعاصرين من دائرة الموحدين إلى دائرة المشركين، أو المبتدعين، أو الفرق الهالكة؛ لأن هؤلاء جميعًا يتأولون العلو مثلًا بأنه العلو المعنوي لا الحسي، بينما يرى الحنابلة وتبعهم الوهابية بأن العلو حسي، وأن مَنْ أنكره فليس موحدًا، وعلى هذا يمكن أن يكون مشركًا كافرًا … » إلخ. وجوابه: أن هذا الأسلوب في النقد على طريقته السابقة: يورد جملةً أو مقطعًا من مقررات التوحيد، ثم يفسره بما شاء، ثم ينتقد التفسير والفهم الذي ذهب إليه، بعد عجزه عن نقد النص المنقول، وهذا من أعجب الأمور، ولا يعرف أن أحدًا من السابقين أو المعاصرين لا من أهل السنة ولا من أهل البدع سبقه لهذا. وأعجب من هذا كله: زعمه في هذا الموطن أن العبارة التي نقلها من المقرر وهي: «ومن صفاته: الحياة، والرحمة، والعلم، والعلو، والقدرة»، تدل على تكفير الفرق التي ذكر. فهل هذا الكلام يصدر من عاقلٍ يدري ما يقول؟! وهل تفسيره للكلام بما ذكر يرجع إلى مدلول لغوي -ولو من وجهٍ بعيدٍ- أم أنه أشبه بهذيان المجانين ومسلوبِي العقول؟!

стр. 85

وأما كون بعض أهل البدع ينكرون الصفات، فلا يلزم من إثبات أهل السنة لها -كما دلت عليه النصوص- تكفير مَنْ أنكرها، بل المؤمن يعتقد إثبات ما أثبت الله لنفسه من الصفات، ولربما لم ينقدح في ذهنه مخالفة أهل البدع له في ذلك، بل كثير من صغار طلبة العلم وكذلك طلبة المدارس في المراحل الأولية لا يعرفون إنكار المخالفين للصفات، بل ما سمعوا بأشاعرة ولا إباضية فضلًا أن يعتقدوا كفرهم، ولهذا لم يخاطبوا في هذه المراحل إلا بإثبات الصفات لله دون الإشارة لا من قريبٍ أو بعيدٍ لخلاف المخالفين في هذا الباب. وأهل السنة وإن كانوا يخطئون منكري الصفات، بل يعتقدون أن إنكار شيء من صفات الله كفر؛ لأنه تكذيب لما أخبر الله عن نفسه، إلا أنهم لا يكفرون من وقع في شيء من ذلك متأولًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا يلزم إذا كان القول كفرًا، أن يكفر كل مَنْ قاله مع الجهل والتأويل، فإن ثبوت الكفر في حق الشخص المعين كثبوت الوعيد في حقه، وذلك له شروط وموانع» (١). ومن هذا الباب لم يكفر أهل السنة كل مَنْ خالف في الصفات فأنكر ثبوت شيءٍ منها لله متأولًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة. ولكن يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: مَنْ قال: القرآن

стр. 86

مخلوق؛ فهو كافر، ومَن قال: إن الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة» (١). وبهذا يعلم كذب المالكي في دعواه: تكفير الحنابلة للفرق المخالفة في الصفات، وجعله هذا من لوازم إثباتهم للصفات. * * *

стр. 87

نقده لمقرر التوحيد للصف الرابع والرد عليه: قال المالكي في (ص ١٩): «تحت الدرس الثالث، (ص ١٣): قَسَّمَ المقرر التوحيد إلى ثلاثة أقسام: (توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات)، وهذا التقسيم تقسيم مستحدث ليس عليه دليل، وجاء به بعض غلاة الحنابلة في القرن الثامن الهجري، ليتمكن من خلاله من التقعيد لتكفير بعض المسلمين بزعمه أنهم لم يكونوا موحدين … ». وجوابه: إن إنكاره تقسيم التوحيد ودعواه أنه مستحدث وليس عليه دليل: قول باطل؛ فقد دل على هذا التقسيم كتاب الله . فدلت عليه سورة الفاتحة التي هي أول سورة في القرآن؛ حيث اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة: فقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] دل على توحيد الألوهية. وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ دل على توحيد الربوبية. وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] دل على توحيد الأسماء والصفات (١). وكذلك دلت على أنواع التوحيد: سورة الناس التي هي آخر سورة في القرآن. فقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١ - ٢]، دل

стр. 88

على أنواع التوحيد الثلاثة. وقوله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٣]، دل على توحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات؛ فالإله هو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال، وهو المستحق للعبادة وحده (١). كما دلت على أنواع التوحيد الثلاثة آية واحدة في سورة مريم التي هي في أول النصف الثاني من القرآن وهي قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. فدل قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، على توحيد الربوبية. وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾، على توحيد الألوهية. وقوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، على توحيد الأسماء والصفات (٢). والآيات من كتاب الله على تقرير أنواع التوحيد كثيرة يصعب حصرها. فتبين بطلان دعوى المالكي بدعية هذا التقسيم. فتقسيم التوحيد ثابت بالاستقراء لكتاب الله، وهو دال عليه أوضح دلالةً، وما دل الدليل عليه فكيف يكون بدعة؟! وقد صرح جمع من العلماء بأن هذا التقسيم للتوحيد ثابت بالاستقراء لنصوص الكتاب والسنة: قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «وقد دل استقراء القرآن العظيم

стр. 89

على أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام» (١)، ثم ذكر أقسامه على وجه التفصيل مستدلًّا لكل قسمٍ بجمعٍ من الأدلة. وقال الشيخ بكر أبو زيد: «هذا التقسيم الاستقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده، وابن جرير، والطبري، وغيره، وقرره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرره الزبيدي في تاج العروس، وشيخنا الشنقيطي في أضواء البيان في آخرين -رحم الله الجميع-» (٢). وقال شيخنا الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد البدر في رده على المالكي في هذه المسألة: «وهذا التقسيم لأنواع التوحيد عُرف بالاستقراء من نصوص الكتاب والسنة، ويتضح ذلك بأول سورةٍ في القرآن وآخر سورةٍ، فإن كلًّا منهما مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة» (٣). فهذه شهادة أهل العلم -أهل الاستنباط والنظر والفهم الثاقب لنصوص الكتاب والسنة-، قد صرحوا بعد الاستقراء لنصوص الكتاب والسنة بدلالة النصوص على هذا التقسيم. وكون المالكي ينكر هذا التقسيم لظنه عدم دلالة النصوص عليه؛ لقصور فهمه، وبلادة عقله؛ فليس هو حجة على العلماء الذين عرفوا بالاستقراء الصحيح لنصوص الكتاب والسنة صحة هذا التقسيم.

стр. 90

وغاية ما عليه المالكي في دعواه بدعية تقسيم التوحيد أنه يجهل الأدلة على تقسيم التوحيد، أما أن ينفي العلم بذلك عن غيره فلا شك أن هذا من طيشه وجرأته على القول على الله بغير علمٍ، والتقدم على العلماء، وهذا سمة كل جاهلٍ. وأما أهل العلم فإن خفي على أحدهم شيء من العلم نفاه عن نفسه ولم يسارع إلى نفيه عن غيره، بل يسنده إلى عالمه، والمالكي في هذه المسألة جمع بين الجهل بها، وجهله علم غيره بِها، وهذا ما يسميه العلماء ب: (الجهل المركب)، الذي يكون حال صاحبه أنه لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري. وكذلك دعوى المالكي: (أن أول مَنْ أحدث هذا التقسيم للتوحيد الحنابلة في القرن الثامن الهجري)، دعوى كاذبة؛ كدعواه أن هذا التقسيم مبتدع، فقد جاء في كلام السلف المتقدمين الذين عاشوا في عصور كانت قبل القرن الثامن بكثيرٍ ما يشهد لصحة تقسيم التوحيد إلى الأقسام الثلاثة. يقول الإمام الطحاوي المتوفى سنة (٣٢١ هـ): «نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره» (١). ففي كلام الإمام الطحاوي هذا إشارة إلى أنواع التوحيد الثلاثة، وهو من أئمة الحنفية. ففي قوله: «إن الله واحد لا شريك له»: هذا تقرير للتوحيد على وجه الإجمال، مع نفي المشاركة له فيما يختص به، ثم انتقل بعد ذلك للتفصيل في كل نوعٍ من أنواع التوحيد:

стр. 91

ففي قوله: «لا شيء مثله»: تقرير لتوحيد الأسماء والصفات، الذي مداره على نفي مماثلة المخلوق للخالق فيما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العليا، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وفي قوله: «ولا شيء يعجزه»: تقرير لتوحيد الربوبية؛ فإن نفي العجز عن الله متضمن إثبات كمال قدرة الخالق على كل شيء، وملكه وقهره له، وهذا هو حقيقة توحيد الربوبية، ولهذا كان من الأدلة المشهورة لإثبات القدرة للرب بطريق العقل (الاستدلال بالخلق)؛ لأن من لوازم كونه خالقًا أن يكون قادرًا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في وصف هذا الدليل: «إذا عرف أنه الخالق فمن المعلوم بالضرورة أن الخالق لا يكون إلا قادرًا؛ بل كل فعلٍ يفعله فاعل لا يكون إلا بقوة وقدرة» (١). وفي قوله: «لا إله غيره»: تقرير لتوحيد العبادة بنفي الألوهية بحقٍّ عن غير الله، وإثباتها له سبحانه، وهذا صريح توحيد العبادة لله. وكذا جاء تقرير أنواع التوحيد الثلاثة بما هو أصرح من هذا عن الإمام ابن بطة العكبري المتوفى سنة: (٣٨٧ هـ)، يقول ﵀ في كتاب: «الإبانة»: «إن أصل الإيمان بالله تعالى الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الإيمان به ثلاثة أشياء: أحدها: أن يعتقد العبد (ربانيته) (٢) ليكون بذلك مباينًا لمذهب أهل التعطيل

стр. 92

الذين لا يثبتون صانعًا. الثاني: أن يعتقد وحدانيته؛ ليكون مباينًا مذاهب أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره. والثالث: أن يعتقد موصوفًا بالصفات، التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفًا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه؛ إذ قد علمنا أن كثيرًا مِمن يقر به ويوحده بالقول المطلق قد يلحد في صفاته فيكون إِلحاده في صفاته قادحًا في توحيده. ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعائهم إلى اعتقاد كل واحدةٍ من هذه الثلاث والإيمان بها … » (١). وهذا النص صريح في تقرير أنواع التوحيد الثلاثة بما يغني عن أي شرح أو تعليق. وممن جاء في كلامه الإشارة لأقسام التوحيد -من المتقدمين-: الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده المتوفى سنة: (٣٩٥ هـ)؛ حيث ضمن تراجم كتابه: «التوحيد ومعرفة أسماء الرب T وصفاته» ذكر أنواع التوحيد الثلاثة. قال شيخنا الدكتور علي بن ناصر فقيهي في مقدمة تحقيقه للكتاب: «ومؤلف هذا الكتاب عاش في القرن الرابع الهجري (٣١٠ - ٣٩٥ هـ)، وقد اشتمل كتابه على أقسام التوحيد التي ورد ذكرها في كتاب الله: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات، فبدأ بقسم الوحدانية في الربوبية مستدلًّا به على توحيد الله في الألوهية.

стр. 93

ثم ذكر عنوانًا لتوحيد الأسماء والصفات ومنه دخل في توحيد الألوهية؛ وذلك من الفصل الثاني والأربعين إلى الفصل الخمسين، ثم عاد لتكميل أسماء الله، ثم أتبعه بتوحيد الصفات حيث بحثه مستقلًّا عن أسماء الله . ثم عاد إلى توحيد الربوبية بالتصريح بذلك في آخر الكتاب، ولم يخرج في استدلاله على ذلك عن كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وأقوال السلف، كما يجد ذلك القارئ في الكتاب. وهذا التقسيم الذي شمله هذا الكتاب رد على أبي حامد بن مرزوق الذي يقول في كتابه المُسَمى: (التوسل بالنبِي وجهالة الوهابيين): إن تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، والقول بأن المشركين كانوا مؤمنين بالأول دون الثاني، ولم يدخلهم في الإسلام أن ذلك بدعة ابتدعها ابن تيمية، وقلده فيها محمد بن عبد الوهاب» (١). ففي هذه النقول وغيرها مما جاء في كتب السلف والأئمة المتقدمين ما يدحض دعوى المالكي أن أول مَنْ ابتدع تقسيم التوحيد هذا التقسيم هم غلاة الحنابلة في القرن الثامن، كما أشار شيخنا الدكتور علي بن ناصر فقيهي أن في كلام ابن منده ردًّا على أبي حامد بن مرزوق في دعواه أن تقسيم التوحيد إلى ربوبية، وألوهية، بدعة ابتدعها ابن تيمية، وقلده فيها محمد بن عبد الوهاب. ولِيُعلَم أن هذه الدعوى الباطلة، وهي (دعوى تقسيم التوحيد)، ودعوى أن أول مَنْ ابتدع ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قد ادعاها بعض دعاة الضلال، المنحرفين

стр. 94

عن التوحيد، المائلين للشرك، وليس المالكي في هذا إلا مقلدًا لغيره مرددًا لأقوالهم. ولأخينا الفاضل الدكتور: (عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر) كتاب نفيس في الرد على السقاف في هذه المسألة، قد أجاد فيه وأفاد في رد هذه الدعوى الباطلة، وقد سماه: «القول السديد في الرد على مَنْ أنكر تقسيم التوحيد». قال المالكي في (ص ٢٠): «(ص ٤٦) ذكر المقرر أن أول ما فرضه الله على بني آدم هو الكفر بالطاغوت، ثم ذكر صفة الكفر بالطاغوت، بأنه: (أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغض أهلها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم)! لا يعرف التربويون أن المراد هنا: (أن تبغض المسلمين وتكفرهم)؛ لأن المقرر مأخوذ من الدعوة السلفية، إما مباشرة وإما بواسطة، والدعوة السلفية قائمة على اتهام بقية المسلمين بأنهم يعبدون الطاغوت، وهو كل ما عُبِدَ من دون الله من نبِي أو ولي أو صالحٍ أو صحابي … » إلخ. وجوابه: أن اعتراضه على ما جاء في المقرر من وجوب الكفر بالطاغوت وما يجب على المسلم اعتقاده من بطلان عبادة غير الله، هذا اعتراض على أصل دين الإسلام؛ بل على ما جاءت به الرسل قاطبة؛ إذ ما بعث الله نبيًّا إلا بالإيمان بالله والكفر بالطاغوت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وهذه الآية الكريمة تضمنت الأصل العظيم الذي بعث به كل رسول إلى قومه، وهو الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عباده ما سواه، وهذا معنَى (شهادة أن لا إله إلا الله).

стр. 95

قال الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «ذكر الله -جلَّ وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة الله وحده واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معنَى: (لا إله إلا الله)؛ لأنها مركبة من نفيٍ وإثباتٍ، فنفيها: هو خلع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها: هو إفراده -جلَّ وعلا- بجميع أنواع العبادات بإخلاص على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله -عليهم صلوات الله وسلامه-، وأوضح هذا المعنى كثيرًا في القرآن عن طريق العموم والخصوص» (١). ثم ساق الآيات في ذلك. وفي معنَى هذه الآية أيضًا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]. فقد أخبر الله أن مَنْ كفر بالطاغوت وآمن بالله؛ فقد استمسك بالعروة الوثقى، والعروة الوثقى: هي الإيمان في قول مجاهدٍ. وقال السدي: هو الإسلام. وقال سعيد بن جبير والضحاك: لا إله إلا الله. وعن أنس بن مالك: هي القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد قال: هو الحب في الله والبغض في الله. قال ابن كثير: «وهذه الأقوال كلها صحيحة لا تنافي بينها» (٢).

стр. 96

وإذا كان الكفر بالطاغوت مع الإيمان بالله بهذه المنزلة من الإسلام؛ بل هما حقيقة الإسلام، ولب دعوة الرسل، وعليهما مدارها، والمستمسك بهما مستمسك بالعروة الوثقى بنص كتاب الله، فما وجه إنكار المالكي واغتياظه مما جاء في المقرر من تقرير وجوب الكفر بالطاغوت، وهل يصدر هذا من مسلمٍ موحدٍ يعتقد وجوب الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، -كما أمر الله بذلك-؛ فإن كان يقر بهذا فَلِمَ هذا التشنيع في أمر يعتقده هو نفسه ويدين لله به؟! وإن كان لا يقر بهذا، فهذه ردة صريحة عن الإسلام بلا نزاع بين العلماء. وأما دعواه أن المراد بالكفر بالطاغوت في الكتاب المقرر هو: (أن تبغض المسلمين وتكفرهم وتعاديهم)، فهذا من أعجب ما يكون أن يفسر ما جاء في المقرر من (وجوب الكفر بالطاغوت) بتكفير المسلمين ومعاداتهم، وهل هذا هو فهمه لما جاء في كتاب الله من الأمر بالكفر بالطاغوت؟! فيعتقد هذا في نفسه، أم أنه لا يؤمن بهذا، فيرد ما جاء في كتاب أيضًا بدعوى أن فيه تكفير المسلمين. ثم هذا الفهم الذي ادعاه وزعم أن التربويين -مع كونهم يباشرون تدريس هذه المناهج سنين طويلة- لم يفهموه، فإذا كان هذا يُعرَف من المناهج، ومع هذا هم يرددون هذا الكلام الذي فيه تكفير المسلمين ولم يعرفوه، فهذه أكبر تهمة لهم بالبلادة والسذاجة؛ إذ كيف لم يتفطنوا لهذا الأمر الخطير. ثم هل الطلاب كالمدرسين لم يفهموا ذلك فلن يضرهم حينئذٍ؛ لأنهم في غفلةٍ عن تكفير المسلمين أم أنهم أفطن من مدرسيهم؟!

стр. 97

وأما حجته على ما ادعاه، فهي أعجب من دعواه الكاذبة، وقد بناها على مقدمتين: المقدمة الأولى: أن المقرر مأخوذ من الدعوة السلفية، إما مباشرة وإما بواسطة. والمقدمة الثانية: والدعوة السلفية قائمة على اتهام بقية المسلمين بأنهم يعبدون الطاغوت. هذه حجة المالكي فيما ادعاه (من أن المراد بالكفر بالطاغوت: هو تكفير المسلمين)، وهذا هو النقد العلمي الذي يدعيه! ولا أرى أن مثل هذا الكلام يحتاج إلى تكلف رد، وإنما يكفي إبرازه ليعلم حقيقة هذا الرجل، ومدى تجنيه على السنة وأهلها، وما هو عليه من انحرافٍ خطيرٍ عن الدين قَلَّ أن يوجد إلا في رؤوس الضلال، من الزنادقة والمنافقين. * * *

стр. 98

نقده لمقرر التوحيد للصف الخامس (الفصل الأول)، والرد عليه: قال في (ص ٢٠): «جاء في الدرس الثالث (ص ١٢): (إن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته: لا ملك مقرب ولا نبِي مرسَل)، وهذا الكلام من الناحية النظرية صحيح، لكن المراد بالكلام غير هذا الظاهر البريء. فالمراد أن المسلمين يشركون بالله عندما يتبركون أو يتوسلون بالصالحين أو يستشفعون بهم أو يبنون الأضرحة عند قبورهم … إلخ، فهذه عند علماء الدعوة عبادة لغير الله، ويلزم منها الشرك الأكبر المخرج من الملة، وعلى هذا لابد من البيان للطالب أن يتورع في تنزيل النظرية إلا على من عبد غير الله حقًّا، أما مَنْ أخطأ في دعاء غير الله أو التوسل به أو … فليس مشركًا ولا كافرًا، لكنه مرتكب لمحرم شرعًا، أو مكروهًا، بل بعض هذا مباح عند بعض العلماء قديمًا وحديثًا، فإن خطأناهم لا يجوز لنا تكفيرهم، ولا رميهم بالشرك فالشرك أمره عظيم. فلهذا ينشأ الطالب فينا وهو يتلفت (أين المشركون الذين يعبدون غير الله؟) فلما يقرأ في كتب الدعوة السلفية يظنه قد وجد ضالته في (تكفير المسلمين)، وأن خريطة العالم الإسلامي إنما هي (خريطة المشركين!)، أما بقية خريطة العالم فهي خريطة أهل الكتاب! وأهل الكتاب أقرب إلينا من المشركين! وهذا ما أكدته الجذور الفكرية لمناهج التعليم». والجواب: أن نقده هذا لم يخرج عن طريقته السابقة في إيراده نقلًا من (مقررات التوحيد)، ثم يزعم أن المراد به كذا وكذا، ثم يَبني نقده على هذا المراد المزعوم، وهذا

стр. 99

إنما يدل على عجزه عن النقد العلمي لمقررات التوحيد، وعلى سلامتها مما يلصقه بها من أخطاء وانحرافات، وهذا الأسلوب الذي يتبعه يدل على سذاجته، وإلا فكيف لعاقلٍ يعي ما يقول يخاطب الناس بمثل هذا الكلام ويظن أنه سيقبل منه؟ وأما دعواه أن بعض صور الشرك من دعاء غير الله، والاستشفاع بالأموات من المحرمات أو المكروهات أو المباحات: فهذا من فرط جهله بأصول الدين التي لا يجهلها أكثر المسلمين. وقد تقدم الرد عليه في ذلك بذكر الأدلة على أن دعاء غير الله والاستشفاع بالأموات وطلب الحاجات منهم من الشرك الأكبر، فلا حاجة لإعادته هنا (١). وأهل السنة مع اعتقادهم أن صرف نوعٍ من أنواع العبادة للمخلوقين من الشرك الأكبر المخرج من الملة، إلا أنهم لا يكفرون كل مَنْ فعل ذلك مِنَ المعينين إذا كان جاهلًا أو متأولًا حتى تقوم عليه الحجة بذلك، وتنتفي الموانع في حقه (٢). وهذا بِخلاف ما ظنه هذا الجاهل من أن كل ما قال فيه العلماء: (إنه كفر أو شرك) أن ذلك يستلزم تكفير مَنْ قام به مِنَ المعينين. وأما دعواه أن مما أكدته المناهج (أن خريطة العالم الإسلامي إنما هي خريطة المشركين): فأين النقل الذي يدل على هذا من المناهج فليأت به إن كان صادقًا: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤]. وقد سبق الرد عليه في هذا الفرية بتوسع، وذكر نماذج كثيرة من واقع معاملة

стр. 100

المسلمين في هذه البلاد من حكام وعلماء لإخوانهم في البلاد الأخرى، وما بينهم وبين إخوانهم من ود وتواصلٍ وتعاونٍ على الخير مما لا ينكره إلا مكابر، فليراجع في موضعه من البحث (١). قال (ص ٢١): «في المقرر (ص ١٤) عنوان: (لا تَجوز موالاة مَنْ حَاد الله ورسوله)، ولو كان أقرب قريبٍ. يظن بعض السذج أن المراد بهؤلاء المحادين لله والرسول هم: (الكفار الأصليون)؛ بل المحاربون منهم خاصة، ولا يعرفون أن المراد به (خصوم الدعوة السلفية) من أتباع المذاهب الأربعة … ». وجوابه: أن هذا أيضًا نقد على ما يدعيه من أنه المراد من السياق هو ما ذهب إليه، وهو مع هذا لا يورد أي دليل يدل على هذا الفهم، لا من اللفظ، أو السياق الذي أورده، ولا من موطن آخر يفسره من (المقرر) حتى تُسَلم له هذه الدعوى. وهل يمكن لعاقلٍ أن يفهم من عبارة: (لا تَجوز موالاة مَنْ حاد الله ورسوله)، أن المراد بذلك خصوم الدعوة السلفية، وأن الكفار الأصليين لا يدخلون في عموم: من حَاد الله ورسوله. ثم إذا كان المالكي يدعي أن مَنْ فهم مِنْ هذه العبارة (أن المراد بها الكفار، فهو ساذج)، فماذا يقول في معنَى قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].

стр. 101

هل يقول إن المقصود ب: (المحادين لله ورسوله) هم خصوم الدعوة السلفية من أتباع المذاهب الأربعة، فيكون في القرآن تكفير للمسلمين؟! وليعلم القارئ أن مسلك المالكي في تفسير كلام العلماء بهذه الطريقة مسلك موروث قد ورثه عن أسلافه الباطنية الذين يجعلون للنصوص ظاهرًا وباطنًا، ويزعمون أن الظاهر هو الذي يفهمه السذج والبله من الخطاب، وأما الباطن فهو الذي يعرفه الأذكياء عن طريق رموز وإشارات خفية إلى حقائق معينة. يقول أبو حامد الغزالي المتوفى سنة (٥٠٥ هـ) في كتابه: «فضائح الباطنية»: «أما الباطنية فإنما لقبوا بها لدعواهم أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجري في الظواهر مجرى اللب من القشر، وأنها بصورها توهم عند الجهال الأغبياء صورًا جلية، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معينة» (١). نقده لباقي مقررات التوحيد، ومنهجه الفاسد في ذلك: نقد الكاتب لمقررات التوحيد الأخرى لم يخرج عن طريقته السابقة التي لم يسبقه إليها أحد من العقلاء مهما بلغ به الضلال، سوى ما عرف من مذهب الباطنية الفاسد. وقد سود أوراقًا كثيرة يزعم فيها انتقاد مقررات التوحيد بإيراده نماذج من النقول من المقررات، ثم يفسرها بتفسيرات متكلفة باطلة بعيدة عن مدلولها الصحيح، ثم يبني نقده على هذا التفسير.

стр. 102

وإن من ضياع الوقت متابعة مثل هذا الهراء للرد عليه، وإنما أذكر نماذج من كلامه في نقد المقررات ليعلم حقيقة هذا النقد، وحال الناقد، وما هو عليه من كذبٍ وتلبيسٍ فيما يظهره من النقد والتصحيح لمقررات التوحيد. فمما ذكره في نقده لمقرر التوحيد للصف الخامس (الفصل الثاني): قوله (ص ٢٢): «عقد المقرر (ص ٢٦) موضوعًا بعنوان (الهجرة)، وعرفها بأنها: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام». ثم قال: «ولا يعرف الإخوة التربويون أن المراد هنا ليس الهجرة من أوربا أو الصين إلى العالم الإسلامي، وإنما المراد الهجرة من العراق، والشام، ومصر، واليمن، والحجاز، والأحساء وغيرها». ويقول في (ص ٢٣): «ذكر المقرر (ص ٢٦) أن شرك الطاعة هو: (طاعة العلماء والعباد في معصية الله)، والعلماء عندهم علماء المذاهب الأربعة». ويقول (ص ٢٤): «ذكر المقرر أن هناك خمسة أنواع من الكفر تخرج من الملة، وهي: كفر التكذيب، وكفر الإباء، وكفر الشك، وكفر الإعراض، وكفر النفاق، والمراد بكفر التكذيب في القرآن: تكذيب الأنبياء وجحد النبوة، لكنه عند علماء الدعوة يمتد إلى: (تكذيب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلماء الدعوة). كما أن كفر الإباء عندهم هو: (الامتناع عن الاستجابة لدعوتهم). وكفر الشك عندهم هو: (الشك فيما يدعون إليه). وكفر الإعراض هو: (الإعراض عما أتوا به). وكفر النفاق هو: (اتباعهم ثم التنكر لما أتوا به)».

стр. 103

وقال (ص ٢٤): «ثم ذكر المقرر (ص ٣٦) أنواع النفاق الاعتقادي، وذكر أنها ستة أنواع … ». قال: «ولا يعرف التربويون أن هذه كلها يراد بها المسلمون وليس المنافقين». وفي نقده لمقرر الصف السادس الفصل الثاني: يقول (ص ٢٥): «الدرس الأول (ص ١٠): ذكر المقرر نواقض الإسلام العشرة … ». ثم قال: وأقول: وهذه كلها يظن الطالب المسكين والمبتدئ والتربوي الطيب أن المراد بها الكفار الأصليون، بينما لا يراد بها إلا تكفير المسلمين من أتباع المذاهب الأربعة والفرق الإسلامية». وفي نقده لمقررات التوحيد في المرحلة المتوسطة: يقول (ص ٢٩): «ذكر المقرر (ص ١٤): أن الشفاعة لا تكون لِمَنْ أشرك بالله، وإنما تكون لأهل التوحيد الإخلاص». قال: «وهذا في حقيقة الأمر تحريم استفادة غير الوهابية من شفاعة النبي ﷺ ، وتحريم دخول الجنة عليهم». وفي نقد مقرر التوحيد للصف الأول الثانوي: يقول (ص ٣٣): «أورد المقرر (ص ٨٢) فصلًا عن (الولاء والبراء)، وعليه عدة ملحوظات من أبرزها: أن المشركين الذين تكرر التحذير منهم في هذا الفصل يراد بهم المسلمون سوى الوهابية والحنابلة، وهذا من الدس الخفي الذي انطلى على وزارة المعارف والتربويين».

стр. 104

يقول (ص ٣٤): «ذكر المقرر (٩٣) (الهجرة من بلاد الكفار)، والمقصود بالكفار هنا المسلمون للأسف». وفي نقده لمقرر الصف الثاني الثانوي (شرعي): يقول (ص ٣٥): «أعاد المقرر (ص ١٣) نواقض الإيمان، وهي نفسها نواقض شهادة أن لا إله إلا الله التي ذكرها من قبل في مقرر الصف الخامس، وأضاف ناقضين، وبقية النواقض العشرة بل كل النواقض المراد بها في الأصل (أعني: في أصل كتابات الدعوة السلفية) هي تكفير المسلمين». وفي نقده مقرر التوحيد للصف الثالث الثانوي: يقول (ص ٣٦): «عقد المقرر فصلًا (ص ١٧) بعنوان: (نقض شبهات المشركين التي يتعلقون بها في تبرير شركهم)، ومن خلال الكلام يتبين أن المراد بهؤلاء المشركين هم المسلمون. وكذلك عقد المقرر فصلًا (ص ٢٠) عن (الكفر وأنواعه)، ويريد به أيضًا تكفير المسلمين. ثم عقد فصلًا (ص ٢٣) عن (النفاق وأنواعه)، ويراد به اتهام المسلمين أيضًا بالنفاق الاعتقادي المخرج من الملة. ثم ذكر المقرر في الفصل السادس (ص ٢٦) عن الجاهلية، والمراد بها أيضًا تكفير المسلمين، وأنهم كانوا في جاهلية قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب». إلى أن قال: «ثم عقد المقرر فصلًا (ص ٢٧) بعنوان: (الفسق)، ويراد به المسلمون أيضًا، ثم فصلًا بعده (ص ٣٠) بعنوان: (الضلال)، ويراد به المسلمون،

стр. 105

ثم فصلًا بعده (ص ٣١) عن (الردة)، والمراد بها ردة المسلمين». بهذه الطريقة ينتقد هذا المتجني مقررات التوحيد، وليست هذه النماذج المذكورة إلا أمثلة لما سود به أوراقًا كثيرة فيما ادعاه أنه نقد علمي لمقررات التوحيد. ولابد هنا من التنبيه على عدة أمور: الأول: أن هذه الطريقة التي سلكها في نقد مقررات التوحيد من أكبر الأدلة على سلامتها مما ألصقه بها من مخالفاتٍ، وغلو، وتكفير للمسلمين؛ وذلك أنه مع كثرة تنقيبه واستعراضه لكل مقررات التوحيد وبحثه عن الأخطاء ما استطاع أن يورد مثالًا واحدًا صريحًا يدل على صحة دعواه، وإنما لجأ إلى هذه الطريقة في ذكره مواطن من مقررات التوحيد، ثم يدعي أن المراد بها كذا، مع اتهامه لكل الناس بالغفلة وعدم الفطنة للمدلول الذي ذهب إليه، فيا لله العجب من جرأة هذا الرجل وقلة حيائه!! الأمر الثاني: أنه من الملاحظ على كل الأمثلة السابقة وغيرها مما جاء في كتابه من النقد بهذه الصورة: أنه لا يستند في تفسيره للنقول التي ينتقدها إلى أي دليلٍ سوى مجرد الدعوى، فما وجه تفسيره لكلمة (الكفر) عند ورودها في المقرر بأن المراد بها (تكفير المسلمين)؟ أو أن الذي يراد ب: (المشركين) هم (المسلمون؟) وكذا تفسيره للنفاق والضلال والفسق على أن المراد بها أهل الإسلام. ولهذا فتفسيره هذا أشبه ما يكون بتفسير الباطنية لنصوص الشرع، الذين يفسرون الألفاظ الشرعية بما شاءوا من المعاني، من غير أن يستندوا لدليلٍ لغويٍ أو شرعي فيما ذهبوا إليه؛ حتى إن من تفسيراتهم وتأويلاتهم أن المراد (بالطهور) في

стр. 106

الشرع هو: التبري والتنظف من اعتقاد كل مذهبٍ سوى مبايعة الإمام. (والصيام) هو: الإمساك عن كشف السر. (والكعبة) هي: النبي. (والباب): علي. (والصفا) هو: النبِي. (والمروة): علي. (والتلبية): إجابة الداعي. (والطواف بالبيت سبعًا) هو: الطواف بِمحمد إلى تمام الأئمة السبعة، إلى غير ذلك من تأويلاتهم الشاذة الباطلة على ما حكاه عنهم أبو حامد الغزالي في كتاب: «فضائح الباطنية» (١). وبهذا يعلم صلة هذا الرجل بمذهب الباطنية الباطل، كما هو ظاهر من هذا المسلك وفي مواطن أخرى من كلامه. الأمر الثالث: أنه بطريقته هذه جمع بين الطعن في العلماء في هذه البلاد، والطعن في التربويين والمدرسين؛ وذلك باتهامه العلماء بدس الأفكار الباطلة والعقائد المنحرفة في مقررات التوحيد، واتهامه التربويين بالسذاجة والغفلة؛ حيث لم يتفطنوا لهذا الدس والمكر كما صرح بذلك أكثر من مرة. فالناس عنده ما بين عالمٍ ماكرٍ، أو تربوي ساذجٍ، ولم ينج من هذه التهمة بزعمه إلا هو؛ حيث تنبه لمكر العلماء وترفع عن سذاجة التربويين.

стр. 107

وبحسب العاقل عبرة وموعظة النظر في حال هذا الرجل وما انتهى إليه من سفه في الرأي، وضعفٍ في النقل، ومَن عوفِي فليحمد الله. الأمر الرابع: مخالفة الكاتب لما دعا إليه في مقدمة كتابه في قوله: (ص ٢٠): «يجب على الجميع ترك سوء الظن بِمَنْ نقد مقررات التوحيد»، فليتأمل المنصف بُعدَ ما جاء في وصيته لغيره وعما يعامل به الناس في نفسه. فهو مع تحريفه للكلام البين الواضح بما لا تدل عليه لغة ولا شرع ولا عقل يطالب بحسن الظن به. وأما العلماء -بل كل أئمة أهل السنة قديمًا وحديثًا- فيسهل عليه أن يلصق بهم كل تهمةٍ باطلةٍ، وإن لم يأت من كلامهم ما يوجب ذلك، إلا تمحلات كاذبة يعترف بشذوذه في فهمها دون سائر التربويين المتخصصين في سائر فنون العلوم، فهذا منتهى العُجب والغرور بالنفس وغاية ما يُتَصَور في سوء الظن بالناس. طعن الكاتب في العلماء المعاصرين ورميه لهم بالغلو: قال الكاتب (ص ٤١) تحت عنوان: (الجذور الفكرية للمناهج التعليمية): «الجذر الأول: العلماء المعاصرون. وهم مع فضلهم وعبادتهم وإخلاصهم وحرصهم على حماية النشء وحماية الأمة من الأخطار … إلخ، إلا أنهم مقلدون لعلماء الدعوة في التكفير، وبعيدون عن الناحية التربوية، وهم يراقبون كل تطور في المناهج ويحرصون على أن تكون تحت رضاهم … ». إلى أن قال: «وعلماؤنا في المملكة هم جزء من المجتمع، وهم عائق كبير من

стр. 108

عوائق تطوير المناهج، والغريب أننا ننسى أنه كانت لهم مواقف سلبية من التعليم بشكلٍ عامٍّ، فلماذا تم تجاوزها ولم يتم تجاوز تحفظاتهم في مسألة تطوير المناهج؟». وجوابه: أنه اعترف بفضلهم، وعبادتهم، وإخلاصهم، وقوله بعد ذلك: «يراقبون كل تطور في المناهج، ويحرصون على أن تكون تحت رضاهم». هذا يتنافى مع ما وصفهم به من فضلٍ وإخلاصٍ؛ فالمخلص يطلب رضا الله لا حظوظ نفسه ورضاها، فهذا تناقض منه. وإذا كان الناس في هذه البلاد، بل في سائر بلاد المسلمين مطبقين على فضل علماء هذه البلاد وهم محل ثقتهم، ولا يشكون في إخلاصهم وورعهم وزهدهم، وذلك من خلال ما عرفوه من سيرهم وسبر أحوالهم: تبين كذب دعواه فيما رماهم به من هذه التهمة الباطلة. وأما دعواه أن علماء هذه البلاد مقلدون لعلماء الدعوة في التكفير، فتهمة مركبة من فريتين: الأولى: رميه للعلماء المعاصرين بالتقليد، وهذا كذب عليهم؛ فهم في الحقيقة أئمة كبار متبعون للأدلة من الكتاب والسنة، بعيدون كل البعد عن الجمود والتقليد المذموم، وهذه كتبهم وفتاواهم مليئة بالتحقيقات العلمية المبنية على الأدلة، ومن ذلك براعتهم في استنباط كثيرٍ من الأحكام من الأدلة لبعض النوازل والمستجدات التي لم تكن معروفة في عصور ماضية. على أن التقليد ليس كله مذمومًا؛ بل هو جائز بل مطلوب أحيانًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، والأنبياء: ٧].

стр. 109

والتقليد يجوز في حق العامي العاجز عن الاجتهاد مطلقًا، وفي حق العالم فيما يعجز عن الاجتهاد فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحدٍ ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحدٍ ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز على القادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد، فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد، إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليلٍ له؛ فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء» (١). أما الفرية الثانية: فهي رميه لعلماء الدعوة بالتكفير، وهذا من أفضح الكذب وأشنعه، ومن قرأ كتبهم واطلع على أقوالهم وفتاواهم علم كذب الكاتب في هذا، لكن هذا الضال يرى أن ارتكاب أنواع الشرك الأكبر، وإنكار صفات الله وغيرها من المكفرات لا يخرج الرجل من الدين، ويرى أن مَنْ حكم بكونها مكفرات ولو كان حكمًا مطلقًا لا يتنَزل على أحدٍ بعينه فقد كفر المسلمين وأخرجهم من الملة بالباطل. وقد تقدم الرد عليه في طعنه في أئمة الدعوة بالتكفير بإيراد أقوالهم الداحضة

стр. 110

لهذه الفرية، بما يغني عن إعادته هنا (١). اتهامه للعلماء المعاصرين بالغلو في أحكام تخص التعليم: قال (ص ٤٢) تحت عنوان: (من نماذج الغلو: غلو العلماء المعاصرين في الأحكام ما يخص التعليم): «سأذكر النماذج دون الإشارة إلى أسماء قائليها؛ منعًا للإحراج؛ ولأن الهدف نقد الفكرة وليس نقد الأشخاص». ومما ذكره قوله: «وفي فتاواهم التحريم والنهي عن كل العلوم غير الشرعية كالرسوم، والأشغال، والرياضة، والألعاب، والحقوق، والطبيعة، والتصوير … ». وقال: «وحرموا لعب الكرة للطلاب وغيرهم، وأنها سرت إلى المسلمين من الغرب، فلم تكن على عهد الخلفاء الراشدين، ولا ملوك المسلمين». وقال: «وبالغوا في تحريم الدخان حتى أبلغوه لدرجة الخمر، وأنه مسكر كالخمر». إلى غير ذلك مما ذكره من نماذج من هذا القبيل. وجوابه من عدة وجوه: الوجه الأول: نسبته هذه الأقوال التي ذكرها للعلماء المعاصرين من حيث العموم كقوله: (بالغوا)، و (أفتوا)، و (حرموا)، لا شك أنه من أعظم التلبيس والكذب على العلماء؛ فهذه الأقوال إن صحت نسبتها لبعض مَنْ نقلها عنهم، فهي في الحقيقة لا تمثل إلا آراء قائليها، فكيف يلزم بها عامة العلماء.
следующие страницы →